دوافع روسية كثيرة لـ«الانتقام» من الأميركيين

«مكافآت طالبان» قد تكون رداً على سياسات واشنطن حالياً وتاريخياً

دوافع روسية كثيرة لـ«الانتقام» من الأميركيين
TT

دوافع روسية كثيرة لـ«الانتقام» من الأميركيين

دوافع روسية كثيرة لـ«الانتقام» من الأميركيين

اعتزمت الإدارة الأميركية الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترمب، وفيما يُعد انفصالاً صارخاً عن سياسات إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وبعد مرور ثلاث سنوات كاملة من الحرب الضروس الدائرة في شرق أوكرانيا المتاخمة للحدود الروسية، تزويد الجيش الأوكراني بأسلحة قوية من الترسانة الأميركية، تمثلت في صواريخ مضادة للدبابات من طراز «جافلين»، في صورة مساعدات عسكرية موجهة مباشرة لحكومة كييف، في معرض صراعها القائم ضد الانفصاليين المدعومين من جانب الكرملين.
وتمثل رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الخطوة الأميركية الأخيرة في صورة تحذير رسمي ينذر بتصعيد في أفق الأحداث، إذ صرَّح بأن الأسلحة المرسلة إلى المنطقة الانفصالية الأوكرانية يمكن بكل سهولة إعادة توجيهها إلى مناطق أخرى من الصراع المشتعل – الأمر الذي عده كثير من المحللين إشارة واضحة إلى أفغانستان.
ظلت شكاوى روسيا ضد ما تصفه بالتنمر والتسلط – وربما توسع النفوذ – الأميركي في المناطق ذات السطوة الروسية، تتراكم منذ عقود مضت، بدءاً من الدور الواضح الذي اضطلعت به وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في تسليح المجاهدين الأفغان، والذين تمكنوا – إثر الغزو السوفياتي لأفغانستان في عام 1979 – من توجيه الضربات تلو الضربات القاتلة ضد الجيش الأحمر الغازي، ثم ما استتبع ذلك من تداعيات بالغة السوء على الاتحاد السوفياتي بأسره.
ساعدت تراكمات الماضي المرير التي خلفتها الصراعات العنيفة السابقة والراهنة في أفغانستان وأوكرانيا – ثم أخيراً في سوريا التي تمكنت القوات الأميركية فيها من إسقاط عشرات القتلى من المرتزقة الروس في عام 2018 – في تفسير سر الرابطة الوثيقة التي جمعت بين الاستخبارات الروسية وحركة «طالبان» الأفغانية المتمردة، وفقاً لتقارير الاستخبارات المركزية الأميركية. ففي أوكرانيا، نجحت إدارة الرئيس دونالد ترمب فعلاً في إرسال صواريخ «جافلين» المضادة للدبابات إلى الجيش الأوكراني، شرط عدم استخدامها في الحرب.
وجاءت ردود فعل المسؤولين والمعلقين الروس مفعمة بغضب واضح على تقرير إخباري نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأسبوع الماضي، يفيد بخلوص مسؤولي الاستخبارات المركزية الأميركية، إلى أن جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي قد بلغ به حد التصعيد إلى تقديم المكافآت المالية إلى حركة «طالبان»، وبعض العناصر الإجرامية الأخرى وثيقة الصلة بها، بُغية استهداف وقتل الجنود الأميركيين الموجودين في أفغانستان.
وأظهرت البيانات والمراسلات الإلكترونية التي تمكنت الاستخبارات الأميركية من اعتراضها، وجود تحويلات بمبالغ مالية كبيرة صادرة عن الاستخبارات العسكرية الروسية، إلى حساب مصرفي ذي صلة بحركة «طالبان»، وفقاً لتصريحات المسؤولين الأميركيين الذين حددوا هوية أحد المقاولين الأفغان، باعتباره وسيطاً ما بين الاستخبارات العسكرية الروسية والمسلحين ذوي الصلة بـ«طالبان» من الذين اضطلعوا بتنفيذ الهجمات التي استهدفت الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان.
