محمد بعاصيري.. لغز القطاع المالي اللبناني انضم إلى «المرشحين لرئاسة الحكومة»

محمد بعاصيري.. لغز القطاع المالي اللبناني انضم إلى «المرشحين لرئاسة الحكومة»

يعتز بتواصله مع الخليجيين... وعلاقته بالأميركيين «مؤسساتية»
السبت - 20 ذو القعدة 1441 هـ - 11 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15201]
بيروت: علي زين الدين

تحول محمد بعاصيري فجأة إلى «لغز» مالي في لبنان تضج به اجتماعات السياسيين وصالوناتهم واتصالاتهم. وبدينامية لافتة وسريعة، جرى ضم اسمه إلى نادي المرشحين الأقوياء لرئاسة الحكومة اللبنانية المقبلة، مسبوقاً بتعميم «معلومة» تتضمن الإشارة الصريحة التي أبلغتها السفيرة الأميركية في بيروت، دوروثي شيا، إلى مرجع أمني كبير، بأهمية إعادة تعيينه نائباً لحاكم مصرف لبنان مختصرة برمزية «لا بعاصيري.. لا دعم مالي» (No Baasiri, No Money).

ورغم شيوع المعلومة الخاصة بالسفارة الأميركية بعد تأكيدها من مصادر كثيرة، وعدم نفيها من ذوي العلاقة المباشرة، يتوخّى بعاصيري الدقّة المطلقة في التعليق قائلاً: «سمعت المعلومة من مصادر إعلامية ولست معنياً بنفيها أو تأكيدها».

لا ينكر المصرفي ورجل الأعمال اللبناني محمد بعاصيري سعيه للتجديد في منصب نائب الحاكم. وهذا منصب سبق له أن شغله لولايتين متتاليتين (2009 - 2019)، وكان يشرف شخصياً على عدد من مديريات المصرف المركزي، فضلاً عن عضويته السابقة في الهيئة المصرفية العليا ورئاسته السابقة للجنة التنسيق الوطنية لمكافحة تبييض الأموال.

وفي مسيرته العملية أيضاً، وقبل تعيينه نائباً للحاكم، شغل بعاصيري عدة مناصب مهمة، فترأس لجنة الرقابة على المصارف من يونيو (حزيران) 1990 إلى منتصف عام 2000. ونال تقديراً رسمياً من الحكومة اللبنانية لخدماته في هذا المجال، ثم عُيّن لمدة سنة مستشاراً مقيماً لـ«صندوق النقد الدولي» لدى المصرف المركزي في سلطنة عُمان. وعام 2001. اختير لبكون أول أمين عام لـ«هيئة التحقيق الخاصة»، أي «وحدة الإخبار المالي» الحديثة النشأة آنذاك في لبنان. وهو في الأصل، حاز شهادته الجامعية من الجامعة الأميركية في بيروت، حيث حاضَر مراراً، ثم قصد نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية لمتابعة تحصيله الجامعي، ونال شهادة محاسب مجازٍ من جامعة ولاية نيويورك.

الأهم، برأي بعاصيري، «توسيع مروَحة اتصالات لبنان خارج منظومة المناكفات السياسية السائدة. وهذه إشارة بالغة الدلالة والتأثير في وقت نخوض فيه، كفريق رسمي ومالي، مفاوضات صعبة ومعقدة مع خبراء صندوق النقد الدولي، وتطلب الحكومة رسمياً برنامج تمويل ضمن آلية مضاعفة حقوق السحب الخاصة، وبما يصل إلى 10 مليارات دولار خلال 3 سنوات».

