المغرب... العقل الاجتماعي وحركة الأفكار

في ظل تنامي النقاش حول تغير البنيات الثقافية

محمد عابد الجابري
محمد عابد الجابري
TT

المغرب... العقل الاجتماعي وحركة الأفكار

محمد عابد الجابري
محمد عابد الجابري

شأنه شأن البلدان العربية الأخرى، يشهد المغرب نقاشاً متنامياً حول تغيّر البنيات الثقافية المشكلة لوعيه الجَمْعي، في ضوء التحولات التي يشهدها المجتمع اقتصادياً وسياسياً. ويحتدّ هذا النقاش أكثر، حين تحضر الثقافة كعنصر محدد لبنية التفكير السائد، أو كمؤشر لاختلاف العقليات واطّراد درجات الوعي الاجتماعي والإدراك الثقافي مع تعاقب الأجيال، فضلاً عن عوامل التنشئة ودور المؤسسات في صنع السلوك الاجتماعي وفق معادلة التأثير والتأثر. يتقاطع ذلك تماماً مع التعريف الذي قدّمه عالم الأنثروبولوجيا رالف لينتون للثقافة باعتبارها صورة عن الحياة التي يعيشها الأفراد داخل المجتمع، وباعتبارها أيضاً كتلة من الأفكار والعادات التي تعلَّموها وساهموا في خلقها بشكل أو بآخر ثم نقلوها من جيل إلى جيل، عبر سلسلة سوسيوثقافية وسلوكية متواترة.
اليوم، يُطرحُ سؤال كبير عن الثقافة والعقل الاجتماعي في المغرب، هل لا تزال الثقافة المفكّرة حاضرة باعتبارها شأناً نخبوياً خالصاً كما كان عليه الحال خلال فترة الصراع بين النخب السياسية الصاعدة والدولة المركزية؟ أم أنّ الثقافة في بُعدها السوسيولوجي العام هي نفسُها مع اختلاف منطقي في الموجات المكتسبة من جيل لآخر ومن حقبة تاريخية لأخرى؟ إذا كان الأمر كذلك فأين يقف العقل المغربي اليوم من مجمل التحولات التي يعيشها المجتمع؟ هل غاب تماماً أم حضر بصيغ جديدة غير مألوفة؟ وهل تطورت فيه البنيات التحليلية للظواهر أم أن الوعي بما يجري لا يتعدى حاجز الوعي اللحظي التفاعلي غير المؤثِّر؟ وهل نحن أمام حس نقدي حقيقي يتنامى في الواقع مع اتساع دائرة التعبير مؤسساتياً، وفي ظل هذا النطاق التفاعلي الضخم الذي تضمنه شبكات التواصل المزدحمة، أم أنّ الأمر برمّته جزء من تداعيات حالة الضجيج والصدمة الحضارية التي تحدث عنها عالم الإنسانيات كالفيرو أوبيرغ، والناجمة أصلاً عن عاصفة الإعلام الجديد والوسائط الرقمية التي قلبت الطاولة على المرئي والمقروء والمسموع دفعة واحدة، دون أن تُحدِث بالضرورة تجانساً منطقياً في موجات التلقّي وردّات الفعل؟
الواضح هو أن هذه الصيرورة تشكل في مجملها ومن منطلقات مختلفة نمطاً ثقافياً جديداً وعقلاً اجتماعياً قائماً بذاته يؤثر ويتأثر، لكن وفق معادلة مغايرة لما كان موجوداً في السابق وبدرجات تفاعلية غير منتظمة.
لقد تميز المغرب دائماً بحالة فكرية نشطة، إذ لم يغب الفكر يوماً عن مؤسساته وبنياته المدنية، بشكل صريح أو ضمني، فبين التوافق تارة والصراع المحتدم تارة أخرى تشكّلت علاقة من نوع خاص بين المثقف والحاكم في إطار توازنات ضرورية صاحبت مسار بناء الدولة الحديثة في المغرب. لم يغب تيار الأفكار أبداً عن هذا المسار، حتى إن ظل في أحيان كثيرة متمركزاً في دوائر نخبوية ضيقة، لكنها واسعة التأثير\لقد واكبت الكتابات النقدية والرؤى الاجتماعية الحيّة حركية المجتمع، وساهمت في رسم ملامح المرحلة، بل كانت محدّداً رئيساً لعدد كبير من أحداثها الكبرى سياسياً واقتصادياً وثقافياً. يكفي أن نتوقف مثلاً عند المرحلة التي أعقبت الاستقلال أواخر الخمسينات من القرن الماضي وصولاً إلى «التناوب التوافقي» نهاية عقد التسعينات، لنلحظ حجم الدينامية الكبرى التي عاشها المشهد السياسي والاجتماعي في المغرب، ونرى حالة التجاذب الحادّ بين النخب والسلطة، تجاذبٌ نبع من زوايا ثقافية تأثرت بالتجارب الأخرى خارج البلاد، واستوحت جانباً آخر من تفاصيل عملها، من صلب المنظومة الثقافية المحلية.
المهم هو أن الحراك المجتمعي في تلك الفترة المفصلية من تاريخ المغرب الحديث عبّر بوضوح عن الأصول العريقة للعقل الاجتماعي في المغرب ولتقاليد الفكر المغربي الفاعل، والذي لم يبدأ مع الاستقلال في الواقع، بل كان تراكماً طويل الأمد ما فتئ ينضج ويتفتح مرحلة بعد أخرى، حتى أصبح جزءاً أساسياً من «مجتمع الدولة» بتعبير بيير بورديو.
وبالعودة إلى الأدبيات المرجعية لمحمد عابد الجابري، فإن العقل المغربي لا يعدو أن يكون جزءاً من بنية العقل العربي كله، لكن الجابري نبّه مراتٍ كثيرة إلى استفادة هذا العقل العربي الكُلّي من منهجية العقل المغربي وقواعد اشتغاله ومهاراته المُجرَّبة في تحليل الظواهر داخل التراث الإسلامي خصوصاً، وفي تعاطيه العام مع المستجدات الحضارية والقضايا الطارئة. إن تميُّز العقل المغربي جاء من انفتاحه وتنوع المشارب التي نهل منها، لكن ذلك لم يمنعه من الوقوف أيضاً أمام عتبة الهوية المتسائلة عن ذاتها، والتي تختصم فيها الأنا بين سؤال الوجود وحتمية الكينونة، فهذا العقل الاجتماعي الراسخ يمتح من صلب الموروث الثقافي العربي الإسلامي مع كل ما يربط المغرب بالمشرق حضارياً في الماضي والحاضر. وهو في الوقت ذاته، يستند إلى حركة الأفكار القادمة من الخارج، بحكم القرب الجغرافي وعوامل الانفتاح والتماس الحضاري والاجتماعي المباشر، ومن باب التأثر الواضح بالمسار الأوروبي والفرنسي تحديداً، نظراً لأبعاده الكونية الملهِمة أولاً، ولما يربط المغرب بفرنسا ثانياً من معطيات ثقافية وسياسية لا يمكن القفز عليها في التاريخ الحديث على الأقل.
كما أن هذا العقل الاجتماعي المغربي يبقى ذا خصوصية سوسيولوجية عميقة ببعد تاريخي ومجالي واسع الأفق، فهو يستوحي من الجذور الأمازيغية قواعد أخرى للتفكير وروافد مختلفة تماماً تمنحه نوعاً من الاستثناء في علاقته مع النسق الفكري السائد داخل المحيط العربي. ومن غير الممكن كذلك إغفال ما حدث خلال القرون الخمسة التي أحكَمتْ فيها الآلة السياسية العثمانية قبضتها على الثقافة في العالم العربي، وما خلّفه ذلك المدّ الإقصائي من كساد في التفكير العربي وهضمٍ تام للقوميات وخصوصياتها الثقافية وكبح لحراكها المعرفي والمؤسساتي، حدث ذلك في وقت كان فيه المغرب يعيش فصلاً مهماً من فصول الدولة المستقلة بمنأى عن هذا الواقع العنيف. لقد كان العقل الاجتماعي المغربي خلال تلك الفترة منشغلاً بمراكمة مزيد من التجارب الذاتية في «تمرين الدولة» الطويل والمعقد سياسياً وثقافياً. من هذا المنطلق كان للعقل الاجتماعي المغربي دائماً ما يميّزه وما يثريه من روافد ومسارات خدمت رأسماله المعرفي كثيراً وأعطته زاداً معتبراً من مؤونة الإدراك والممارسة.
لكن كل هذه المعطيات، قد تلخص، من جهة أخرى، ما يعيشه العقل الاجتماعي المغربي اليوم من أزمات ذاتية وموضوعية متعددة الأوجه، فتنوع المشارب خلق له أزمة ذاتية أعادته من جديد لسؤال الهوية، وعطّلت بعض النقاشات الجانبية عمله الخلّاق عبر إلهائه بسجالات «عصبية» غير منتجة.
كما أن رياح التشدد القادمة من نقط التوتر في المشرق أربكت خطى هذا العقل الاجتماعي، وحجبت السحُب النصّية ملامح فلسفته الروحية المتسامحة والمتسائلة، إضافة إلى أن التراجع التعليمي الواضح وتقهقر المعرفة داخل المنظومة الاجتماعية لهذا العقل قوّض عمل آلته الفكرية، وحرمه من نزهة الاطلاع، مع تراجعٍ ملحوظ في منجز الترجمة والأبحاث العلمية كمّاً وكيفاً، ومع تراجع آخر تعيشه الجامعة التي ابتعدت عن دائرة القرار والتغيير. وقد يكون ذلك متصلاً، ربما بأزمة موازية يعيشها العقل السياسي المغربي الذي لم يواكب كما ينبغي زخم التحولات المؤسساتية الكبيرة، وظلت فيه الممارسة دون سقف الرؤية، مع تعطيل غير مفهوم لدور الفكر المتجدد وتغليب للعقل السياسي «الفقهي» الذي يكرّس المأثور وينحاز للثابت النمطي فكراً وممارسة.

- كاتب وشاعر مغربي



السعودية تستعرض ثقافتها في «أرتيجانو إن فييرا» بميلان

يستعرض الجناح الحِرف التقليدية السعودية والصناعات اليدوية التي تميزت بها البلاد لسنواتٍ طويلة (هيئة التراث)
يستعرض الجناح الحِرف التقليدية السعودية والصناعات اليدوية التي تميزت بها البلاد لسنواتٍ طويلة (هيئة التراث)
TT

السعودية تستعرض ثقافتها في «أرتيجانو إن فييرا» بميلان

يستعرض الجناح الحِرف التقليدية السعودية والصناعات اليدوية التي تميزت بها البلاد لسنواتٍ طويلة (هيئة التراث)
يستعرض الجناح الحِرف التقليدية السعودية والصناعات اليدوية التي تميزت بها البلاد لسنواتٍ طويلة (هيئة التراث)

تشارك السعودية، ممثلةً بوزارة الثقافة، في معرض «أرتيجانو إن فييرا»، الذي سيقام في مدينة ميلان الإيطالية خلال الفترة بين 2 و10 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، عبر جناحٍ يضم عدداً من الجهات التي ستُقدِّم للزوّار ثقافة المملكة بمكوناتها كافة، لتُسلط الضوء على التراث الوطني الغني بكنوزه المتنوعة.

ويشهد الجناح مشاركة هيئات: «التراث، وفنون الطهي، والمسرح والفنون الأدائية»، و«المعهد الملكي للفنون التقليدية»، و«الشركة السعودية للحرف والصناعات اليدوية»، وسيحتوي مدخله على تجربةٍ ثقافيةٍ مميزة، تُبرز الاهتمام بالشعر العربي، وتربطه بالثقافة الإيطالية، عبر انتقاء أبياتٍ شعريةٍ وترجمتها، وعكسِها على جدارياتٍ بالمدخل قبل أن يبدأ الزائر رحلته، متعرّفاً على ثقافة وتراث السعودية الغني، ومطَّلِعاً على إبداعات مواهبها.

وعبر جناح «هيئة التراث»، يقدم 25 حِرفيّاً، وروّاد الأعمال والبيوت الحرفية، للزوّار إبداعاتهم في الحِرف التقليدية السعودية، والصناعات اليدوية، التي تميزت بها البلاد على مدى سنواتٍ طويلة. ويدعم «المعهد» 12 طالباً وطالبةً؛ ليستعرضوا أعمالهم ومنتجاتهم الحِرفية في جناحه، فيما تستعرض «الشركة» أبرز منتجاتها الحِرفية.

