دوافع روسية كثيرة لـ«الانتقام» من الأميركيين

«مكافآت طالبان» قد تكون رداً على سياسات واشنطن حالياً وتاريخياً

دوافع روسية كثيرة لـ«الانتقام» من الأميركيين
TT

دوافع روسية كثيرة لـ«الانتقام» من الأميركيين

دوافع روسية كثيرة لـ«الانتقام» من الأميركيين

اعتزمت الإدارة الأميركية الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترمب، وفيما يُعد انفصالاً صارخاً عن سياسات إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وبعد مرور ثلاث سنوات كاملة من الحرب الضروس الدائرة في شرق أوكرانيا المتاخمة للحدود الروسية، تزويد الجيش الأوكراني بأسلحة قوية من الترسانة الأميركية، تمثلت في صواريخ مضادة للدبابات من طراز «جافلين»، في صورة مساعدات عسكرية موجهة مباشرة لحكومة كييف، في معرض صراعها القائم ضد الانفصاليين المدعومين من جانب الكرملين.
وتمثل رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الخطوة الأميركية الأخيرة في صورة تحذير رسمي ينذر بتصعيد في أفق الأحداث، إذ صرَّح بأن الأسلحة المرسلة إلى المنطقة الانفصالية الأوكرانية يمكن بكل سهولة إعادة توجيهها إلى مناطق أخرى من الصراع المشتعل – الأمر الذي عده كثير من المحللين إشارة واضحة إلى أفغانستان.
ظلت شكاوى روسيا ضد ما تصفه بالتنمر والتسلط – وربما توسع النفوذ – الأميركي في المناطق ذات السطوة الروسية، تتراكم منذ عقود مضت، بدءاً من الدور الواضح الذي اضطلعت به وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في تسليح المجاهدين الأفغان، والذين تمكنوا – إثر الغزو السوفياتي لأفغانستان في عام 1979 – من توجيه الضربات تلو الضربات القاتلة ضد الجيش الأحمر الغازي، ثم ما استتبع ذلك من تداعيات بالغة السوء على الاتحاد السوفياتي بأسره.
ساعدت تراكمات الماضي المرير التي خلفتها الصراعات العنيفة السابقة والراهنة في أفغانستان وأوكرانيا – ثم أخيراً في سوريا التي تمكنت القوات الأميركية فيها من إسقاط عشرات القتلى من المرتزقة الروس في عام 2018 – في تفسير سر الرابطة الوثيقة التي جمعت بين الاستخبارات الروسية وحركة «طالبان» الأفغانية المتمردة، وفقاً لتقارير الاستخبارات المركزية الأميركية. ففي أوكرانيا، نجحت إدارة الرئيس دونالد ترمب فعلاً في إرسال صواريخ «جافلين» المضادة للدبابات إلى الجيش الأوكراني، شرط عدم استخدامها في الحرب.
وجاءت ردود فعل المسؤولين والمعلقين الروس مفعمة بغضب واضح على تقرير إخباري نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأسبوع الماضي، يفيد بخلوص مسؤولي الاستخبارات المركزية الأميركية، إلى أن جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي قد بلغ به حد التصعيد إلى تقديم المكافآت المالية إلى حركة «طالبان»، وبعض العناصر الإجرامية الأخرى وثيقة الصلة بها، بُغية استهداف وقتل الجنود الأميركيين الموجودين في أفغانستان.
وأظهرت البيانات والمراسلات الإلكترونية التي تمكنت الاستخبارات الأميركية من اعتراضها، وجود تحويلات بمبالغ مالية كبيرة صادرة عن الاستخبارات العسكرية الروسية، إلى حساب مصرفي ذي صلة بحركة «طالبان»، وفقاً لتصريحات المسؤولين الأميركيين الذين حددوا هوية أحد المقاولين الأفغان، باعتباره وسيطاً ما بين الاستخبارات العسكرية الروسية والمسلحين ذوي الصلة بـ«طالبان» من الذين اضطلعوا بتنفيذ الهجمات التي استهدفت الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان.
وسخر المسؤولون الروس من فكرة الاستعانة بالقتلة المأجورين من إحدى الجماعات الإسلاموية المتطرفة، والمدرجة في روسيا ضمن قائمة الجماعات «الإرهابية»، والتي تتفق توجهاتها مع عديد من وجهات النظر المعتمدة لدى المقاتلين الأفغان، ممن استهدفوا وقتلوا كثيراً من قوات الجيش الأحمر السوفياتي من قبل، وأولئك الذين ينتمون فكرياً وتنظيمياً لجماعات التطرف والإرهاب الإسلاموي الحالية، التي تسببت في كثير من الآلام وإراقة الدماء في الشيشان، عبر حربين طاحنتين متتاليتين هناك.
وفي تصريحه لإحدى وكالات الأنباء الحكومية يوم الاثنين الماضي، وصف زامير كابولوف، المبعوث الخاص للرئيس فلاديمير بوتين إلى أفغانستان، والسفير الروسي السابق في كابل، تقرير التحويلات المالية الروسية إلى «طالبان» بأنه «محض افتراء وكذب صريح» تمخض عن قوى داخل الولايات المتحدة، تتفق مصالحها مع عدم انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وتحاول تبرير إخفاقاتها هناك باختلاق مثل تلك الترهات التي تفتقر لأي سند أو دليل. وفي خضم سيل مستمر من النفي والإنكار المفعم بالغضب الشديد، برزت في الأفق رسائل تذكير واضحة، تفيد - من وجهة النظر الروسية - بأن الولايات المتحدة بسبب تجاوزات السياسات الخارجية المتكررة من جانبها، باتت مستحقة لتذوق بعض الآلام التي أذاقت مثلها للآخرين من قبل.
