العراق... معركة استعادة «هيبة الدولة»

الكاظمي أطلق صافرة البداية لمواجهة حامية مع متحدّيه من أتباع إيران

العراق... معركة استعادة «هيبة الدولة»
TT

العراق... معركة استعادة «هيبة الدولة»

العراق... معركة استعادة «هيبة الدولة»

على مدى الأعوام السبعة عشر الماضية، كان الحديث عن هيبة الدولة المفقودة في العراق والعمل على حفظ سيادتها لا يتعدّى «حديث خرافة يا أمّ عمرو» وفق القول الشائع.
هذا كان ولا يزال الحال، بدءاً من الأزمة مع الأميركيين سواءً كانوا «محرّرين» أو «محتلين» منذ لحظة إسقاط تمثال الرئيس السابق صدام حسين عصر 9 أبريل (نيسان) 2003، مروراً بالتدخلات المسلحة على الحدود العراقية من قبل إيران وتركيا، وانتهاءً بالموقف ممن تصف نفسها بـ«محوَر المقاومة» بينما تصنفها كل الحكومات العراقية بوصفها فصائل تملك سلاحاً خارج سيطرة الدولة.

لعل السؤال الذي بقي مطروحاً على مدى سنوات «زحف» سلطة الفصائل المسلحة الموالية لإيران على الدولة ومؤسساتها، الذي أسّس ما يسمى «الدولة العميقة» في العراق هو: من يعلق جرس المواجهة معها؟
كل رؤساء الوزارات العراقية قبل مصطفى الكاظمي، الذي جاء إلى السلطة من خارج الخط الأول من الزعامات الشيعية ومن خارج منظومة الأحزاب الإسلامية (ما عدا رئيس الوزراء الانتقالي إياد علاوي الذي كان مدنياً) تجنبوا خوض مواجهة مفتوحة مع ما يعدّونه «خارجاً عن القانون»، باستثناء ما عُرفت بـ«صولة الفرسان» التي أطلقها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي عام 2009 ضد جماعة «التيار الصدري في محافظتي البصرة والعمارة. ويومذاك، حققت «الصولة» نجاحاً لفترة من الزمن قبل أن تستفحل عناصر أخرى وتحت أغطية أخرى.
غير أن الكاظمي، الذي جاء إلى السلطة بمعادلة جديدة، لم يغير ما وضعه من التزامات، أبرزها إنجاز أهم استحقاق ينتظره العراقيون، ألا وهو الانتخابات المبكرة والنزيهة ومعها استعادة هيبة الدولة المفقودة.
المعادلة المقلوبة
لعل أقل ما كان يمكن توقعه من قبل خصوم الكاظمي، وفي مقدمتهم الفصائل المسلحة، فضلاً عن أطراف كثيرة في كتلة «الفتح» التي يتزعمها هادي العامري، هي أن الكاظمي «سيتغاضى» عن استهداف «جماعات الكاتيوشا» (أي الميليشيات) المصالح الأميركية في العراق، سواءً في «المنطقة الخضراء» - حيث السفارة الأميركية - أو مطار بغداد الدولي أو معسكر التاجي، حيث يتمركز أميركيون مع القوات العراقية لأغراض التدريب والتجهيز والتسليح والدعم اللوجيستي.
لكن الكاظمي سارع إلى إجراء حوار وصف بأنه «استراتيجي» مع الأميركيين يفترض أن يستكمل خلال يوليو (تموز) الحالي أو أغسطس (آب) المقبل، رابطاً المسار على جبهة الحوار - بما في ذلك جدوَلة انسحاب القوات الأميركية من البلاد - بوضع حد للسلاح المنفلت.
المفارقة اللافتة هنا، أن الحوار الذي جرى عبر دائرة تلفزيونية مغلقة رافقه إطلاق مكثف ويومي لصواريخ «الكاتيوشا». وبينما كان المطلوب من الكاظمي الاستمرار بهذه المعادلة كي يبقى نصف مرضيّ عنه من قبل هذه الأطراف، فإنه قلب المعادلة حين قرّر البدء بفرض هيبة الدولة عبر ما عُرف بـ«واقعة الدورة» جنوبي بغداد. ومع اختلاف الروايات بشأن الواقعة والمتهمين بها، وما إذا كانوا 1 أم 13، فإن النتيجة بدت متباينة بين قوى الدولة و«اللا دولة». وبينما احتفل المُفرَج عنهم الـ13 لنقص الأدلة، أعلنت الحكومة أن المطلوب كان واحداً لا يزال معتقلاً، وهو الذي اعترف بحيازة أسلحة ومنصّات صواريخ.
غير أن اللافت كان طريقة الاحتفال، بالإمعان في إهانة الدولة. إذ داس المُفرَج عنهم على صور مسؤولين، مع إنهم وفق الوصف الرسمي ينتمون إلى هيئة «الحشد الشعبي» التي تتبع رسمياً رئاسة الوزراء .