بدورها، تُشارك أيضاً «هيئة فنون الطهي» عن طريق 12 طاهياً، يقدِّمون للجمهور تجربة الطهي الحي، وأطباقاً تقليدية شهيرة تختص بها مناطق المملكة، إلى جانب تجهيز مطعم تقليدي بالجناح، فضلاً عن تقديم القهوة السعودية، وبيع المنتجات التقليدية، بينما تُقدم «هيئة المسرح» عبر 3 فرقٍ أدائية؛ إحداها نسائية، عروضاً لـ13 فناً من الفنون الأدائية التقليدية المختلفة التي تتميز بها المملكة؛ لتعكس جماليات فنونها، وترسم صورة نابضة بالحياة للموروث الوطني.

تأتي هذه المشاركة ضمن جهود الوزارة والهيئات والكيانات الثقافية في تمثيل البلاد بالمحافل الدولية، لتعزيز التبادل الثقافي الدولي بوصفهِ أحد أهدافها الاستراتيجية، تحت مظلة «رؤية 2030»، وإبراز اهتمام المملكة بعناصر التراث الثقافي غير المادي مثل الشعر العربي وربطه بالثقافة الإيطالية، ضمن مبادرة «عام الشعر العربي 2023»، فضلاً عن تعريف المجتمع الدولي بالثقافة والفنون السعودية وما تختزله من جمالياتٍ وإبداعٍ متوارَثٍ على مدى سنواتٍ طويلة.


مصائر حزينة وشخوص تراوح في المكان

مصائر حزينة وشخوص تراوح في المكان
TT

مصائر حزينة وشخوص تراوح في المكان

مصائر حزينة وشخوص تراوح في المكان

تنطلق رواية «العروس» للروائي المصري حمدي الجزار من مكان افتراضي يحمل اسمها، هو عبارة عن مطعم وملهى ليلي فاخر بوسط العاصمة القاهرة، يرتاده الأثرياء وصفوة المجتمع، وفي ليلة رأس السنة، حيث يحتفل المطعم بمرور 71 عاماً على إنشائه.

تحت رذاذ تلك الليلة تتعدد صور وطبيعة الصراع في الرواية، وتنعكس على زمنيها العام والخاص، ما بين مرايا الماضي والحاضر، من خلال عين الراوي (الكاتب) السارد العليم والذي يجيد لعبة الوصل والقطع ما بين الشخوص والمكان. ففي ظلال هذه اللعبة يبدو الصراع طبقياً، يتمثل سيرة شرائح فقيرة ومهمشة من المجتمع وخطواتها المثقلة بمفارقات الحياة وعبث المصادفات، كما يبدو صراع بشر مع المكان الوعاء الحاضن لهم، يتأقلمون معه أحياناً، ويتمردون عليه إلى حد الفرار أحياناً أخرى؛ بحثاً عن وعاء أكثر اتساعاً وبريقاً، لكنهم مع ذلك يهرعون إليه كملاذ من تناقضات وتوحش فضائهم البراق. ومن ثم، تتعدد صور المكان في الرواية، فثمة مكان عابر طارد يمثله مطعم «العروس» تبدو الحياة بداخله مثقلة بخفتها ولهوها، ويبدو المطعم وكأنه قناع مراوغ لها، ووكرٌ للدسائس والمؤامرات وصراعات القوة والنفوذ، خارج جدرانه تصفو الحياة لنفسها، تغتسل من وحل الشهوات وأوهام الأماني اللزجة. في المقابل ثمة مكان أصيل مقيم، يشكل بؤرة البراءة والحنين الأول، يمثله «حي السيدة زينب» الذي ينتمي إليه أغلب الشخوص، ثم «نزلة السمان» أسفل منطقة الأهرامات بالجيزة.

وسط كل هذا، يبدو جوهر الصراع وكأنه صراع الكاتب نفسه مع عالمه الروائي، حيث يقتفي أثر شخوصه ومصائرهم، ويقطرها قطرة تلو أخرى في وعاء المكان. ما يكشف عن وعي ثاقب وعين حكاءة تتمتع ببصيرة سردية لها مذاقها الخاص، تعرف كيف تغرس الشخصية كنبتة في تربة المكان الطبيعي، ابن طفولتها وشهوتها البكر، وتتابعها بحنو وهي تنمو وتورق في ظلاله الدافئة، ثم تعيد رسمها من جديد في قماشة سردية كلاسيكية تتقلب فيها الشخوص ما بين صراعات الذات مع هواجسها وأحلامها وواقع المكان نفسه... فعلى سبيل المثال، تطالعنا شخصية إبراهيم مطر «النحات» المرموق، الذي يتردد على المطعم كعابر يقضي وقتاً برفقة حبيبته، لكنه يظل مشدوداً لمسقط رأسه، وتخبرنا الرواية بأنه وُلد في إحدى قرى «نزلة السمان» بالهرم، هناك أسس حياته في بيئة صالحة لعالمة الفني، عاش في كنفها طفولته، وتفتحت موهبته في فضاء الأهرامات إحدى عجائب الدنيا السبع وتمثال أبو الهول الشامخ، وما يحتويه المكان من آثار فرعونية، لا تزال محط أنظار العالم. وكذلك حبيبته الدكتورة نانيس والتي تتمتع بميزة أنها أحد الشخوص الخمسة الذين يملكون أسهماً في المطعم الفاخر. تعيش نانيس في حي جاردن سيتي الرومانسي الهادئ والذي يناسب مزاجها كأستاذة للموسيقى ويجدد شغفها بها وبألحان والدها الموسيقار الراحل التي تترد نغماتها الحانية الراقصة في أرجاء «العروس». أيضاً خالد عبد الباري «المتروديتيل»، أحد أبطال الرواية البارزين، والذي عرف «العروس» وهو طفل بصحبة والده «البارمان». يتمتع خالد بشخصية سمحة تمتزج فيها بداهة الفطرة وألفة الروح وبساطتها والتي تبدو انعكاساً لطبيعة حي السيدة زينب مسقط رأسه ومرتع صباه، بطيبة ناسه وروائحه الشعبية العريقة. تعكس شخصية خالد المكافح، الذي يعمل صباحاً في مركز الحضارة، ومساءً في المطعم، الضمير المخفي أو الغائب في تلافيف المكان وبريقه الزاعق. علاوة على أنه عاشق محب مخلص لزوجته سامية بشندي، رفيقة عمره وأم طفليه، رغم غيرتها الشديدة عليه والتي تكاد تصبح إدماناً ومرضاً.

هذه المقاربة الأولى تضعنا أمام الركيزة الأساس في هذه الرواية الصادرة حديثاً عن دار «ديوان»، بفصولها الاثنين والعشرين؛ وهي ما يمكن تسميته «المراوحة في المكان» فنحن أمام رواية شخوص تراوح في المكان، بعضها في القلب منه، وبعض الآخر في الهامش يتعلق بأهدابه من الخارج، متستراً بالتأقلم والخنوع، لكن عينه دائما مصوَّبةٌ للداخل، إلى حد التلصص. مثل كابتن «هراوي» رجل الأمن وموظف الاستقبال بالمطعم، فهو مجرد أداة لمراقبة الوافدين إليه، يتفحص ملامحهم وخطواتهم من خلال شاشة تليفزيونية كبيرة، يتسمر أمامها طيلة الوقت، ودائماً يتباهى بماضية كبطل سابق في كمال الأجسام، وأحد فتوات حي السيدة. أيضاً «شاهين» الشاب الأقصري الذي مسّته خرافة «عرق الصِّبا» التي روتها جدته، وأن من يحوز هذا العرق يتمتع بقوة خارقة، فينزل إلى قاع نهر النيل في فترة الجفاف، ويشرب من المياه المتناثرة في شقوق الطمي والطين ويرى النهر يشع ويتناثر في كفه كحبات اللؤلؤ. يتزوج شاهين، لكن لا ينجب، وبقوة اليأس يطلّق امرأته، يحررها منه، حتى تنعم بالأمومة من زوج آخر، ويغادر إلى القاهرة، وينتهي به الحال إلى مجرد بواب للعمارة الكائن بها المطعم.

تحت سقف «العروس» تتراءى شخصيات عدة، تتقلب في مرايا مصقولة بنزق الشهوة والجشع، وتتنوع أدوارها ما بين التواطؤ والغدر والخيانة، وبين الحرص على لقمة العيش بشرف وأمانة، شخوص شرهة ومآلات مصائر حزينة، تتسم خطواتها بالتوتر واللهاث عبر رقعة زمنية تتسع وتضيق في ثوب ليلة واحدة، وعلى مسرح مصادفة رخوة يتحول الخائن في ظلالها بطلاً وسيداً للمكان، بمنطق التحايل الذي يجيده ويروضه بمهارة لص، متخذاً منه قناعاً، ووسيلة للنفوذ والسيطرة على المكان والبطش بكل من يقف في طريقه، بلا مبالاة، أو مراعاة لعشرة أو ضمير... هكذا يطيح عمر عبد الظاهر الابن العاق لبائع الكيروسين المتجول بحي السيدة زينب كل من يقف في طريقه للاستحواذ على «العروس» والتحكم في كل صغيرة وكبيرة تخصه، يخون ويزوّر صكوك الأمانة التي حملها له وخصه بها الحاج مرزوق عشم الله، الرجل الورع التقي، أحد مشاهير حي السيدة زينب، الذي يحسن لفقرائها ومساكينها، ويدعوهم لوليمة عامرة كل أسبوع بقصره المنيف بحي المقطم، كما أنه الوحيد الباقي على قيد الحياة من ملاك «العروس»، أراد أن يزيح عن كاهله متاع الدنيا ويتفرغ للصلاة والعبادة. فيستدعي عمر عبد الظاهر الذي صنعه الحاج مرزوق وجعله «المدير المالي للعروس» وانتشله من وظيفته الفقيرة ومكتبه البائس للمحاسبة القانونية، ثم يمنحه وثيقة بموجبها يترك له مكانه، ليصبح رئيساً لمجلس إدارة العروس، ويضع رقم «صفر» أمام أسهم عمر فيه والتي اشتراها له بماله الخاص، ويذكّره بأن «من يحكم لا يملك».

يرفد هذه المراوحة للمكان «تقنية الوصف» إحدى ركائز معمارها الفني المجدول بنسيج معرفي وفني فائق. فنحن أمام كاتب وصّاف بامتياز، يعرف أسرار وجماليات هذه التقنية، وكيف تمنح السرد والحكي مساراً خاصاً، يجعله حياً ومفتوحاً على قوسي البدايات والنهايات. ثمة وصف لكل شيء، يستبطن العواطف والمشاعر والانفعالات الداخلية للشخوص، ويحلّق في فضائها، ويرصد أثر وانعكاس المكان عليها... وصف للثياب والشموم والروائح والعطور وأنواع الطعام، والطاولات والمفارش والكؤوس، ومقابض الأبواب والمناضد والحوائط، ورائحة الطقس... يتحرك الوصف كفعل معايشة، وتوثيق لنثريات المكان، ويلعب دوراً مهماً في الإيهام بالواقع من داخله وفي الخارج أيضاً، وتخيله بصوره متنوعة ومنسجمة سردياً مع تماثلات الزمن وطبقات الحكي، وبلغة قادرة على التشخيص والإيحاء، والتنقل بتلقائية من حيز الواقع المؤطر لبراح التخييل المفتوح على أفق أوسع. فالكاتب الراوي يتقمص الشخوص ويسبر أغوارها، وبذكاء أدبي مشرّب بمسحة شاعرية ينثر الكلام فوق شفاهها، وكأنه يتحاور معها أولاً قبل أن يقذف بها إلى القارئ.

يقول في صفحة (164) رابطاً ما بين النحت وأوتار الفرقة الموسيقية التي أنهت دورها وتتأهب لمغادرة مسرح العروس: «أغلــق الموســيقيون حقائبهم على كنوزهم الثمينة، وأخفوها عن العيون، كأنهــم يخفون عرائس ساحرة يجب سترها وراء حجب مصمتة، بعد أن فتنت الجميع. حملوا حقائبهم على صدورهم، وعلقوها على أكتافهم وظهورهم، وانحنوا مبتسمين تحية للجميع، وغادروا المسرح تاركين الخشبة في ضوء خافت، وكان النحات يحدق في المساحة الفارغة التي خلفوها وراءهم».

لكن الاستغراق في الوصف، لم ينج أحياناً من الحشو، وأصبح مجرد وظيفة تزينية لمفردات المكان.