ويتابع بعاصيري موضحاً: «لا أتحدث عن شراكة في التحرك بين سفارتي واشنطن والرياض في بيروت، إنما حصل تزامن بين الدعم الأميركي المعلن لتعييني مجدداً في مركز نائب الحاكم الذي شغلته على مدى 10 سنوات متتالية. ولقد سعيتُ بالفعل للعودة إليه اعتقاداً مني بأهمية الاستثمار في مخزون التواصل والثقة مع السلطات المالية الأميركية، وبالأخص في هذه الفترة الأخطر نقدياً ومالياً في تاريخ لبنان الحديث، وبين تحرّك السفير السعودي الذي التقى علناً مسؤولين كباراً في القطاع المالي المحلي، متوخياً الاطلاع مباشرة على مقاربات حاكمية البنك وجمعية المصارف وغيرهما للأزمة النقدية والمالية العاتية التي يعانيها لبنان، وتقديراتهم للمخاطر المحتملة واقتراحاتهم لسبل المعالجة».


العلاقة مع واشنطن

هنا، يستغرب بعاصيري إثارة «كل هذا الضجيج عن علاقتي بالأميركان. فهي علاقة مؤسسية نشأت أصلاً عندما كنت أشغل، منذ نحو عقدين ونيف، منصب أمين سر هيئة التحقيق الخاصة في البنك المركزي اللبناني، وهي المولجة تشريعياً بمهام مكافحة غسل (تبييض الأموال) ومكافحة تمويل الإرهاب. وحالياً أتولى الإشراف، معيناً من قبل حاكم البنك المركزي - أي (مصرف لبنان) - على تصفية مصرف (جمال ترست بنك)، وذلك بعد إدراج هذا البنك في 29 أغسطس (آب) 2019 على لائحة مكتب رقابة الأصول الأجنبية أوفاك (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية».

ثم يضيف «لقد كان لي، كممثل لبلدي، دور مشهود في تأسيس المرجعية الإقليمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (المينا فاتف) MENA FATF، وترؤس أول مجالسها ضمن الهيئة الدولية لمكافحة غسل الأموال. وعبر هذه المؤسسة نشأت علاقات مباشرة مع وزارة الخزانة الأميركية وبنك الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) والبنوك الأميركية الكبرى، بوصفها جميعاً المرجعيات المعنية بغالبية التحويلات المالية والنقدية حول العالم. ثم تواصلت علاقاتي مع هذه المرجعيات من خلال موقعي كنائب للحاكم مكلف رسمياً بمتابعة كل ما يتصل بالقوانين المالية والعقوبات الصادرة عن السلطات المالية الأميركية والدولية».

وفي البُعد العربي، يتابع بعاصيري معدداً بعض ما فعله: «ساهمت في تأسيس (المنظمة العربية لوضع معايير مكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب). كما شاركتُ بالتحضيرات لانضمام وحدات الإخبار لكل من المملكة العربية السعودية والأردن وسوريا إلى مجموعة (إيغمونت) Egmont الدولية. إلى جانب المساعدة في نشر التوعية المصرفية في العالم العربي لمكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب. فضلاً عن قيادة الحوار العربي - الأميركي بالنسبة إلى تعزيز العمل المصرفي بين الفريقين، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع تجنب المخاطر (De - risking)».

وبالفعل، حققت هيئة التحقيق الخاصة بقيادة بعاصيري إنجازات كثيرة، مثل شطب اسم لبنان من لائحة البلدان والأقاليم غير المتعاونة التي تعدّها «مجموعة العمل المالي لمكافحة تبييض الأموال» (فاتف) FATF، فضلاً عن انضمام هيئة التحقيق الخاصة إلى مجموعة (إيغمونت). وساهمت جهوده أيضاً في إنشاء «مجموعة العمل المالي لمكافحة تبييض الأموال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» (المينا فاتف) التي عيّن أول رئيس لها عام 2005. كما ساعد على إطلاق حوار القطاع الخاص بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي يترأسه حالياً. كما عمل البعاصيري في القطاع الخاص في مجالات استثمارية مختلفة، وكمدقق خارجي في شركات تدقيق عالمية في لبنان ونيويورك. وهو أحد مؤسسي وعضو في نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان وكذلك عضو في المعهد الأميركي لخبراء المحاسبة المجازين.