وفي معرض حديثه على التلفاز الحكومي الروسي خلال أحد البرامج الحوارية التي تهيمن عليها نظريات المؤامرة بشأن ما يحيكه منافسو الرئيس ترمب من أنصار المعسكر الديمقراطي المناوئ، قال أليكسي زورافليوف، عضو البرلمان الروسي، مذكراً المشاهدين في روسيا، بأنه بقدر اهتمام الحكومة الروسية بالأمر، فإن الولايات المتحدة كانت تدرك أن كرة النار نفسها التي ألقتها على الآخرين ستضرب أبوابها في وقت من الأوقات.
وفي إشارة إلى عملية «سايكلون - الإعصار»، البرنامج السري الذي أشرفت عليه الاستخبارات المركزية الأميركية لتسليح أعداء روسيا في أفغانستان إبان حقبة الثمانينات من القرن الماضي، قال أليكسي زورافليوف إن الولايات المتحدة أنفقت مليارات الدولارات على شحنات الأسلحة التي استخدمت في قتل آلاف ثم آلاف من الجنود الروس في تلك الحرب، وهذه من الحقائق الراسخة التي لا تقبل الجدال. وفي معرض رفض زورافليوف لتقرير التحويلات المالية الروسية لـ«طالبان» ووصفه إياه بأنه يحمل أنباء زائفة جملة وتفصيلاً، أضاف قائلاً: «دعونا نفترض جدلاً أننا أرسلنا إليهم الأموال (يقصد إلى «طالبان»)، ثم استعلمنا منهم عن عدد الجنود الأميركيين الذين ربما سقطوا صرعى جراء ذلك؟». ثم أجاب قائلاً: «لن يتعدى الرقم 22 جندياً على الأكثر». وقال إنه لا يوجد دليل واحد دامغ حتى الآن يؤكد توقيع الرئيس فلاديمير بوتين على أي برنامج من أي نوع يستهدف قتل الجنود الأميركيين في أفغانستان. حتى أن الخبراء المستقلين المعنيين بالأمر يقولون إنهم يتشككون كثيراً في أن الرئيس الروسي كان سيوافق على مثل هذه البرامج.
ومع ذلك، ظلت روسيا – في عهد بوتين – تكابد ولسنوات طويلة الآلام الحقيقية والمتصورة الناجمة عن الأذى الشديد الذي ألحقته بها الولايات المتحدة، لا سيما منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، والرغبة الروسية الجامحة في أن تسدد واشنطن فاتورة أفعالها السابقة.
وقال أندريه سيرينكو، الخبير البارز لدى مركز دراسات أفغانستان المعاصرة في موسكو، إن الحكومة الروسية لا تملك رغبة حقيقية في رؤية القوات الأميركية تنسحب من أفغانستان، وتحتفي بالآلام الأميركية الناشئة عن صراع لا نهاية له، ذلك الذي وصفه بأنه يشبه البثرة المتقرحة شديدة الإيلام للولايات المتحدة. ورغم ذلك، وكما قال أندريه سيرينكو، كانت الحكومة الروسية تتأهب في نهاية المطاف لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وذلك من خلال تعزيز مختلف الروابط والعلاقات مع «طالبان» وغيرها من أمراء الحرب الأفغان. ولقد عملت على ذلك من خلال المساعدات المالية وغيرها من سُبل المحفزات الأخرى، على أمل منها في محاولة صياغة وجه الأحداث الأفغانية في المستقبل، مع تأمين أدوات مفيدة تستعين بها في مواجهة واشنطن.
واستطرد سيرينكو قائلاً إن «طالبان»، على غرار عديد من الجماعات الأفغانية المسلحة الأخرى، تملك سجلاً طويلاً وحافلاً من الاستعانة بجهات الحماية الخارجية، واستقدام أموال المساعدات الأجنبية، بما في ذلك من روسيا، ومن الولايات المتحدة، ومن الصين. ثم أردف: «هذا ما يحسنون فعله بكل تأكيد. وهذا من أكثر الأعمال التجارية نجاحاً وإدراراً للمكاسب في أفغانستان». وقال إن روسيا اعتبرت أنه إذا نجحت في خلق كثير من المشكلات للولايات المتحدة داخل أفغانستان، فإن الأميركيين سيخلقون القليل من المشكلات بالنسبة لروسيا في أوكرانيا وسوريا في المقابل.
وكانت الحكومة الروسية على تواصل مستمر مع «طالبان» منذ سنوات، بدءاً من عام 1995 عندما زار زامير كابولوف مدينة قندهار، وهي معقل «طالبان» في جنوب البلاد، من أجل التفاوض بشأن إطلاق طيارين روس كانوا محتجزين رهائن لدى الحركة. وفي خاتمة المطاف، تمكن الطيارون الروس من الفرار بطائراتهم عائدين إلى بلادهم، فيما وصفت وقتها بأنها عملية هروب جريئة وناجحة. غير أن تفاصيل ما حدث بالفعل غير واضحة حتى الآن. ومن بين الأمور المؤكدة تماماً، رغم كل شيء، أن جولة المفاوضات الأولى التي جرت بين روسيا و«طالبان» كانت تدور حول الأموال.
وقال فاسيلي كرافتسوف، الضابط السابق لدى الاستخبارات السوفياتية خلال الحرب السوفياتية في أفغانستان، والدبلوماسي الروسي لدى أفغانستان حتى عام 2018: «كان كل شيء يدور حول الأموال»، في إشارة إلى جولة التفاوض بشأن الطيارين المحتجزين لدى الحركة.
ورفض فاسيلي كرافتسوف فكرة أن تكون حكومة روسيا قد دفعت أي مبالغ مالية لـ«طالبان»، بغرض استهداف وقتل جنود التحالف منذ ذلك الحين، حتى مع أنه يتذكر الأعداد الكبيرة من الجنود السوفيات الذين سقطوا في حرب أفغانستان باستخدام الأسلحة الأميركية التي جرى إرسالها مباشرة إلى المجاهدين الأفغان. ولقد تعرَّض بنفسه للإصابة مرتين متتاليتين بهذه الأسلحة التي جرى شراؤها بأموال أميركية.