يبقى من الأشياء المهمة في هذه الرواية أنها تنتصر للمرأة، وتبرز قوتها وصلابتها حتى في لحظات الضعف الإنساني النبيل، كمصدر قوة وطاقة للحياة، مثال «نانيس» القبطية التي تحب مطر «النحات» المسلم، و«سماهر» الراقصة التي تدافع عن كرامتها وشرف المهنة كراقصة فنانة تمتهن فناً حراً، تراه معجزة الجسد الإنساني... وغيرها من الشخوص التي ينحتها الكاتب بإزميل حكّاء ذي بصيرة خاصة، يعرف كيف تصبح الرواية أنشودة للجمال والحرية.


أربعة تماثيل حيوانية برونزية من قرية الفاو

أربع قطع برونزية من قرية الفاو محفوظة في متحف الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض
أربع قطع برونزية من قرية الفاو محفوظة في متحف الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض
TT

أربعة تماثيل حيوانية برونزية من قرية الفاو

أربع قطع برونزية من قرية الفاو محفوظة في متحف الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض
أربع قطع برونزية من قرية الفاو محفوظة في متحف الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض

* يتجلّى هذا الأسلوب اليوناني الكلاسيكي المتقن في قطعة برونزية أخرى من الحجم الصغير عُثر عليها في أول معبد اكتُشف في حدود المملكة من طريق التنقيب وهو المعبد الخاص بمعبود يُدعى الأحور

من قرية الفاو الأثرية، عاصمة مملكة كندة الأولى في نجد، خرجت مجموعة كبيرة من التماثيل تعكس التعددية الحضارية التي تميّز هذا الموقع. تحوي هذه المجموعة قطعاً حيوانية مصنوعة من البرونز، منها قطعة مزدوجة تمثّل أسدين متماثلين يحمل كل منهما بين أنيابه طوقاً دائرياً، وقطعة تمثّل دلفيناً يموج في حركة انسيابية متقنة، وقطعة منمنمة تجسّد وعلاً يحدّق في اتجاه الناظر إليه، وقطعة مشابهة تجسّد حيواناً غريب الشكل يقف ثابتاً فوق قاعدة مستطيلة.

تتميز القطعة المزدوجة بأسلوبها اليوناني الكلاسيكي الصرف، وهي على شكل أنبوبين يحمل طرف كل منهما وجهاً دائرياً يبلغ طول قطره نحو 9 سنتيمترات. الوجهان متماثلان، ويمثلان أسداً في وضعية المواجهة وسط لبدة شعر كثيفة تشكّل إطاراً له. الملامح مجسّمة بشكل دقيق، وتحاكي المثال الحي دون أي تحوير: الرأس عريض، العينان صغيرتان، الأنف بارز، الفم مفتوح، وبين الفك الأعلى والفك الأسفل يتدلّى طوق دائري على شكل سوار يبلغ طول قطره 4.5 سنتيمترات. بؤبؤ كل عين مُحدّد بثقب غائر، وكذلك تجويفا أعلى الأنف، وتظهر الشعيرات الطويلة في أسفلهما على شكل خطوط ناتئة بشكل طفيف. فقد أحد الوجهين أسنان فكّه الأعلى، وحافظ على نابَيّ فكّه الأسفل. في المقابل، حافظ الوجه الآخر على أسنان فكّه الأعلى المرصوفة بشكل متناسق، وفقد نابَيّ فكّه الأسفل، وبقي موقع هذين النابين ظاهراً على شكل ثقبين غائرين كبيرين.

في كتابه الخاص بقرية الفاو، افترض الباحث السعودي عبد الرحمن الأنصاري أن هذين الأنبوبين «كانا مركّبين على ذراع كرسي لشخصية مهمة»، وأضاف: «ولعلَّ هذين الرأسين كانا مسروقين من إحدى المقابر أو أحد بيوت المدينة السكنية، لأننا وجدناها في إحدى الدوائر الزراعية المنتشرة غربيّ المدينة، وعلى عمق 10 سنتيمترات». في الواقع، تُمثّل هذه القطعة المزدوجة مطرقة باب، وتتبع تقليداً عُرف في شرق اليونان منذ القرن الخامس قبل الميلاد، ثم انتشر انتشاراً واسعاً في العالم الروماني المتعدّد الأقاليم، وبقي حياً إلى يومنا هذا. الأرجح أن هذه المطرقة وصلت إلى الفاو من الخارج، إذ لا نجد ما يماثلها في هذا الموقع أو في سائر بقاع الجزيرة العربية.

يتجلّى هذا الأسلوب اليوناني الكلاسيكي المتقَن في قطعة برونزية أخرى من الحجم الصغير عُثر عليها في أول معبد اكتُشف في حدود المملكة من طريق التنقيب، وهو المعبد الخاص بمعبود يُدعى الأحور. تمثّل هذه القطعة ما يُعرف بالعربية باسم الدُّخَس، والدّخس في تعريف «تاج العروس»، «دابَّة في البحر تنجِي الغريقَ، تُمكِّنه من ظَهرها ليستعين على السِّباحة، وتسَمَّى الدُّلْفِينَ». وأصل هذا الاسم يعود إلى كلمة «دلفوس» اليونانية التي تعني الرحم.

يتميّز الدلفين بجسمه الانسيابي، وبأنفه الطويل والنحيف الذي يُشبه المنقار المنحني، ويمتلك ذيلاً يتحرّك إلى أعلى وأسفل في أثناء سباحته. تُجسّد منحوتة الفاو هذه الصورة الواقعية في أدق تفاصيلها، وقد وصلت بشكل شبه كامل، إذ لم تفقد سوى طرف ذيلها. كما هو معروف، احتلّ الدلفين موقعاً بارزاً في العالم اليوناني القديم، إذ جسّد قوّة البحر، وظهرت صورته بشكل جليّ في جدارية تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، تُزيّن قصر مدينة كنوسوس الملكية في شمال جزيرة كريت. تكرّرت هذه الصورة بشكل لامتناهٍ في العالمين اليوناني والروماني، حيث ظهرت بأشكال لا تُحصى في مجمل الميادين الفنية الصغرى والكبرى. وتردّد صدى هذا الظهور في العالم الشرقي الهلنستي بشكل واسع، كما يشهد الكثير من القطع الأثرية.

في كتابه «منطقة الرياض... التاريخ السياسي والحضاري القديم»، ذكر المؤرخ السعودي سليمان الذيب الدلفين، وقال في وصفه: «هو الحيوان الغريب الذي نعتقد أن إنسان وسط شبه الجزيرة العربية لم يتعامل معه بشكل مباشر»، وأشار إلى تمثاله المعدني الذي عُثر عليه «في معبد أحور بالفاو»، وربط بينه وبين نتاج الأنباط الفني، كما فعل من قبله عبد الرحمن الأنصاري. مثل أسَدَي مطرقة الفاو، يبدو هذا الدلفين يونانياً كلاسيكياً، ويخلو من أي حلية شرقية، والأرجح أنه وصل كذلك إلى الفاو من الخارج.

إلى جانب هاتين القطعتين، تحضر قطعتان معدنيتان تمثّل إحداهما وعلاً منتصباً على قوائمه، وتمثّل الأخرى حيواناً في وضعية مماثلة، رأى الأنصاري أنه «غريب الشكل»، ولم يحدّد هويّته. تتبع منحوتة الوعل الأسلوب الكلاسيكي، وتحمل طابعاً شرقياً يظهر في تجسيم القوائم المختزل، كما في تحوير القرنين الكبيرين اللذين يعلوان الرأس. يحضر جسم الحيوان في وضعية جانبية، ويحضر الوجه في وضعية المواجهة، وتبدو ملامحه محدّدة بأسلوب واقعي. يماثل هذا التمثال مجسمات خرجت من جنوب الجزيرة في القرون الميلادية الأولى، وحملت الطابع الهلنستي، وأضافت إليه لمسة محلية خاصة.

يختلف تمثال الحيوان «الغريب الشكل» من حيث الأسلوب، وهو على شكل كتلة جامدة يغلب عليها الطابع المختزل. يتميز هذا الحيوان بقرنيه، وبسنام يعلو كتفيه، ممّا يوحي بأنه ثور من الفصيلة التي تُعرف عالمياً باسم الزابو، وعربياً بالبقر الدرباني، وهي من الماشية المستأنسة التي شاعت صورتها في العالم الشرقي القديم بشكل واسع. يتبع هذا التمثال الصغير نسقاً فنياً قديماً ظلّ حياً في العالم الروماني، كما تشهد عدة تماثيل للزابو تعود إلى القرون الميلادية الأولى، منها على سبيل المثل قطعتان محفوظتان في متحف مقاطعة لوس أنجليس للفنون، مصدرهما الشرق الأدنى أو آسيا الوسطى.

خرجت هذه التماثيل من قرية الفاو الأثرية التي تقع عند طرف الربع الخالي، وكانت في الماضي تسيطر على طريق التجارة القديمة، حيث لا تستطيع القوافل السير دون المرور بها. كانت هذه القوافل القادمة من أنحاء جنوب جزيرة العرب تحطّ فيها، وتنطلق منها إلى الأفلاج فاليمامة، قبل أن تتجه شرقاً إلى الخليج، وشمالاً إلى وادي الرافدين وبلاد الشام. شكّل هذا المرفأ الصحراوي موقعاً استثنائياً لتواصل الحضارات المتعدّدة، كما تشهد القطع الأثرية الكثيرة التي عُثر عليها بين أطلالها، ومنها هذه القطع المعدنية الأربع.


أندرو موشن: الكتابة سبيلي للخطو خارج الزمن

أندرو موشن
أندرو موشن
TT

أندرو موشن: الكتابة سبيلي للخطو خارج الزمن

أندرو موشن
أندرو موشن

تكتسب كتابات الشعراء عن تجربتهم الشعرية قيمة خاصة قد لا تتوافر في كتابات النقاد المحترفين وأساتذة الأدب الأكاديميين؛ ذلك أن كتابة الشاعر عن فنه تجيء ثمرة معايشة حميمة لهذا الفن، وخبرة شخصية مباشرة بمسالك الشعر وشعابه ومضايقه على نحو يبرأ من التجريد الجاف والتنظير البارد.

وأحدث شهادة من هذا القبيل يقدمها كتاب صادر في هذا العام (2023) عنوانه «النوم على الجزر: حياة في الشعر» (Sleeping on Islands: A Life in Poetry). صدر عن دار «فيبروفيبر» للنشر بلندن، من تأليف الشاعر والروائي والناقد الإنجليزي أندرو موشن (Andrew Motion) الذي شغل في الفترة 1999- 2009 منصب شاعر البلاط في المملكة المتحدة، وهو أحد مؤسسي «محفوظات (أرشيف) الشعر» على الشبكة العنكبوتية الدولية. ويعيش حالياً في مدينة بولتيمور بالولايات المتحدة الأميركية، وذلك منذ تعيينه أستاذاً للفنون بجامعة جونز هوبكنز في 2015.

وموشن غزير الإنتاج، له عدد من الدواوين الشعرية. وفي أدب السير والتراجم: «فيليب لاركين: حياة كاتب» و«كيتس». وفي أدب المقالة والسيرة الذاتية والتأملات: «في الدم: مذكرات عن طفولتي». وفي النقد الأدبي: «شعر إدوارد توماس» و«فيليب لاركين». كما حرر قصائد مختارة للشعراء وليم بارنز وتوماس هاردي وجون كيتس وشعراء الحرب العالمية الأولى.

غلاف الكتاب

يتخذ كتاب «النوم على الجزر» شكل فقرات قصار تفصل بينها خطوط وتنتقل في الزمان والمكان جيئة وذهاباً في الفترة ما بين 1970 - 2021، فقد تبدأ إحدى الفقرات مثلاً في عام 2000 ثم ترتد إلى الوراء رجوعاً إلى عام 1976، وهكذا، مما يولد شعوراً بتدفق الزمن وجريانه وآليات الذاكرة التي تربط بين الماضي والحاضر وتعتمد على تداعي الأفكار واتصال تيار الشعور.

