رجاء الجداوي... نصف قرن من الفن والأناقة

الفنانة رجاء الجداوي في لقطة من فيلم دعاء الكروان
الفنانة رجاء الجداوي في لقطة من فيلم دعاء الكروان
TT

رجاء الجداوي... نصف قرن من الفن والأناقة

الفنانة رجاء الجداوي في لقطة من فيلم دعاء الكروان
الفنانة رجاء الجداوي في لقطة من فيلم دعاء الكروان

منذ ظهور الفنانة المصرية رجاء الجداوي، على شاشة السينما، قبل أكثر من نصف قرن، ارتبط اسمها بالأناقة، ولم يفارقها هذا الوصف حتى آخر ظهور لها في دراما رمضان الماضي.
ارتباط الفنانة الراحلة رجاء الجداوي بالأناقة، ربما ارتبط ببداية عملها كعارضة أزياء، لكن حتى مع اعتزال تلك المهنة والتركيز في التمثيل، ظلت رمزاً للموضة والأناقة في مختلف مراحل عمرها.

رجاء الجداوي، التي ولدت في 6 سبتمبر (أيلول) 1938، دخلت مجال الفن عبر المرور بعرض الأزياء، وتعد من أقدم الفنانات العربيات اللائي لم يغبن عن الشاشة، حيث كانت بدايتها الفنية من خلال فيلم «غريبة» عام 1958، وسنوات عملها السينمائي وصلت 62 عاماً.
ولدت الجداوي في مدينة الإسماعيلية، ثم انتقلت إلى القاهرة برفقه شقيقها الأكبر للإقامة مع خالتها الفنانة تحية كاريوكا، التي تولت رعايتهما، والتحقت بمدارس الفرانسيسكان بالقاهرة، حيث تعلمت الفرنسية والإيطالية في سن مبكرة، ثم عملت في قسم الترجمة بإحدى الشركات الإعلانية.
ومن المعروف أن الفنانة الراحلة تحية كاريوكا هي التي قامت بتربية الجداوي، بعدما حضرت الأخيرة من الإسماعيلية إلى القاهرة، وهي لا تزال فتاة مراهقة، وعندما أقدمت رجاء على الاشتغال بالتمثيل وخرجت عن طاعة خالتها، تبرأت الراقصة الراحلة منها، وقاطعتها لمدة 6 أعوام، حتى عادت المياه بينهما إلى مجاريها، وفق وكالة «أنباء الشرق الأوسط»  المصرية.