وسخر المسؤولون الروس من فكرة الاستعانة بالقتلة المأجورين من إحدى الجماعات الإسلاموية المتطرفة، والمدرجة في روسيا ضمن قائمة الجماعات «الإرهابية»، والتي تتفق توجهاتها مع عديد من وجهات النظر المعتمدة لدى المقاتلين الأفغان، ممن استهدفوا وقتلوا كثيراً من قوات الجيش الأحمر السوفياتي من قبل، وأولئك الذين ينتمون فكرياً وتنظيمياً لجماعات التطرف والإرهاب الإسلاموي الحالية، التي تسببت في كثير من الآلام وإراقة الدماء في الشيشان، عبر حربين طاحنتين متتاليتين هناك.
وفي تصريحه لإحدى وكالات الأنباء الحكومية يوم الاثنين الماضي، وصف زامير كابولوف، المبعوث الخاص للرئيس فلاديمير بوتين إلى أفغانستان، والسفير الروسي السابق في كابل، تقرير التحويلات المالية الروسية إلى «طالبان» بأنه «محض افتراء وكذب صريح» تمخض عن قوى داخل الولايات المتحدة، تتفق مصالحها مع عدم انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وتحاول تبرير إخفاقاتها هناك باختلاق مثل تلك الترهات التي تفتقر لأي سند أو دليل. وفي خضم سيل مستمر من النفي والإنكار المفعم بالغضب الشديد، برزت في الأفق رسائل تذكير واضحة، تفيد - من وجهة النظر الروسية - بأن الولايات المتحدة بسبب تجاوزات السياسات الخارجية المتكررة من جانبها، باتت مستحقة لتذوق بعض الآلام التي أذاقت مثلها للآخرين من قبل.
وفي معرض حديثه على التلفاز الحكومي الروسي خلال أحد البرامج الحوارية التي تهيمن عليها نظريات المؤامرة بشأن ما يحيكه منافسو الرئيس ترمب من أنصار المعسكر الديمقراطي المناوئ، قال أليكسي زورافليوف، عضو البرلمان الروسي، مذكراً المشاهدين في روسيا، بأنه بقدر اهتمام الحكومة الروسية بالأمر، فإن الولايات المتحدة كانت تدرك أن كرة النار نفسها التي ألقتها على الآخرين ستضرب أبوابها في وقت من الأوقات.
وفي إشارة إلى عملية «سايكلون - الإعصار»، البرنامج السري الذي أشرفت عليه الاستخبارات المركزية الأميركية لتسليح أعداء روسيا في أفغانستان إبان حقبة الثمانينات من القرن الماضي، قال أليكسي زورافليوف إن الولايات المتحدة أنفقت مليارات الدولارات على شحنات الأسلحة التي استخدمت في قتل آلاف ثم آلاف من الجنود الروس في تلك الحرب، وهذه من الحقائق الراسخة التي لا تقبل الجدال. وفي معرض رفض زورافليوف لتقرير التحويلات المالية الروسية لـ«طالبان» ووصفه إياه بأنه يحمل أنباء زائفة جملة وتفصيلاً، أضاف قائلاً: «دعونا نفترض جدلاً أننا أرسلنا إليهم الأموال (يقصد إلى «طالبان»)، ثم استعلمنا منهم عن عدد الجنود الأميركيين الذين ربما سقطوا صرعى جراء ذلك؟». ثم أجاب قائلاً: «لن يتعدى الرقم 22 جندياً على الأكثر». وقال إنه لا يوجد دليل واحد دامغ حتى الآن يؤكد توقيع الرئيس فلاديمير بوتين على أي برنامج من أي نوع يستهدف قتل الجنود الأميركيين في أفغانستان. حتى أن الخبراء المستقلين المعنيين بالأمر يقولون إنهم يتشككون كثيراً في أن الرئيس الروسي كان سيوافق على مثل هذه البرامج.
ومع ذلك، ظلت روسيا – في عهد بوتين – تكابد ولسنوات طويلة الآلام الحقيقية والمتصورة الناجمة عن الأذى الشديد الذي ألحقته بها الولايات المتحدة، لا سيما منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، والرغبة الروسية الجامحة في أن تسدد واشنطن فاتورة أفعالها السابقة.
وقال أندريه سيرينكو، الخبير البارز لدى مركز دراسات أفغانستان المعاصرة في موسكو، إن الحكومة الروسية لا تملك رغبة حقيقية في رؤية القوات الأميركية تنسحب من أفغانستان، وتحتفي بالآلام الأميركية الناشئة عن صراع لا نهاية له، ذلك الذي وصفه بأنه يشبه البثرة المتقرحة شديدة الإيلام للولايات المتحدة. ورغم ذلك، وكما قال أندريه سيرينكو، كانت الحكومة الروسية تتأهب في نهاية المطاف لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وذلك من خلال تعزيز مختلف الروابط والعلاقات مع «طالبان» وغيرها من أمراء الحرب الأفغان. ولقد عملت على ذلك من خلال المساعدات المالية وغيرها من سُبل المحفزات الأخرى، على أمل منها في محاولة صياغة وجه الأحداث الأفغانية في المستقبل، مع تأمين أدوات مفيدة تستعين بها في مواجهة واشنطن.
