«عباقرة ومنتحرون»... رد الاعتبار لأرواح طواها النسيان

خيري حسن يستعيدهم في كتاب جديد

«عباقرة ومنتحرون»... رد الاعتبار لأرواح طواها النسيان
TT

«عباقرة ومنتحرون»... رد الاعتبار لأرواح طواها النسيان

«عباقرة ومنتحرون»... رد الاعتبار لأرواح طواها النسيان

كمية كبيرة من الشجن والأسف أيضاً يثيرها هذا الكتاب في تناوله شخصيات تتمتع بمواهب كبيرة في الأدب والشعر والصحافة وكرة القدم، لكن النسيان طواها فسقطت من الذاكرة. اختار المؤلف خيري حسن عنواناً معبراً لهذا العمل «أرواح على الهامش - عباقرة ومنتحرون» الصادر حديثاً عن «دار ابن رشد» بالقاهرة، كما اختار له أسلوباً غير تقليدي في الصياغة، يستلهم تقنيات العمل الروائي مثل «الفلاش باك» والسرد المشهدي، فضلاً عن الانتقال برشاقة عبر الزمان والمكان مع توظيف مفردات التحقيق الصحافي، والبحث عن الشهود الأحياء ومقابلتهم والاستماع إلى شهادتهم حول أصحاب هذه المواهب.

القبح والرصاص
يستهل المؤلف كتابه بقصة محمد رجاء عليش، الأديب الذي شهد له الجميع بموهبته غير العادية عبر عمليه الوحيدين: رواية «كلهم أعدائي»، ومجموعته القصصية «لا تولد قبيحاً»، لكن هذه الشهادة جاءت متأخرة قليلاً، تحديداً بعد أن أطلق الرجل على رأسه عدة رصاصات من مسدسه، فتناثرت أشلاؤه بمكتبه الأنيق بحي مصر الجديدة الراقي. حتى أن هذين الكتابين لم يريا النور، إنما جاء الاحتفاء بهما، وهما مجرد مسودتين، وقبل أسابيع قليلة من واقعة الانتحار التي أنهت حياة عليش عام 1979عن عمر لم يتجاوز 47 عاماً.
كان قبح الملامح المأساة الحقيقية في حياة عليش، الرجل الذي كان يعاني من نفور الجميع منه: نقاداً ودور نشر وصحافيين! ويذكر المؤلف أنه في مقدمة مجموعته القصصية يقول واصفاً حاله «هذه صفحات عن أغرب مشكلة في حياتي، مشكلة القبح. يمكنك أن تتخيل أغرب رجل في العالم. أقبح وجه يمكنك أن تصادفه في أي مكان على الأرض؛ لتتأكد أنك تراني أمامك، الأضحوكة الدائمة، والغرابة الدائمة، أنا دائماً الأغرب، الأفظع، الأقبح»، كما كان يردد دائماً: «فليرحمني الله من قارئ يُسطّح كلماتي، ومن ناقد بلا ضمير، ومن مطبعة لا تدور، ومن مجتمع كبحيرة الزيت».

من الشعر إلى المعتقل
وإذا كان عليش انزوى في ركن من النسيان بسبب الانتحار، فإن شاعر العامية المصرية زكي عمر قد تم السطو على أشعاره، لا سيما تلك التي تحولت إلى أغانٍ شهيرة مثل:
«مدد.. مدد.. شدي حيلك يا بلد..
إن مات لك في يوم شهيد
ألف غيره بيتولد»
وبإجماع الآراء لم يكن عمر الذي رحل في1987، يقل في موهبته عن كبار شعراء العامية في مصر، غير أن الرجل لم يكن يملك شبكة علاقات تدعمه أو أصدقاء من ذوي النفوذ، وتعرض للاضطهاد على المستويين الأدبي والسياسي، حتى إنه دخل المعتقل في السبعينات وكان يلقب بـ«شاعر الريف»، نظراً لتأثره ونشأته بالقرية.
يشير المؤلف إلى أن زكي عمر تميز بإسهاماته في مجال المسرح الغنائي باللهجة العامية، فضلاً عن براعته كواحد من أهم الزجالين المعاصرين. ضاق عليه الوسط الثقافي المصري فيمم وجهه شطر اليمن، وهناك مات غريقاً في عدن دون أن يسمع به أحد!
ويورد المؤلف شهادة محمد الهادي، أحد زعماء الصف الثاني من الحركة الطلابية، الذي التقى زكي عمر في المعتقل، وركب معه عربة الترحيلات من سجن القلعة إلى سجن القناطر.
يقول الهادي: «في تلك السنوات، شهدت مصر حالة من الغليان السياسي في عامي 72 و73 بعد خطاب (الضباب) الشهير، الذي ألقاه الرئيس الراحل السادات متعللاً بعدم الوفاء بوعده للشعب، بأن يكون عام 71 هو عام الحسم، بأسباب لم تقنع الشعب، خصوصاً المثقفين والطلاب. بعد التسكين في القناطر، كنا نخرج نحن السجناء السياسيين من الزنازين مع شروق الشمس، ونعود إليها مع الغروب. وكنا طول اليوم ما بين تعارف، ونقاشات، وتريض في الشمس، وأحياناً تجمعنا أغنية، أو سماع قصيدة... وأول مرة أتحدث معه وأعرفه عن قرب كانت في تلك الأوقات».
يكمل الهادي: «كان يبدو لنا، وكأنه يقف على المسرح تحت الأضواء الكاشفة، بالجلباب الفلاحي، وقدماه بها آثار طين الحقول، من فرط صدقه وحماسه. وكان متحفزاً في حواراته مع النخب التي عاشت تحت أضواء القاهرة. في البداية لا تشعر معه بالارتياح، والألفة، إلا بعدما تتعامل معه بشكل شخصي، فتجده ودوداً جداً، وكأنه شجرة تضلل عليك؛ لكن إن لم تحسن تقديره، تجده جافاً كعود الحطب!».

سقوط نجم الكرة
من أجواء الأدب والشعر إلى الساحرة المستديرة، حيث ينتقل بنا المؤلف إلى دراما لاعب حمل لقب «بيليه كرة القدم المصرية»، حسب وصف النقاد والجمهور له. هو محمد عباس صاحب البشرة السمراء والأسنان البيضاء والقذائف الصاروخية التي كانت تدك دفاعات كل الفرق المنافسة. كان أسطورة الملاعب في الثمانينيات لكنه سرعان ما اختفى وراء جدران السجن، وهو في عزه مجده وشبابه. فتى غض في بدايات العشرين من عمره، فما الذي حدث؟
يروي الكتاب أنه عاش سنواته الأولى هارباً من بيته إلى الشارع. ومن الشارع إلى أحد أندية المصانع الحربية، ومنه إلى النادي الأهلي وكان عمره 16 عاماً، حيث حقق فيه عدة بطولات، ونجومية طاغية، ثم تعددت مرات هروبه من النادي الأهلي واختفائه المستمر وابتعاده عن الانتظام في التمرين واللعب. ومن النادي الأهلي هرب إلى نادي المصري البورسعيدي. ثم واصل حبه - على حد تعبير المؤلف- في الهروب واختفى عن أنظار جمهور وإدارة النادي. ولتكتمل لديه أسطورة الهرب، فنجده يهرب من الزواج، ومن الاستقرار، ومن تحمل المسؤولية، ومن التمارين الرياضية، هارباً إلى المقاهي والحانات، والسهرات المخملية. رحلة الهروب تلك لم تتجاوز السنوات الثلاث هي عمر نجوميته الكبيرة في عالم كرة القدم؛ حتى سقط في شقة بحي مصر الجديدة يوم التاسع من شهر فبراير (شباط) عام 1986 وهو يتعاطى ويتاجر، طبقاً لأوراق القضية، في المخدرات. وبعد السجن يعود للحياة، ثم يخرج للمرة الأولى والأخيرة على وسائل الإعلام وحيداً بلا مورد رزق ولا بيت ولا عائلة، وإنما كتلة من الدموع والندم!