أما عن مبادرة السفير السعودي السيد وليد بخاري «فهي بنّاءة وواعدة»، كما يؤكد بعاصيري. «فحرص قيادة المملكة، ممثلة برئيس بعثتها الدبلوماسية في بيروت، على التواصل مع المرجعيات والمسؤولين اللبنانيين في القطاع المالي تنم عن مشاركة وجدانية بأوجاعنا الحاضرة بالدرجة الأولى، وتتيح لنا ولهم تبادل الآراء والرؤى وتبيان خلفيات الأزمة وحجم تداعياتها على النقد الوطني ومعيشة الناس وعلى قطاعات العمل ومؤسسات الإنتاج. وقد لمستُ شخصياً سعة معرفة الدبلوماسي الشقيق وصدق محبة السعوديين لبلدنا وخوفهم على تكاثر الانهيارات والتداعيات. وبدوري كنت شفافاً وصريحاً بتقدير استعصاء الأزمات وعقم أي معالجات آنية أو لاحقة ما لم تلتزم بتنفيذ الإصلاحات الشاملة التي تقدمت بها الحكومة اللبنانية مراراً إلى مؤتمرات المانحين، وما لم يواكب الجهود الإصلاحية دفق دعم مالي من قبل المجتمع الدولي».


الإصلاحات المنشودة

تبعاً لهذه الخبرات التراكمية، كان السؤال البديهي: ما هي برأيك طبيعة الإصلاحات المنشودة التي تتوافق مع السياسات المعتمدة لدى إدارة الصندوق؟

يجيب محمد بعاصيري: «طالما قررت الحكومة اللبنانية اعتماد خيار طلب التمويل الإنقاذي من (صندوق النقد الدولي)، وهو الخيار الوحيد المتاح في الظروف السائدة، ينبغي الانطلاق من قناعة راسخة بأن هذه المؤسسة المالية الدولية تخضع تلقائياً لمواقف كبار مساهميها الأعضاء في مجلس محافظيها، وفي مقدمهم الولايات المتحدة واليابان ودول الاتحاد الأوروبي، رغم هامش المرونة المتاح للإدارة التنفيذية. وهي تمتلك عبر بعثتها الدائمة بموجب المادة الرابعة ومن خلال شبكة علاقاتها مع المسؤولين والخبراء المحليين في القطاع المالي، وأيضاً باستثمار التنسيق والتواصل مع البنك الدولي ومؤسسات التقييم الدولية، قاعدة بيانات ومعلومات أكثر من وافية عن حقائق الوضع في بلدنا ومسببات أزماته المترابطة. وتدرك جيداً حصيلة التجارب غير المشجعة مع مؤسسات الدولة وتنصلها غالباً من تنفيذ التزامات إصلاحات هيكلية وإدارية ومالية».

