وزير الإعلام

وزير الإعلام

الاثنين - 22 ذو القعدة 1441 هـ - 13 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15203]
د. ياسر عبد العزيز

مع اندلاع الانتفاضات العربية قبل عقد من الزمان، ثار الحديث عن «تحرير الإعلام» في عدد من دول المنطقة؛ وهو حديث تواكب مع «النزعات الثورية» التي رأت في تلك الانتفاضات «مشروعات تغيير جذرية» تأخذنا إلى مضاهاة «دول العالم الحر» من جانب، ومع «نزعات الإصلاح» الوطنية، التي عوض بها بعض البلدان «الشغف بالتحولات الحادة» من جانب آخر.
على أي حال، فقد تراجعت التوقعات في شأن إمكانية إحداث «التغيير الجذري»، بعدما تمخض معظم تلك الانتفاضات، لأسباب ليس هذا مجال ذكرها، عن انهيارات وخسائر وحروب أهلية على أنقاض الدولة الوطنية، كما هدأ الحديث عن «الإصلاح» في ظل تحديات إقليمية ودولية ضخمة وعنيفة.
لكن ما بقي في مجال تنظيم الإعلام من «فورة الانتفاضات» ما زال ماثلاً للعيان، سواء في دول التغيير العربية أو في الدول التي تفادت وقوع التقلبات الحادة، ولسبب غير معروف على وجه اليقين، فإن عدداً من دول المنطقة رأى أن إلغاء وزارة الإعلام واستبدال هيئات تنظيمية مستقلة بها سيكون عنواناً لـ«تحرير» نظمها الإعلامية، وخطوة نحو تأسيس مجال إعلامي حر ومستقل ومتوازن، بما يقابل أهداف التغيير الجوهري أو الإصلاح الناجع.
وعندما استقر هذا المفهوم في أذهان بعض النخب داخل الحكم أو خارجه، وتشبعت به قطاعات من الجمهور المعنيّ بالشؤون العامة، كان من السهل اتخاذ القرارات بإلغاء وزارات الإعلام في أكثر من دولة، وإجراء تغييرات دستورية أو قانونية عميقة استهدفت إنشاء كيانات «مستقلة» للإشراف على صناعة الإعلام وتنظيمها.
لقد انطلقت هذه السياسة، التي لم تشهدها دول الانتفاضات وحدها، من تقييم انطوى على خطأين جوهريين؛ أولهما افتراض أن وزارة الإعلام لا توجد إلا في الدول الاستبدادية، وأنها عنوان لإرادة الهيمنة على المجال الإعلامي ومصادرته لمصلحة السلطة الحاكمة، وثانيهما اعتبار أن إنشاء كيان يوصف بأنه «مستقل» لإدارة هذا المجال يكفي لجلب الاستقلالية للأداء الإعلامي.
سيُدهش البعض حين يعرف أن عدداً كبيراً من الدول المتقدمة لديه وزراء معنيون بالإعلام؛ ومن بين تلك الدول على سبيل المثال المملكة المتحدة والدنمارك والسويد وغيرها، لكنّ هؤلاء الوزراء لا يديرون المشهد الإعلامي، ولا يعيّنون رؤساء تحرير الصحف والقنوات، وإنما يصوغون سياسات الدولة الإعلامية، ويتحدثون باسم الحكومة، ويمثلون دولهم في المحافل ذات الصلة. وبموازاة ذلك، لن يدهش كثيرون حين نشير إلى أن معظم الكيانات «المستقلة» التي تم إنشاؤها في العالم العربي لإدارة المجال الإعلامي ما زالت غير مستقلة وغير قادرة على النهوض بأدوارها المفترضة، سواء كما تظهر في الدساتير، أو كما نعاين أداء مثيلاتها في الدول المتقدمة.
تعرف التجربة الإعلامية الغربية نمط الهيئات الضابطة، التي تنشأ بصورة مستقلة عن الحكومات عادةً، وتضمن تمويلاً لا يمس بالاستقلالية، وتقوم بأدوار إدارة المجال الإعلامي وتحمي حقوق الأطراف المعنية، عبر إبقاء الأداء الإعلامي ضمن التوافقات المجتمعية وبعيداً عن إثارة المخاطر والفتن من جهة، والحفاظ على حرية التعبير وحرية وسائل الإعلام كضمانة للمجتمع الديمقراطي من جهة أخرى.
ومن تلك الهيئات مكتب الاتصالات بالمملكة المتحدة Office for Communications (Of COM)، واللجنة الفيدرالية للاتصالات بالولايات المتحدة (FCC) Federal Communications Commission، والمجلس الأعلى للإعلام المرئي والمسموع بفرنسا Le Conseil Supérieur de l›audiovisuel (CSA).
تقوم تلك الهيئات بأدوارها، وتحقق الهدف من إنشائها، لأنها تقع ضمن سياق سياسي واجتماعي واقتصادي عام يسمح لها بتنظيم صناعة الإعلام على أسس التعدد والتنوع والحرية والمهنية والاستقلالية؛ وهي، وعبر طبيعة تشكيلها المتوازن والمدروس، تمتلك القدرة على النهوض بدورها بأقل قابلية ممكنة لتلقي الضغوط.
مشكلة معظم الدول العربية لا تتعلق بوجود وزير إعلام من عدمه، أو بوجود هيئة مستقلة تضبط صناعة الإعلام من عدمه، ولكنها تتعلق بوجود سياق عام يسمح بتوازن المصالح، والتعدد، ويقبل بدور الإعلام المهني في مساءلة السلطة، ويحترم حرية الرأي والتعبير.
بسبب غياب هذا السياق، أو تشوشه، نعين وزراء إعلام ثم نلغي الوزارة ثم نعود عن إلغائها، ونشكّل هيئات ضابطة ثم نعيد تشكيلها، بينما الصحف والشاشات لا تتغير.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة