فرنسا تستبعد مواجهة عسكرية مباشرة مع تركيا في المتوسط

فرنسا تستبعد مواجهة عسكرية مباشرة مع تركيا في المتوسط

ماكرون: استقرار ليبيا أساسي لأمن أوروبا ومنطقة الساحل
الأربعاء - 24 ذو القعدة 1441 هـ - 15 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15205]
الرئيس ماكرون شدد في كلمته بمناسبة العيد الوطني أمس على «التحديات» التي تواجهها فرنسا ومنها زعزعة استقرار ليبيا (أ.ب)
باريس: ميشال أبو نجم

فيما دخل النزاع في ليبيا منعطفا جديدا مع الدعوة المفتوحة، التي وجهها برلمان طبرق لمصر من أجل التدخل المباشر في الحرب الدائرة هناك «لحماية الأمن القومي الليبي والمصري، في حال وجود تهديد له»، التزمت باريس، رغم الخلافات العديدة التي تتواجه فيها مع أنقرة، موقفا حذرا، مستبعدة أي مواجهة مسلحة مباشرة بين قواتها والقوات التركية. وجاء هذا التأكيد على لسان رئيس أركان القوات الفرنسية المسلحة، الجنرال فرنسوا لوكوانتر، في حديث صدر أمس في صحيفة «لوموند» المستقلة. وقال لوكوانتر إن «مخاطر الانزلاق (إلى مواجهة) مع الأتراك غير موجودة. لكن يوجد هناك بكل وضوح تصعيد سببه الخلافات العديدة» بين الطرفين، مركزا على الاحتكاك البحري الذي حدث بين قطع تركية والفرقاطة الفرنسية «لو كوربيه» في 10 من يونيو (حزيران) الماضي، والذي كاد يفضي إلى مواجهة.

وأضاف لوكوانتر موضحا أن باريس «تدفع باتجاه موقف أكثر تشددا إزاء تركيا»، واستشرف «ردا تركيا مؤكدا على ذلك»، لكن من غير إعطاء تفاصيل بشأنه.

وكشف المسؤول العسكري الفرنسي عن جانب مما تسعى إليه بلاده، وهو من جهة «وضع أعضاء الحلف الأطلسي أمام مسؤولياتهم» في الرد على تركيا. ومن جهة ثانية «دفع الأوروبيين لتكوين جبهة موحدة» لدفع الحلف لموقف «لا غموض فيه»، وأيضا «إفهام الأتراك» حزم الجانب الأوروبي ودفع «أنقرة» لاستخلاص النتائج.

وخلال الساعات القليلة الماضية، كان الملف الليبي - التركي - المتوسطي الشغل الشاغل لكبار المسؤولين الفرنسيين، بدءا بالرئيس إيمانويل ماكرون، وصولا إلى وزيري الخارجية والدفاع وانتهاء برئيس الأركان، حيث شدد الأول في كلمته إلى القوات المسلحة بمناسبة العيد الوطني على «التحديات» الجيوسياسية التي تواجهها فرنسا وبلدان الاتحاد الأوروبي في المتوسط، ومنها زعزعة استقرار ليبيا، والهجرة والتهريب والوصول إلى الموارد الطبيعية.

وبالنظر لدخول «قوى جديدة» إلى اللعبة المتوسطية، في إشارة واضحة لتركيا وروسيا، رأى ماكرون ضرورة أن «تعيد أوروبا تحديد دورها ومكانتها هناك، دون سذاجة أو تهادن، إذ لا يمكننا القبول بأن تبني قوى أخرى مستقبلنا».

وبخصوص ليبيا تحديدا، اعتبر ماكرون أن «استقرارها أساسي لأمن أوروبا ومنطقة الساحل»، ورأى أن الحل يمر عبر «الاستئناف الفوري للمفاوضات ولحوار سياسي، بغية التوصّل إلى وقف لإطلاق النار». وقال إنه «يجب وضع حدّ لتدفّق كميّات هائلة من الأسلحة والمرتزقة إلى هذا البلد».

من جانبها، دعت فلورانس بارلي، وزيرة الدفاع الفرنسية، في حديث صحافي لإذاعة «فرنس إنفو» الإخبارية «القوى الأجنبية» إلى الامتناع عن التدخل في النزاع الليبي وجعله أكثر تعقيدا، وجددت التذكير بأهمية ليبيا واستقرارها بالنسبة لفرنسا وأوروبا. كما هاجمت بارلي السياسة التركية فيها وفي مياه المتوسط، ودعت للحوار وتغليب الحل السياسي، باعتبار أن «الحل العسكري غير ممكن».

وحقيقة الأمر فإن الموقف الفرنسي لم يعد بحاجة إلى توضيح أكثر. لكن الملموس أن جهود الأوساط الفرنسية، الساعية لتشكيل جبهة أطلسية وأوروبية للضغط على ليبيا، لم تتقدم كثيرا حتى اليوم. فمن جهة الاتحاد الأوروبي، ثمة وعي لكون سياسات تركيا الأحادية «تتعارض مع المصالح الأوروبية» وفق ما قاله وزير خارجية الاتحاد عقب اجتماع نظرائه الأوروبيين في بروكسل أول من أمس، والذي أكد أن هناك «دعما كبيرا لإعداد التدابير الملائمة للرد على تحديات تركيا». إلا أنه في الوقت عينه، اعترف بـ«صعوبة التوصل إلى موقف أوروبي مشترك» لجهة الخيارات والإجراءات، التي يتعين على الاتحاد اتخاذها من أجل دفع تركيا لتغيير أدائها في ليبيا وفي مياه المتوسط الشرقي. ويبدو بوضوح وجود انقسامات أوروبية عميقة بهذا الخصوص، مردها بالدرجة الأولى، بحسب مصادر دبلوماسية في باريس، «الخوف من ردة فعل تركية شبيهة بما فعلته أنقرة نهاية فبراير (شباط) الماضي» عندما أرسلت آلاف النازحين واللاجئين على أراضيها إلى الحدود التركية - اليونانية للضغط على أوروبا وابتزازها. يضاف إلى ذلك أن دولا أوروبية لا تريد إغضاب واشنطن، التي يبدو أنها تغض الطرف عن الأنشطة التركية، والتي ترى أنها مفيدة لجبه تنامي الحضور الروسي في ليبيا وفي المتوسط. وثالثا، لا تريد البلدان الأوروبية القطيعة مع شريك تعتبره «أساسيا داخل الحلف الأطلسي».

أما على الجبهة الأطلسية، فإن إعلان باريس تجميد مشاركتها في عملية «سي غارديان» البحرية الأطلسية في المتوسط، بانتظار أن تتحقق شروط طرحتها «تأكيد الالتزام بحظر السلاح إلى ليبيا، والتزام أنقرة بالأصول في التعامل، وعدم استخدام الإحداثيات الأطلسية في مهمات غير أطلسية»، لم يحدث الهزة التي كانت تتوقعها فرنسا. فمن جهة، تواصلت «سي غارديان»، ومن جهة ثانية لم يستجب التحقيق الذي طلبته باريس في الحادثة البحرية لتطلعاتها، لأنه لم يتضمن انتقادا لتركيا. ورغم ذلك، ما زالت باريس تسعى لتوسيع الجبهة المناهضة للحضور التركي في ليبيا، بالتشديد على أن التهديد المترتب عليه يتناول مصالح أوروبا ككل، واستقرار المتوسط.


ليبيا أخبار ليبيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة