«عباقرة ومنتحرون»... رد الاعتبار لأرواح طواها النسيان

خيري حسن يستعيدهم في كتاب جديد

«عباقرة ومنتحرون»... رد الاعتبار لأرواح طواها النسيان
TT

«عباقرة ومنتحرون»... رد الاعتبار لأرواح طواها النسيان

«عباقرة ومنتحرون»... رد الاعتبار لأرواح طواها النسيان

كمية كبيرة من الشجن والأسف أيضاً يثيرها هذا الكتاب في تناوله شخصيات تتمتع بمواهب كبيرة في الأدب والشعر والصحافة وكرة القدم، لكن النسيان طواها فسقطت من الذاكرة. اختار المؤلف خيري حسن عنواناً معبراً لهذا العمل «أرواح على الهامش - عباقرة ومنتحرون» الصادر حديثاً عن «دار ابن رشد» بالقاهرة، كما اختار له أسلوباً غير تقليدي في الصياغة، يستلهم تقنيات العمل الروائي مثل «الفلاش باك» والسرد المشهدي، فضلاً عن الانتقال برشاقة عبر الزمان والمكان مع توظيف مفردات التحقيق الصحافي، والبحث عن الشهود الأحياء ومقابلتهم والاستماع إلى شهادتهم حول أصحاب هذه المواهب.

القبح والرصاص
يستهل المؤلف كتابه بقصة محمد رجاء عليش، الأديب الذي شهد له الجميع بموهبته غير العادية عبر عمليه الوحيدين: رواية «كلهم أعدائي»، ومجموعته القصصية «لا تولد قبيحاً»، لكن هذه الشهادة جاءت متأخرة قليلاً، تحديداً بعد أن أطلق الرجل على رأسه عدة رصاصات من مسدسه، فتناثرت أشلاؤه بمكتبه الأنيق بحي مصر الجديدة الراقي. حتى أن هذين الكتابين لم يريا النور، إنما جاء الاحتفاء بهما، وهما مجرد مسودتين، وقبل أسابيع قليلة من واقعة الانتحار التي أنهت حياة عليش عام 1979عن عمر لم يتجاوز 47 عاماً.
كان قبح الملامح المأساة الحقيقية في حياة عليش، الرجل الذي كان يعاني من نفور الجميع منه: نقاداً ودور نشر وصحافيين! ويذكر المؤلف أنه في مقدمة مجموعته القصصية يقول واصفاً حاله «هذه صفحات عن أغرب مشكلة في حياتي، مشكلة القبح. يمكنك أن تتخيل أغرب رجل في العالم. أقبح وجه يمكنك أن تصادفه في أي مكان على الأرض؛ لتتأكد أنك تراني أمامك، الأضحوكة الدائمة، والغرابة الدائمة، أنا دائماً الأغرب، الأفظع، الأقبح»، كما كان يردد دائماً: «فليرحمني الله من قارئ يُسطّح كلماتي، ومن ناقد بلا ضمير، ومن مطبعة لا تدور، ومن مجتمع كبحيرة الزيت».

من الشعر إلى المعتقل
وإذا كان عليش انزوى في ركن من النسيان بسبب الانتحار، فإن شاعر العامية المصرية زكي عمر قد تم السطو على أشعاره، لا سيما تلك التي تحولت إلى أغانٍ شهيرة مثل:
«مدد.. مدد.. شدي حيلك يا بلد..
إن مات لك في يوم شهيد
ألف غيره بيتولد»
وبإجماع الآراء لم يكن عمر الذي رحل في1987، يقل في موهبته عن كبار شعراء العامية في مصر، غير أن الرجل لم يكن يملك شبكة علاقات تدعمه أو أصدقاء من ذوي النفوذ، وتعرض للاضطهاد على المستويين الأدبي والسياسي، حتى إنه دخل المعتقل في السبعينات وكان يلقب بـ«شاعر الريف»، نظراً لتأثره ونشأته بالقرية.
يشير المؤلف إلى أن زكي عمر تميز بإسهاماته في مجال المسرح الغنائي باللهجة العامية، فضلاً عن براعته كواحد من أهم الزجالين المعاصرين. ضاق عليه الوسط الثقافي المصري فيمم وجهه شطر اليمن، وهناك مات غريقاً في عدن دون أن يسمع به أحد!
ويورد المؤلف شهادة محمد الهادي، أحد زعماء الصف الثاني من الحركة الطلابية، الذي التقى زكي عمر في المعتقل، وركب معه عربة الترحيلات من سجن القلعة إلى سجن القناطر.
يقول الهادي: «في تلك السنوات، شهدت مصر حالة من الغليان السياسي في عامي 72 و73 بعد خطاب (الضباب) الشهير، الذي ألقاه الرئيس الراحل السادات متعللاً بعدم الوفاء بوعده للشعب، بأن يكون عام 71 هو عام الحسم، بأسباب لم تقنع الشعب، خصوصاً المثقفين والطلاب. بعد التسكين في القناطر، كنا نخرج نحن السجناء السياسيين من الزنازين مع شروق الشمس، ونعود إليها مع الغروب. وكنا طول اليوم ما بين تعارف، ونقاشات، وتريض في الشمس، وأحياناً تجمعنا أغنية، أو سماع قصيدة... وأول مرة أتحدث معه وأعرفه عن قرب كانت في تلك الأوقات».
يكمل الهادي: «كان يبدو لنا، وكأنه يقف على المسرح تحت الأضواء الكاشفة، بالجلباب الفلاحي، وقدماه بها آثار طين الحقول، من فرط صدقه وحماسه. وكان متحفزاً في حواراته مع النخب التي عاشت تحت أضواء القاهرة. في البداية لا تشعر معه بالارتياح، والألفة، إلا بعدما تتعامل معه بشكل شخصي، فتجده ودوداً جداً، وكأنه شجرة تضلل عليك؛ لكن إن لم تحسن تقديره، تجده جافاً كعود الحطب!».

سقوط نجم الكرة
من أجواء الأدب والشعر إلى الساحرة المستديرة، حيث ينتقل بنا المؤلف إلى دراما لاعب حمل لقب «بيليه كرة القدم المصرية»، حسب وصف النقاد والجمهور له. هو محمد عباس صاحب البشرة السمراء والأسنان البيضاء والقذائف الصاروخية التي كانت تدك دفاعات كل الفرق المنافسة. كان أسطورة الملاعب في الثمانينيات لكنه سرعان ما اختفى وراء جدران السجن، وهو في عزه مجده وشبابه. فتى غض في بدايات العشرين من عمره، فما الذي حدث؟
يروي الكتاب أنه عاش سنواته الأولى هارباً من بيته إلى الشارع. ومن الشارع إلى أحد أندية المصانع الحربية، ومنه إلى النادي الأهلي وكان عمره 16 عاماً، حيث حقق فيه عدة بطولات، ونجومية طاغية، ثم تعددت مرات هروبه من النادي الأهلي واختفائه المستمر وابتعاده عن الانتظام في التمرين واللعب. ومن النادي الأهلي هرب إلى نادي المصري البورسعيدي. ثم واصل حبه - على حد تعبير المؤلف- في الهروب واختفى عن أنظار جمهور وإدارة النادي. ولتكتمل لديه أسطورة الهرب، فنجده يهرب من الزواج، ومن الاستقرار، ومن تحمل المسؤولية، ومن التمارين الرياضية، هارباً إلى المقاهي والحانات، والسهرات المخملية. رحلة الهروب تلك لم تتجاوز السنوات الثلاث هي عمر نجوميته الكبيرة في عالم كرة القدم؛ حتى سقط في شقة بحي مصر الجديدة يوم التاسع من شهر فبراير (شباط) عام 1986 وهو يتعاطى ويتاجر، طبقاً لأوراق القضية، في المخدرات. وبعد السجن يعود للحياة، ثم يخرج للمرة الأولى والأخيرة على وسائل الإعلام وحيداً بلا مورد رزق ولا بيت ولا عائلة، وإنما كتلة من الدموع والندم!

المكوجي والحب
عاش على الهامش ومات منسياً!... هكذا يعود بنا المؤلف إلى شعراء العامية ومؤلفي الأغاني، ليصف دراما واقعية بطلها الشاعر سيد مرسي، الذي غنى مشاهير الطرب المصري والعربي له مثل وردة الجزائرية وعفاف راضي ومحرم فؤاد وسعد عبد الوهاب وهاني شاكر.
قصة الشاعر يرويها للمؤلف ناجي مأمون الشناوي، نجل الشاعر المعروف، فذات يوم جاء المطرب عبد الغنى السيد والملحن محمود الشريف، في زيارة عادية للشناوي الكبير. في الصالون جلسا في انتظار الشاعر الشهير الذي كان في حجرته، بعد دقائق نهض ليرتدي ملابسه، وفتح دولابه ليرتدي أحد قمصانه. أثناء ذلك سقطت من بين الملابس ورقة بيضاء إلا من سطور قليلة. نظر فيها فوجدها عدة أبيات شعرية غنائية جميلة تقول:
«ع الحلوة والمرة..
مش كنا متواعدين..
ليه ننسى بالمرة عشرة بقالها سنين»،
وقف مأمون الشناوي مندهشاً بعض الشيء من جمال الكلمات، ثم استدعى الخادمة التي كانت منذ دقائق تضع الملابس في الدولاب.
جاءت الفتاة مرتبكة وخائفة.. سألها:
- من أين جاءت هذه الورقة؟ سألها بحدة، ردت وهي ترتعد: إنها تخص الولد سيد «المكوجي» الذي يعمل في الحي. وحين حاصرها بالأسئلة اعترفت بأنه يحبها، وكتب فيها تلك الكلمات.
ذهبت الخادمة تستدعي سيد - حسب تعليمات سيدها - وخرج مأمون الشناوي إلى الصالون، حيث يجلس عبد الغنى السيد ومحمود الشريف، الذي قدم إليه الأبيات المكتوبة. نظر فيها الشريف ثم قال: ولكن ليس هذا لونك في الكتابة يا مأمون. رد: نعم هي ليست لِي. وبعد دقائق سيأتي الشاعر الذي كتبها. وحين جاء «الولد سيد»، قرأ عليهم بقية كلمات الأغنية الشهيرة التي غناها فيما بعد عبد الغني السيد. وما إن استمع الشريف إلى بقية الكلمات حتى أمسك بعوده وبدأ تلحين العمل.
ومن هنا انطلق سيد مرسى إلى عالم الغناء، بعدما اعتمد في الإذاعة. ورغم عمره المديد من 1887 حتى 1995 ظل الرجل يعيش على الهامش بحي شعبي مخلصاً لمهنته، باعتباره «أسطى مكواة»، وحين توفى لم يتذكره أحد.
وتتوالى القصص والحكايات بالكتاب على هذا النحو في إيقاع لاهث وشيق يثير الدهشة في قلب وعقل القارئ.



مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
TT

مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)

في ظلّ حرب قاسية تلفّ لبنان، يبحث المرء عمّا يُنسيه شبحها الذي يلاحقه. فنشرات الأخبار من جهة، والتقارير الصحافية من جهة أخرى، تفرض متابعتها. وإذا ما حاول الإفلات من الشاشة الصغيرة، فإن الإشعارات القصيرة التي يتلقّاها عبر هاتفه تُعيده إلى الأمر الواقع.

فئة لا يُستهان بها من اللبنانيين تجد في الدراما الرمضانية ملاذها للهروب من تداعيات الحرب وأخبارها، فتلجأ إليها في لحظات التوتّر لتخفيف ضغط إنذارات القصف المُتتابعة.

يُحلّق المُتفرّج مع قصي خولي وكاريس بشار في مسلسل «بخمس أرواح» إلى عالم من الإثارة، وينتقل عبر «مولانا» إلى فضاء درامي مشوّق بقيادة المخرج سامر البرقاوي وبطولة تيم حسن. ومع مسلسلات مثل: «المحافظة 15»، و«بالحرام»، و«لوبي الغرام»، و«الست موناليزا»، و«على قد الحبّ» وغيرها، يجد المُشاهد برّ أمان ولو لساعات قليلة.

«المحافظة 15» من المسلسلات التي يتشوّق لبنانيون لمتابعتها (إنستغرام)

أحاديث اللبنانيين في زمن الحرب يطغى عليها الخوف والتحليلات السياسية. والجملة التي يردّدونها كثيراً، «شو بعرّفني؟»، تُشكّل بداية هذه الأحاديث ونهايتها؛ إذ لا يجدون بصيص أمل يتّكئون عليه لاستحضار طاقة رجاء، فلا حلول تلوح في الأفق.

من هنا، وجد المُتفرّج في الأعمال الرمضانية فسحة أمل. فهي، على عكس الحرب، تحمل نهايات واضحة. فالحلقات التي يتابعونها على مدى 30 يوماً تصل في النهاية إلى نقطة مُنتظرة. لذلك يشاهدونها صباحاً أو بعد الإفطار والسحور، آملين في لحظات راحة تبعد عنهم أجواء الحرب.

تقول لمياء، المقيمة في مدينة طرابلس، إنّ الأعمال الرمضانية أنقذتها من حالة اكتئاب حادّة كانت ستصيبها. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في بداية الحرب كنتُ أتابع الأخبار دقيقة بعد أخرى، ثم لاحظتُ أنّ حالتي النفسية تتدهور بسرعة. قرّرتُ النأي بنفسي والتحوّل إلى متابعة الدراما الرمضانية. معها أجد استراحة بين جولة قصف وأخرى. فإذا انتهيتُ من حلقة من (مولانا) وكانت وتيرة الحرب لا تزال مرتفعة، أبحثُ عن دقائق راحة أخرى مع (بخمس أرواح). وعندما يشتدّ الأمر ويصبح هدير الطيران الحربي مسموعاً أكثر، أشاهد مسلسلاً آخر، حتى لو لم أكن قد تابعته منذ البداية».

«بخمس أرواح» ومتعة متابعة الثنائي قصي خولي وكاريس بشار (إنستغرام)

وما تقوله السيدة الطرابلسية ينطبق أيضاً على نايلة التي تسكن في منطقة بصاليم. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أدري كيف كنتُ سأواجه هذه الأيام الثقيلة من دون مسلسلات. أجدها العلاج الوحيد للتوتّر والأرق اللذَين يصيبانني إثر قصف منطقة أو أخرى. أجلس في صالة الجلوس، أقرمش رقائق البطاطا وأتابع مسلسلاً». وتضيف: «أحياناً، عندما ننعم بساعات هدوء حذر، ألهي نفسي بأعمال المطبخ. لكن المسلسلات وحدها قادرة على أخذي في رحلة حالمة أنسى معها كلّ ما يحيط بي».

لغز اكتشاف ابنة «جود» في «بالحرام» يُحيّر متابعيه (إنستغرام)

ويلجأ بعض اللبنانيين إلى الزيارات القصيرة للجيران لتسجيل نزهة خاطفة خارج المنزل. وفي أحيان أخرى، يتجمّعون في غرف آمنة ليتسلّوا بورق اللعب. لكن منى معيقل، من منطقة الأشرفية، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب تشلّ حركتي وتجعلني أتسمّر أمام الشاشة الصغيرة. هذه المرة، وبفضل الشهر الكريم، حظينا بنعمة الدراما الرمضانية. فهي تُسلّينا وتُنسينا أجواء الحرب، لا سيما أنّ غالبيتها تحمل موضوعات جميلة. وبصراحة لم أعد أهتمّ بموعد انتهاء هذه الحرب الشعواء ومَن سيربح أو يخسر فيها. أشغلُ نفسي بفكّ ألغاز تطرحها مسلسلات عدة، بينها اكتشاف من ستكون ابنة (جود) في مسلسل (بالحرام)».

وتختم: «أحياناً أتعمَّد تفويت بعض الحلقات لأجمعها معاً. وعندما أشاهد 3 حلقات أو أكثر دفعة واحدة، أشعر كأنني حجزت لنفسي موعداً طويلاً يبعدني عن أخبار الحرب لساعات. كأنني أتناول طبق حلوى يسيل له اللعاب كلّما فكّرت به».


سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج النمساوي سيباستيان براميشوبر إن فكرة فيلمه «لندن» لم تبدأ من قصة تقليدية بقدر ما نشأت من ملاحظة بسيطة عاشها بنفسه خلال رحلات طويلة بالسيارة، موضحاً أن «السفر مع غرباء في مساحة ضيقة مثل السيارة يخلق نوعاً خاصاً من الحوار لا يحدث في أي مكان آخر، لأن الإنسان في هذه اللحظات يكون في حالة مغايرة، فهو في طريقه إلى مكان ما، لكنه في الوقت نفسه يعيش زمناً معلقاً يسمح للأفكار والذكريات بأن تتدفق بحرية».

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الحالة تحديداً هي ما جذبه إلى صناعة الفيلم، لأن الحوار داخل السيارة يختلف عن أي شكل آخر من أشكال اللقاءات الإنسانية. «فعادةً ما يجلس الشخصان إلى جوار بعضهما وهما ينظران إلى الطريق أمامهما بدلاً من نظر بعضهما إلى بعض، وهو ما يخلق نوعاً من الصراحة غير المتوقعة، وهذا الوضع يجعل الحديث يتحرك ببطء، يتخلله صمت أحياناً، ثم يعود ليتحول فجأة إلى اعترافات شخصية عميقة»، على حد تعبيره.

تدور أحداث فيلم «لندن» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» حول رجل يُدعى «بوبي» يقضي معظم وقته خلف مقود سيارته، يقود ذهاباً وإياباً على الطريق السريع الذي يربط بين مدينتي فيينا وسالزبورغ، وخلال هذه الرحلات الطويلة يلتقط ركاباً غرباء يسافرون في الاتجاه نفسه لتقاسم تكاليف الوقود، لتتحول السيارة تدريجياً إلى مساحة صغيرة للقاءات إنسانية عابرة.

المخرج النمساوي استلهم فيلمه من رحلاته (الشركة المنتجة)

وبينما تتغير الوجوه والقصص في المقعد المجاور له، يبقى الطريق الثابت الوحيد في حياة «بوبي»، الذي يبدو وكأنه يبحث عن شيء ما يتجاوز مجرد الوصول إلى وجهة محددة، ومع كل راكب جديد، ينفتح الفيلم على حكاية مختلفة، فهناك الشاب الذي يطرح أسئلة أخلاقية حول الخدمة العسكرية، والموظف الصغير الذي يسافر لزيارة عائلته، والباحث الذي يهتم بتاريخ الطريق الذي يسلكونه، وامرأة تستعد لبداية مرحلة جديدة في حياتها.

هذه اللقاءات العابرة تتحول إلى سلسلة من الحوارات التي يتداخل فيها الحديث اليومي البسيط والاعترافات الشخصية العميقة، بحيث تكشف تدريجياً عن صورة متعددة الوجوه للحياة المعاصرة في أوروبا، لكن خلف هذه الرحلات المتكررة يكمن سبب شخصي يدفع «بوبي» إلى الاستمرار في القيادة.

وأشار براميشوبر إلى أن «بطل الفيلم ليس مجرد سائق ينقل ركاباً عابرين، بل شخصية تبحث عن شيء مفقود في حياتها، فهو يقود في الظاهر إلى المستشفى حيث يرقد صديق قديم في غيبوبة، لكن الرحلة في حقيقتها رحلة داخل الذاكرة، ومحاولة لفهم ما تبقى من العلاقات القديمة، وكل راكب يصعد إلى السيارة يفتح نافذة مختلفة على الحياة، وهذه اللقاءات المتفرقة تتحول تدريجياً إلى صورة أوسع عن الإنسان الأوروبي المعاصر».

ولفت إلى أن تنوع الركاب كان جزءاً أساسياً من فكرة الفيلم، فما يهمه في هذه الشخصيات ليس تفاصيل حياتهم فقط، بل الطريقة التي تتقاطع بها حكاياتهم مع حياة «بوبي»، بحيث يصبح كل لقاء بمثابة مرآة تعكس احتمالاً مختلفاً لحياة كان يمكن أن يعيشها.

وأضاف أن الطريق السريع الذي تدور عليه الأحداث لم يُختر بشكل عشوائي، موضحاً أن طريق «ويست أوتوبان» بين فيينا وسالزبورغ يحمل تاريخاً معقداً يمتد إلى عقود طويلة، ورغم كونه يبدو في الظاهر مجرد ممر للسيارات، فإنه في الحقيقة يحمل طبقات من التاريخ السياسي والاجتماعي، بعضها يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وكان هذا البعد التاريخي كان مهماً بالنسبة إليه، لأنه يربط بين حياة الأفراد اليومية وما يسميه «التاريخ الكبير» في الذاكرة الأوروبية الذي يترك أثره في تفاصيل الحياة العادية.

وتحدث براميشوبر عن اختياره للممثل بوبي سومر في الدور الرئيسي، مؤكداً أن العلاقة بينهما بدأت قبل سنوات طويلة عندما التقيا خلال عمل سابق، وشعر منذ البداية أن سومر يمتلك حضوراً إنسانياً خاصاً وقدرة على الإصغاء للآخرين، وهي صفات عدّها أساسية للشخصية.

ركز الفيلم على جوانب إنسانية بشكل كبير (الشركة المنتجة)

وأضاف أن الفيلم لم يكن مكتوباً على شكل حوار تقليدي، بل اعتمد إلى حد كبير على تفاعلات حقيقية بين بوبي والركاب، ما منح المشاهد إحساساً بالصدق والعفوية، لافتاً إلى أن عملية اختيار الركاب كانت دقيقة؛ إذ كان يبحث عن أشخاص قادرين على الحديث عن حياتهم بصدق، لكن مع احتفاظهم بشيء من الغموض.

وقال إن «الكاميرا لا تحب الأشخاص الذين يكشفون كل شيء بسهولة، بل أولئك الذين يتركون مساحة للتأويل، ومن ثم جاءت بعض الشخصيات في الفيلم مستوحاة من تجارب حقيقية مرتبطة بقضايا مثل الحرب والهجرة، لكن الفيلم يتناول هذه الموضوعات من زاوية شخصية وإنسانية أكثر من كونه طرحاً سياسياً مباشراً».

وأشار إلى أن الفيلم صُوِّر في استوديو رغم أن أحداثه تدور في سيارة تسير على الطريق، وهو قرار جاء لأسباب فنية. فقد تم أولاً تصوير الطريق والمناظر الطبيعية بكاميرات عدة، ثم عُرضت هذه اللقطات لاحقاً على شاشات حول السيارة في أثناء التصوير، مؤكداً أن هذه الطريقة سمحت بخلق بيئة هادئة تساعد الممثلين على التركيز في الحوار، لأن الضجيج الطبيعي للطريق كان سيجعل تسجيل الصوت وإدارة الحوار أمراً أكثر صعوبة.

وأضاف أن «هذه البيئة المغلقة ساعدت أيضاً على منح الفيلم طابعاً يشبه المسرح الحميمي، حيث تتركز الكاميرا على الوجوه والتفاصيل الصغيرة في الحديث»؛ لأن ما يهمه في هذه اللحظات ليس الحدث الكبير، بل تلك الفجوات الصامتة بين الجمل، لكون الصمت أحياناً يكشف عن مشاعر أعمق من الكلمات.

وأشار إلى أن عنوان الفيلم «لندن» قد يبدو غريباً لأن الأحداث لا تدور هناك، لكنه يحمل معنى رمزياً مرتبطاً بماضي الشخصية الرئيسية، فلندن تمثل بالنسبة إلى «بوبي» مرحلة من حياته كان يشعر فيها بالحرية والانفتاح، ولذلك تتحول في الفيلم إلى رمز لمكان ذهني أكثر منها مدينة حقيقية.

وأضاف أن العنوان يفتح فضاءً أوسع خارج السيارة، وكأن الرحلة القصيرة على الطريق تتصل بخرائط أبعد من الجغرافيا المباشرة، مؤكداً أنه أراد من خلال الفيلم تقديم لحظة إنسانية بسيطة لأشخاص لا يعرفون بعضهم بعضاً يجلسون معاً لبعض الوقت، يتبادلون القصص ثم يفترقون، لكن أثر هذا اللقاء يبقى معهم لفترة أطول مما يتوقعون.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
TT

«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)

كشفت دراسة أميركية عن أن جرعة واحدة من مادة «السيلوسيبين»، المركب النشط فيما يُعرف بـ«الفطر السحري»، قد تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين.