الكاظمي يعتقد، على الأرجح، أن ردّات فعل كهذه متوقعة، لا سيما إنه دون غيره من رؤساء الوزارات السابقين يخوض معركة «كسر عظم» تتطلب المزيد من الخسائر بما فيها الشخصية. ولذا عدّل الكاظمي خطة المواجهة التي يبقى الكثير من خيوطها بيده عبر الشخص الذي لايزال معتقلاً، وهو ما يمكن عده صيداً ثميناً في سياق التوجه مستقبلاً إلى أحد أهم مصادر تمويل الجماعات المسلحة، وهي المنافذ الحدودية، بدلاً من غزو المعسكرات التي يتحصن فيها هؤلاء ومعظمها معسكرات مشتركة بينهم وبين «الحشد الشعبي».
الليلة الكبيرة
صباح الخميس 26 يونيو (حزيران) الماضي كان مفعماً بالنشاطات بالنسبة للكاظمي. فبالإضافة إلى لقاء طويل عقده مع مجموعة من الإعلاميين والمحللين السياسيين حضرته «الشرق الأوسط»، أجرى رئيس الحكومة لقاءات عدة مع الفنّانين والأدباء وقبلهم أصحاب المهن الطبية. وكان القاسم المشترك في كل هذه اللقاءات أمران: الأول، التأكيد أن ملء الحقائب الـ22 مضى عليه أسبوعان فقط. والآخر هو ما ينوي عمله خلال الفترة المقبل، بما يوحي أنه سيبدأ مواجهة شاملة تبدأ من الأحزاب وتنتهي بالجماعات المسلحة، وبالعكس. ومما قاله الكاظمي «سنتّخذ في القريب العاجل مجموعة إجراءات لتغيير بعض المواقع الإدارية في الدولة، وسنسمع بعدها حملة تشويه للحكومة؛ لأن هناك مَن سيتضرّر جرّاء هذه التغييرات. ونقول بكلّ صراحة إنه ليس لدينا شيء نخسره، ورهاننا على الإعلاميين والصحافيين وعلى الناس. وإن لم يتركونا نعمل فسنخرج وأيدينا نظيفة... الفساد أخطر من الإرهاب لأنه يساعد الإرهابيين، وستكون لدينا حملة لمتابعة أسباب الفساد وملاحقة الفاسدين».
وحقاً، في منتصف ليل الخميس وفجر الجمعة بدأت مواجهة غير مسبوقة، مع اقتحام قوة من جهاز مكافحة الإرهاب مقراً لـ«كتائب حزب الله» واعتقال مجموعة من عناصرها. بذا استعجل الكاظمي المواجهة رغم عمر حكومته القصير، وهو ما قد يمثل له ورطة بسبب نقص عناصر المواجهة. وهنا يقول محمد الكربولي، القيادي السنّي وعضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي لـ«الشرق الأوسط»، إن «المواجهة مع الفصائل المسلحة والميليشيات الخارجة عن القانون أمر حتمي، لكنه يحتاج إلى وسائل وآليات كي لا تفقد الدولة هيبتها مرتين». وتابع أن «الكاظمي يعتمد حالياً على جهاز واحد قدّم تضحيات جسيمة في مواجهة (داعش) هو جهاز مكافحة الإرهاب».
حسب الكربولي «ليس من الحكمة الآن الزجّ بهذا الجهاز وحده في مواجهة مع الفصائل؛ لأنه لا هو ولا الكاظمي مؤهلان لهذا الدور الآن... وإلا ستفقد الدولة هيبتها مرتين: مرة في مواجهة خاسرة، ومرة في العجز عن تحقيق النصر، وبدلاً من ذلك إحداث شرخ داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية». ثم يستطرد «ينبغي بناء القوات المسلحة بشكل جيد ومتماسك، وتأجيل المواجهة الآن إلى أن تنضج ظروف المواجهة بحيث يكون ولاء القوات الأمنية للدولة تاماً».
وفي الإطار نفسه، يفسر الخبير الاستراتيجي الدكتور هشام الهاشمي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» ما حصل بأنه «بموجب مدرك رئيس الحكومة، فإنه يحاول إنهاء الأزمات الأمنية التي أربكت حلوله الاقتصادية من خلال تمرد خلايا الكاتيوشا وسيطرة الهيئات الاقتصادية على المشاريع والمنافذ الحدودية». ويضيف الهاشمي، أن «الكاظمي، من هذه الزاوية، كان لا بد أن يصل إلى تسوية من خلال القوة الناعمة، لكنها يبدو أنها فشلت، فلجأ إلى فرض القانون عبر تنفيذ مذكرات القبض القضائي».