وقال المجند إيغور ييرين الذي قاتل في أفغانستان ضمن صفوف الجيش الأحمر السوفياتي في ثمانينات القرن الماضي، إنه لم يشاهد أي جندي أميركي أبداً في ساحات المعارك الأفغانية، ولكن الأميركيين كانوا في كل مكان رغم ذلك، بواسطة صواريخهم المضادة للطائرات. وكانت صواريخ «ستينغر» المضادة للطائرات قد وصلت إلى أيدي المجاهدين الأفغان من قبل الولايات المتحدة، في جزء من البرنامج السري الذي كانت تشرف عليه وكالة الاستخبارات المركزية. إذ تمكن المجاهدون الأفغان – بمعاونة الولايات المتحدة – من إسقاط مئات الطائرات المقاتلة والمروحيات الحربية السوفياتية، الأمر الذي أسفر عن تغيير التوازنات في تلك الحرب الضروس التي امتدت قرابة عشر سنوات.
والآن، يدير المجند السوفياتي الأسبق إيغور ييرين متحفاً صغيراً في موسكو لذكريات الحرب الأفغانية المؤلمة؛ حيث يعرض عدداً من الألغام الأرضية، وغيرها من أنواع الأسلحة الأميركية المختلفة التي أرسلت لقتل الجنود السوفيات، في جزء من البرنامج السري للاستخبارات المركزية.
وكان الرئيس بوتين قد تعهد، بعد فترة وجيزة من تسلمه مقاليد السلطة في البلاد قبل عقدين من الزمن، بدعم وتأييد الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش في حربه ضد الإرهاب في عام 2001. كما تعاون بوتين أيضاً في الحملة الأميركية للإطاحة بـ«طالبان» من حكم أفغانستان؛ لكنه سرعان ما أعرب عن شكوكه من فكرة أن تكون واشنطن من الشركاء الموثوق بهم، وشرع في توجيه اللوم إلى الولايات المتحدة بشأن أغلب المشكلات التي تحدث حول العالم.
وإثر استشعاره الكبرياء المجروح، تعرض بوتين بالشجب الصريح في خطاب شديد اللهجة ألقاه في مدينة ميونيخ عام 2007، لما وصفه بـ«عالم السيد الوحيد والسيادة الواحدة»، وقال إن الولايات المتحدة قد تجاوزت حدودها الوطنية في كل مجال من المجالات المعروفة.
واعتمد الرئيس الروسي سياسة تصفية الحسابات منذ ذلك الحين، واستعان في ذلك بالاستخبارات العسكرية الروسية في أغلب الأحيان، والتي تمكنت قدر الإمكان من تحجيم التمدد الأميركي في الخارج، حتى قبل أن يتولى بوتين مقاليد السلطة في البلاد. ومنذ أن صار بوتين رئيساً للاتحاد الروسي، وجهت الاتهامات إلى الاستخبارات العسكرية الروسية بالضلوع في إلحاق الأذى بالآخرين على نطاق واسع. من محاولة الانقلاب الفاشلة في جمهورية الجبل الأسود البلقانية في عام 2016 والتي كانت تهدف موسكو من ورائها إلى الحيلولة دون انضمام تلك الجمهورية إلى حلف شمال الأطلسي، ثم التدخل الغريب في العام نفسه في مجريات الانتخابات الرئاسية الأميركية.
وفي مقابلة شخصية نادرة أجريت مؤخراً، شرح فالنتين كورابيلنيكوف، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية، للتلفاز الحكومي الروسي، كيف تمكن ضباط الجهاز في عام 1999 من تنظيم حملة محمومة من الجنود والمدرعات الروسية إلى إقليم كوسوفو، بهدف احتلال المطار في العاصمة بريشتينا، قبيل ساعات قليلة من وصول قوات حلف شمال الأطلسي إلى المدينة. وكانت تلك العملية – كما وصفها كورابيلنيكوف – تتعلق بالهيبة والسيادة الروسية، وإظهار أنه لا يمكن أبداً تجاهل الدولة الروسية.
وقال كورابيلنيكوف، متحدثاً من داخل مكتبه السابق في مقر الاستخبارات العسكرية الروسية في موسكو، إن الجهاز قد تمكن من تنظيم وتنفيذ عديد من العمليات السرية الأخرى التي لم يتم الإفصاح عنها حتى الآن. واستطرد قائلاً: «تعتبر الغالبية العظمى من العمليات التي قمنا بتنفيذها نحن وإخواننا الآخرون – مشيراً إلى جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، وجهاز الأمن الاتحادي الداخلي الروسي الذي ترأسه فلاديمير بوتين في أواخر التسعينات – سرية ومغلقة تماماً، ولا يظهر منها إلا النذر اليسير في بعض الأحيان، ولاعتبارات معينة فقط».
وقال مارك غاليوتي، الخبير البارز في شؤون أجهزة الأمن الروسية، والذي تقدم برسالة لنيل درجة الدكتوراه حول الآثار الكارثية للحرب الأفغانية على روسيا: «إن بعض حرس الحرب القديمة في جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية، ربما تقدموا بخطط تستهدف مقتل الجنود الأميركيين في أفغانستان، للانتقام من مقتل الجنود السوفيات بالأسلحة الأميركية في أفغانستان»؛ لكنه أضاف أنه يشكك في وجود مثل هذه الخطط، أو أنها قد حازت موافقة القيادة السياسية الروسية، أو جرى تنفيذها من دون الموافقة الرسمية عليها، على اعتبارها «عملية منفردة ومستقلة».
وحتى المجند السابق إيغور ييرين، الذي فقد أصدقاء السلاح في أفغانستان قديماً، تذكر أنه خلال خدمته العسكرية هناك، أمضى معظم الوقت بالقرب من مدينة قندوز الشمالية، ولم يكن يصدق كلمات ضباط الأمن السياسي في وحدته الذين كانوا يقولون إن الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 كان لازماً وضرورياً، للحيلولة دون اقتراب الولايات المتحدة من الفناء الخلفي للاتحاد السوفياتي. ويضيف ييرين: «إنني أصدق كلماتهم اليوم. فأفغانستان هي أقرب دول الجوار إلينا»، مشيراً بأصبعه إلى أقصى الحدود الجنوبية على خريطة كبيرة وقديمة للاتحاد السوفياتي معلقة على جدار متحفه الصغير، ومستطرداً بقوله: «إن ما يحدث في هذه البقعة يهمنا في روسيا أكثر مما يهم الآخرين في واشنطن».
- خدمة «نيويورك تايمز»



كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
TT

كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)

عندما انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ساد اقتناع بأن العالم يدخل مرحلة جديدة من الاستقرار، وأن حقبة المواجهة -سواء «الباردة» أو العسكرية- بين القوى الكبرى انتهت. وتحدث السياسيون والباحثون آنذاك عن «عائد السلام» الذي سيتيح للدول توجيه الموارد المالية نحو التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، ومكافحة الفقر، والجهل، والأمراض، بدلاً من الإنفاق العسكري. غير أن هذه الآمال لم تعمّر طويلاً، إذ سرعان ما ظهرت تحديات جيوسياسية جديدة، وصراعات إقليمية متزايدة، ليعود التنافس العسكري إلى الواجهة على نحو أشد تعقيداً مما كان عليه خلال الحرب الباردة.

اليوم لا يشهد العالم مجرد عودة إلى منطق الردع النووي، بل يواجه سباق تسلح يمتد إلى مجالات متعددة تشمل -إضافة إلى الأسلحة النووية- الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والحروب السيبرانية، والفضاء الخارجي. ويصف بعض الباحثين هذا التحول بأنه بداية «حرب الخوارزميات» التي تصبح فيها البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من موازين القوة الدولية.

الذكاء الاصطناعي يطوّر القدرات العسكرية (رويترز)

وتؤكد الأرقام حجم هذا التحول، فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار عام 2025، بزيادة 2.9 في المائة عن العام 2024، وفق بيانات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري). واستحوذت الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي، الأمر الذي يعكس استمرار تركّز القوة العسكرية في أيدي القوى الكبرى.

*سباقات تسلّح

ورغم تراجع الإنفاق العسكري الأميركي إلى 954 مليار دولار عام 2025 نتيجة توقف إدارة الرئيس دونالد ترمب عن ضخ المساعدات العسكرية الجديدة لأوكرانيا، فإن هذا الانخفاض يبدو مؤقتاً. فقد واصلت واشنطن استثماراتها الضخمة في تحديث قواتها التقليدية، والنووية، بهدف الحفاظ على تفوقها العسكري، ومواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ. وتشير التوقعات إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأميركي مجدداً خلال السنوات المقبلة ليتجاوز 1.5 تريليون دولار سنوياً.

في المقابل، شهدت أوروبا أكبر زيادة في إنفاقها العسكري منذ انتهاء الحرب الباردة، مدفوعة بالحرب المستمرة في أوكرانيا، ومخاوف الدول الأوروبية من التهديدات الأمنية الروسية. وارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 14 في المائة ليصل إلى 864 مليار دولار في 2026، فيما رفعت روسيا إنفاقها إلى 203 مليارات دولار في 2026 وفق «سيبري»، بينما خصصت أوكرانيا نحو 40 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، أي نحو 85 مليار دولار، في مؤشر واضح لحجم الاستنزاف الذي تفرضه الحرب.