المكوجي والحب
عاش على الهامش ومات منسياً!... هكذا يعود بنا المؤلف إلى شعراء العامية ومؤلفي الأغاني، ليصف دراما واقعية بطلها الشاعر سيد مرسي، الذي غنى مشاهير الطرب المصري والعربي له مثل وردة الجزائرية وعفاف راضي ومحرم فؤاد وسعد عبد الوهاب وهاني شاكر.
قصة الشاعر يرويها للمؤلف ناجي مأمون الشناوي، نجل الشاعر المعروف، فذات يوم جاء المطرب عبد الغنى السيد والملحن محمود الشريف، في زيارة عادية للشناوي الكبير. في الصالون جلسا في انتظار الشاعر الشهير الذي كان في حجرته، بعد دقائق نهض ليرتدي ملابسه، وفتح دولابه ليرتدي أحد قمصانه. أثناء ذلك سقطت من بين الملابس ورقة بيضاء إلا من سطور قليلة. نظر فيها فوجدها عدة أبيات شعرية غنائية جميلة تقول:
«ع الحلوة والمرة..
مش كنا متواعدين..
ليه ننسى بالمرة عشرة بقالها سنين»،
وقف مأمون الشناوي مندهشاً بعض الشيء من جمال الكلمات، ثم استدعى الخادمة التي كانت منذ دقائق تضع الملابس في الدولاب.
جاءت الفتاة مرتبكة وخائفة.. سألها:
- من أين جاءت هذه الورقة؟ سألها بحدة، ردت وهي ترتعد: إنها تخص الولد سيد «المكوجي» الذي يعمل في الحي. وحين حاصرها بالأسئلة اعترفت بأنه يحبها، وكتب فيها تلك الكلمات.
ذهبت الخادمة تستدعي سيد - حسب تعليمات سيدها - وخرج مأمون الشناوي إلى الصالون، حيث يجلس عبد الغنى السيد ومحمود الشريف، الذي قدم إليه الأبيات المكتوبة. نظر فيها الشريف ثم قال: ولكن ليس هذا لونك في الكتابة يا مأمون. رد: نعم هي ليست لِي. وبعد دقائق سيأتي الشاعر الذي كتبها. وحين جاء «الولد سيد»، قرأ عليهم بقية كلمات الأغنية الشهيرة التي غناها فيما بعد عبد الغني السيد. وما إن استمع الشريف إلى بقية الكلمات حتى أمسك بعوده وبدأ تلحين العمل.
ومن هنا انطلق سيد مرسى إلى عالم الغناء، بعدما اعتمد في الإذاعة. ورغم عمره المديد من 1887 حتى 1995 ظل الرجل يعيش على الهامش بحي شعبي مخلصاً لمهنته، باعتباره «أسطى مكواة»، وحين توفى لم يتذكره أحد.
وتتوالى القصص والحكايات بالكتاب على هذا النحو في إيقاع لاهث وشيق يثير الدهشة في قلب وعقل القارئ.



أنتوني هيد يغادر المسرح الأخير... رحلة اللندني الأنيق من سحر «بافي» إلى قسوة «تيد لاسو»

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
TT

أنتوني هيد يغادر المسرح الأخير... رحلة اللندني الأنيق من سحر «بافي» إلى قسوة «تيد لاسو»

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)
الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

غيّب الموت الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد عن عمر ناهز 72 عاماً، لتفقد الساحة الفنية اللندنية والعالمية واحداً من أكثر وجوهها جاذبية وكاريزما.

ونعت عائلته الفنان الذي توفي بسلام إثر مضاعفات إصابته بالتهاب رئوي حاد.

وجاء في البيان، الذي أصدرته ابنتاه، الممثلتان إميلي وديزي هيد: «إن حزننا يفوق كثيراً الفراغ الذي تركه خلفه، لكننا نعلم أن إرثه سيظل حياً في الأعمال التي شارك فيها، وفي قلوب الجماهير التي أحبته».

من إعلانات القهوة إلى هوليوود

تميز هيد بأسلوبه اللندني الأنيق، وصوته الباريتوني الرخيم. وبدأت رحلته الشائقة نحو النجومية من عاصمة الضباب، إذ حقق شهرة واسعة في بريطانيا خلال ثمانينات القرن الماضي عبر سلسلة إعلانات تلفزيونية شهيرة لقهوة «نسكافيه غولد بليند»، التي صيغت كقصة رومانسية متسلسلة خطفت أنظار الملايين.

ولم تلبث هذه الجاذبية التلفزيونية المبكرة أن فتحت له أبواب الدراما العالمية، حيث انتقل إلى هوليوود ليصنع حقبة ذهبية امتدت لسنوات.

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

الروائي والموجّه الروحي في «بافي»

في أواخر التسعينات، رسّخ هيد مكانته كأحد الوجوه الثابتة في الذاكرة الشعبية الغربية من خلال تجسيده شخصية «روبرت جايلز» في المسلسل الأميركي الشهير «بافي قاتلة مصاصي الدماء» (Buffy the Vampire Slayer).

وقدّم في هذا العمل شخصية أمين المكتبة والموجّه الروحي ذي الطابع البريطاني الرصين والمحبب، وهو الدور الذي منحه قاعدة جماهيرية عريضة عابرة للقارات.

مرونة الأداء بين الملحمة والكوميديا المعاصرة

ولم تتوقف ديناميكية هيد الفنية مع تقدم العمر، بل نجح في تجديد جلده الفني مبرهناً على قدرة استثنائية في الانتقال بسلاسة بين الأعمال التلفزيونية المعاصرة والدراما الفانتازية الملحمية. ففي مسلسل «ميرلين»، أطل النجم الراحل على الجمهور العربي والعالمي بعباءة الملك الصارم «أوثر بنميدراغون»، مقدماً أداءً تراجيدياً وازناً لخّص صراع السلطة والمسؤولية.

وفي المقابل، تألق هيد في السنوات الأخيرة بتقديم شخصية «روبرت مانينغيون»، المالك السابق الشرير لنادي «إيه إف سي ريتشموند» في المسلسل الكوميدي الشهير «تيد لاسو». وهو الدور الذي نال عنه إشادات نقدية واسعة، نظراً لقدرته الفائقة على تجسيد الشخصيات ذات البعد السيكولوجي المعقد بلمسة من الخبث الساخر.

الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

مأساة عائلية تسبق الستار الأخير

ويأتي رحيل أنتوني هيد متأثراً بمرضه ليعمق أحزان عائلته الفنية والمقربين منه، إذ واجه النجم البريطاني شهوراً صعبة ومريرة بعد وفاة شريكته ورفيقة دربه الطويل، الناشطة في مجال الرفق بالحيوان سارة فيشر، التي غيّبها الموت في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025. ومع إسدال الستار على مسيرته الحافلة، تودع الدراما البريطانية برحيله فصلاً غنياً من فصول المسرح والتلفزيون، فصلٌ ميزه فنانٌ قدير عاش شغوفاً بمهنته، وظل مخلصاً لأدواته التعبيرية حتى رمقه الأخير.


مصر: جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني تكشف تطور الطقوس الجنائزية

جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني تكشف تطور الطقوس الجنائزية

جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، اكتشاف جزء من جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني، بتل كوم عزيزة الأثري بمحافظة البحيرة، وتضمَّن الكشف مجموعةً متنوعةً من أنماط الدفن، شملت حفر دفن بسيطة للموتى مباشرة داخل طبقات الأرض، وأخرى ذات أطر خارجية من الطوب اللبن، بالإضافة إلى عدد من الدفنات داخل توابيت جصية ملونة، وأخرى داخل توابيت فخارية برميلية الشكل، تُعدُّ من أكثر أنواع التوابيت شيوعاً خلال العصر البطلمي.

و«يعكس هذا الكشف الأثري الجديد الأهمية الكبيرة التي يتمتَّع بها موقع تل كوم عزيزة الأثري بوصفه أحد المواقع الأثرية الواعدة في منطقة الدلتا، والتي لا تقتصر أهميتها على ما تضمه من شواهد جنائزية فحسب، بل تمتد لتقدم صورة متكاملة عن تطور أنماط الاستيطان والحياة اليومية والتفاعل بين الإنسان والبيئة عبر آلاف السنين، بما يسهم في إثراء المعرفة بتاريخ الحضارة المصرية القديمة عبر العصور»، وفق تصريحات لوزير السياحة والآثار شريف فتحي، في بيان للوزارة، الجمعة.

الموقع تضمَّن أنماطاً مختلفة للدفن (وزارة السياحة والآثار)

في حين أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أنَّ الدراسة الأولية للبقايا الآدمية بالموقع كشفت عن تنوع ملحوظ في طقوس وأساليب الدفن، سواء داخل الدفنات الفردية أو الجماعية، حيث اختلفت اتجاهات الدفن، كما تنوعت أوضاع الأيدي بين الوضع المضموم والمتقاطع فوق منطقة الحوض، أو حول العنق، أو في الوضع الأوزيري المميز بتقاطع الذراعين على الصدر، فضلاً عن الوضع المستقيم بمحاذاة الفخذين، الأمر الذي يعكس تعدُّد الممارسات الجنائزية وأساليب تجهيز الموتى قبل الدفن.