في مقدمته، يقول موشن إن كتابه هذا امتداد لكتابه السابق: «في الدم: مذكرات عن طفولتي»؛ إذ إن ذلك الكتاب سجل طفولته حتى سن السابعة عشرة. وهو هنا يواصل القصة ابتداء من ذلك العمر؛ أي إننا نلتقي به هنا شاباً يافعاً ورجلاً في منتصف العمر وشيخاً. وتتوقف القصة عند ربيع 2020. والفارق بين الكتابين أن «في الدم» كان مكتوباً باستخدام الفعل المضارع من وجهة نظر الطفل، محملاً بطزاجة الرؤية وطرافتها، أما «النوم على الجزر» فمكتوب باستخدام الفعل الماضي من وجهة نظر الراشد، كما أنه أميل إلى الانتقاء من تفاصيل الحياة؛ فهو يركز على مسيرته الشعرية ولقاءاته وصداقاته وعلاقاته بسواه من الشعراء، وأغلبهم الآن قد طوته يد المنون، ومن ثم كان بناء الكتاب أقرب إلى الطابع الشذري أو إلى جزر متناثرة في محيط الحياة. وهذا ما يفسر عنوان الكتاب: «النوم على الجزر».

حين منح موشن إجازة من التدريس بجامعة جونز هوبكنز لمدة عام، أغلق على نفسه باب مكتبه وقرر أن يستعرض ماضيه، فكان هذا الكتاب. وزاد من عزلته ظهور وباء «الكوفيد» وتوقف عجلات الحياة عن الدوران وانتشار الشعور بالحزن والإحباط في الحياة العامة والحياة الخاصة على السواء.

وفيما بين بداية الكتاب ونهايته نلتقي بموشن في مواقف مختلفة ولحظات تتراوح بين السعادة والشقاء، والنجاح والإخفاق، ولكنها كلها تجتمع على رسم صورة لحياة شاعر أثناء العقود الأخيرة من القرن العشرين والعقدين الأولين من الألفية الجديدة، حياة يشتبك فيها العام والخاص. وتقوم الأحداث الخارجية – سياسية وغيرها - في مؤخرة الصورة، ولكن البؤرة دائماً هي فن الشعر محور حياة موشن، بل مبرر وجوده ذاته.

وأهم علامات الطريق في حياة موشن، كما يسجلها، هي ما يلي: في الفترة الفاصلة بين انتهائه من المرحلة الثانوية والتحاقه بـ«كلية الجامعة» بجامعة أكسفورد التقى بفتاة تدعى جوانا صارت زوجته وهما ما زالا طالبين جامعيين. انتهى الزواج بالطلاق وأعقبته زيجتان أخريان. وبعد حصول موشن على الليسانس شرع في كتابة رسالة للماجستير عن الشاعر الإنجليزي إدوارد توماس تحت إشراف الشاعر والمحاضر جون فولر.

ومن الأحداث الشخصية التي يذكرها موشن أيضاً أن أباه أصيب بالسرطان في العظام (كان قد تزوج بعد وفاة الأم). وكما بدأ الكتاب بوفاة الأم فإنه ينتهي بوفاة الأب.

هذا عن الجوانب الشخصية من حياة موشن. أما عن الجوانب العامة ونشاطه الأدبي والوظائف التي تقلدها، فإنه يخبرنا بأنه بدأ ينشر قصائده في عدة مجلات ودوريات. وحصل على وظيفة محاضر في الأدب الإنجليزي بجامعة «هل»، وكان أمين مكتبتها هو فيليب لاركن لأكثر من عشرين عاماً. وفيما بعد استقال موشن من وظيفته في جامعة «هل» وعاد للعيش في أكسفورد، وتولى رئاسة تحرير مجلة «بويتري رفيو»، وغدا مشرفاً على برنامج للكتابة الإبداعية في كلية «هولواي الملكية» بجامعة لندن، واختير شاعراً للبلاط الملكي، ثم منح لقب «سير».

بدأ اهتمام موشن بالكتابة حين تعرف على مؤلف كتاب متواضع موضوعه ثعلب صغير، وبدأ يفكر في الموضوعات التي يمكن أن يكتب عنها، فكان أول ما تبادر إلى ذهنه هو حادثة موت أمه، مما قاده إلى التفكير في الموت بعامة وموت المحيطين به في الأسرة والمدرسة والمعارف بخاصة.

وبدأ ينظم الشعر – إلى جانب قراءته - وهو طالب في المدرسة الثانوية. وكان ناظر المدرسة، لحسن الحظ، محباً للشعر ومهتماً بصفة خاصة بشعر الحرب. واستهوته قصائد إدوارد توماس وإميلي دكنسن، لكن لماذا الشعر بوجه خاص؟ لمَ لا يختار شيئاً أكثر إدراراً للربح المادي؟ تراكمت هذه الأسئلة في ذهنه، ثم كان الجواب: «الشعر لأنه صوت المعاناة؛ لأنه قد يحفظ ذكرى أمي في كلمات؛ لأنه فرار من الماضي وإعلان استقلال؛ لأنه ذو سحر خاص وجمال لا يقاوم؛ لأن أشكاله دعوة إلى شعور أشد عمقاً وفكر أكثر دقة؛ لأنه يمثل التكثيف والاستقطار؛ لأنه ينتمي إلى كل إنسان؛ لأنه ابن عمومة للامعنى، وهو مع ذلك يقول الحقيقة بطريقة غير مباشرة؛ لأنه منعزل؛ لأنه يجعل العزلة سبيلاً للتواصل؛ لأنه - بتعبير بايرون - (شعور بعالم سابق ومستقبل)؛ لأنه لا يحوجه إلى أسباب أو أعذار؛ لأنه ليس شكلاً من أشكال المعنى وإنما هو طريقة للوجود».

سؤال آخر كان يطارده: كيف يغدو شاعراً حديثاً؟ كيف يحب عظماء الشعراء الموتى ويترك كلماتهم تتغلغل في مسامه ومع ذلك لا يكون مجرد صدى مردد لأصواتهم؟

صدر أول ديوان لموشن (وكان ديواناً صغيراً في خمسين صفحة) عن دار نشر «كاركانت» التي يشرف عليها الناقد مايكل شميت في 1978. كان الديوان مؤلفاً من ثلاثة أقسام: الأول قصائد متفرقة، والأوسط قصيدة قصصية طويلة نال عنها جائزة «نيودجيت» للشعر بجامعة أكسفورد، والثالث قصائد عن أمه.

ماذا كانت محركاته للكتابة؟ يقول: «كانت الكتابة كما يراها ذهني سبيلاً لرسم خريطة للزمن، لدوائره وخطوطه المستقيمة على السواء، وكانت الكلمات على الصفحة سبيلاً لقول: إني هنا». ويقول: «بدأت أكتب لأن الكتابة موقع يوفر لي الخصوصية؛ لأنها أعانتني على تعميق ما أشعر به (وأحياناً على فهم ذاتي بطريقة أفضل)»، فالقصائد «طريقة لتقبل ما هو محتوم، وأيضاً لإيقاف الزمن أو الخطو خارج الزمن».

ويعبر عن الصعوبات التي يواجهها الشاعر فيقول: «كانت الكلمات التي أريد أكثر ما أريد أن أستخدمها في قصائدي وراء متناولي دائماً»، إلى أن كان يوم شرع فيه في كتابة قصيدة عن ثياب أمه الراحلة (ظل أبوه عدة سنين يحتفظ بثياب زوجته، على سبيل الوفاء لذكراها، في علية البيت)، فإذا بالكلمات تواتيه وتستجيب لما يريد أن يقوله وكأنها استرجاع لذكرى.

وطموحه تعبر عنه الكلمات الآتية: «في ممارستي الشعرية كنت أطمح إلى توسيع نطاق العقيدة الغنائية، وأن أقاوم إغراء النظم حين أرتطم بخبرة شخصية حميمة كالحب أو الأسى أو الوحدة بحيث لا تعدو القصيدة أن تكون صرخة إيقاعية. وبدلاً من ذلك أردت أن أصطنع مقاربة أكثر موضوعية: أن أكتب قصائد قصصية يبدو على السطح أنه لا صلة لها بظروف حياتي الشخصية، مما يكفل أن تخرج واسعة النطاق متنوعة الاهتمامات، ولكنها تظل في الوقت ذاته مستلهمة من مشاعر شخصية قوية. أردت بمعنى آخر أن أكون انطوائياً وانبساطياً في آن، أن أوفق بين الغنائي والقصصي».

بدأ اهتمام موشن بالكتابة حين تعرف على مؤلف كتاب متواضع موضوعه ثعلب صغير... وبدأ يفكر في الموضوعات التي يمكن أن يكتب عنها

ومن الأجزاء الممتعة في كتاب موشن ما يرويه عن شعراء عصره الذين تعرف عليهم، وملاحظاته عن شخصياتهم ومظهرهم وسلوكهم، وصلاته بهم. من هؤلاء الشعراء و.هـ. أودن، وروبرت لويل، ووليم إمبسون، وشيمس هيني، وفيليب لاركن، وتد هيوز.

إن شهادة موشن في هذا الكتاب إضافة عصرية إلى شهادات سابقة عبر القرون. فنحن نتذكر؛ إذ نقرأه، القصائد التي نظمها هوراس اللاتيني وبوالو الفرنسي عن «فن الشعر». وفي الأدب الأميركي نسترجع مقالة للقاص والشاعر والناقد إدجار آلان بو، عنوانها «فلسفة الإنشاء» وصف فيها نظمه لقصيدته المسماة «الغراب»، وفي القرن العشرين شرح هارت كرين في بعض رسائله كيف نظم قصيدته «الجسر». وكتب أرشيبولد ماكليش قصيدة عنوانها «فن الشعر» ختمها بقوله: «على القصيدة أن تكون، لا أن تعني». وعربياً، كتب عدد من الشعراء من زوايا مختلفة عن حياتهم في الشعر: عبد الوهاب البياتي، ونزار قباني، وأدونيس، وصلاح عبد الصبور، ومحمد إبراهيم أبو سنة، وغيرهم. وفي كتاب أستاذ علم النفس الدكتور مصطفى سويف عن الإبداع الفني، في الشعر بخاصة، شهادات عدد من الشعراء والكتاب عن طرقهم في الكتابة، ومراحل تطورهم، والمؤثرات الذهنية والوجدانية والحياتية التي دخلت في تكوين أعمالهم.

وُلد موشن في لندن عام 1952 لأب حارب في الحرب العالمية الثانية وكان من الجنود الذين هبطوا على شاطئ نورماندي في 1944، وأم تدعى جيليان، وكان له أخ أصغر يدعى كيت التحق بكلية الزراعة، ثم اشتغل تاجر بذور. وتلعب الأم دوراً مهماً في هذه الذكريات، وكانت قد لقيت حتفها من جراء حادثة سقوط عن صهوة جواد ارتطم حافره المعدني برأسها، مما أحدث لها نزيفاً في المخ كانت فيه نهايتها بعد أيام قضتها في المشفى. وستخلف هذه الحادثة أثراً باقياً في وجدان موشن وفي قصائده.


تجليات الطبيعة في الرواية العربية

تجليات الطبيعة في الرواية العربية
TT

تجليات الطبيعة في الرواية العربية

تجليات الطبيعة في الرواية العربية

يشير الباحث الدكتور محمد عبد الله سرحان في كتابه «الرواية العربية - دراسة نقدية إيكولوجية» إلى أن المقصود بالنقد «الإيكولوجي» هو ذلك النقد الذي يركز على النص الأدبي الذي يصور الطبيعة في حركتها وتأثيرها النفسي الإيجابي أو السلبي على البشر، وذلك من خلال تناول عناصر بيئية «طبيعية» من صنع الخالق، كالبحر والشمس والليل والقمر والصحراء وغيرها، أو عناصر بيئية «مكانية» من صنع البشر كالمنازل والأمكنة المختلفة.

وظهرت «الإيكولوجيا» بوصفها فرعاً علمياً من البيولوجيا في أواخر القرن التاسع عشر حيث يعبِّر مفهوم «إيكولوجي» عن العلاقة بين الكائن الحي والبيئة. وأصبح النقد «الإيكولوجي» اتجاهاً رئيساً في الدراسات الأدبية والثقافية بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

ولم يتفق النقاد بسبب حداثة المصطلح على مفهوم باتّ ونهائي للنقد الإيكولوجي لكنه في مضمونه يشير إلى عقد ترابطات نصية وخطابية بين الأدب والطبيعة والأرض والمكان والبيئة في ضوء قراءات متنوعة قد تكون ثقافية أو تفكيكية أو تأويلية أو نفسية أو اجتماعية أو تاريخية أو جمالية أو تخييلية.

