ترجمة أمازيغية لرواية «جيرترود» للمغربي حسن نجمي

ترجمة أمازيغية لرواية «جيرترود»  للمغربي حسن نجمي
TT

ترجمة أمازيغية لرواية «جيرترود» للمغربي حسن نجمي

ترجمة أمازيغية لرواية «جيرترود»  للمغربي حسن نجمي

تصدر للكاتب المغربي حسن نجمي، قريباً، روايته «جيرترود» في ترجمة من العربية إلى الأمازيغية، من إنجاز الدكتورة فاطمة وَالْعَالِي، وذلك ضمن منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في الرباط.
وقال نجمي إن «جيرترود» قد تكون أول رواية مغربية، في حدود علمي، كُتبتْ باللغة العربية تُنقَل إلى اللغة الأمازيغية، معبراً، في تدوينة على حسابه الرسمي بـ«فيسبوك»، عن أمله في «أن تتواصل هذه التجربة في الترجمة - بالأساس - من العربية إلى الأمازيغية، ومن الأمازيغية إلى العربية».
وأشار نجمي إلى الاحتفاظ في الترجمة الأمازيغية بغلاف الطبعة الأولى بالعربية، الذي صممه الفنان عبد الله الحريري على أساس البورتريه الذي رسمه بابلو بيكاسو لجيرترود سْتايْن، وذلك مع الاكتفاء فقط بتغيير لونه من الأحمر إلى الأسود.
ورحبت ردود الفعل الأولية بمبادرة ترجمة الرواية إلى الأمازيغية، مشيرة إلى أنها تبقى «جميلة وغاية في الأهمية»، وأن «الكتابة بلغات الهويات المتعددة خطوة رائعة»، تؤشر على «تحول نوعي في ترجمة الأدبي المغربي العربي».
وكتب مراد القادري، الشاعر والباحث ورئيس «بيت الشعر في المغرب»، في سياق تفاعله مع تدوينة نجمي: «خبر سار للثقافة المغربية، وهي تبني جسور تواصل بين مكوناتها».
كانت الرواية قد نُشرتْ سنة 2011، في طبعتها الأولى، في المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء، كما نشرتها دار العين للنشر، بمصر، سنة 2016. كما صدرت بالإنجليزية بالولايات المتحدة، بترجمة أنجزها الأكاديمي والمترجم الدكتور روجر آلن.
وحظيت «جيرترود» منذ صدروها باهتمام ومتابعات نقدية رأت فيها «لبنة» و«إضافة نوعية» إلى رصيد كاتبها ورصيد الرواية المغربية والعربية؛ كما اعتبرتها «رواية ممتعة، ذات متخيل خصب بالتداعيات والإحالات، حافلة بمناخات الأدب، والتصوير، وببعض الأسماء الشهيرة في تاريخ الحركات الطليعية في الفن الحديث»، حيث جاءت «غاصة بالكبار»، مثل بيكاسو وأبولينير وبودلير، و«شبيهة بكاتدرائية»، فيما تتميز بـ«حبكة سردية متقنة»، حيث كتبت «بنفس شعري، وبلغة بينية، وبمتخيل مزدوج، مشحون بالكتب والأنتلجنسيا في باريس، وعالم الفن التشكيلي وأسماء الفنانين في تاريخ الحركات الطليعية».
وصدّر نجمي لروايته بقول لبيكاسو، يتحدث فيه عن الكاتبة الأميركية، حيث نقرأ: «كانت جيرترود كائناً رائعاً. كان يكفي أن تدخل إلى غرفة لكي تمتلئ الغرفة حتى ولو كانت فارغة. ولقد كانت تفهم التصوير. كما اشترت مني لوحات عندما لم يكن أحد في العالم راغباً فيها»، فيما نقرأ على ظهر الغلاف: «رواية عربية، من المغرب. تستدرج حياة الكاتبة الأميركية جيرترود سْتايْن (1874 - 1946) إلى لعبة سردية. فانطلاقاً من زيارتها إلى طنجة عام 1912، ولقائها بشاب مغربي يدعى محمد. ومجرى علاقتها بماتيس، بيكاسو، هيمنغواي، فيتزجرالد، أناييس نِنْ.. وآخرين. وكذا إقامتها الباريسية الدائمة بشقتها في 27 شارع دوفلوريس وصالونها الفني الأدبي الشهير.. يندس الشاعر والكاتب حسن نجمي في متخيل خصب بالتداعيات والإحالات، حافل بمناخات الأدب والتصوير الجديدين، وببعض الأسماء الكبرى في تاريخ الحركات الطليعية في الفن الحديث. طنجة وباريس في بدايات القرن العشرين، ومدن وأمكنة أخرى، وبيكاسو وهو يرسم البورتريه التكعيبي لجيرترود، الذي أنجزه بعد 87 جلسة في عزلة محترفة، حيث استسلمت الكاتبة كموديل ليفعل بها الفنان (ما شاء!) على الأقل، كما خمّن ذلك الشاب المندهش، القادم من طنجة إلى باريس، الذي سلبته الأضواء والمادة الجسدية اسمه وبعض توازنه وألقت به إلى هاوية النكران».
وقال نجمي إنه لم يكن يفكر، وقت كتابة «جيرترود»، بأن يكتب رواية أفضل من الروائيين الآخرين، بل كان في صراع مع نفسه، حتى يكتب أفضل مما كتب، وأن يجرب أشكالاً أخرى في الكتابة، قبل أن يتابع: «ربما كتبت هذا النص الروائي كشاعر».
وعن علاقة السارد «حسن» في الرواية، بالكاتب، قال نجمي: «السارد حسن لا يشبه حسن نجمي (المؤلف). لا علاقة لحسن السارد بحسن المؤلف، لكن، من حق الناقد أن يؤول ما يشاء».
يشار إلى أن نجمي، الرئيس الأسبق لاتحاد كتاب المغرب (1998 - 2005)، هو شاعر وروائي وناقد ومترجم وإعلامي، أصدر مجموعة من الأعمال الأدبية، تراوحت بين الشعر والرواية والنقد والترجمة، من بينها «لك الإمارة أيتها الخزامى» (1982)، و«سقط سهواً» (1990)، و«الرياح البنية» (1993) بالاشتراك مع الفنان التشكيلي الراحل محمد القاسمي، و«حياة صغيرة» (1990) وغيرها، فضلاً عن ترجمات لأعمال عدد من شعراء العالم. فيما سيصدر له، قريباً، عن دار «خطوط» الأردنية، ديوان شعري جديد، تحت عنوان «فكرة النهر»، قال عنه إنه «قصيدة واحدة حول النهر؛ توزعت إلى شظايا وشذراتٍ وأفكارٍ صغيرة ومشاهدَ ومناظرَ في خطٍّ واحدٍ حيث الاحتفاء بحركية الماء، بالفضاء العائم، بالنهر الذي يكلِّمُ الشاعرَ ويكلّمهُ، بالشاعر الذي يذهب لينام تاركاً نهره وحيداً يقضي ليْلتَهُ في الليل، ويستيقظ فيجد النهرَ قد سبقه. نهرُ الشعر، نهرُ الشعراء، نهرُ الأمكنة، نهرُ الأزمنة التي مضت، والتي ستجيء».



97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».