مركز عسكري أميركي للرقابة السيبرانية في كولورادو (رويترز)

أما الصين، فقد واصلت برنامجها العسكري الطموح للعام الحادي والثلاثين على التوالي، لترفع إنفاقها الدفاعي إلى 336 مليار دولار. ويعكس هذا المسار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية الصينية، وتحديثها، بما يمكن بكين من فرض حضورها كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة.

ومن أبرز مظاهر سباق التسلح الجديد «التهافت» على تطوير الصواريخ فرط الصوتية. وتمثل هذه الأسلحة نقلة نوعية في موازين القوى العسكرية، إذ تستطيع التحليق بسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، مع القدرة على المناورة أثناء الطيران، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ التقليدية. وتتصدر روسيا والصين والولايات المتحدة هذا السباق. فروسيا نشرت أنظمة مثل «أفانغارد»، و«كينجال» (الخنجر)، بينما طورت الصين منظومات مثل «دي إف-17» المصممة لاستهداف القطع البحرية والقواعد العسكرية بسرعة ودقة كبيرتين. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى سد الفجوة التقنية مع غريميها من خلال برامج متقدمة لتطوير أسلحة فرط صوتية، وقدرات دفاعية جديدة قادرة على اكتشاف هذه التهديدات، والتعامل معها.

*الخوارزميات والذكاء الاصطناعي

لكن التحدي الأكبر قد لا يكون في سرعة الصواريخ، بل في سرعة الخوارزميات. فقد صار الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من التطور العسكري، مع دخول أنظمة قتالية قادرة على تحديد الأهداف، ومهاجمتها بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن القرار البشري. وتشمل هذه الأنظمة أسراب الطائرات المسيّرة، والذخائر الجوالة (أسلحة تجول في الجو إلى أن تعثر على هدفها، وتنقضّ عليه)، وأنظمة المراقبة والقتال الذاتية. ويثير هذا التطور أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة تتعلق بالمسؤولية عن القرارات القاتلة، واحتمالات وقوع أخطاء تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة تبلغ أحياناً حد الفاجعة.

جندي أوكراني يحمل مسيّرة (رويترز)

ويحذر خبراء من أن انتشار الأسلحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد يجعل اللجوء إلى الحرب أكثر سهولة من الناحية السياسية. فكلما تراجع الاعتماد على الجنود في ساحات القتال، انخفضت الكلفة البشرية المباشرة للحروب، وبالتالي الضغط الشعبي على المنظومات الحاكمة، وهذا ما قد يضعف أحد أهم عوامل الردع التقليدية. كما أن تحويل أبحاث الذكاء الاصطناعي المدنية إلى مشاريع عسكرية قد يؤدي إلى تقييد التعاون العلمي الدولي، وفرض قيود على الباحثين، والمؤسسات الأكاديمية، على غرار ما حدث في مجالات الفيزياء النووية والصواريخ خلال الحرب الباردة.

*الميدان السيبراني

إلى جانب ذلك، أصبحت الحروب السيبرانية ساحة مواجهة رئيسة بين الدول. فبدلاً من استخدام الدبابات والطائرات فقط، باتت الدول تعتمد على البرمجيات الخبيثة، والهجمات الإلكترونية لتعطيل البنى التحتية الحيوية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة الطاقة. وأظهر هجوم «ستاكسنت» Stuxnet (استهدفت البرمجية أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية) في العام 2009 أن الشيفرات البرمجية يمكن أن تتسبب في أضرار مادية مباشرة في المنشآت الصناعية. كما أصبحت سرقة البيانات والمعلومات الاستراتيجية من المؤسسات الحكومية والعسكرية والشركات الكبرى جزءاً أساسياً من الصراع الدولي الحديث.

وفي الوقت نفسه، تحوّل الفضاء الخارجي إلى مجال تنافس عسكري متزايد الأهمية. فالجيوش الحديثة تعتمد بشكل كبير على الأقمار الاصطناعية في الملاحة، والاتصالات، والاستطلاع، والإنذار المبكر من الهجمات الصاروخية. ومن دون هذه الأنظمة ستتأثر بشكل كبير قدرة القوات المسلحة على تنفيذ العمليات الدقيقة، وإدارة المعارك. ولهذا السبب تعمل عدة دول على تطوير قدرات هجومية ودفاعية في الفضاء، تشمل أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية، وهجمات إلكترونية، وأنظمة تشويش متقدمة. كما أنشأت بعض القوى الكبرى فروعاً عسكرية متخصصة لإدارة العمليات الفضائية، وحماية الأصول الاستراتيجية الموجودة في المدار.

«ميغ 31» روسية تحمل صاروخ «كينجال» (رويترز)

*لماذا قرقعة السلاح؟

تعود أسباب سباق التسلح الحالي إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، والحرب الروسية-الأوكرانية، والتوترات المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ، ومنطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى تراجع فعالية اتفاقات الحد من التسلح التي أدت دوراً مهماً في ضبط التنافس العسكري خلال العقود الماضية.

ويرى كثير من الخبراء أن الوضع الراهن قد يكون أكثر خطورة من مرحلة الحرب الباردة نفسها. ففي تلك الحقبة كان التنافس يدور بشكل أساسي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ما جعل قواعد الردع أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع. أما اليوم، فإن العالم يشهد تنافساً متعدد الأقطاب بين الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، إلى جانب أدوار متنامية لقوى إقليمية، وجهات غير حكومية تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة.