وعن أسرتها، قالت الفنانة الراحلة، في تصريحات سابقة، «انفصل والدي عن والدتي ونحن أطفال صغار عندما كان عمري أربعة أعوام فقط، ورغم الانفصال ظلت علاقتنا به طيبة، والدتي كانت سيدة عظيمة تفرغت لتربيتنا، حتى حضرت للقاهرة أنا وأخي الأكبر (فاروق) لمنزل خالتنا تحية التي تولت تربيتنا، وأصرت خالتي على إلحاقي بمدرسة أجنبية هي مدرسة (الفرانسيسكان) التي لم يكن يلتحق بها سوى علية القوم».
وأضافت رجاء الجداوي: «لم تبخل أبداً في إنفاقها علينا، وتعلمت في سن مبكرة الفرنسية والإيطالية وكان لوجودي في هذه المدرسة دور كبير في تعلم أصول (الإتيكيت) والنظام، وهو ما ساهم في تكوين شخصيتي كفنانة وإنسانة، كما ساهم وجودي بالمدرسة لمدة 11 عاماً متواصلة في الاعتماد على نفسي فقد كانت الدراسة داخلية، ولم نكن نخرج منها سوى يومي السبت والأحد فقط من كل أسبوع».
وتابعت: «في المدرسة تربى بداخلي من الصغر الاستقرار وعشق القراءة للأدباء العالميين باللغة الإنجليزية، دون أن أهمل القراءة لأدبائنا العرب، وكان في مقدمتهم معشوق البنات في هذا الوقت إحسان عبد القدوس، وقد اشتهرت المدرسة بفضل دراستي بها بعد ذلك فحتى اليوم يقولون (الفرنسيسكان) بتاعة رجاء الجداوي».
تزوجت الفنانة الراحلة من حارس مرمى النادي الإسماعيلي ومنتخب مصر الأسبق حسن مختار في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1970، وأنجبت منه ابنتها أميرة.
من أشهر الأفلام التي قدمتها «دعاء الكروان» و«إشاعة حب»، ولها مسرحيات خاصة ومميزة مع الفنان الكبير عادل إمام، بينها «الواد سيد الشغال» و«الزعيم».
حصلت الراحلة على «وشاح سمراء القاهرة» في كرنفال بحديقة الأندلس، الذي حصلت من خلاله على جائزة «ملكة حوض البحر المتوسط»، وخاضت تجربة التقديم التلفزيوني من خلال برنامج تحت عنوان «اسألوا رجاء» مع الإعلامي عمرو أديب.
وأصيبت الفنانة الراحلة بفيروس كورونا أثناء تصوير الحلقات الأخيرة من مسلسل «لعبة النسيان»، وتم نقلها إلى أحد مستشفيات العزل بالإسماعيلية، ورغم تحسن حالتها في البداية، إلا أنها لم تصمد أمام الفيروس، بعد وجودها لمدة 43 يوماً في العزل الصحي لمستشفى أبو خليفة بالإسماعيلية، حيث تم وضعها على جهاز تنفس صناعي اختراقي داخل العناية المركزة بالمستشفى، بعد تدهور حالتها الصحية، ولفظت اليوم أنفاسها الأخيرة، تاركة خلفها تاريخاً فنياً حافلاً.
وقبل عامين، قدمت الفنانة الراحلة احتفالية اليوم العالمي للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، التي نظمتها وزارة التضامن الاجتماعي، وحضرها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والذي وجه كلمة إلي الجداوي قائلاً: «أستاذة رجاء أنا بشكرك جدًا جدًا.. وربنا يديكي الصحة ويكرمك.. وهتفضلي طول عمرك شيك جدًا».
https://www.youtube.com/watch?v=70dtYEeAJjs
وتابع الرئيس: «اوعي تفتكري إني بقولك شيك على اللبس بس.. لا والله.. شيك في كل حاجة.. ربنا يديكي الصحة».
وبكت الفنانة الراحلة على المسرح، وردت على الرئيس بقولها: «أنا أخذت أعلى وسام النهاردة.. متشكرة جدًا يا فندم».
وفي سياق متصل، نعى عدد كبير من نجوم الوسط الفني الراحلة التي توفيت في ساعة مبكرة من صباح اليوم، والمقرر دفنها بعد ساعات قليلة في مقابر الأسرة بالبساتين.
وكان في مقدمة هؤلاء النجم الكبير عمرو دياب، الذي قال من خلال صفحته الرئيسية على موقع «فيس بوك»: «إنا لله وإنا إليه راجعون.. خالص عزائي لوفاة الفنانة الكبيرة رجاء الجداوي.. رحمها الله وألهم أهلها الصبر والسلوان».
https://www.facebook.com/AmrDiab/posts/10158647049584577
وقال الفنان الشاب شيكو: «مفيش كلام يوصف رجاء الجداوي واللي انتوا شوفتوه من طيبتها على الشاشة وفي البرامج ميجيش فعلاً ١٠ ٪ من طيبتها ومشاعرها الطيبة وأمومتها لكل اللي حواليها كان ليا الشرف إني عرفتها في الحقيقة واشتغلت معاها، ومش مصدق إني بحط صورتها واكتب البقاء لله، ادعولها كتير».