واستطرد سيرينكو قائلاً إن «طالبان»، على غرار عديد من الجماعات الأفغانية المسلحة الأخرى، تملك سجلاً طويلاً وحافلاً من الاستعانة بجهات الحماية الخارجية، واستقدام أموال المساعدات الأجنبية، بما في ذلك من روسيا، ومن الولايات المتحدة، ومن الصين. ثم أردف: «هذا ما يحسنون فعله بكل تأكيد. وهذا من أكثر الأعمال التجارية نجاحاً وإدراراً للمكاسب في أفغانستان». وقال إن روسيا اعتبرت أنه إذا نجحت في خلق كثير من المشكلات للولايات المتحدة داخل أفغانستان، فإن الأميركيين سيخلقون القليل من المشكلات بالنسبة لروسيا في أوكرانيا وسوريا في المقابل.
وكانت الحكومة الروسية على تواصل مستمر مع «طالبان» منذ سنوات، بدءاً من عام 1995 عندما زار زامير كابولوف مدينة قندهار، وهي معقل «طالبان» في جنوب البلاد، من أجل التفاوض بشأن إطلاق طيارين روس كانوا محتجزين رهائن لدى الحركة. وفي خاتمة المطاف، تمكن الطيارون الروس من الفرار بطائراتهم عائدين إلى بلادهم، فيما وصفت وقتها بأنها عملية هروب جريئة وناجحة. غير أن تفاصيل ما حدث بالفعل غير واضحة حتى الآن. ومن بين الأمور المؤكدة تماماً، رغم كل شيء، أن جولة المفاوضات الأولى التي جرت بين روسيا و«طالبان» كانت تدور حول الأموال.
وقال فاسيلي كرافتسوف، الضابط السابق لدى الاستخبارات السوفياتية خلال الحرب السوفياتية في أفغانستان، والدبلوماسي الروسي لدى أفغانستان حتى عام 2018: «كان كل شيء يدور حول الأموال»، في إشارة إلى جولة التفاوض بشأن الطيارين المحتجزين لدى الحركة.
ورفض فاسيلي كرافتسوف فكرة أن تكون حكومة روسيا قد دفعت أي مبالغ مالية لـ«طالبان»، بغرض استهداف وقتل جنود التحالف منذ ذلك الحين، حتى مع أنه يتذكر الأعداد الكبيرة من الجنود السوفيات الذين سقطوا في حرب أفغانستان باستخدام الأسلحة الأميركية التي جرى إرسالها مباشرة إلى المجاهدين الأفغان. ولقد تعرَّض بنفسه للإصابة مرتين متتاليتين بهذه الأسلحة التي جرى شراؤها بأموال أميركية.
وقال المجند إيغور ييرين الذي قاتل في أفغانستان ضمن صفوف الجيش الأحمر السوفياتي في ثمانينات القرن الماضي، إنه لم يشاهد أي جندي أميركي أبداً في ساحات المعارك الأفغانية، ولكن الأميركيين كانوا في كل مكان رغم ذلك، بواسطة صواريخهم المضادة للطائرات. وكانت صواريخ «ستينغر» المضادة للطائرات قد وصلت إلى أيدي المجاهدين الأفغان من قبل الولايات المتحدة، في جزء من البرنامج السري الذي كانت تشرف عليه وكالة الاستخبارات المركزية. إذ تمكن المجاهدون الأفغان – بمعاونة الولايات المتحدة – من إسقاط مئات الطائرات المقاتلة والمروحيات الحربية السوفياتية، الأمر الذي أسفر عن تغيير التوازنات في تلك الحرب الضروس التي امتدت قرابة عشر سنوات.
والآن، يدير المجند السوفياتي الأسبق إيغور ييرين متحفاً صغيراً في موسكو لذكريات الحرب الأفغانية المؤلمة؛ حيث يعرض عدداً من الألغام الأرضية، وغيرها من أنواع الأسلحة الأميركية المختلفة التي أرسلت لقتل الجنود السوفيات، في جزء من البرنامج السري للاستخبارات المركزية.
وكان الرئيس بوتين قد تعهد، بعد فترة وجيزة من تسلمه مقاليد السلطة في البلاد قبل عقدين من الزمن، بدعم وتأييد الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش في حربه ضد الإرهاب في عام 2001. كما تعاون بوتين أيضاً في الحملة الأميركية للإطاحة بـ«طالبان» من حكم أفغانستان؛ لكنه سرعان ما أعرب عن شكوكه من فكرة أن تكون واشنطن من الشركاء الموثوق بهم، وشرع في توجيه اللوم إلى الولايات المتحدة بشأن أغلب المشكلات التي تحدث حول العالم.