أرض النفاق

ويورد المؤلف في كتابه الصادر عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» بعض نماذج الرواية العربية التي تناولت تجليات الطبيعة ومفردات البيئة. ومن تلك الأعمال رواية «أرض النفاق» للكاتب المصري يوسف السباعي (1917 - 1978) حيث يتضمن العنوان أحد المكونات البيئة الطبيعية الأساسية، وهي الأرض التي يأمل الإنسان منها دائماً أن تُخرِج له الخير المتمثل في الزرع والثمار والماء العذب وما تكتنزه بطونها من معادن ونفائس. ولكن يصدمنا الكاتب بتغير الأرض إلى النقيض، حيث لا يخرج منها إلا النفاق الذي يمثل كل نقيصة في السلوك الإنساني. وتذهب الرواية إلى أن الأزمة الأخلاقية المتمثلة في غياب الصدق والوضوح وهيمنة الرياء والأكاذيب أدَّت إلى وجود أزمة بيئية حادة تتجسد في تلوث مياه نهر النيل حيث أصبح النفاق خطراً يهدد الطبيعة ولا يكتفي بتلويث الأرواح.

وفي رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للكاتب السوداني الطيب صالح (1929 – 2009) تلعب الطبيعة دوراً مهيمناً على المستويات البيئية والنفسية. يعود الراوي في مستهل العمل إلى قريته التي تقع عند منحنى النيل بعد غيبة 7 أعوام قضاها في أوروبا. ورغم مظاهر الحياة الأوروبية، وما تمتاز به من مغريات مادية فإن الراوي دائم الحنين إلى قريته الصغيرة ذات المكانة الكبيرة في قلبه. ويصف الراوي دفء المشاعر في قريته وتأثيرها عليه؛ فقد أذابت الثلوج من حوله وفي داخله، تلك الثلوج التي تحيط بأوروبا وتجعل مشاعر أهلها كأنها قالب من ثلج لا حرارة فيه.

يعود الراوي إلى مكانه الأثير عند جذع شجرة الطلح على ضفة النهر التي قضى عندها أوقاتاً طويلة في طفولته. إنه يجلس تحت ظلها وينظر إلى النهر المارّ أمامه في وداعة وهدوء، يمسك بقطع من الحجارة الصغيرة ويرمي بها في النهر ويشرد بخياله في الأفق البعيد المنبسط أمامه.

يستعير بطل الرواية من الطبيعة عنصر الماء، ذلك العنصر الحيوي اللازم لاستمرار وبقاء الحياة، حيث يجعل وجه أمه مثل صفحة الماء بصفائه وغموضه في الوقت نفسه، فالأم تحملت مسؤولية وليدها بوعي وفهم ممتزج بالكبرياء بعد موت زوجها، مما جعل تعابير وجهها غامضة لمن يراها، وكذلك النهر يجري في كبرياء.

تلعب الطبيعة دوراً مهيمناً على المستويات البيئية والنفسية في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للكاتب السوداني الطيب صالح

سردية الشمس

وتبدأ رواية «بيروت 75» للكاتبة السورية غادة السمان بداية إيكولوجية بمفردة من مفردات الطبيعية وهي الشمس. إنها ملتهبة شرسة تلقي أشعتها الحارة على الشاب «فرح» المرتحل من وطنه سوريا إلى لبنان، حيث الحلم والشهرة والثروة، لتكشف عما بداخله من نزعات ورغبات مكبوتة وتعرية أمام نفسه. وكما يتجنب «فرح» الشمس، فهو أيضاً يتجنب تلك الفتاة الجالسة بجواره رغم جمالها وفتنتها. إنها مثل الشمس يخشى أن تحاول النفاذ إلى أعماقه أو اجتذابه إلى هدف بعيد عن غايته. أما «ياسمينة» بتلقائيتها وحبها للحياة ووضوح سريرتها فتبدو على النقيض في موقفها من الشمس: «الشمس! كم هي حارة وممتعة. إنها تزيدني التهاباً وشوقاً للرحيل. أحب لسعها فوق وجهي!».

وتصف الكاتبة الطريق من دمشق إلى بيروت والسيارة تغادر المدينة وتمضي في طريق الربوة والهامة، قبل أن تخلف الصخرة الشاهقة على مدخل دمشق. لقد ترك الراحلون «الربوة - الهامة - الصخرة الشاهقة»، وهي مفردات تدل على الرفعة وعلو الشأن، كما تدل الصخرة على الثبات والرسوخ في الأرض، في إشارة إلى القيم الرائعة التي تركها المرتحلون وراءهم ثم سيتنبهون إلى أهميتها بعد فوات الأوان، ويندمون حين لا ينفع الندم.

أما ياسمينة، فتشعر بأنها «غابة برية» تهزها الموسيقى، مثلما تهز الرياح مفردات الغابة. تحرك مشاعرها البريئة ورغباتها المكبوتة في آن واحد. تقول الكاتبة: «تشعر ياسمينة بأنها غابة والموسيقى رياح تتخللها وتهز أشجارها وأغصانها وتطلق صياح عصافيرها وتوقظ ثعابينها. أما قلبها فقد تحول لطائر جائع للتحليق والطيران في الأفق الممتد؛ طائر يريد أن يبتعد عن وطأة التقاليد والقيود، طائر جائع ونهم يريد أن ينهل ويغترف من الجمال الذي يسبح فيه».


يوميات أب يصارع الخذلان

يوميات أب يصارع الخذلان
TT

يوميات أب يصارع الخذلان

يوميات أب يصارع الخذلان

تدفُّق السرد على نحو بالغ الحميمية والمهارة في التقاط مفارقات الواقع مع مسحة من السخرية هو أبرز ما يميز نصوص كتاب «جيوب ممتلئة بالبهجة وأقلام الرصاص» التي صدرت منه طبعة جديدة للكاتب محمد محمد مستجاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. يضم العمل يوميات حول هموم الأبوة والعمل والأزمات المالية حد الإفلاس ومطاردة أشباح الإلهام مع قوس واسع من تعدد مصادر الخذلان في الحياة عموماً. يستفيد المؤلف من نشأته في بيئة أدبية، وتتنوع أعماله ما بين القصة والرواية والمسرح ومنها «قمر تعابثه بنات الحور» و«عتبات سلم قديم» و«هشاشة عظام» و«أحلام منتصف النهار». بعض اليوميات في الكتاب حملت تفاصيل وحالة من الاستطراد مثل «شوال قديم متحرك» و«لمّ الغسيل قبل نهاية العالم». والبعض الآخر جاء قصيراً للغاية أشبه بومضة أو برقية مثل «تبرير» و«حب» و«قرص طعمية للبهجة».

حول تجربة اكتشاف الأبوة لأول مرة، يقول المؤلف تحت عنوان «يوم في حياة جندي بدرجة أب»:

«كل أجراس العالم لم تفلح في إيقاظي أنا المشهور بالنوم الثقيل إلا أن أي همسة من صوت ابنتي الرضيعة يجعلني أستيقظ فوراً وأهبط من الفراش وأتجه إلى فراشها الذي يبدو كقوقعة محار بها لؤلؤة صغيرة ما زالت تجهل هذا العالم».

ويتناول الكاتب ثنائية الحب وهموم الواقع في مفارقة تتسم بالشجن والسخرية في رسالة موجهة إلى حبيبته، حيث يقول:

«أحب أن أخبرك يا حبيبتي أنني لا أستطيع أن أكون بطلاً مثل توم كروز في (مهمة مستحيلة) أو أكون قاسي القلب مثل مارلون براندو في (الأب الروحي) أو قاتلاً بارد الأعصاب مثل روبرت دي نيرو في (هيت)، ولن أستطيع أن أكون رجلاً خارقاً أنقذ العالم وأحلّق بك من بلد لبلد مثل سوبرمان. إنما أنا رجل يرتدي في قدميه حذاءً ضيقاً مقاسه أربعون!

الألم يضغط عليّ دائماً من قدميّ اللتين تدوران ليل نهار بحثاً عن لقمة العيش واللتين أعود بهما إليك وإلى أبنائك، حيث أضع على وجهي ابتسامة وأسفل إبطي بعض المجلات والجرائد وكيساً من البرتقال وأرغفة خبز وفي جيبي قطعاً من الشيكولاتة رخيصة الثمن. نعم، لست بطلاً مثل الذين تشاهدينهم في التلفزيون ليل نهار يا حبيبتي. لا أستطيع أن أشتري لنفسي حذاءً جديداً منذ فترة حتى أستطيع أن آتي لك ولأبنائك بالخبز والحب والابتسامة».

وحول هموم الكتابة وصعوبة أن تجد الوقت المناسب لها يقول:

«لأيام أحاول أن أصالح نفسي، أشعر بضيق شديد، فاقد الحركة والاستمتاع، مشدود كحبل غسيل ينتظر الملابس كي تجف، محاصر بدفتر الحضور والانصراف في العمل وغمزات الجيران وثرثرة الزملاء العبثية والأوامر والطلبات المنزلية. أظل أتجول وأنا متوتر تحت أشعة الشمس، أو جالسا في الظلام الدامس أبحث عن ركن أختبئ فيه كي أكتب بعض الكلمات. القصة تدور في عقلي وتريد أن تقفز، تصرخ أن تخرج، تتحرش بي وتشتبك معي أثناء النوم والحركة والتجوال. أرتب أفكاري لإنجاز كل الطلبات وسداد جميع الالتزامات. المنزل فارغ وهادئ ومع ذلك لم تأت الكتابة، هي في عقلي حاضرة وفور جلوسي تهرب. كلمات لا تكمل جملة، أصوات الشارع أصبحت ديناصورات، تحوّل الجميع مصاصي دماء وأرواحاً. أسمع ليل نهار موسيقى، لا شيء مبهجاً ولا شيء يدفعني إلى الأمام. وضعت الوسادة على رأسي والغطاء على جسدي وتمنيت أن أنام أو أموت ولم يتحقق أحدهما!».


الآيرلندي بول لينش يفوز بجائزة «بوكر» عن رواية مستوحاة من الأزمة السورية

الكاتب الآيرلندي بول لينش أثناء حصوله على جائزة «بوكر» لعام 2023 في لندن 26 نوفمبر 2023 (إ.ب.أ)
الكاتب الآيرلندي بول لينش أثناء حصوله على جائزة «بوكر» لعام 2023 في لندن 26 نوفمبر 2023 (إ.ب.أ)
TT

الآيرلندي بول لينش يفوز بجائزة «بوكر» عن رواية مستوحاة من الأزمة السورية

الكاتب الآيرلندي بول لينش أثناء حصوله على جائزة «بوكر» لعام 2023 في لندن 26 نوفمبر 2023 (إ.ب.أ)
الكاتب الآيرلندي بول لينش أثناء حصوله على جائزة «بوكر» لعام 2023 في لندن 26 نوفمبر 2023 (إ.ب.أ)

فاز الكاتب الآيرلندي بول لينش بجائزة «بوكر» الأدبية البريطانية العريقة عن روايته «بروفِت سونغ» (أغنية نبي)، في احتفال أقيم مساء الأحد في لندن، بحسب «وكالةالصحافة الفرنسية».

و«بروفِت سونغ» هي خامس رواية لبول لينش الذي رُشّح للمرة الأولى لنيل المكافأة الأدبية العريقة. ويتناول الكتاب قصة قاتمة ومؤلمة لأم في آيرلندا تنحدر نحو نظام استبدادي.

الحرب السورية وأزمة اللاجئين

وتسعى رواية لينش الخامسة إلى إظهار الاضطرابات في الديمقراطيات الغربية وعدم اكتراثها بالكوارث، مثل الانهيار الذي حدث لسوريا.

وأكد لينش، أن رواية «أغنية النبي» مستوحاة من الحرب السورية وأزمة اللاجئين.

وقال لينش، الذي كان في السابق كبير النقاد السينمائيين لصحيفة «صنداي تريبيون» الآيرلندية، إنه أراد أن يوضح للقراء الشمولية من خلال تسليط الضوء على الواقع المرير من خلال الواقعية الشديدة في كتاباته.

وأشار الكاتب الآيرلندي في تعليقات نشرت على الموقع الإلكتروني لجائزة «بوكر»، إلى أن الرواية تحاول رصد «الاضطرابات في الديمقراطيات الغربية، انهيار أمة بأكملها مثل سوريا، حجم أزمة اللاجئين، لامبالاة الغرب». وأضاف لينش: «لم أتمكن من الكتابة مباشرة عن سوريا؛ لذلك أحضرت المشكلة إلى آيرلندا كمحاكاة».

وذكر لينش «أردت تعميق انغماس القارئ إلى درجة أنه بحلول نهاية الكتاب، لن يعرفوا هذه المشكلة فحسب، بل سيشعرون بها بأنفسهم».