وقامت مي كساب بنشر صورة للفنانة الراحلة، وعلقت عليها بقولها: «أسألكم الفاتحة والدعاء وصلاة الغائب»، وقال عزوز عادل عضو مجلس إدارة نقابة المهن التمثيلية: «البقاء لله تنعي نقابة المهن التمثيلية الفنانة القديرة رجاء الجداوي، رحم الله الفقيدة وألهم أهلها وجمهورها الصبر والسلوان».
أما الفنان شريف منير قال: «ربنا يرحمك يا حبيبتي وجعتينا كلنا»، وكتبت النجمة سوسن بدر على حسابها الرسمي بموقع «إنستغرام»: «إنا لله وإنا إليه راجعون، صديقة العمر رجاء».
https://www.instagram.com/p/CCP12_4jYO8/
ونعى النجم الكبير محمود ياسين، الفنانة الراحلة رجاء الجداوي، وكتب عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «البقاء لله في النجمة الكبيرة والأخت الغالية رجاء الجداوي عشرة العمر والزمن الجميل، ربنا يتغمدها بواسع رحمته ومغفرته، ويثبتها عند السؤال، ويسكنها الفردوس الأعلى وأمواتنا جميعا يا رب العالمين، خالص العزاء لابنتها أميرة والأسرة الكريمة ربنا يصبرهم».
ونشر أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، صورة للفنانة رجاء الجداوي عبر حسابه الشخصي على إنستغرام»، وعلق قائلاً: «وداعا يا أغلى الناس».
https://www.instagram.com/p/CCP23RBJjzB/
كما نعت النجمة نبيلة عبيد، الفنانة رجاء الجداوي، ونشرت صورة لها عبر حسابها الشخصي على «إنستغرام» وقالت: «عاشت بين البشر قلب نقي وروح طيبة.. لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإنا لله وإنا إليه راجعون.. برحيلك مصابنا كبير وفقدنا فنانة كبيرة وإنسانة راقية المشاعر.. الفنانة القديرة رجاء الجداوي في ذمة الله... اللهم أدخلها جنتك برحمتك الواسعة سبحانك أنت أرحم الراحمين.. خالص العزاء للأسرة ولمحبيها في كل العالم العربي».
وبعدها عملت عارضة أزياء، وفي الوقت نفسه عرفت الطريق إلى الفن، ومن أهم الأعمال السينمائية التي قدمتها رجاء الجداوي: «يوميات امرأة عصرية، البيه البواب، أزواج طائشون، ليتني ما عرفت الحب، ابتسامة واحدة تكفي، لا تبكي يا حبيب العمر، يدفع الثمن، حدوتة مصرية، أيام الحب، بابا عايز كده، كرامة زوجتي، زائر الفجر، 3 نساء، هاتولي راجل، غش الزوجية، شيكامارا، التجربة الدنماركية، فيلم ثقافي، ليه خلتني أحبك، دعاء الكروان، نور الليل، أحلام الفتى الطايش، بوبوس، كلام جرايد، المش مهندس حسن، تيمور وشفيقة، كركر، أنت عمري، سهر الليالي، أمير الظلام، السلم والثعبان، فرقة بنات وبس، حنفي الأبهة، البيه البواب، إشاعة حب».
ومن المسرحيات التي شاركت فيها الفنانة الراحلة: «الواد سيد الشغال، الزعيم، من فات قديمة، أكابر أكابر، الثعلب في الملعب، آخر كرم».
وفي الدراما، قدمت الراحلة العديد من الأعمال المميزة، منها مسلسلات «ابن النظام، أهلاً أهلاً بالسكان، عائلة الحاج متولي، ابن الأرندلي، بشرى سارة، أزمة سكر، متخافوش، هانم بنت باشا، 7 شارع السعادة، حق مشروع، للعدالة وجوه كثيرة، الرجل الآخر، السندريلا، تامر وشوقية، دعوة فرح، سارة، عندما تثور النساء، مبروك جالك قلق، عيش أيامك، جوز ماما، حكايات زوج معاصر، رد قلبي، بفعل فاعل، شربات لوز».



فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».


«مهرجانات بعلبك الدولية» تعلن عن حفل موسيقي - سينمائي في عيدها الـ70

مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
TT

«مهرجانات بعلبك الدولية» تعلن عن حفل موسيقي - سينمائي في عيدها الـ70

مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)

الصيف المقبل تحتفي «مهرجانات بعلبك الدولية» بمرور 70 سنة على انطلاقتها، بحفل موسيقي-سينمائي تشهده القلعة الرومانية المهابة يوم 24 يوليو (تموز) المقبل، استذكاراً لهذه المناسبة الكبيرة، وتكريماً للموسيقي الموهوب اللبناني-الفرنسي غابرييل يارد الذي أنجز أجمل الموسيقات التصويرية.

وهي من المرات القليلة التي يعلن فيها عن حفل الافتتاح للمهرجانات بهذا الشكل المبكر، حيث تجمع الليلة الأولى، في إنتاج مشترك، مهرجان بعلبك مع مهرجان أبو ظبي، والأوركسترا الكبيرة لبودابست، وعازفين أوروبيين منفردين، وجوقة الجامعة الأنطونية، وغابرييل يارد عزفاً على البيانو.