كما أن انهيار عدد من اتفاقات الحد من الأسلحة، وتآكل منظومة الرقابة الدولية يزيدان أخطار سوء التقدير. ويضاف إلى ذلك دخول تقنيات جديدة -مثل الذكاء الاصطناعي، والأسلحة السيبرانية، والصواريخ فرط الصوتية- إلى المعادلة العسكرية، ما يقلص الوقت المتاح لاتخاذ القرارات في الأزمات، ويزيد احتمالات التصعيد المتسرّع.

في ظل هذا المشهد، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«الحرب الخوارزمية»، حيث لن يكون الردع قائماً على التوازن النووي التقليدي فحسب، بل أيضاً على السيطرة المعلوماتية، والقدرة على إدارة الأخطار الناتجة عن الأنظمة الذكية، والشبكات الرقمية. فالصراع المستقبلي لن يُحسم بعدد الرؤوس النووية، أو الدبابات، والطائرات وحدها، بل بقدرة الدول على التحكم بالخوارزميات، والبيانات، والفضاء الإلكتروني، والفضاء الخارجي القريب. وهكذا يعود سباق التسلح إلى الواجهة، لكن بأدوات أكثر تعقيداً، وأسرع تطوراً مقابل قدرة أضعف على الضبط، والاحتواء.

 

 


استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
TT

استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)

تسببت وقائع اختراق من طائرات مسيرة بتعطيل مطارات في أوروبا ونفذت مسيّرات أخرى هجمات على حقول نفط في الشرق الأوسط، مما حفز نمواً سريعاً لسوق أجهزة الرادار والتشويش والمركبات الدفاعية لحماية المطارات والبنية التحتية من أي تهديدات جوية جديدة.

وصارت تكنولوجيا الطائرات المسيرة مصدراً للاضطراب في المطارات منذ سنوات. واضطر ​مطار غاتويك في لندن إلى تعليق الرحلات بسبب تحذيرات من الطائرات المسيرة قبل عام 2020. لكن موجة جديدة من وقائع الاختراق المرتبطة بالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط زادت حدة هذه المخاوف بشكل كبير.

ومن ضمن التطورات التكنولوجية التي برزت في الآونة الأخيرة أداة على شكل مسدس من شركة «ديدرون» الأميركية قادرة على التشويش على هذه المُسيرات، وطائرة «وينغمان» ذاتية القيادة من شركة «بوينغ» تحلق برفقة طائرات مقاتلة وهي تحمل أجهزة تشويش مضادة للطائرات المسيرة وأسلحة في مقدمة قابلة للتبديل.

ويجذب هذا المجال استثمارات بمليارات الدولارات، ويتجاوز الاستخدام العسكري إلى قطاعات مثل الطاقة والشحن ومراكز البيانات والفنادق والمطارات.

مسيّرات عسكرية في معرض دفاعي قرب باريس (رويترز)

وتعد شركة «أفينور»، التي تمتلك وتدير 43 مطاراً في النرويج، إحدى الشركات التي ركبت نظاماً للكشف عن ‌الطائرات المسيرة في عملياتها ‌لمعالجة «الاضطرابات والتأخيرات» التي تسببها توغلات الطائرات المسيرة لحركة الطيران. وتحدثت «رويترز» إلى ستة ​مديرين ‌تنفيذيين ⁠لشركات في ​مجال ⁠التصدي للطائرات المسيرة، وقالوا إن هناك زيادة حادة في الطلب من الحكومات والمطارات وشركات تشغيل البنية التحتية المدنية.

وقال سيتي هامينغا، الرئيس التنفيذي لشركة «روبن رادار» للتصدي للطائرات المسيرة، ومقرها هولندا: «هناك تأثير مباشر؛ إذ يتصل بنا الكثيرون». وطورت الشركة هذه التكنولوجيا مستفيدة من أبحاث حول تعرض الطائرات للاصطدام بالطيور.

سوق تنمو 20 في المائة سنوياً

وسلّطت أساليب الحرب الهجينة في أوروبا والشرق الأوسط الضوء على الحاجة إلى حماية المنشآت الاقتصادية والمدنية، مثل الموانئ وحقول النفط والمطارات. وعلى مدار عام حتى الآن حدثت اضطرابات بسبب هجمات بطائرات مسيرة على مطار دبي وتوغلات في دول البلطيق، وحرائق ناجمة عن حطام مسيرات تم اعتراضها ⁠في منطقة الفجيرة للصناعة البترولية (فوز) وإنذارات للاشتباه في وجود طائرات مسيرة بمطاري ميونيخ ‌وكوبنهاغن. وصرحت سلطات بعض المطارات الأوروبية لـ«رويترز» بأنها تتطلع إلى زيادة استخدام التقنيات ‌المضادة للطائرات المسيرة.

مسيّرة للبحرية الكورية الجنوبية (رويترز)

وقال آش ألكسندر كوبر، الذي كان يشغل منصباً تنفيذياً ​في شركة «ديدرون» حتى يونيو (حزيران) الحالي وتحدث إلى ‌«رويترز» قبل ترك المنصب، إن الاتصالات لطلب حلول يمكن تركيبها «في أسرع وقت ممكن» بدأت فور اندلاع الحرب على إيران ‌في 28 فبراير (شباط). وأضاف: «أعتقد أننا واحدة من شركات كثيرة تتلقى هذه الطلبات، بعد أن أدرك الآن عدد أكبر كثيراً من الدول ليس فقط في الشرق الأوسط، مدى الخطر الذي يواجهها مع تطور نطاق وطبيعة التهديد الفوري للطائرات المسيرة».