وأوضح الباحثون من جامعة جونز هوبكنز أن العلاج بـ«السيلوسيبين» إلى جانب العلاج السلوكي المعرفي يوفر نهجاً مختلفاً وأكثر فاعلية لمساعدة المدخنين على التخلص من إدمان التبغ، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «JAMA Network Open».

ويُعدُّ التدخين أحد أبرز أسباب تدهور الصحة حول العالم، إذ يتسبَّب في نحو 480 ألف حالة وفاة سنوياً في أميركا وحدها، ونحو 8 ملايين وفاة عالمياً. ورغم رغبة كثير من المدخنين في الإقلاع عن هذه العادة، فإن العلاجات المتاحة حالياً غالباً ما تفشل في تحقيق نتائج طويلة الأمد. وتشمل العلاجات التقليدية بدائل النيكوتين والأدوية المساعدة مثل فارينيكلين، إضافة إلى جلسات الإرشاد النفسي، إلا أن كثيرين يعودون للتدخين خلال 6 أشهر من بدء العلاج.

وتركز الدراسة السريرية على تقييم فعالية «السيلوسيبين»، وهو مركب مهلوس مستخلص من نوع من «الفطر السحري»، في دعم الإقلاع عن التدخين. ويجري حالياً اختبار المركب أيضاً لعلاج بعض اضطرابات الصحة العقلية، مثل الاكتئاب، ما يعكس الاهتمام المتزايد بفوائده على الصحة النفسية.

وشارك في التجربة 82 مدخناً بالغاً سبق لهم محاولة الإقلاع عن التدخين، وقُسّموا عشوائياً إلى مجموعتين، تلقَّت الأولى جرعةً واحدةً عالية من «السيلوسيبين» تحت إشراف طبي، بينما استخدمت المجموعة الثانية لصقات النيكوتين لمدة تتراوح بين 8 و10 أسابيع. وخضع جميع المشاركين لبرنامج علاج سلوكي معرفي استمرَّ لمدة 13 أسبوعاً لدعم عملية الإقلاع عن التدخين.

وبعد 6 أشهر من بدء التجربة، بقي 38 مشارِكاً في مجموعة السيلوسيبين و32 في مجموعة لصقات النيكوتين. وأظهرت النتائج أن 40.5 في المائة من المشاركين في مجموعة «السيلوسيبين» تمكَّنوا من الامتناع المستمر عن التدخين، مقابل 10 في المائة فقط في مجموعة اللصقات. كما بيّنت الفحوص البيوكيميائية أن 52.4 في المائة من المشاركين في المجموعة الأولى لم يدخنوا خلال الأسبوع السابق للفحص، مقارنة بـ25 في المائة فقط في مجموعة اللصقات.

ويختلف تأثير «السيلوسيبين» عن العلاجات التقليدية للإدمان، إذ لا يستهدف مستقبلات النيكوتين مباشرة في الدماغ. ويعتقد الباحثون أنه يعمل عبر تغيير طريقة تفكير الشخص وإدراكه لذاته، ما يساعد على كسر أنماط السلوك الإدماني وتعزيز المرونة النفسية. وتشير النتائج إلى أن جرعة واحدة فقط قد تحقق تأثيراً طويل الأمد، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى استخدام أدوية يومية أو طويلة المدى.

ولم تُسجل آثار جانبية خطيرة خلال الدراسة، لكن بعض المشاركين أبلغوا عن أعراض خفيفة، مثل ارتفاع طفيف في ضغط الدم، وصداع، وغثيان.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوةً مهمةً نحو تسريع تطوير العلاجات النفسية المعتمدة على المواد المخدرة لعلاج اضطرابات تعاطي المواد، بما في ذلك إدمان التبغ، مع التأكيد على ضرورة إجراء دراسات أكبر وأكثر تنوعاً لتحديد أفضل طرق العلاج وتكلفته وإمكانية تطبيقه على نطاق واسع.