وإثر استشعاره الكبرياء المجروح، تعرض بوتين بالشجب الصريح في خطاب شديد اللهجة ألقاه في مدينة ميونيخ عام 2007، لما وصفه بـ«عالم السيد الوحيد والسيادة الواحدة»، وقال إن الولايات المتحدة قد تجاوزت حدودها الوطنية في كل مجال من المجالات المعروفة.
واعتمد الرئيس الروسي سياسة تصفية الحسابات منذ ذلك الحين، واستعان في ذلك بالاستخبارات العسكرية الروسية في أغلب الأحيان، والتي تمكنت قدر الإمكان من تحجيم التمدد الأميركي في الخارج، حتى قبل أن يتولى بوتين مقاليد السلطة في البلاد. ومنذ أن صار بوتين رئيساً للاتحاد الروسي، وجهت الاتهامات إلى الاستخبارات العسكرية الروسية بالضلوع في إلحاق الأذى بالآخرين على نطاق واسع. من محاولة الانقلاب الفاشلة في جمهورية الجبل الأسود البلقانية في عام 2016 والتي كانت تهدف موسكو من ورائها إلى الحيلولة دون انضمام تلك الجمهورية إلى حلف شمال الأطلسي، ثم التدخل الغريب في العام نفسه في مجريات الانتخابات الرئاسية الأميركية.
وفي مقابلة شخصية نادرة أجريت مؤخراً، شرح فالنتين كورابيلنيكوف، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية، للتلفاز الحكومي الروسي، كيف تمكن ضباط الجهاز في عام 1999 من تنظيم حملة محمومة من الجنود والمدرعات الروسية إلى إقليم كوسوفو، بهدف احتلال المطار في العاصمة بريشتينا، قبيل ساعات قليلة من وصول قوات حلف شمال الأطلسي إلى المدينة. وكانت تلك العملية – كما وصفها كورابيلنيكوف – تتعلق بالهيبة والسيادة الروسية، وإظهار أنه لا يمكن أبداً تجاهل الدولة الروسية.
وقال كورابيلنيكوف، متحدثاً من داخل مكتبه السابق في مقر الاستخبارات العسكرية الروسية في موسكو، إن الجهاز قد تمكن من تنظيم وتنفيذ عديد من العمليات السرية الأخرى التي لم يتم الإفصاح عنها حتى الآن. واستطرد قائلاً: «تعتبر الغالبية العظمى من العمليات التي قمنا بتنفيذها نحن وإخواننا الآخرون – مشيراً إلى جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، وجهاز الأمن الاتحادي الداخلي الروسي الذي ترأسه فلاديمير بوتين في أواخر التسعينات – سرية ومغلقة تماماً، ولا يظهر منها إلا النذر اليسير في بعض الأحيان، ولاعتبارات معينة فقط».
وقال مارك غاليوتي، الخبير البارز في شؤون أجهزة الأمن الروسية، والذي تقدم برسالة لنيل درجة الدكتوراه حول الآثار الكارثية للحرب الأفغانية على روسيا: «إن بعض حرس الحرب القديمة في جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية، ربما تقدموا بخطط تستهدف مقتل الجنود الأميركيين في أفغانستان، للانتقام من مقتل الجنود السوفيات بالأسلحة الأميركية في أفغانستان»؛ لكنه أضاف أنه يشكك في وجود مثل هذه الخطط، أو أنها قد حازت موافقة القيادة السياسية الروسية، أو جرى تنفيذها من دون الموافقة الرسمية عليها، على اعتبارها «عملية منفردة ومستقلة».
وحتى المجند السابق إيغور ييرين، الذي فقد أصدقاء السلاح في أفغانستان قديماً، تذكر أنه خلال خدمته العسكرية هناك، أمضى معظم الوقت بالقرب من مدينة قندوز الشمالية، ولم يكن يصدق كلمات ضباط الأمن السياسي في وحدته الذين كانوا يقولون إن الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 كان لازماً وضرورياً، للحيلولة دون اقتراب الولايات المتحدة من الفناء الخلفي للاتحاد السوفياتي. ويضيف ييرين: «إنني أصدق كلماتهم اليوم. فأفغانستان هي أقرب دول الجوار إلينا»، مشيراً بأصبعه إلى أقصى الحدود الجنوبية على خريطة كبيرة وقديمة للاتحاد السوفياتي معلقة على جدار متحفه الصغير، ومستطرداً بقوله: «إن ما يحدث في هذه البقعة يهمنا في روسيا أكثر مما يهم الآخرين في واشنطن».
- خدمة «نيويورك تايمز»



الجيش الأميركي يعلن إصابة أو إغراق أكثر من 20 سفينة إيرانية

مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

الجيش الأميركي يعلن إصابة أو إغراق أكثر من 20 سفينة إيرانية

مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ذكرت القيادة المركزية الأميركية، الأربعاء، أن القوات الأميركية أصابت أو أغرقت أكثر من 20 سفينة إيرانية منذ بدء الصراع مع طهران مطلع الأسبوع الحالي.

قال ​قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، اليوم (الأربعاء)، ‌إن ‌الجيش ​دمر ‌16 ⁠سفينة ​إيرانية وغواصة واحدة، ⁠وقصف ما يقرب من ⁠2000 هدف ‌في ‌إيران.

وأضاف ​كوبر ‌في ‌مقطع فيديو نشر على «إكس»: «اليوم، ‌لا توجد سفينة إيرانية واحدة ⁠تبحر ⁠في الخليج العربي أو مضيق هرمز أو خليج ​عمان».

وأوضح: «يشارك في هذه العملية أكثر من 50 ألف جندي، وحاملتا طائرات، وقاذفات قنابل انطلقت من الولايات المتحدة، وهناك المزيد من القدرات في طريقها إلينا، ما يمثل أكبر حشد للقوة الأميركية في الشرق الأوسط منذ جيل كامل».

وتابع: «نحن الآن في أقل من 100 ساعة من العملية، وقد ضربنا بالفعل ما يقرب من ألفي هدف بأكثر من ألفي ذخيرة. قمنا بإضعاف الدفاعات الجوية الإيرانية بشكل خطير، ودمرنا المئات من منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. نحن نركز على تدمير كل شيء يهددنا».


التشويش الإلكتروني: كيف يُعطِّل الصواريخ الذكية ويُغيّر مسارها؟

خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
TT

التشويش الإلكتروني: كيف يُعطِّل الصواريخ الذكية ويُغيّر مسارها؟

خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)

أصبحت الحرب الإلكترونية من أهم أدوات الصراع العسكري في العصر الحديث، إذ تعتمد على التحكم في البيئة الكهرومغناطيسية بهدف تعطيل أنظمة العدو أو تضليلها. ومن أبرز تطبيقاتها التشويش على الصواريخ والذخائر الذكية التي تعتمد في توجيهها على إشارات إلكترونية مختلفة مثل إشارات الأقمار الاصطناعية أو الحساسات الرادارية والحرارية. ويكمن هدف هذا النوع من العمليات في إرباك أنظمة التوجيه ومنعها من تحديد الهدف بدقة.