وتشير تقديرات المحللين إلى أن حجم سوق التصدي للطائرات المسيرة عالمياً يتراوح بين ثلاثة وسبعة مليارات دولار، وتنمو السوق بنسبة 20 في المائة تقريباً كل عام. ‌وذكرت شركة «ماركتس آند ماركتس» في تقرير أن هذه القيمة ستصل إلى 14.5 مليار دولار بحلول عام 2030 من 4.5 مليار دولار حالياً.

وقال إيبين فرانكنبرغ، الرئيس التنفيذي ⁠لشركة «إيكوداين» المصنعة لأجهزة رادار تكتشف ⁠الطائرات المسيرة، إن الاستثمار في مصنع جديد ستفتتحه الشركة هذا العام سيضاعف طاقتها الإنتاجية السنوية إلى ما يزيد على 30 ألف وحدة.

وأضاف: «من حيث الطلب على أجهزة الرادار التي ننتجها، شهدنا نمواً تجاوز 100 في المائة بكثير على مدار عام حتى الآن، وهذا النمو لا يتباطأ».

لكن على الرغم من الاهتمام الكبير بهذه التقنيات، لا تزال التحديات التنظيمية والتساؤلات حول السلامة تحد من نشر تكنولوجيا التصدي للطائرات المسيرة خارج المجال العسكري.

وتطبق المطارات المدنية قواعد صارمة بشأن اختيار التكنولوجيا التي يمكن أن تستخدمها ضد الطائرات المسيرة، ولا تزال تركز بشكل كبير على أدوات الكشف.

فقد تؤدي مشكلات، مثل التشويش والتداخل مع نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس»، إلى تعطيل الاتصالات والملاحة مما يجعل هذه الأنظمة غير مناسبة في مناطق المطارات. ولا يمكن أيضاً استخدام الأسلحة لإسقاط طائرات مسيرة في بيئة مدنية.

وقال متحدث باسم شركة «هينسولدت» الألمانية المصنعة لأجهزة الرادار: «لا يمكنك ببساطة استخدام ما يسمى الوسائل الحركية الفعالة، مثل المدافع الرشاشة أو ما شابه، بالقرب من بنية تحتية مدنية».

ويعود ​الكثير من الأمور إلى السلطات الوطنية فيما ​يتعلق بتحديد سبل استخدام الأنظمة التي تعمل في ساحات المعركة بشكل قانوني وآمن في السيناريوهات المدنية.

وقالت ستيفاني لينجيمان، رئيسة القسم الجوي في شركة «هيلسينغ» الألمانية للطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي: «المسموح به هو مسألة تنظيمية بأيدي الحكومات... لا يمكننا اتخاذ القرار».


لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
TT

لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

مع تراجع الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، تتطلع الجماعة عبر البحر الأحمر إلى الجماعة الإرهابية الأوسع شهرة في الصومال «حركة الشباب»، وذلك وفقاً للمحللة السياسية إميلي ميليكين، نائبة مدير مؤسسة «إن7» الفكرية والكاتبة المختصة في شؤون الخليج العربي واليمن وليبيا.

وقالت ميليكين، في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه على مدى سنوات كانت العلاقة المتنامية بين الحوثيين في اليمن و«حركة الشباب» الصومالية تعدّ أمراً ثانوياً، حيث طغت عليها الحروب في قطاع غزة ولبنان والبحر الأحمر. ولكن مع ازدياد الضغوط على إيران وشبكتها الإقليمية، يبرز هذا التحالف بوصفه علامة تحذيرية من أمر أكبر؛ هو أن الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي قد تتكيف إذا لم تعد طهران قادرة على دعم وكلائها كما كانت تفعل سابقاً.

مقاتلون من «حركة الشباب» (أرشيفية - أ.ب)

وأشارت إلى أن الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن «يعملون على تعميق علاقاتهم بـ(حركة الشباب)؛ فرع تنظيم (القاعدة) في الصومال، بطرق قد تزعزع استقرار منطقة القرن الأفريقي بشكل دائم، وتعرض للخطر أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وربما الأمر الأهم من ذلك، هو أن هذه الشراكة المتنامية قد تعكس تحولاً أوسع نطاقاً داخل ما يسمى (محور المقاومة الإيراني)».

ورسمت التقارير الأخيرة صورة مثيرة للقلق، فقد قالت مصادر للجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن إن «عشرات من مقاتلي (حركة الشباب)، بينهم قادة بارزون، سافروا إلى اليمن، وتحديداً إلى محافظتي شبوة ومأرب، ويسهّلون عمل شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الصومال. وربما تكون هناك عناصر من الحوثيين داخل الصومال، حيث يدربون مقاتلي (حركة الشباب) على حرب الطائرات المسيّرة والمتفجرات، وغيرها من أساليب القتال التي أتقنوها على مدى سنوات من التدرّب على أيدي مستشارين من إيران و(حزب الله)» اللبناني.