وأعلن عن الحفل في مؤتمر صحافي شارك فيه وزير الثقافة غسان سلامة، ورئيسة مهرجانات بعلبك نايلة دي فريج، ومؤسسة «مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون» هدى الخميس كانو، كما شارك الفنان غابرييل يارد الذي قال في كلمته: «إنّ تقديم أيّ فنّان لعرض في مهرجانات بعلبك الدولية، يُعدّ حلماً لأنّها من أعرق المهرجانات في العالم، وهو الأوّل في منطقة الشرق الأوسط. وبالنسبة لي، بصفتي مؤلف موسيقي لبناني، فإنّ العزف في قلب تلك المعابد العريقة للمرّة الأولى هو فرح عظيم وشرف كبير!»، وأضاف: «رغم أنّ مصطلح (المقاومة الثقافية) قد يبدو مستهلكاً، فإنّه ينطبق تماماً على مهرجانات بعلبك ومنظميه، الذين يُصرّون على الاحتفال بالذكرى السبعين، رغم كلّ الصعاب!».

وقالت دي فريج: «إنّ جمال معبدي باخوس وجوبيتر وهيبتهما يوفّران إطاراً رائعاً، لكنهما لا يكفيان وحدهما. فهما يتطلّبان عروضاً قادرة على مجاراة هذه العظمة ليتحقّق لهما السحر».

يقدم هذا الحفل الموسيقي الكبير مصحوباً بمقاطع سينمائية تُعرض على جدران المعبد العريقة. حيث يتم تزامناً مع العزف الحي عرض مقتطفات من أفلام يارد على جدران معبد باخوس المعمّرة، مما يولّد تجربة فريدة تتفاعل فيها الصورة مع الموسيقى.

وفي كلمته الافتتاحية أكد وزير الثقافة، غسان سلامة، دعمه المطلق لمهرجانات بعلبك الدولية، مُسلّطاً الضوء على دورها التاريخي رمزاً للتميز الفنّي والصمود والفخر الوطني».

غابرييل يارد في إحدى حفلاته (فيسبوك)

أما الموسيقي غابرييل يارد، الذي يعتبر أحد أكبر المؤلّفين المعاصرين، فمنذ باكورة مسيرته، وجد في بعلبك مصدر إلهام له، ما شجعه على أن يكون جزءاً من الاحتفالية السبعينية. ويُعدّ يارد الفنان اللبناني الوحيد الذي نال جائزتي الأوسكار والسيزار، وقد رُشِّح مرات عدة لجوائز السيزار، كما حصد العديد من الجوائز والتكريمات في مختلف أنحاء العالم، وفي جعبته أعمالِ عظيمة، وموسيقى تصويرية لأكثر من 70 فيلماً في السينما الفرنسية والأميركية.

وقالت عنه هدى الخميس كانو في كلمتها في المؤتمر: «تسمو موسيقى غابرييل يارد بأرواحنا، وتحلّق بنا في فضاءات الإبداع، ببَصْمَته المُتَفرِّدة، ونبضِ إيقاعِهِ، بإحساسه العميق، بما تحفظُهُ الذاكرة، وما يستعيدهُ الحنين والألفة، مُتجذّراً في روحِ لبنانَ وقِيَمِ المشرِق».

حفل هبة طوجي في مهرجانات بعلبك الدولية العام الماضي (خاص - الشرق الأوسط)

مهرجانات بعلبك الدولية، هي أم المهرجانات العربية، وكانت رائدة يوم انطلقت لأول مرة عام 1956 بعروض دولية للموسيقى الكلاسيكية والمسرح، وسرعان ما أصبحت الأبرز في المنطقة، مدفوعة برؤية الرئيس كميل شمعون وزوجته زلفا، وبمساندة رعاةٍ محبّين للفن والجمال.

ومنذ عام 1957، أدى إدخال عرض لبناني بمشاركة فيروز والأخوين رحباني إلى ولادة «الليالي اللبنانية»، التي أصبحت تقليداً، وكشفت على مرّ السنوات عن مواهب لبنانية كبيرة. وتعاقب منذ ذلك الحين على المهرجان فنانين دوليين ومحليين، في حوارٍ جمع بين الموسيقى الكلاسيكية والمسرح والرقص والأوبرا والجاز.

وبعد التوقف الذي فرضته الحرب الأهلية اللبنانية، استأنفت المهرجانات نشاطها عام 1997، محافظًة على التزامها بالتميّز، ومستلهمة روح المثابرة والاستمرار، رغم المحن التي يمرّ بها البلد.