وأضاف، عبر البيان، أن «دراسة الطبقات الأثرية بالموقع أوضحت أنَّ الجبانة التي ترجع إلى العصر اليوناني الروماني أُقيمت فوق مستويات استيطان أقدم، حيث كشفت اللقى الأثرية عن شواهد تؤكد استيطان الموقع خلال فترات تاريخية متعاقبة بدأت منذ الدولة القديمة، مروراً بالدولة الحديثة والعصر المتأخر، وصولاً إلى العصرَين اليوناني والروماني».

وإلى جانب الدفنات المتنوعة عثرت البعثة في الموقع على مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية، من بينها أوانٍ فخارية وحجرية استُخدمت في الحياة اليومية، وقوالب لصناعة الخبز، وأدوات حجرية متعددة الاستخدامات، بالإضافة إلى مجموعة من الأفران وأواني التخزين. كما كشفت الحفائر عن كميات كبيرة من عظام الأسماك والطيور والحيوانات، بما يلقي الضوء على الأنشطة المعيشية والنظام الغذائي والعادات الاجتماعية لسكان الموقع عبر المراحل الزمنية المختلفة، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

عدد من اللقى الأثرية في الموقع (وزارة السياحة والآثار)

في حين أكد المدير العام لمنطقة آثار البحيرة ورئيس بعثة الحفائر الأثرية، خالد عبد الغني فرحات، أنهم عثروا على دفنات كاملة لحيوان الخنزير البري داخل إحدى الطبقات الأثرية، وهي ظاهرة نادرة في المواقع الجنائزية المصرية القديمة نظراً للارتباط الرمزي للخنزير بالمعبود «ست» في المعتقدات المصرية القديمة، الأمر الذي قد يشير إلى فكرة ارتباطه بنشاط اقتصادي أو معيشي داخل الموقع خلال إحدى فترات استخدامه.

وأضاف أن «نتائج أعمال الحفائر تؤكد أنَّ موقع تل كوم عزيزة الأثري يمثل نموذجاً فريداً للمواقع الأثرية متعددة الفترات، إذ شهد أنشطة استيطانية ومعيشية منذ بدايات التاريخ المصري القديم، قبل أن يتحوَّل خلال فترات لاحقة إلى منطقة ذات نشاط جنائزي مكثف. كما تؤكد الأهمية الاستثنائية للموقع، حيث إنَّه ليس فقط جبانة أثرية، بل يُعدُّ سجلاً أثرياً متكاملاً يوثِّق أنماطاً متنوعة من التفاعل البشري مع البيئة المحيطة عبر عصور تاريخية متعاقبة».


هل تمهّد استقالة رئيس «الإسكندرية السينمائي» لعودة نشاط المهرجان؟

جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
TT

هل تمهّد استقالة رئيس «الإسكندرية السينمائي» لعودة نشاط المهرجان؟

جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)

في موقف عَدَّه البعض جاء متأخراً، ورآه آخرون ليس كافياً، قدَّم رئيس «مهرجان الإسكندرية السينمائي»، الأمير أباظة، استقالته من رئاسة الدورة المقبلة، وذلك بعد 3 أيام من قرار اللجنة العليا للمهرجانات بوزارة الثقافة المصرية بعدم منح التصريح اللازم لإقامة الدورة الـ42 من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، والتي كان مقرراً إقامتها خلال الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر (أيلول) 2026، عقب اجتماع اللجنة برئاسة الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة؛ بسبب ما وصفته اللجنة المنوط بها تقييم المهرجانات بـ«تراجع مستوى المهرجان خلال السنوات الأخيرة، وعدم تحقيقه الأهداف الثقافية والفنية التي تأسَّس من أجلها»، وفق بيان لها.

وأعلن الأمير أباظة استقالته من رئاسة الدورة الـ42، مؤكداً أنَّه ترك منصبه تغليباً للمصلحة العامة. وقال: «ليس مهماً أن يستمر الأشخاص، فكلنا إلى زوال، ولكن تبقى القيمة الحقيقية، ويبقى المهرجان منارةً مضيئةً في جبين الثقافة المصرية والمتوسطية».

وقال أباظة، عبر بيان الاستقالة، إنه «تعرَّض لحملة تشهير وتشويه»، على حد تعبيره. وإنه إذا كانت المشكلة في شخصه فهو يترك الفرصة كاملة لمجلس الإدارة ليختار مَن يشاء لقيادة سفينة المهرجان، لافتاً إلى إنجازات حقَّقها المهرجان خلال رئاسته له على مدى 13 دورة.