عناصر من «حركة الشباب» الإرهابية الصومالية (أ.ب)

تدريبات

وترى ميليكين أن هذا التطور يأتي في لحظة حاسمة بالنسبة إلى الحوثيين؛ «حيث تعرضت شبكة حلفاء إيران ووكلائها إلى نكسات متتالية منذ عام 2024، وتراجعت قوة (حزب الله) بشكل كبير، وأطيح نظام بشار الأسد في سوريا، وتواجه الميليشيات العراقية قيوداً داخلية وسياسية متصاعدة، وأصبحت حركة (حماس) شبه مدمرة. وفي الوقت نفسه، تواجه طهران ضغوطاً عسكرية واقتصادية متنامية من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين».

ومع ذلك، فقد خرج الحوثيون من هذه الفترة أجرأ. ورغم الضربات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية المتواصلة، فإن الجماعة واصلت إظهار قدرتها على تعطيل الملاحة الدولية، وضرب إسرائيل، وترسيخ مكانتها لاعباً رئيسياً في انعدام الأمن بالبحر الأحمر. علاوة على ذلك، وعلى عكس كثير من حلفائهم، لا تزال القيادة العليا للحوثيين سليمة.

بالنسبة إلى الحوثيين، «توفر العلاقات بشبكات التهريب والمسلحين الصومالية الفرصةَ والنفوذ في خليج عدن. ويتيح التعاون مع (حركة الشباب) والجهات الإجرامية المرتبطة بها الوصولَ إلى طرق الملاحة البحرية غير المشروعة وشبكات الاستخبارات، وممرات تهريب الأسلحة، والبنية التحتية اللوجستية، على الجانب الأفريقي من مضيق باب المندب». وفي الوقت الذي يتعرض فيه داعموهم الرئيسيون لضغط دولي مكثف، فإن تنويع الشراكات يسمح للحوثيين بتقليل اعتمادهم على طهران مع توسيع نطاق عملياتهم في عمق المحيط الهندي الغربي.

أنظمة صاروخية حديثة لدى الحوثيين (وسائل إعلام)

وبالنسبة إلى «حركة الشباب»، تعني الشراكة مع الحوثيين الوصولَ إلى أنظمة أسلحة أعلى تطوراً، وخبرات في مجال الطائرات المسيرة، وقدرات بحرية، وأهمية إقليمية أكبر. ويُعتقد أن الحوثيين قد نقلوا بالفعل طائرات مسيّرة مسلحة، كما يتردد أن «حركة الشباب» طلبت في يوم ما إضافة صواريخ موجهة. ويمكن أن يكون عدم الاستقرار البحري المرتبط بهذا التحالف مربحاً لها من حيث ممارسة القرصنة والتهريب، فضلاً عن فرض الضرائب على الموانئ وابتزاز التجار وشركات الشحن.

وقالت ميليكين إن عواقب هذه العلاقة تتجاوز حدود اليمن والصومال. وأشارت إلى أن «هذا التعاون المتنامي بين الحوثيين و(حركة الشباب) يهدد بازدياد هشاشة الاقتصاد العالمي الهش بالفعل»... فقد أجبرت هجمات الحوثيين، التي بدأت أواخر عام 2023، كثيراً من شركات الشحن الكبرى على تغيير مسارها إلى «رأس الرجاء الصالح» لتجنب عبور البحر الأحمر. ويعني هذا القرار حدوث تأخيرات طويلة في سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع تكاليف الوقود، وتضخم أقساط التأمين... والنتيجة هي ارتفاع الأسعار على المستهلكين في كل مكان، إلا إن أسواق الطاقة تظل الأكبر اضطراباً. لكن هذه العلاقة تشير أيضاً إلى تحول أوسع في علاقة إيران بالمتمردين.

ومع ضعف شبكة إيران الإقليمية، انتهز الحوثيون الفرصة لتأكيد أنهم كيان مستقل. كما أن تواصلهم مع جهات فاعلة، مثل روسيا والصين، إضافة إلى فروع تنظيم «القاعدة»، مثل «حركة الشباب»، و«تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، وحتى مع قراصنة الصومال، يعكس جهداً لتنويع العلاقات، وتقليل الاعتماد على طهران، وبناء نفوذ يتجاوز حدود اليمن. وقد يكون تحالفهم مع «حركة الشباب» مؤشراً مبكراً على كيفية تطور شبكة وكلاء إيران تحت الضغط.

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة للمرشد الإيراني علي خامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

ومع استمرار إيران في مواجهة ضغوط عسكرية واقتصادية وداخلية، فقد يضطر بعض شركائها - خصوصاً أولئك الذين يتعافون من فقدان القيادة ومخازن الأسلحة - إلى البحث عن مصادر تمويل وأسلحة ونفوذ إقليمي بديلة، بدلاً من الاعتماد فقط على طهران. ولهذا الغرض؛ فقد تبدأ هذه الجماعات تبني استراتيجيات أكبرَ عملية وواقعية والعمل خارج الخطوط الآيديولوجية التقليدية، مثلما يفعل الحوثيون.

واختتمت ميليكين تحليلها بالقول إن «هذه نتيجة ينبغي أن تُقلق صانعي السياسات أكثر بكثير مما كانت عليه الحال مع نموذج الوكالة التقليدي. فالضغط المطول على إيران وشبكتها الإقليمية قد يؤدي إلى أنظمة مسلحة أوسعَ تشرذماً، وأكبرَ استقلالية، ولا يمكن التنبؤ بها، في جميع أنحاء الشرق الأوسط».