كيف تعمل الصواريخ الذكية؟

تعتمد معظم الصواريخ الذكية الحديثة على مجموعة من أنظمة الملاحة والتوجيه. فبعضها يستخدم إشارات الأقمار الاصطناعية مثل نظام GPS لتحديد الموقع بدقة عالية، إلى جانب نظام الملاحة القصورية INS الذي يعتمد على قياس الحركة والاتجاه داخلياً. كما قد تستخدم الصواريخ حساسات رادارية أو كاميرات حرارية وبصرية لتعقب الهدف، إضافة إلى روابط اتصال لاسلكية تسمح بتحديث مسارها في أثناء الطيران. يهدف الجمع بين هذه الأنظمة إلى زيادة الدقة وضمان استمرار التوجيه حتى في حال تعطل أحد الأنظمة.

التشويش والتضليل: طريقتان للهجوم الإلكتروني

يمكن للهجوم الإلكتروني أن يؤثر في هذه الأنظمة بطريقتين رئيسيتين. الأولى هي التشويش، حيث تُبث إشارات قوية على التردد نفسه لإرباك أجهزة الاستقبال ومنعها من التقاط الإشارة الأصلية. أما الطريقة الثانية فهي التضليل أو التزوير الإلكتروني، حيث تُرسل إشارات مزيفة تشبه الإشارات الحقيقية، ما يجعل الصاروخ يعتقد أنه يتلقى بيانات صحيحة بينما يتم توجيهه فعلياً إلى مسار خاطئ.

خلال إطلاق صواريخ موجهة خلال تدريب عسكري عام 2013 قبالة مدينة تشينغداو الساحلية في الصين (رويترز)

كيف يتغير مسار الصاروخ؟

في حالة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، قد يبدأ الهجوم بإغراق جهاز الاستقبال بالضجيج الإلكتروني حتى يفقد الاتصال بالإشارة الأصلية، ثم يتم إرسال إشارات مزورة أقوى قليلاً من الإشارة الحقيقية. وإذا نجح هذا الأسلوب، يبدأ النظام الملاحي في حساب موقع خاطئ تدريجياً، ما يؤدي إلى انحراف الصاروخ عن هدفه.

أما الصواريخ التي تعتمد على الرادار أو الحساسات الحرارية، فيمكن خداعها بوسائل مختلفة مثل الضجيج الإلكتروني أو الأهداف الوهمية أو الشعلات الحرارية. وفي هذه الحالات قد يفقد الصاروخ اتجاهه نحو الهدف أو يتجه نحو هدف مزيف.

النتائج العملية للتشويش

عندما ينجح التشويش، غالباً لا ينحرف الصاروخ بشكل مفاجئ، بل تظهر النتيجة على شكل زيادة تدريجية في الخطأ عند إصابة الهدف. فالصاروخ قد يواصل الطيران اعتماداً على نظام الملاحة القصورية، لكنه يفقد التحديثات الدقيقة القادمة من الأقمار الاصطناعية. أما في حالة التضليل الإلكتروني، فقد تكون النتائج أخطر لأن النظام يعتقد أن البيانات التي يتلقاها صحيحة، فيعدل مساره بناءً على معلومات خاطئة.

محاولات الحد من تأثير التشويش

لمواجهة هذه التهديدات، تعمل الجيوش على تطوير وسائل حماية إلكترونية متقدمة، مثل تحسين معالجة الإشارات، وإدارة الترددات لتقليل تأثير التشويش. كما تُستخدم أنظمة لكشف الإشارات المزورة في مستقبلات الملاحة، إلى جانب الاعتماد على أكثر من نظام توجيه في الوقت نفسه.

ورغم هذه الإجراءات، يبقى التشويش الإلكتروني سلاحاً فعالاً في الحروب الحديثة، لأنه يسمح بإضعاف دقة الأسلحة الذكية دون الحاجة إلى تدميرها مباشرة.

اقرأ أيضاً


«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
TT

«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)

منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، اجتاحت الفضاء الرقمي موجة واسعة من المواد المضللة، تراوحت بين صور أُعيد تدويرها، ومقاطع من ألعاب فيديو قُدّمت على أنها ضربات صاروخية، ومشاهد قتالية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، فيما وصفها محللون بأنها «حرب سرديات».

وبعدما أشعلت الضربات الأميركية والإسرائيلية نهاية الأسبوع نزاعاً إقليمياً، اندلعت حرب معلومات موازية، إذ أغرق أنصار الطرفين وسائل التواصل الاجتماعي بمعلومات مضللة غالباً ما تنتشر بوتيرة أسرع من الوقائع على الأرض.