وفتحت استقالة رئيس المهرجان الباب أمام تساؤلات بشأن إمكانية استئناف نشاط المهرجان وإقامة دورته لهذا العام، مع اختيار رئيس جديد لها بالتوافق مع اللجنة العليا للمهرجانات ووزارة الثقافة.

وترى الناقدة ماجدة خير الله أن «استقالة أباظة لا بد أن تُمهِّد لاستئناف المهرجان نشاطه وعقد دورته المقبلة». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنَّ وجود الأمير أباظة كان يمثِّل مشكلةً للبعض، لكن قرار إيقاف المهرجان كان متعجلاً، فلماذا نضحي بمهرجان عريق لمشكلة فردية، ولطالما واجه المهرجان نفسه مشكلات ولم يتوقَّف»، مشدِّدة على أنه «من المهم عقد الدورة المقبلة في موعدها بعد اختيار مجلس الإدارة لرئيس جديد للمهرجان».

وأكدت ماجدة أن «جمعية كتاب ونقاد السينما التي تنظِّم المهرجان تضم شخصيات تمتلك خبرات كبيرة تصلح لرئاسة المهرجان، وهم أقدر على إنقاذ هذه الدورة»، مبدية مخاوفها من أن «وقف المهرجان ولو لدورة واحدة ليس في صالحه، وقد يفقده ثقة صناع الأفلام ويؤثر على سمعته، وقد يغري هذا التوقف جهات بوقفه إلى الأبد، مضحين بالمكانة التي حقَّقها المهرجان على مدى سنوات انعقاده الطويلة»، وفق تعبيرها.

في حين وصفت الناقدة ميرفت عمر، عضوة مجلس إدارة جمعية كتاب ونقاد السينما والمدير الفني للمهرجان، استقالة أباظة بأنها «جاءت متأخرة، ولو كان طَرَحَها من البداية لكان لها تقدير كبير، ولجَنَّبت المهرجان ما وصل إليه، لكنها الآن ليس لها أي مردود، فهو يعلن استقالته من دورة توقَّفت بقرار وزاري، كمَن يعتذر عن منصب لم يعد فيه».

ليلى علوي خلال تكريمها في المهرجان (إدارة المهرجان)

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنَّ اللجنة العليا للمهرجانات أصدرت قراراً نهائياً ولا رجعة فيه بالنسبة لعدم عقد دورته الـ42، وأنَّ استقالة رئيس المهرجان الآن لن تغيِّر من الأمر شيئاً»، مؤكدة أنَّها طلبت إعفاءها من منصبها منذ بدء تراجع مستوى المهرجان وعدم الاهتمام بصناع الأفلام، قائلة: «كانت هناك وعود واتفاقات براقة لإنقاذ المهرجان وتجاوز أخطائه، لكنها لا تنفَّذ على أرض الواقع»، ولفتت إلى أنَّها تقدَّمت وزميلها محمد شكر بمذكرات لوزارتَي الثقافة والتضامن؛ لبحث كثير من الأسئلة التي لم يجدا لها إجابات لدى المهرجان تتعلق بدورتيه السابقتين.

ويرى الناقد الفني المصري سمير شحاتة أنَّه «بعد استقالة الأمير أباظة يحتاج المهرجان لهيئة تديره بمعطيات تلائم العصر الحالي وليس بالطريقة التي كانت تدار بها المهرجانات منذ 20 عاماً»، مستبعداً عقد المهرجان هذا العام وفقاً لقرار اللجنة العليا للمهرجانات، لافتاً إلى أنه «من الصعب تقديم دورة ناجحة سوى بتوافق بين الجمعية ووزارة الثقافة ومحافظة الإسكندرية». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الإصلاح لا بد أن يكون من الداخل، وأن اللجنة العليا للمهرجانات طالبت قبل ذلك بحل مشكلات المهرجان ولم تجد استجابة، بل كانت المشكلات تتفاقم». وأوضح أنه «من ضمن مشكلات المهرجان عدم وجود صف ثانٍ لقياداته، وعدم خروجه للجمهور السكندري».

وكان شحاتة قد اعتذر عن عدم تولي منصب مدير عام المهرجان «بعد أيام من إسناده له، وبعدما تقدَّم بورقة بإصلاحات مطلوبة ولمس صعوبة تحقيقها»، وفق قوله.

وانطلقت الدورة الأولى لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط عام 1979 ولعب على مدى عقود دوراً مهماً في تعزيز التبادل الثقافي والسينمائي بين دول البحر المتوسط.