وقال لينش عقب فوزه بالجائزة المرموقة: «لم تكن كتابة هذا العمل سهلة. كان ينتابني شعور بأنّني سأعرّض مسيرتي المهنية للخطر من خلال كتابته، ولكن كان عليّ إنجازه»، مبدياً «سعادة كبيرة بأنّ آيرلندياً يفوز هذه السنة بالجائزة».

جائزة «بوكر»

وتُعد جائزة «بوكر» من أبرز المكافآت الأدبية في العالم وتُمنَح لأعمال روائية بالإنجليزية، وقد أوصلت إلى الشهرة أسماء لامعة كثيرة في المجال الأدبي، بينهم الفائزون السابقون سلمان رشدي، ومارغريت أتوود وهيلاري مانتل.

ولم يُدرج أي من المتأهلين الستة للتصفيات النهائية لهذا العام، وهم أميركيان وآيرلنديان وكندية وكينية، في القائمة المختصرة من قبل، في حين أُدرج اسم واحد منهم فقط في القائمة الطويلة في النسخ السابقة للمسابقة.

ويحصل الفائز على 50 ألف جنيه إسترليني (نحو 63 ألف دولار)، فضلاً عن دفعة معنوية قوية لمسيرته الأدبية.

وكان لينش كتب أجزاءً من رواية «بروفِت سونغ» أثناء الحجر الصحي خلال جائحة «كوفيد - 19».

لكنّ الفكرة المقلقة المتمثلة في حظر التجول وانتشار الفيروس كانت طرأت في باله من قبل، على ما أكد خلال مؤتمر صحافي. وقال: «كان من الغريب جداً أن أشهد حدوث ذلك في الواقع».

«أغنية نبي»

وتتناول روايته التغيّرات الجذرية التي تطرأ على حياة إيليش ستاك، وهي أم لأربعة أبناء مقيمة في دبلن خلال مرحلة غير محددة، عندما يختفي زوجها المطلوب من قِبل الشرطة السرية الجديدة. ثم تسعى جاهدةً للحفاظ على تماسك عائلتها، في وقت تنحدر بلادها نحو نظام استبدادي.

وبول لينش المولود في ليمريك عام 1977، هو خامس آيرلندي يفوز بجائزة «بوكر». ويقيم لينش في دبلن ومن بين رواياته «بيوند ذي سي» و«غريس».

ورداً على سؤال في شأن أعمال الشغب التي شهدتها دبلن إثر هجوم بسكين قرب مدرسة، قال لينش: إنه شعر بـ«الذهول»، مشيراً إلى أنّ «هذا النوع من الأجواء حاضر دائماً، ولكنّه مستتر».

وشدّد الكاتب على أن العمل «لا يتضمّن أي استشراف»، لكنّه «يردد أصداء (مع الواقع) للقراء الذين يتعمّقون به».

روايته «بروفِت سونغ» (أغنية النبي) للكاتب الآيرلندي بول لينش 26 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

رياضة الاسكواش ومهمّشون

وأكدت الروائية الكندية التي ترأست لجنة التحكيم إيسي إدوغيان، أنّ «رواية (بروفِت سونغ) تجسّد المخاوف الاجتماعية والسياسية في عصرنا».

وأشارت إلى أنّ «القراء سيجدونها مؤثرة وحقيقية، وستبقى التحذيرات الواردة فيه في بالهم».

واختيرت الروايات الست المشاركة في المنافسة النهائية من قائمة طويلة تضم 13 رواية اختيرت من بين 158 عملاً أدبياً منشوراً في المملكة المتحدة أو آيرلندا في الفترة ما بين 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2022 و30 سبتمبر (أيلول) 2023، ضمتها القائمة الأولية.

ومن بين الأعمال التي تنافست أيضاً، الرواية الأولى المؤثرة للكاتبة الكينية شيتنا مارو بعنوان «ويسترن لاين» (الخط الغربي)، وهي قصة عن الأسى والعلاقة بين شقيقات تتمحور على فتاة مراهقة تجد معنى لحياتها من خلال رياضة الاسكواش.

أما رواية «ذي بي ستينغ» (لدغة النحل) للمؤلف الآيرلندي بول موراي، فهي ملحمة تراجيدية كوميدية تنظر إلى دور القدر في متاعب إحدى العائلات الآيرلندية.

وتدور أحداث رواية «إف آي سورفايف يو» (إذا نجوت منك) للكاتب الأميركي جوناثان إيسكوفري، حول أفراد عائلة جامايكية وحياتهم الجديدة الفوضوية في ميامي خلال سبعينات القرن العشرين.

وشارك أيضاً في المنافسة المؤلف الأميركي بول هاردينغ، الذي يروي كتابه «ذي آذر إيدن» (ذيس آذر إيدن) المستوحى من أحداث تاريخية، قصة جزيرة أبل، وهو جيب قبالة السواحل الأميركية يتوافد إليه المهمشون في المجتمع ويختارونه دياراً جديدة لهم، في ظل تضييق متزايد من السلطات.

أما رواية «ستَدي فور أوبيديينس» (دراسة من أجل الطاعة) للكندية سارة بيرنشتاين، فتستكشف موضوعَي السلطة والشعور بالذنب من خلال قصة امرأة شابة تذهب لتعتني بأخيها الأكبر، وتواجه سلسلة من الأحداث المقلقة.

وفاز بجائزة «بوكر» العام الفائت الكاتب السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا عن روايته «ذي سيفن مونز أوف معالي ألميدا» (أقمار معالي ألميدا السبعة). وتستعيد هذه الرواية الماضي الدموي الذي شهدته الجزيرة خلال حربها الأهلية ضمن قالب من الفكاهة السوداء.


«معرض بيروت للكتاب»... زوّاره يبحثون عن فلسطين


نشاط في أحد الأجنحة
نشاط في أحد الأجنحة
TT

«معرض بيروت للكتاب»... زوّاره يبحثون عن فلسطين


نشاط في أحد الأجنحة
نشاط في أحد الأجنحة

في ظل أجواء الحرب على غزة، انطلقت أعمال «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» الذي ينظمه «النادي الثقافي العربي» منذ 65 عاماً. وإذ جاءت الهدنة وتوقف القتال، ليعطي دفعة غير منتظرة للمعرض، فإن الأيام الأولى تشي بحماسة وإقبال غير متوقعين، أسرّتا قلوب الناشرين.

«منذ يوم الافتتاح الخميس الماضي، بدا واضحاً أن الجمهور آتٍ ليشتري، هذا لاحظناه على رواد جناحنا»، تقول لنا رنا إدريس مديرة «دار الآداب». عطلة نهاية الأسبوع بحيويتها كانت مفرحة للناشرين، والإقبال على الأنشطة، زاد المنظمين إحساساً بالرضا.

ومن حسن الحظ أنه بالتزامن مع هدنة غزة، هدأت جبهة الجنوب اللبناني أيضاً، وكأنما شيء من الارتياح خيّم على البلاد.

ما يحدث خالف كل التوقعات. فمع أحزان الحرب، وتعلق الناس بشاشاتهم، أكثر من انشغالهم بحاجاتهم الثقافية، وبسبب أن «نقابة الناشرين اللبنانيين» كانت قد نظّمت «معرض لبنان الدولي للكتاب» قبل شهر فقط، وحشدت له حملة إعلامية كبيرة، وأقامته في «فوروم دو بيروت» حيث المساحة فسيحة والتقسيمات أنيقة؛ بدا أن هذا المعرض التقليدي الذي صار عمره أكثر من ستة عقود، قد ضُرب في مقتل، لكن المفاجأة السعيدة، أن الرواد بدوا مخلصين لمعرضهم المعتاد، أكثر مما تصوره البعض. مساحة المعرض الحالي صغيرة، في «سي سايد أرينا» الواجهة البحرية، المكان الذي نال منه انفجار المرفأ عام 2020، ولا يزال استرجاع المساحة السابقة مستعصياً، لكنها ليست مشكلة على ما يبدو. «نحن معتادون على هذا المعرض، وله تاريخ وعراقة، وصغر حجمه لا يعيبه، بل يبدو لنا دافئاً وحنوناً. المعرض السابق كان تنظيمه أفضل، لكننا شعرنا فيه بشيء من الغربة»، تشرح رنا إدريس.

رغم الوقت الضيق بين المعرضين، حرصت «دار الآداب» على الإتيان بكتب جديدة، لعل أقربها إلى قلب صاحبة الدار هو كتاب شريكها وشقيقها الأديب الراحل سماح إدريس. وهو رواية «قمر» التي كتبها قبل وفاته، ولم تبصر النور قبل اليوم. وأطلق الكتاب بحفل يشبه صاحبه الذي كان شغوفاً بفلسطين. ومن إصدارات الدار الجديدة لمواكبة المعرض: «عام واحد من العزلة» لإيمان اليوسف، و«الكلمة الأجمل» لأودور آفا أولافسدوثير، و«النكبة المستمرة» لإلياس خوري.

بالمناسبة توضح إدريس، أن إقبالاً لافتاً جداً تلاقيه كل إصدارات الدار عن فلسطين، وكأنما الناس تعود من جديد لتقرأ عن القضية التي نسيتها لفترة طويلة. هناك طلب كبير على كتب إدوارد سعيد، وإلياس خوري خاصة كتابه الجديد عن فلسطين «النكبة المستمرة»، و«حكاية جدار» للأسير الفلسطيني ناصر أبو سرور، وكذلك مؤلفات جبرا إبراهيم جبرا خاصة كتابه «البئر الأولى» الذي يروي فيه سيرة حياته وطفولته في القدس، و«صناعة الهولوكوست» لنورمان غاري فنكلشتاين، وبالطبع رواية عدنية شبلي «تفصيل ثانوي» بعد حرمانها من جائزة معرض فرانكفورت للكتاب. وهناك إقبال أيضاً على رواية «قناع بلون السماء» لباسم خندقجي، أسير في السجون الإسرائيلية، صدرت حديثاً.

«دار الآداب» ليست استثناء، فقد عملت غالبية الدور على إبراز كتبها عن فلسطين في أجنحتها، وعن الشخصيات الفلسطينية المعروفة، بسبب الطلب عليها، منها كتاب «استشهاد شيرين أبو عاقلة» الذي كانت قد أصدرته «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» العام الماضي. أما الكتاب الأكثر مبيعاً في المؤسسة فهو «التطهير العرقي في فلسطين» للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه. هكذا ربما يأتي المعرض في وقت يحتاج فيه القراء للعثور على إجابات لأسئلة عادت لتطفو على السطح من جديد، بعد صدمة الحرب على غزة ومجازرها الصادمة.

يحتفي مدير المعرض عدنان حمود، بعودة الحياة إلى هذا الحدث السنوي، فدورة العام الماضي كانت ظروفها الاقتصادية أشد وطأة. «الآن البلد أموره تسير، ونحن حالنا كما الآخرين. نعم شعرنا بوطأة الحرب ونحن ننظم المعرض، وبالطبع هناك صعوبات، لكننا تعودنا. وقد عاش هذا المعرض طوال الحرب الأهلية، ولم ينقطع، وخلال الاجتياح الإسرائيلي ولم يحتجب»، يشرح لنا حمود أنه منذ بدء التنظيم تصرف وكأن الوضع عادي، وقرر أن المعرض سيقام بمن حضر. «نعم ثمة من قرر تصغير مساحة جناحه للتوفير، وهذا يفهم، وبعض الدور قررت ألا تشارك، ولكنها ليست كثيرة»، يعد حمود أن العوائق لم تعد لبنانية فحسب، «بمقدوركم سؤال الناشرين وسيخبرونكم أن كل المعارض العربية تغيرت أحوالها، وخفتت مبيعاتها. لم تعد القراءة كما كانت، ولا الإقبال كالسابق. هذا الأمر ليس حكراً علينا»، ويروي حمود أن هذا المعرض الذي هو الأقدم في المنطقة، مديرو المعارض العربية هم الذين أطلقوا عليه عام 1992 اسم «عميد المعارض العربية» وليس نحن؛ لمكانته وأهميته، عادّاً أن الناشر اللبناني لا يزال متميزاً؛ «لأنه هو الذي يقرأ المخطوطة، ويطبع ويشرف على النشر، وهو الذي يحمل كتابه بنفسه ويسوقه في كل مكان، ولا يعهد به لأي أحد آخر». ورأت سلوى بعاصيري رئيسة «النادي الثقافي العربي» أن «إقامة المعرض في هذا الظرف العصيب ليست مغامرة في غير أوانها ولا تغريدة خارج هموم الناس وأولوياتهم، بل هو نوع من أنواع النضال».