«نحن الآن في قلب الدوامة»، يضيف بعاصيري، و«أي فشل جديد سيجعل من التدهور المحقق ذكريات (طيبة) في معيشة الناس واقتصاد البلد. لا وقت متاح لمزيد من التأخير في إظهار سلوك مناقض للسابق. وانطلاقاً ينبغي الشروع فوراً في إقرار الخطوات التنفيذية الإدارية والعملية لإصلاح قطاع الكهرباء الذي استنزف نحو 40 مليار دولار في عقدين متتاليين، ويستمر باستهلاك نحو الملياري دولار سنوياً. أيضاً يتوجب الشروع فوراً بتحديد الحجم الفعلي للقطاع العام؛ فلا يُعقَل ألا تعلم الدولة أو لا تريد أن تعلم كم هو عدد العاملين في إداراتها وأسلاكها ومؤسساتها التابعة، وعدد من هم يعملون بالفعل. فضلاً عن ضرورة البتّ سريعاً بالتوظيف المخالف للقوانين وازدواجية المداخيل وأكلاف العمل الإضافي والرواتب المنتفخة وعشوائيات أنظمة التقاعد وسواها». بالإضافة إلى أنه ثمة رزمة إصلاحية لا تقل أهمية في قطاعات الإنتاج والمصارف توخياً للنهوض الاقتصادي المنشود. وكل المسار الإصلاحي يتطلب مساندة من الدول الشقيقة ودعم المجتمع الدولي. لكن، يتابع بعاصيري: «حتى الساعة، لم نسمع عن أي تحرّك واعد في قطاعي الكهرباء والقطاع العام، وهما الأكثر صرفاً من واردات الخزينة، بعدما أقرت الحكومة الامتناع عن خدمة الدين العام، أصولاً وفوائد، تحت وطأة الأزمة. ولا نلمس أيضاً أي إجراءات تنفيذية تطابق التوجهات المعلنة لمكافحة الفساد والمحسوبيات والمحاصصة. بل إن التعيينات المالية وغير المالية الأخيرة لم تخضع فحسب، لهذه المواصفات الرديئة، إنما تعدتها استعجالاً غير مقنع تهرباً من قانون منظم كان في طريقه للنشر في الجريدة الرسمية، بعد إقراره من قبل مجلس النواب».


لوائح الاشتباه بغسل الأموال

لا يغفل محمد بعاصيري عن الاعتزاز ببداية حياته العملية. ففضلاً عن التقدير الرسمي لجهوده في إخراج لبنان من لوائح الاشتباه بغسل الأموال، والمساهمة في تصويب البنية القانونية وإطلاق المؤسسات المولجة بمكافحة كل أنواع الجرائم المالية، يود الإشارة إلى أنه في سنة 1974، نال جائزة المحاسبة التي تمنحها شركة «سابا»، واختارته «جمعيّة الخبراء المجازين في مكافحة تبييض الأموال ACAMS» رجل عام 2008 عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وكان صحافي يساري لبناني، قد وصف بعاصيري - من وجهة نظر شخصية بعيدة عن الإيجابية، طبعاً - بأنه «شاب لبناني من عائلة متوسطة الحال. خريج الجامعة الأميركية. في زمن الحرب الأهلية، لم ينسجم مع توجهات البيئة السنية اللبنانية التقليدية التي غالت في الموالاة للثورة الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات، ثم في موالاة الحقبة السورية». وتابع منتقياً عبارات مثل «رجل براغماتي إلى أبعد الحدود. لا يتوه في التفاصيل، وإن كان لا يغفل أياً منها. الأساس هي الاستراتيجية التي يحددها لنفسه ولا يغادرها أبداً»... إلى أن يقول: «خلاصة القول إن بعاصيري شخصية إشكالية، بالتعبير الدبلوماسي. أما بالتعبير غير الدبلوماسي، فهو لا يخفي (أميركيته). من رأسه حتى أخمص قدميه!».

أما في الحياة الشخصية، فإن المطالعة تحوز اهتماماً خاصاً لدى بعاصيري، وتستهويه كتب التاريخ والفلسفة، ولا سيما متابعة أفكار وكتب الفلاسفة المسلمين من أمثال ابن خلدون وابن رشد والغزالي. إنما من ضمن التواصل مع الثقافات المختلفة وعبرها قراءة تجارب وسير الشخصيات المؤثرة في ازدهار وتقدم بلادها؛ علماً بأن الانشغالات والمشاركة في المؤتمرات الإقليمية والدولية، وخصوصاً في مجال المصارف والحوكمة الرشيدة، لا تترك الكثير من الوقت لاهتمامات أخرى.

ومن الهوايات الدائمة الاستماع إلى الموسيقى، خصوصاً الطربية العربية منها والموسيقى الكلاسيكية، والسفر سياحياً إلى الأماكن ذات الطبيعة التاريخية. بينما يهمس أصدقاء بأن لعبة النرد (الطاولة) لها حصة في وقت الترفيه.


لبنان لبنان أخبار

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة