شعراء الأوزان الخليلية يعودون إلى الواجهة

هل هي «ردة» عن الحداثة أم «استرداد» لدور مغيَّب؟

شعراء الأوزان الخليلية يعودون إلى الواجهة
TT

شعراء الأوزان الخليلية يعودون إلى الواجهة

شعراء الأوزان الخليلية يعودون إلى الواجهة

لطالما كان الشعر فناً ملتبساً مثيراً للجدل عصياً على التعريف. ولأنه كذلك، فقد انبنت حوله -وما تزال- عشرات المذاهب والمدارس والمقاربات المختلفة التي تناولته بالدراسة والتأويل والتحليل النقدي. لكن تلك المقاربات، على وجاهتها، لم تكن لتظفر منه إلا ببعض وجوهه وتمظهراته وأنساقه التعبيرية، دون أن يقبض أي منها على ناصيته وجوهره ومعدنه المشع. ولعل ذلك ما يفسر الازدهار المؤقت للمدارس الشعرية والنقدية التي ولدت على ضفافه، بدءاً من الكلاسيكية والرومانسية والواقعية، وصولاً إلى الرمزية والسوريالية، ومن ثم تراجعها وخفوتها بعد حين من الزمن، ليظل الشعر وحده دائم التوهج مغضياً على طبيعته الملغزة. إن من الظلم وقصر النظر، تبعاً لذلك، أن نحدد للشعر أطراً محددة وقوالب جاهزة، أو أن نحكم عليه من خلال أشكاله وأوزانه، دون النفاذ إلى ما يتجاوز ذلك من قوة التخييل وعمق الرؤية وسعة الكشف، وهو ما حاول بعضهم أن يفعلوه على امتداد قرون من الزمن. ولأن الشعر الحقيقي أبعد من شكله وأوزانه وألفاظه المفردة، فقد آلت محاولات طمسه وتهميشه إلى نسيان محقق، فيما ظلت نصوصه الأكثر علواً تلمع كالبروق الخاطفة في الظلام الدامس لليل العالم.
ولما كان الشعر ينبع من المكان نفسه الذي تنبع منه الحرية، فإن أي محاولة لتقييده وتدجينه ووضعه في شكل نهائي لن يكتب لها النجاح. فالأشكال الشعرية لا تخضع لمنطق الآيات التي ينسخ بعضها بعضاً، ولا لمنطق الآيديولوجيا الوثوقية التي تفرض رؤيتها بشكل أحادي على البشر، كما على التاريخ. وما الفرق في هذه الحالة بين الذين يذهبون جازمين إلى القول إن هذا النمط الأسلوبي أو ذاك هو مسك ختام الشعر ومآله النهائي الوحيد، وبين تأكيد العقيدة الماركسية أن العصر الشيوعي هو وحده الذي يرث العصور كلها، أو ذهاب فوكوياما إلى القول -على العكس من ذلك- إن الرأسمالية في طورها الحالي هي التي تشكل نهاية التاريخ؟ ثم ما الفرق -تبعاً لذلك- بين المتعصبين لقصيدة النثر والمتعصبين لقصيدة التفعيلة أو لأوزان الخليل، ما دام الجميع يدخل في منطق التحزب، والإصرار على امتلاك الحقيقة الإبداعية، ونبذ الآخر المختلف؟

الحداثة والوزن
ليست قصيدة النثر من هذه الزاوية سوى خيار إضافي ونمط جديد يضاف إلى خيارات الشعر العربي وأساليبه. وإذا كان من حق كتابها أن يجدوا مواطئ لأقلامهم ومخيلاتهم على أرض الشعر، فليس من حق بعضهم أن يتنكر لكل الخيارات الأخرى، لأنه يبدو بذلك وكأنه يقع في الخطأ ذاته الذي نهى الآخرين عن ارتكابه، فاستبدل نمطاً أحادياً بنمط مشابه، ويقيناً موزوناً بيقين غير موزون. وإذا كان أحد من كتاب قصيدة النثر لا يشك بدور أنسي الحاج الريادي في كتابتها، والدعوة إليها، فإن كثيرين من هؤلاء يتجاهلون، عن عمد أو غير عمد، قول صاحب «لن»، في حوار معه نشرته مجلة «الآداب» في مطلع الألفية الثالثة: «لعله من المفيد القول إني لم أرد لقصيدة النثر أن تحل محل الأوزان المعروفة؛ فقط أردت لها أن تأخذ مكانها إلى جانب الأشكال الأخرى للتعبير. ومع ذلك، فقد ووجهت وأصدقاء لي بأسوأ مما ووجه به المجددون العرب في العصور القديمة، لا لشيء إلا لأنني أضفت نوعاً جديداً إلى الشعر العربي».
وللمفارقة، فإن أدونيس يتبنى رأياً مماثلاً لرأي أنسي، في حوار آخر نشرته المجلة في العدد ذاته، إذ يقول: «إن قصيدة النثر، كما تبنيناها، لم تكن ضداً لقصيدة الوزن، ولم تكن إلغاءً أو نفياً لها، وإنما كانت تجريباً جديداً في حقل اللغة، إلى جانب الوزن. والدليل هو أنني، فيما كنا ننشر نصوصاً نثرية، كنت أعد كتابي (ديوان الشعر العربي)، وكنا ننشر مختارات منه في المجلة».
وما يؤكد هذين الرأيين أن «شعر»، رغم حماسها المفرط لحركة التجديد، لم تربط الحداثة بالوزن أو عدمه، بل باللغة المغايرة والمغامرة التعبيرية والرؤيوية، وهي التي فتحت صفحاتها لقصائد بدوي الجبل وعمر أبو ريشة وأحمد الصافي النجفي، وغيرهم من شعراء الوزن الخليلي في عصور العرب المختلفة. أما مجلة «الآداب»، فغني عن القول أن حماسها لقصيدة الشعر الحر لم يمنعها من إفراد مساحات واسعة للقصيدة الخليلية، خاصة أن الفروق الإيقاعية بين المدرستين تنحصر في طبيعة التشكيل الموسيقي المعتمد لبناء القصيدة، لا في اعتماد الأوزان بحد ذاتها.
ولو كان الصراع بين القديم والجديد يقتصر على الأشكال وحدها، لما كان لأبي تمام أن يتهم بالخروج على «عمود الشعر العربي»، في حين أنه لم يخرج أبداً على بحور الخليل، وظل ملتزماً بنظام الشطرين. وهو ما ينسحب على شعراء آخرين، من مثل أبي نواس وبشار بن برد وابن الرومي والمتنبي وغيرهم، ممن لم تمنعهم بحور الخليل من خلق علاقات جديدة غير مألوفة بين الدال والمدلول، ومن اختراق مفهوم الاستعارة والمجازات القديم، وابتكار تصور مختلف للوجود واللغة والأشياء. ولو كان وجود الوزن أو انعدامه هما المعياران الأبرز لحداثة النصوص أو قِدمها، فكيف نحكم في هذه الحالة على الشعراء الذين لم تقتصر نصوصهم على نمط إيقاعي واحد، بل توزعت على الأنماط الثلاثة: النثري والتفعيلي والخليلي؟ وهو ما نجده عند كثير من شعراء الحداثة المعاصرين، بل إن أنسي الحاج الذي كان أحد أكثر أبناء جيله نزوعاً إلى التمرد على الشعرية السائدة، لم يتوانَ في أحد حواراته الصحافية عن الإعلان أن عدم كتابته لقصيدة الوزن لم يكن بدافع العداء المسبق لها، بل لجهله التام بالأوزان. ويضيف الحاج بأنه لو امتلك موهبة الوزن، لتغير مسار كتابته بالكامل.
إلا أن كل ما تقدم لم يحل دون التقهقر المتواصل لقصيدة الخليل، في حين كان الشكلان الآخران يحتلان باطراد واجهة المشهد الشعري العربي. ولم يكن الأمر ناجماً عن غياب العمالقة الكبار من شعراء الوزن الخليلي فحسب، بل لأن موجة الحداثة الثانية التي بدأت في ستينيات القرن المنصرم ما لبثت أن تصاعدت وتيرتها في السبعينيات وما بعدها، لتتحول إلى نوع من الحمى الجمعية التي تعصف بالمجتمعات، وتدفعها إلى الهوس الطقوسي بكل ما هو غريب وجديد ومغاير. واللافت في الأمر أن المجلات الأدبية المتخصصة بدت أكثر تساهلاً إزاء قصيدة الخليل من الملاحق الأسبوعية للصحف، أو من صفحاتها الثقافية اليومية، إذ قل أن سمح المسؤولون عن هذه الملاحق والصفحات، إلا فيما ندر، بنشر نصوص عمودية، حتى لو كانت رفيعة المستوى، بدعوى أن هذا النموذج الشعري لم يعد قادراً على التعبير عن روح العصر وأسئلته المعقدة، كما لم يعد يتلاءم مع ذائقة القارئ الجديد المتطلب. ولسنوات قليلة خلت، وعلى الأخص بعد رحيل الكلاسيكيين الكبار، من أمثال الجواهري والبردوني وعمر أبو ريشة وسعيد عقل، بدا أن قصيدة الشطرين تسير إلى انقراض محقق، قبل أن يتغير كل شيء، وينقلب المشهد رأساً على عقب، وتعود إلى الواجهة أرتال لا حصر لها من مبايعي الخليل بن أحمد، والممسكين بناصية الوزن التقليدي. فما الذي حدث على وجه التحديد؟ وهل هو انقلاب غير معلن على الحداثة الشعرية، ومؤشر على فشلها ونكوصها؟