ودحض مدققو الأخبار في «وكالة الصحافة الفرنسية» سلسلة ادعاءات نشرتها حسابات مؤيدة لإيران أعادت نشر مقاطع قديمة للمبالغة في حجم الأضرار الناجمة عن ضربات طهران الصاروخية على إسرائيل ودول خليجية.

وقال مصطفى عياد من «معهد الحوار الاستراتيجي» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «ثمة بالتأكيد حرب سرديات تدور على الإنترنت».

وأضاف: «سواء كان الهدف تبرير الضربات عبر الخليج أو الترويج للقوة العسكرية الإيرانية في مواجهة الضربات الإسرائيلية والأميركية، يبدو أن الغاية هي إنهاك العدو».

وفي الضفة المقابلة، دفعت وسائل إعلام معارضة إيرانية بسرديات مضللة على منصتي «إكس» و«تلغرام» تُحمّل الحكومة الإيرانية مسؤولية ضربة صاروخية استهدفت مدرسة للبنات في إيران، بحسب باحثين.

كما حذّر المعهد من ظهور حسابات مزيفة تنتحل صفة قيادات إيرانية رفيعة.

وفي الأثناء، حصدت مقاطع من ألعاب فيديو أُعيد توظيفها على أنها ضربات صاروخية إيرانية، وصور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر إغراق سفن حربية أميركية، بينها حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، ملايين المشاهدات عبر منصات عدة.

وسُجلت أساليب تضليل مماثلة في نزاعات عالمية أخرى، بينها الحرب في أوكرانيا والحرب في غزة.

وقال عياد: «إنها حقاً سرعة وحجم هذه المواد التي تبعث على الدهشة، وتغذي قدراً كبيراً من الالتباس عبر الإنترنت بشأن الأهداف التي تم قصفها أو أعداد الضحايا على سبيل المثال».

ووفقاً لمرصد «نيوزغارد» لمراقبة الأخبار المضللة، حصدت هذه المشاهد الملفّقة التي تُظهر إيران بصورة أكثر تهديداً مما تشير إليه المعطيات الميدانية، أكثر من 21.9 مليون مشاهدة على منصة «إكس» وحدها.

«ضباب الحرب»

وأعلنت منصة «إكس» الثلاثاء أنها ستعلّق مشاركة صانعي المحتوى في برنامج تقاسم العائدات لمدة 90 يوماً إذا نشروا مقاطع عن نزاعات مسلحة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي من دون الإفصاح عن كونها مصطنعة.

ويستهدف تعديل السياسة ما وصفته الشركة بتهديد لمصداقية المعلومات في خضم الحرب الجارية ضد إيران.

وقال رئيس قسم المنتجات في «إكس» نيكيتا بير إنه «خلال أوقات الحرب، من الضروري أن يتمكن الناس من الوصول إلى معلومات موثوقة من الميدان»، مضيفاً أن تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية تجعل «من السهل جداً إنشاء محتوى قد يضلل الناس».

ويمثل إلزام الإفصاح عن المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي تحولاً ملحوظاً لمنصة واجه نهجها في إدارة المحتوى انتقادات واسعة منذ استحواذ إيلون ماسك عليها مقابل 44 مليار دولار في أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

وقال آري أبيلسون، الشريك المؤسس لشركة «أوبن أوريجينز» المتخصصة في التحقق من صحة المحتوى الإعلامي ومكافحة التزييف العميق «إن ضباب الحرب يتحول سريعاً إلى فوضى عارمة، إذ يخلق المحتوى الاصطناعي بالذكاء الاصطناعي ضجيجاً لا متناهياً في بيئات المعلومات».

وأضاف أنه «مع تصاعد حدة صراع عالمي آخر ذي تأثير بالغ في إيران، من المهم أن نفهم جميعاً كيف يعمل نظامنا الإعلامي».

وفيما قد يزيد من حدة الفوضى الرقمية، أظهرت دراسة «نيوزغارد» أن أداة البحث العكسي عن الصور التابعة لشركة «غوغل» قدّمت ملخصات غير دقيقة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي لصور مفبركة ومضللة مرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط.

وقالت الهيئة إن ذلك يكشف عن «ثغرة كبيرة في نظام يُستخدم على نطاق واسع للتحقق من صحة الصور». ولم يصدر تعليق فوري من «غوغل».