مسافر مقيم يتأمل في كتاب الطبيعة

حاز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

مسافر مقيم يتأمل في كتاب الطبيعة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

حاز كتاب «مسافر مقيم» للشاعر العراقي باسم فرات على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2013 - 2014 الذي صور فيه المؤلف وعلى مدى عامين كاملين رحلاته الشيقة إلى أعماق الإكوادور، وهي رحلات أو «يوميات تنفتح بقارئها على فضاءات غير معهودة»، كما رأت لجنة التحكيم ذلك؛ لأن الشاعر باسم فرات «يكتب بعينيه وذاكرته وقلبه».
وصل باسم فرات إلى العاصمة الإكوادورية كيتو في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 بصحبة جينيت، زوجته النيوزيلندية ذات الجذور الإنجليزية. هي إنسانة غربية منظمة جدا، وهو شاعر شرقي مسكون بالدهشة وحب الاستكشاف. وفي 23 يوليو (تموز) 2012 سيقوم باسم بأولى رحلاته إلى غواياكيل، أكبر مدن الإكوادور، ومنها إلى ساليناس وأيامبه وميناء لوبز، مرورا بمونتكرستي وبدرنالس، صعودا إلى بعض الجبال الشاهقة منها كوتوباكسي وتشيمبوراسو والاوسي، نزولا إلى الأمازون وبعض محمياته ومنتجعاته السياحية الساحرة، وانتهاء بمدينة القديس دومينغو ومتحف الماء في مدينة كيتو، وما تخلل هذه الرحلات من مجازفات ومخاطر لا يستهان بها لأنه أوشك أن يدفع حياته ثمنا لها.
منذ البدء يحيطنا الكاتب باسم فرات بمعلومات كثيرة عن الإكوادور بشكل عام، وكيتو بشكل خاص، مصورا لنا سلاسل جبال الأنديز الـ3 وجبالها الـ40 الشاهقة الارتفاع التي تطل قممها على الغيوم والأمطار والصواعق من مسافات بعيدة. فالجبل في الإكوادور لا يسمى جبلا ما لم يزد ارتفاعه على 4000 مترا. وبما أن منزل الرحالة باسم فرات يقع على ارتفاع 2850 مترا فوق مستوى سطح البحر، فإنه - بحسب الإكوادوريين - لا يعيش على جبل!
لا شك في أن فصول هذا الكتاب تتمحور حول الرحلات التي قام بها الشاعر باسم فرات وحده أو مع زوجته في بعض الأحيان، وهذا ما نلمسه من ضمير المتكلم الذي يطغى على بعض الفصول، حيث نشعر ببعض الفوارق بينه وبين زوجته النيوزيلندية القادمة من ثقافة مغايرة لثقافة الكاتب الشرقية. فثمة شذرات جميلة تصادفنا هنا وهناك تكشف عن اهتمام الكاتب بتلاقح الحضارات من جهة ونبوّ بعضها عن بعض من جهة أخرى.
إن الذين يعرفون الشاعر والمصور الفوتوغرافي باسم فرات عن كثب سيدركون أنه مولع بالأسفار والرحلات، وقد صادف أن تكون زوجته جينيت أكثر ولعا منه بالأسفار، ولولاها لما تحققت لباسم مثل هذه الفرص الذهبية التي استثمرها أفضل استثمار وحوّلها إلى مادة أدبية راقية تنضوي تحت باب «أدب الرحلات». وبما أن الإكوادور ليست محطة باسم فرات الأولى فكان عليه أن يكتب عن نيوزيلندا أولا التي قبل فيها كلاجئ، ثم اليابان التي عاش فيها بعيدا عن هاجس اللجوء السياسي أو الاقتصادي، ثم جمهورية لاوس الديمقراطية، ولكن أخشى ما أخشاه أن يكون باسم فرات قد أهمل التدوين قبل مرحلته الإكوادورية، وهذا هو الذي دفعه لأن يقدم المرحلة الأخيرة على سابقاتها التي لا تقل دهشة وفتنة وإغراء من الإكوادور التي تعني «خط الاستواء».
يتصف باسم فرات بدقة الرصد، وقوة الملاحظة، والفضول المعرفي الذي يفضي غالبا إلى الاستكشاف ومفاجآته الكثيرة. وبما أنه مصور فوتوغرافي فإن حواسه الـ6 جميعا متيقظة بما فيها الحدس أو الحاسة السادسة التي تحرضه على خوض مغامرات لا تحمد عقباها مثل مجاورة الحيتان أو الاقتراب من التماسيح أو الدنو من الأفاعي السامة التي تضعه دائما في دائرة الموت الساخنة.
لا تقتصر دقة رصد الشاعر والمصور فرات عند حدود «كتاب الطبيعة» الذي يحلو له أن يتمعن فيه في كثير من الأحيان التي يكون فيها مسافرا بالسيارة أو القطار ليستمتع بجمال الطبيعة من أشجار وأنهار وجبال وهضاب وسهول وصحارى منبسطة على مد البصر، بل إن عينيه تلتقطان الشعارات التي تبثها الأحزاب والحكومات الفاشلة التي لا تفلح إلا في نهب ثروات البلاد والعباد. فحينما نقرأ في الإكوادور أو غيرها من البلدان التي ترفع شعارات من قبيل «وطن الكرامة أو العدالة أو الليبرالية» فإننا نتيقن في الحال أن هذا البلد يهدر كرامة الإنسان، ويغتصب العدالة، ويجعل من الليبرالية شبحا لا وجود له على أرض الواقع تماما كما هو الحال في بلدان العالم المتخلفة التي تنتعش فيها الديكتاتوريات التي تروج لـ«ثقافة الشعارات والصور» التي تعمل ضدها في واقع الحال.
على الرغم من جمال الطبيعة وثرائها في الإكوادور، فإن شعبها فقير جدا ولا تعرف حكومته كيف تستدرج السياح وتوفر فرص عمل كثيرة لمواطنيها متعددي القوميات والثقافات والأديان. وقد انتبه الكاتب باسم فرات إلى السرقة بوصفها ظاهرة شائعة في الإكوادور فقد تعرض هو غير مرة لظاهرة السرقة المسلحة ونجا من الموت بأعجوبة، فالسراق لا يتورعون عن استعمال الأدوات الجارحة كلما دعتهم الحاجة إلى ذلك فلا غرابة أن يتفادى الكاتب حمل مبالغ مادية كبيرة في محفظة نقوده خشية من وقوع السرقة في أي لحظة.
لم يتبع الكاتب خطة مدروسة في تقديم المعلومات الكثيرة التي توفرت لديه خلال سنوات إقامته في كيتو، بل كانت هذه المعلومات تنساب عفو الخاطر كلما وجدت سبيلها ضمن السياقات السردية لفصول الكتاب.
لا يحتاج القارئ إلى معلومات متوفرة على الإنترنت حتما من قبيل التعداد السكاني أو جغرافية الإكوادور، لكنه بحاجة ماسة إلى أبرز المحطات في تاريخ الشعب الإكوادوري، وخصوصا أن شعبه عريق وتمتد حضارته إلى بضعة آلاف من السنين. وحسنا فعل الكاتب حينما توقف عند خوسيه ألوي ألفارو دلغادو، باني الإكوادور، والمحافظ على وحدتها الوطنية، والمدافع عن قيمها الديمقراطية.
من المعلومات الشيقة التي يحتاجها القارئ العربي هي حديثه عن البراكين الـ8 النشيطة في السلسلة الوسطى التي تقع عليها العاصمة كيتو أو البراكين الخاملة التي يمكن أن تنفجر على غير موعد كما هو الحال في براكين الجنوب، أو الحديث عن اللغة الإسبانية التي يتحدث بها جميع الإكوادوريين واللغات المحلية التي لم يبقَ منها سوى 14 لغة من أصل 30 لغة محلية يتحدث بها المجتمع الإكوادوري متعدد الثقافات والأعراق والأديان.
يحضر العراق بقوة في هذه اليوميات، سواء بشكل إيجابي أم سلبي، وقد تتجسد دلالة العنوان بأن الكاتب «مسافر في أرجاء العالم، ومقيم في العراق في الوقت ذاته» حتى وإن كانت هذه الإقامة مجازية، فالشاعر باسم فرات يحمل العراق في قلبه وذاكرته أنّى حل أو ارتحل. وهو يعقد المقارنات بين العراق وبين البلدان التي يحط فيها زائرا أو مقيما. وعلى الرغم من أن الشاعر فرات يتمنى التقدم والرقي للعراق فإن مقارناته الحيادية تكشف عن حجم التخلف الكبير الذي يعيشه العراق بوصفه دولة لا تعتني بالحدائق والمتاحف والمناطق الأثرية، ولا تهتم بالبيئة والمحميات الطبيعية والاصطناعية، وقبل ذلك كله فهي غير معنية بالإنسان العراقي وحقوقه الشخصية والعامة.
تمتد هذه المقارنات إلى البلدان التي عاش فيها أو زارها زيارات خاطفة مثل اليابان ولاوس، حيث يحيطنا علما بسلوكية الإنسان وأخلاقه ومنظومة قيمه الاجتماعية التي نعرف من خلالها أن الإنسان الياباني يقدس العمل، ويحب النظافة، بل إن الشعب الياباني نفسه هو الذي ينظف الشوارع والأرصفة والحدائق العامة، وإن عمال البلدية لا يعملون شيئا سوى رفع هذه النفايات وإيصالها إلى المناطق المخصصة لها بعكس اللاويين الذين يجمعون أوساخهم ويرمونها على حافة الشوارع لتعيدها حركة السيارات إلى أمكنتها السابقة.
يهتم باسم فرات بالمكونات الإثنية لأي بلد يزوره أو يقيم فيه، وربما كانت إشارته ذكية إلى أن جمهورية لاوس الديمقراطية فيها 200 إثنية، بينما لا يتجاوز تعدادها السكاني 6 ملايين نسمة. وقد وصل فرات إلى قناعة مفادها أن البلدان النقية ذات العرق الواحد هي أكذوبة كبرى فكل البلدان في العالم مكونة من إثنيات متعددة والعراق هو من بين هذه البلدان المتنوعة الأعراق والأديان والمذاهب. ينصب اهتمام الكاتب باسم فرات في معظم رحلاته على تصوير الحالات والمشاهد النادرة التي يقتنصها في الغابات والجبال والأنهار والمسطحات المائية، فكم من مرة يلفت عنايتنا إلى تصوير الورود والأزهار، بل إنه يصف الانحناء لها وتصويرها نوعا من الصلاة أو طقسا من طقوس العبادة؟ وكم من مرة يغرينا للتأمل في حيوان الفكونة وهو (بين اللاما والغزال) وليس أكبر من ذلك كما يشير صاحب المورد؟ وكم من مرة يبث فينا الهلع وهو يصور لنا أفعى الأناكوندا التي لا تنفث ولا تلدغ، ولكنها تلتفت حول الإنسان وتعصره حتى تطحن عظامه في جسده قبل أن تلتهمه وتمتص كل السوائل الموجودة فيه ثم تلفظه خارج جسدها القوي؟ أو يرعبنا حينما يتوقف ليصف لنا سمك البيرانا الأمازومنية الخطيرة؟
لا تتوقف رغبة التأمل والتصوير عند الحيوانات الخطيرة فحسب، بل تمتد إلى الطيور والفراشات والحشرات الكثيرة التي تزدحم بها غابات الإكوادور، وأنهارها المتدفقة، وشلالاتها الكثيرة التي كان يتأملها كمن يقرأ في صفحات الطبيعة أو يستوحي منها الكثير من قصائده كلما سنحت له خلوة هنا أو هناك ليدبج بعض الأشعار بلغة مفارقة لكثير من القصائد السائدة والمكرورة، ولا غرابة في ذلك فمن ينحني للوردة ويصلي لها لا بد أن تمنحه عطرا استثنائيا لا تمنحه إلا للمتعبدين الأنقياء الذين يدونون صلواتهم وهمساتهم على وريقات الورد المرهفة.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.