بلبلة وخلط أوراق
لا أعتقد، من جهتي، أن ما يحدث على هذا الصعيد هو من الخطورة بما يكفي لتقويض الحداثة الشعرية العربية، والعودة عما راكمته من إنجازات رائدة خلال العقود السبعة المنصرمة من الزمن. فالحداثة لم تكن وليدة الصدفة المجردة، لتقودها صدفة مماثلة إلى حتفها النهائي، بل هي ثمرة تحولات دراماتيكية عدة على مستويات الاجتماع والفكر ونظام القيم، وهي بالتالي حقيقة واقعة كرسها عشرات المبدعين والشعراء والمفكرين العرب، ورسخ حضورها في الأذهان عدد لا يحصى من الأعمال الإبداعية والدراسات النقدية والبحوث المتخصصة. والتجارب الشعرية الحديثة لم تعد مجرد جملة اعتراضية داخل النص الشعري التقليدي، ولا فصلاً مهمشاً من ديوان العرب، بل باتت جزءاً لا يتجزأ من المتن الشعري، وواقعة في صلبه تماماً. ومع ذلك، فلا سبيل إلى إنكار أن فشل المشروع العربي النهضوي، وهزيمة النخب المثقفة، وتعطيل دورها الريادي، عن طريق الاضطهاد والتهميش أو التدجين، إضافة إلى المآل المأساوي للربيع العربي، واستشراء قوى التكفير والردة الظلامية، ما لبث أن أدى إلى نوع من البلبلة والفوضى، وخلط الأوراق على مستويات الفكر والثقافة والإبداع. والأدل على ذلك هو المستوى الهابط السطحي لمعظم الذين أطلقوا على أنفسهم تسمية شعراء الثورة والانتفاضات الشعبية والميادين المفتوحة، ليتحولوا فيما بعد إلى مهرجين وجباة للأموال. ولا سبيل إلى إنكار -من جهة ثانية- أن أزمة الصحافة المكتوبة، وما رافقها من غياب للصفحات الثقافية اليومية، فضلاً عن احتجاب معظم المجلات والدوريات الثقافية، فتح الباب واسعاً أمام الآلاف من النظامين عديمي الموهبة الذين رأوا في غياب النقد وانكفائه فرصتهم الثمينة للانتشار وإثبات الوجود، والتعويض عما خسروه في السنين الماضية. ثم جاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتزيل بشكل غير مسبوق الفوارق الفاصلة بين الحقيقي والزائف في مجال الإبداع، ولتمنح الأسماء الغفل من المهمشين وذوي المواهب الشحيحة الفرصة الملائمة للانتقام من «الاستعلاء» التاريخي للنخب المثقفة. كما نستطيع أن نضيف إلى كل ذلك دخول بعض الجوائز الشعرية والأدبية التي تُمنح في الغالب لأسباب غير إبداعية، على خط الانتصار للقصيدة العمودية، وإعادتها إلى صدارة المشهد الشعري. وإذا كانت المسابقات الشعرية المتلفزة قد أسهمت في كشف النقاب عن بعض المواهب العالية والاستثنائية على الصعيد الشعري، فإن كثيراً من هؤلاء، وبتأثير من الشهرة المبكرة، فقدوا قدرتهم على التطور، وتحولوا إلى «وجهاء» شعريين، وإلى جوقات متنقلة بين مهرجانات الحماس والتطريب الجماهيري.
ومع ذلك، فإنه من الظلم بمكان أن نضع العائدين على صهوة بحور الخليل في خانة واحدة. فإذا كان بعض النظامين من ذوي الثقافة الضحلة والمواهب البائسة يخوضون من خلال بحور الخليل نوعاً من «حروب الردة» ضد الحداثة المهيمنة، فإن ما يخوضه شعراء آخرون، ممن يرفدون قصيدة الشطرين برؤى مبتكرة وأفق لغوي ودلالي حداثي، ليس حرباً مع الحداثة، بقدر ما هو محاولة مضنية لاسترداد حقهم في الوجود، عبر اختيار الشكل الوحيد الذي يبرعون عن طريقه في التعبير عن مكابداتهم ومكنونات أعماقهم. مع الإشارة إلى أن بعض هؤلاء، ممن لن أذكرهم بالاسم مخافة أن أغفل أحداً منهم، يكتبون قصيدة الشعر الحر بالمستوى نفسه لقصيدة الوزن التقليدي، إن لم يكن بمستوى أفضل وأكثر حيوية وتلقائية.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.