ثمة ارتياح عام لدى الناشرين أن يروا «معرض بيروت للكتاب» كما عرفوه يعود إليه الزخم بعد فترة انقطاع بسبب وباء «كورونا» من جهة، والأزمة الاقتصادية من جهة أخرى، ومن ثم عودته المتعثرة قبل أن ينتعش هذه المرة. «الكلمات هي ذاتها يكررها الناشرون الذين سألناهم: (هو معرضنا الذي تعودنا عليه)»، هذا ما تقوله نسرين كريدية، المديرة التنفيذية لـ«دار النهضة العربية»، متأسفة لغياب دور نشر وازنة مثل «الرافدين» و«الراتب» و«نوفل»، و«التنوير»، بسبب الانقسام بين منظمي المعرضين المتتاليين زمنياً، لكنْ هناك سبب آخر لغياب بعض الدور اللبنانية، بحسب ما يشرح لنا مدير المعرض حمود، هو أن «اتحاد الناشرين العرب» برمج «معرض كتاب الكويت» في نفس الوقت؛ لأنه تعامل مع المعرض الذي عُقد الشهر الماضي على أنه الأساسي، ويضيف حمود: «رغم أن تعاوننا مع (اتحاد الناشرين) يمتد إلى عشرات السنين، فكيف يشطبون موعدنا بهذه الطريقة؟!».

هذه الخلافات لا تنغص فرحة الناشر سليمان بختي صاحب «دار نلسن» الذي يعد أن عودة الرواد إلى هذا المعرض تؤكد أن «من يصنع معرض الكتاب هم الناس، وليست نقابة (اتحاد الناشرين)، ولا (النادي الثقافي)، ولا التمويلات السخية. الكتاب ليس حكراً على أحد. هو نتاج المجتمع والناس، وهو لهم ومن أجلهم. والنشاطات الثقافية الغنية المصاحبة، بتنوعها، وبنوعية الحضور وطبيعة الحوارات، تظهر بوضوح دور بيروت، وكيف أنها صدى لكل ما يحدث في العالم العربي». ويعد بختي أن «بيروت أكبر من هذا الكباش الذي يدور بين الطرفين، ولا يليق تصغيرها على هذا النحو. وسأبقى - مع محبتي للجميع - مع معرض موحد فعّال، يحفظ لبيروت دورها». هذا المطلب تصرّ عليه رنا إدريس أيضاً التي تطالب بأن «تمارس دور النشر ضغطاً، باتجاه العودة إلى معرض واحد. ما حصل بشع ومزعج، وهو ليس لمصلحة الناشر ولا القراء». لنسرين كريدية الرأي عينه، عادة «أننا مع بعض الدور الأخرى على علاقة جيدة بالطرفين، وسنلعب دور حمامة السلام. فمن جهة هناك نقابتنا، ومن جهة أخرى النادي الذي لنا علاقة تاريخية معه، وعلينا أن نسعى معهما لتوحيد المعرض، فليس منطقياً ما يحدث».

البداية الطيبة للمعرض الحالي، شجعت على إعلاء الصوت لإنهاء الانقسام، وإن كان الناشرون يعدون أن الصيغة الحالية لمعرض بيروت بحاجة إلى تطوير مستمر.

ويتميز المعرض في دورته الحالية، بكثافة الأنشطة. فقد خُصص العديد من الندوات لمناقشة الكتب الجديدة. وثمة جلسة للاحتفال بمئوية كتاب «النبي» لجبران خليل جبران، وأخرى لقراءات في شعر نزار قباني بمناسبة مرور مائة عام على ولادته. كذلك هناك «احتفالية بيروت عاصمة الإعلام العربي»، وندوة حول «المفاعيل القانونية والأخلاقية للذكاء الاصطناعي»، ويتحدث عبيدو باشا عن كتابه الجديد «مئوية ولادة عاصي الرحباني»، وندوة حول «الخيار الاقتصادي البديل». ثمة يومياً ستة أنشطة في قاعتي المحاضرات وحدهما، فضلاً عن التواقيع والبرامج التي تنظمها الدور في أجنحتها.

وبما أن فلسطين هي موضوع الساعة، فقد نُظمت أمسية شعرية بعنوان «فلننصر غزة بالشعر والموقف»، شارك فيها الشعراء: جهاد الحنفي، وجمانة نجار، ووجدي عبد الصمد، وعماد الدين طه، وميراي شحادة، ومردوك الشامي، وعصمت حسان. وقد ألقيت مجموعة من القصائد التي تُحاكي فلسطين وجراحها ومعاناتها وبطولات مقاوميها والجرائم التي ارتكبها الاحتلال بحق أبناء غزة.

وضمن الأنشطة أربعة معارض، بينها معرض لأغلفة كتب تخص أنيس منصور ونجيب محفوظ وخيري شلبي، رسمها الفنان المصري التشكيلي حلمي التوني، وجمعها اللبناني عبودي أبو جودة، ومعرض آخر للفنان معتزّ الصواف، وثالث لطلاب الجامعات الذين فازوا بمسابقة لرسم أجمل لوحة تجسد علاقتهم بالكتاب، ورابع للفنان كميل حوّا.

يستمر المعرض حتى الثالث من الشهر المقبل، وحركة الزوار مرهونة بهدوء الحال.


«سدهارتا»... جسر بين الشرق والغرب

«سدهارتا»... جسر بين الشرق والغرب
TT

«سدهارتا»... جسر بين الشرق والغرب

«سدهارتا»... جسر بين الشرق والغرب

تتيح طبعة جديدة لرائعة هرمان هسه «سدهارتا- قصيدة هندية» تأمُّل هذا العمل الروائي الذي أودع فيه الأديب الألماني صاحب «نوبل» تأملاته في الوجود وفلسفة الحياة، وذلك من خلال سيرة بطله «سدهارتا» الذي يقطع رحلة روحية شاقة؛ ليس بهدف حيازة ترقية في مراتب الكهنة الدينيين، بقدر ما كانت رحلة طوعيّة في دروب «الأنا» و«المُنتهى»، فيتكشّف له بين شقوق متاهاتها وشِعابها، كثير من الشعرية والحكمة، لتكون حياته - بتعبير هسه نفسه - «قصيدة»، ما جعل تلك الرواية واحدة من أبرز أعماله الأدبية، وأكثر الأعمال الألمانية تأثيراً في العالم، بعشرين مليون نسخة، وأربعين لغة مُترجمة.

أنجز الترجمةَ العربية لـ«سدهارتا» عن «دار الكرمة» في مصر، المترجم المصري المُقيم ببرلين سمير جريس، الذي أرفق بترجمته كلمة توقّف فيها عند ملابسات كتابة هرمان هسه (1877 - 1962) للرواية، التي شرع في كتابتها عام 1919 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، بكل ما خلفته تلك الحرب من دمار غير مسبوق، بما فيها من انهيارات واكبت القيم، علاوة على ارتباط هسه وتعرفه المبكر على الأفكار الهندوسية والبوذية من خلال عائلته، وتحديداً الجد والأب والخال، ووجد هسه في تلك الأفكار اقتراحات لحل مشكلات أوروبا المادية، ما جعل النقاد عبر التاريخ يَعدّون «سدهارتا» جسراً بين الثقافتين الشرقية والغربية، وعزَّز هذا الارتباط سفر هسه إلى الهند حيث وُلدت أمه، وهي رحلة ربما نمَّت بها بذرة «سدهارتا»، وفقاً للمترجم، وبعد عودته إلى ألمانيا وجد نفسه في مرمى أزمات كبيرة، ما بين مرض أفراد مقرَّبين من عائلته، وتعاسات شخصية في زواجه، وبدأ، في هذا الوقت، رحلته مع العلاج النفسي وكتابة «سدهارتا».

ورغم استلهام «سدهارتا» الثقافة الهندية، وقصة حياة بوذا (557 - 476 ق.م)، فإن المترجم يشير، في كلمته، إلى أن هسه كان يراها رواية «أوروبية تماماً».

الذي بلغ هدفه

يحمل اسم «سدهارتا» معنى «الذي بلغ هدفه»، في حين تبدو المفارقة في أن حياته برُمّتها تجسيد للتيه والقلق البالغ حيال تساؤلاته التي لم تبلغ مُنتهاها، فقد وجد نفسه فرداً بين «البراهمة» من طبقة رجال الدين، ورغم نبوغه المُبكر بين أقرانه في أداء تمرينات التأمل، وممارسة التعاليم، وسط نبوءات بأنه لن يصبح من البراهمة العاديين، لم يكن هذا كله يمثل مصدر نشوة لـ«سدهارتا» الذي أدرك مبكراً أن غايته ليست في شعائر الاغتسال اليومي في حمام التطهر من الذنوب، أو تقديم القرابين في غابات المانجو، والاستمتاع بحب أبيه وأمه وصديقه المخلص جوفيندا، فكانت «تزوره الأحلام وقلق الروح»، فالحكمة التي صبَّها والده ومعلموه من البراهمة الحُكماء في وعاء معرفته لم تجعل عقله يكتفي ولا القلب يرتوي، ولم تدل الروح إلى سكينتها.

يخطو «سدهارتا» وراء تمرد عقله وعطش وجدانه، داخل غابات المعرفة المجهولة، بحثاً عن ذاته أو «أتمان»، وفق التعبير الهندوسي، ويبدو مدفوعاً في طريقه هذا بتدفق لا نهائي من الأسئلة التي وظّفها هرمان هسه لتكون عنصراً رئيسياً في بنية الرواية القائمة على فضيلة طرح السؤال في عالم يدّعي بلوغ المعرفة وحصرها، في حين يبدو الفرد الحائر ممثلاً في «سدهارتا» غارقاً في تأملاته إلى حد الألم، يتوجه بتلك الأسئلة إلى مَن حوله، أو يُطورّها في مونولوجاته الذاتية، ويقرر أن يصير «سدهارتا المُرتحل».

صوت النهر

يخوض بطل الرواية، التي تقع في 203 صفحات، دروب المعاناة، فعاش في الغابة وتعلّم الجوع، وفقَد اتصاله بالقيظ والصقيع، مُحيّداً حواسه إلى حد الممات، ووصل إلى مهارات استبطانية مكّنته من التحكم في حركة «أناه»، عبر الألم والتحمل، ليغرق في «اللاأنا»، فأقام في العدم، واستقرّ بذاته وتماهى في جسد حيوان وحجر، مُجاهداً بتدريباته الروحية التي جعلت من حوله يتنبأون له أن يصير قديساً، لكن لم يكن هذا ما يرنو إليه سدهارتا الذي يجيد «الصوم والانتظار والتفكير»، ليجد أن السبيل وراء المنتهى لا تكفيه مهاراته الثلاث تلك فقط، فخاض غمار الحياة بنقيضها الروحي، في ارتحال بعيد عن تعاليم بوذا وتقديس الأبدي، وجرّب أن يتواصل مع الحياة إنساناً عادياً، يعرف العشق ومتاع الدنيا، لتقوده تحوّلاته تلك إلى عذابات جديدة من المعرفة التي ستقوده ببطء إلى بصيرة تتجلى له في مرج واسع يقع بين التعاليم والكهنوت من جهة، والحماقة البشرية والآثام من جهة أخرى، وفي الإنصات السديد لذلك الصوت الداخلي أو «الطائر» الذي ظلّ يناجيه سدهارتا ولم يُفارقه: «الطائر في قلبي لم يمُت»، كما يقول.

وأغرق هرمان هسه روايته بسِحر مُفردات الطبيعة الهندية، وشفافية عوالم الاستبطان، فتبدو الرواية ذات معالم لغوية أقرب للـ«قصيدة» التي أغنت عالم السرد بالروحانية والشعر، فظلال شجر التين تُسدل ستائرها على تأملات سدهارتا الخاشعة، والنهر يتحدث بأصوات كثيرة كما يتأملها سدهارتا: «أليس له صوت ملك، وصوت محارب، وصوت ثور، وصوت بومة، وصوت امرأة عند المخاض، وصوت مُتنهد، وآلاف الأصوات الأخرى؟»، ثم لا يلبث أن يُعرّفه «المراكبي» الذي سيلتقيه في رحلته ويصير أحد معلّميه، على أصوات الخليقة التي تجتمع في صوت النهر، صوت الكينونة وصوت الصيرورة الأبدية.

وتعتني ترجمة الرواية بتقديم هوامش شارحة للمفردات الهندوسية التي تتواتر في متن العمل، ومشتقة من قاموس الكتابات المُقدسة والفلسفة الهندوسية، ومنها كلمة «أوم» التي يظل سدهارتا يسعى، عبر تدريباته التأملية الطويلة وعلى مدار محطات رحلته، للوصول إلى صداها المقدس داخل قلبه، وهي مقطع صوتي يُعدّ رمز الهندوسية وتعني الكمال، لذلك فهي تعد «كلمة الكلمات»، التي ينطق بها البطل صامتاً بكل روحه وذهنه الصافي.


«معرض بيروت للكتاب»... زوّاره يبحثون عن فلسطين

نشاط في أحد الأجنحة
نشاط في أحد الأجنحة
TT

«معرض بيروت للكتاب»... زوّاره يبحثون عن فلسطين

نشاط في أحد الأجنحة
نشاط في أحد الأجنحة

في ظل أجواء الحرب على غزة، انطلقت أعمال «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» الذي ينظمه «النادي الثقافي العربي» منذ 65 عاماً. وإذ جاءت الهدنة وتوقف القتال، ليعطي دفعة غير منتظرة للمعرض، فإن الأيام الأولى تشي بحماسة وإقبال غير متوقعين، أسرّتا قلوب الناشرين.

«منذ يوم الافتتاح الخميس الماضي، بدا واضحاً أن الجمهور آتٍ ليشتري، هذا لاحظناه على رواد جناحنا»، تقول لنا رنا إدريس مديرة «دار الآداب». عطلة نهاية الأسبوع بحيويتها كانت مفرحة للناشرين، والإقبال على الأنشطة، زاد المنظمين إحساساً بالرضا.

ومن حسن الحظ أنه بالتزامن مع هدنة غزة، هدأت جبهة الجنوب اللبناني أيضاً، وكأنما شيء من الارتياح خيّم على البلاد.

ما يحدث خالف كل التوقعات. فمع أحزان الحرب، وتعلق الناس بشاشاتهم، أكثر من انشغالهم بحاجاتهم الثقافية، وبسبب أن «نقابة الناشرين اللبنانيين» كانت قد نظّمت «معرض لبنان الدولي للكتاب» قبل شهر فقط، وحشدت له حملة إعلامية كبيرة، وأقامته في «فوروم دو بيروت» حيث المساحة فسيحة والتقسيمات أنيقة؛ بدا أن هذا المعرض التقليدي الذي صار عمره أكثر من ستة عقود، قد ضُرب في مقتل، لكن المفاجأة السعيدة، أن الرواد بدوا مخلصين لمعرضهم المعتاد، أكثر مما تصوره البعض. مساحة المعرض الحالي صغيرة، في «سي سايد أرينا» الواجهة البحرية، المكان الذي نال منه انفجار المرفأ عام 2020، ولا يزال استرجاع المساحة السابقة مستعصياً، لكنها ليست مشكلة على ما يبدو. «نحن معتادون على هذا المعرض، وله تاريخ وعراقة، وصغر حجمه لا يعيبه، بل يبدو لنا دافئاً وحنوناً. المعرض السابق كان تنظيمه أفضل، لكننا شعرنا فيه بشيء من الغربة»، تشرح رنا إدريس.

رغم الوقت الضيق بين المعرضين، حرصت «دار الآداب» على الإتيان بكتب جديدة، لعل أقربها إلى قلب صاحبة الدار هو كتاب شريكها وشقيقها الأديب الراحل سماح إدريس. وهو رواية «قمر» التي كتبها قبل وفاته، ولم تبصر النور قبل اليوم. وأطلق الكتاب بحفل يشبه صاحبه الذي كان شغوفاً بفلسطين. ومن إصدارات الدار الجديدة لمواكبة المعرض: «عام واحد من العزلة» لإيمان اليوسف، و«الكلمة الأجمل» لأودور آفا أولافسدوثير، و«النكبة المستمرة» لإلياس خوري.

بالمناسبة توضح إدريس، أن إقبالاً لافتاً جداً تلاقيه كل إصدارات الدار عن فلسطين، وكأنما الناس تعود من جديد لتقرأ عن القضية التي نسيتها لفترة طويلة. هناك طلب كبير على كتب إدوارد سعيد، وإلياس خوري خاصة كتابه الجديد عن فلسطين «النكبة المستمرة»، و«حكاية جدار» للأسير الفلسطيني ناصر أبو سرور، وكذلك مؤلفات جبرا إبراهيم جبرا خاصة كتابه «البئر الأولى» الذي يروي فيه سيرة حياته وطفولته في القدس، و«صناعة الهولوكوست» لنورمان غاري فنكلشتاين، وبالطبع رواية عدنية شبلي «تفصيل ثانوي» بعد حرمانها من جائزة معرض فرانكفورت للكتاب. وهناك إقبال أيضاً على رواية «قناع بلون السماء» لباسم خندقجي، أسير في السجون الإسرائيلية، صدرت حديثاً.

«دار الآداب» ليست استثناء، فقد عملت غالبية الدور على إبراز كتبها عن فلسطين في أجنحتها، وعن الشخصيات الفلسطينية المعروفة، بسبب الطلب عليها، منها كتاب «استشهاد شيرين أبو عاقلة» الذي كانت قد أصدرته «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» العام الماضي. أما الكتاب الأكثر مبيعاً في المؤسسة فهو «التطهير العرقي في فلسطين» للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه. هكذا ربما يأتي المعرض في وقت يحتاج فيه القراء للعثور على إجابات لأسئلة عادت لتطفو على السطح من جديد، بعد صدمة الحرب على غزة ومجازرها الصادمة.

يحتفي مدير المعرض عدنان حمود، بعودة الحياة إلى هذا الحدث السنوي، فدورة العام الماضي كانت ظروفها الاقتصادية أشد وطأة. «الآن البلد أموره تسير، ونحن حالنا كما الآخرين. نعم شعرنا بوطأة الحرب ونحن ننظم المعرض، وبالطبع هناك صعوبات، لكننا تعودنا. وقد عاش هذا المعرض طوال الحرب الأهلية، ولم ينقطع، وخلال الاجتياح الإسرائيلي ولم يحتجب»، يشرح لنا حمود أنه منذ بدء التنظيم تصرف وكأن الوضع عادي، وقرر أن المعرض سيقام بمن حضر. «نعم ثمة من قرر تصغير مساحة جناحه للتوفير، وهذا يفهم، وبعض الدور قررت ألا تشارك، ولكنها ليست كثيرة»، يعد حمود أن العوائق لم تعد لبنانية فحسب، «بمقدوركم سؤال الناشرين وسيخبرونكم أن كل المعارض العربية تغيرت أحوالها، وخفتت مبيعاتها. لم تعد القراءة كما كانت، ولا الإقبال كالسابق. هذا الأمر ليس حكراً علينا»، ويروي حمود أن هذا المعرض الذي هو الأقدم في المنطقة، مديرو المعارض العربية هم الذين أطلقوا عليه عام 1992 اسم «عميد المعارض العربية» وليس نحن؛ لمكانته وأهميته، عادّاً أن الناشر اللبناني لا يزال متميزاً؛ «لأنه هو الذي يقرأ المخطوطة، ويطبع ويشرف على النشر، وهو الذي يحمل كتابه بنفسه ويسوقه في كل مكان، ولا يعهد به لأي أحد آخر». ورأت سلوى بعاصيري رئيسة «النادي الثقافي العربي» أن «إقامة المعرض في هذا الظرف العصيب ليست مغامرة في غير أوانها ولا تغريدة خارج هموم الناس وأولوياتهم، بل هو نوع من أنواع النضال».

ثمة ارتياح عام لدى الناشرين أن يروا «معرض بيروت للكتاب» كما عرفوه يعود إليه الزخم بعد فترة انقطاع بسبب وباء «كورونا» من جهة، والأزمة الاقتصادية من جهة أخرى، ومن ثم عودته المتعثرة قبل أن ينتعش هذه المرة. «الكلمات هي ذاتها يكررها الناشرون الذين سألناهم: (هو معرضنا الذي تعودنا عليه)»، هذا ما تقوله نسرين كريدية، المديرة التنفيذية لـ«دار النهضة العربية»، متأسفة لغياب دور نشر وازنة مثل «الرافدين» و«الراتب» و«نوفل»، و«التنوير»، بسبب الانقسام بين منظمي المعرضين المتتاليين زمنياً، لكنْ هناك سبب آخر لغياب بعض الدور اللبنانية، بحسب ما يشرح لنا مدير المعرض حمود، هو أن «اتحاد الناشرين العرب» برمج «معرض كتاب الكويت» في نفس الوقت؛ لأنه تعامل مع المعرض الذي عُقد الشهر الماضي على أنه الأساسي، ويضيف حمود: «رغم أن تعاوننا مع (اتحاد الناشرين) يمتد إلى عشرات السنين، فكيف يشطبون موعدنا بهذه الطريقة؟!».

هذه الخلافات لا تنغص فرحة الناشر سليمان بختي صاحب «دار نلسن» الذي يعد أن عودة الرواد إلى هذا المعرض تؤكد أن «من يصنع معرض الكتاب هم الناس، وليست نقابة (اتحاد الناشرين)، ولا (النادي الثقافي)، ولا التمويلات السخية. الكتاب ليس حكراً على أحد. هو نتاج المجتمع والناس، وهو لهم ومن أجلهم. والنشاطات الثقافية الغنية المصاحبة، بتنوعها، وبنوعية الحضور وطبيعة الحوارات، تظهر بوضوح دور بيروت، وكيف أنها صدى لكل ما يحدث في العالم العربي». ويعد بختي أن «بيروت أكبر من هذا الكباش الذي يدور بين الطرفين، ولا يليق تصغيرها على هذا النحو. وسأبقى - مع محبتي للجميع - مع معرض موحد فعّال، يحفظ لبيروت دورها». هذا المطلب تصرّ عليه رنا إدريس أيضاً التي تطالب بأن «تمارس دور النشر ضغطاً، باتجاه العودة إلى معرض واحد. ما حصل بشع ومزعج، وهو ليس لمصلحة الناشر ولا القراء». لنسرين كريدية الرأي عينه، عادة «أننا مع بعض الدور الأخرى على علاقة جيدة بالطرفين، وسنلعب دور حمامة السلام. فمن جهة هناك نقابتنا، ومن جهة أخرى النادي الذي لنا علاقة تاريخية معه، وعلينا أن نسعى معهما لتوحيد المعرض، فليس منطقياً ما يحدث».

البداية الطيبة للمعرض الحالي، شجعت على إعلاء الصوت لإنهاء الانقسام، وإن كان الناشرون يعدون أن الصيغة الحالية لمعرض بيروت بحاجة إلى تطوير مستمر.

لا تزال الكتب القديمة ملجأ

ويتميز المعرض في دورته الحالية، بكثافة الأنشطة. فقد خُصص العديد من الندوات لمناقشة الكتب الجديدة. وثمة جلسة للاحتفال بمئوية كتاب «النبي» لجبران خليل جبران، وأخرى لقراءات في شعر نزار قباني بمناسبة مرور مائة عام على ولادته. كذلك هناك «احتفالية بيروت عاصمة الإعلام العربي»، وندوة حول «المفاعيل القانونية والأخلاقية للذكاء الاصطناعي»، ويتحدث عبيدو باشا عن كتابه الجديد «مئوية ولادة عاصي الرحباني»، وندوة حول «الخيار الاقتصادي البديل». ثمة يومياً ستة أنشطة في قاعتي المحاضرات وحدهما، فضلاً عن التواقيع والبرامج التي تنظمها الدور في أجنحتها.

وبما أن فلسطين هي موضوع الساعة، فقد نُظمت أمسية شعرية بعنوان «فلننصر غزة بالشعر والموقف»، شارك فيها الشعراء: جهاد الحنفي، وجمانة نجار، ووجدي عبد الصمد، وعماد الدين طه، وميراي شحادة، ومردوك الشامي، وعصمت حسان. وقد ألقيت مجموعة من القصائد التي تُحاكي فلسطين وجراحها ومعاناتها وبطولات مقاوميها والجرائم التي ارتكبها الاحتلال بحق أبناء غزة.

وضمن الأنشطة أربعة معارض، بينها معرض لأغلفة كتب تخص أنيس منصور ونجيب محفوظ وخيري شلبي، رسمها الفنان المصري التشكيلي حلمي التوني، وجمعها اللبناني عبودي أبو جودة، ومعرض آخر للفنان معتزّ الصواف، وثالث لطلاب الجامعات الذين فازوا بمسابقة لرسم أجمل لوحة تجسد علاقتهم بالكتاب، ورابع للفنان كميل حوّا.

يستمر المعرض حتى الثالث من الشهر المقبل، وحركة الزوار مرهونة بهدوء الحال.