وفي سياق تبادل الرؤى والأفكار لما حصل وما يُتوقع حصوله، يقول الأكاديمي العراقي الدكتور إحسان الشمّري، رئيس «مركز التفكير السياسي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إنه «على الرغم مما جرى نتيجة محفّز أمني لأمور واستهدافات كثيرة حصلت في المنطقة الدولية (الخضراء) أو مطار بغداد أو العمليات المشتركة، وكذلك طبيعة مواقف هذه الفصائل من مخرجات الحوار بين بغداد وواشنطن، فإن المواجهة تحمل من جانب آخر بعداً سياسياً يتمثل في أن الكاظمي بدا أكثر ثباتاً في تطبيق منهاجه الوزاري، ولا سيما، على صعيد حصر السلاح بيد الدولة». وأردف الشمّري، أن «الكاظمي كسر قاعدة الحكومات العراقية السابقة لجهة المواجهات مع الفصائل المسلحة أو الجهات الخارجة عن القانون. وبالتالي، فهو يتحرك بعيداً عن الضغوط والإملاءات السياسية».
الشمّري يرى أيضاً، أن ما حصل «سيكون له تداعيات سياسية كبيرة»؛ لأن الكاظمي لا يمتلك كتلة سياسية، «وستكون نسيج عمل سياسي بين هذه المجاميع لتعويق عمل الكاظمي ومساءلته واستقدامه إلى البرلمان وتعطيل خطواته، إلا أن الأهم هو أن هذه الخطوة من الناحية السياسية ستثبّت القناعة عند هذه الفصائل بأن لدى الكاظمي القدرة على الانقلاب على كل التوافقات السابقة بمعنى غض الطرف عن نشاط هذه الفصائل المسلحة». وأشار إلى أن الفصائل «ستعمل على إنهاء خلافاتها وإعادة تموضعها لمواجهة هذا التحدي الجديد، وعليه فإن قدرة الكاظمي على المواجهة تعتمد على أكثر من مسار، كقدرته أولاً على المطاولة، وثانياً دعم القوى السياسية لهذه الخطوات، وثالثاً مسألة التأييد الشعبي له».
عرس بلا «شهر عسل»
كل الحكومات العراقية السابقة بعد 2003، التي تشكلت أو مرّرت داخل قبة البرلمان، كانت حكومة توافقات، فضلاً عن المحاصصة الحزبية والطائفية. ومع أنها كلها باستثناء حكومة عادل عبد المهدي أنهت دوراتها المقرّرة (أربع سنوات)، فإن حكومة مصطفى الكاظمي تبدو «حكومة إجماع اضطراري»، لكن بمهمة واحدة هي إجراء انتخابات مبكرة نزيهة... وفي غضون سنة.
بناءً عليه، قبِل الكاظمي بمهمة «انتحارية». وبالفعل، وصف نفسه بـ«الشهيد الحي». ولئن كانت حكومته الوحيدة بلا «شهر عسل» بعكس كل الحكومات السابقة، فإن تعجّله المواجهة سيجعله في حالة حرب معلنة مع خصومه الذين يُصنَّفون وفقاً لقاموسه كـ«قوى اللادولة»، بينما يتباهون بأنهم «المقاومون» الممنوع التحرش بهم طالما يوجد «احتلال أميركي»، كما يسوّقون في خطابهم المعلن.
هادي العامري، زعيم تحالف «الفتح: هادي العامري»، بدا عقب «واقعة الدورة» غاضباً من الكاظمي. وفي سياق هذا الغضب برّر حضوره حفل تكليف الكاظمي بأنه لغرض تحقيق الإجماع. وأقرّ العامري، الذي يتكلم عادة بصراحة لا يملكها سواه، بأن القبول بالكاظمي كان «اضطرارياً» مع وجود بدائل رُفضت قبله كان يمكن أن تكون مقدمة لشق البيت الشيعي ومفاقمة خلافاته.
ومن جهته، يدرك رئيس الوزراء العراقي أن «حفلة زفافه» القصيرة في «قصر السلام» انتهت عند بوابة القصر ليواجه وحده مصيراً بدا مجهولاً منذ البداية. إذ ثمة أزمة مالية حادة توقفت معها رواتب المتقاعدين قبل الموظفين، وأزمة صحية بدأت تتفاعل بطريقة أكثر سواء مما كانت عليه أيام حكومة تصريف الأعمال الطويلة (نحو ستة أشهر). وفي سياق صيغ المجابهة مع الكاظمي، فإن قوى «الفتح» بدأت تركّز على المهمة الوحيدة التي يتوجب على الكاظمي القيام بها، ألا وهي الانتخابات المبكرة.
وفي سياق ما أقدم عليه الكاظمي من عمل جريء، لعله الأكثر جرأة مما فعلته الحكومات السابقة، وما قد يقدم عليه في المستقبل، يقول فرهاد علاء الدين، رئيس «المجلس الاستشاري العراقي» لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً «ما قدمه الكاظمي حتى الآن غير محكوم عليه من قبل المراقبين». وتابع وهناك خلافات في وجهات النظر، حيث هناك مَن يرى بأن يكمل على الأقل 100 يوم في المنصب ونرى ما سيكون عليه الأداء خلال هذه الفترة... وهناك فريق آخر يريد أن يحكم بما رأى حتى الآن، ويعتبر الأداء غير ما كان متوقعاً منه».
ووفق علاء الدين «الإجراءات الإدارية والأمنية والمالية، حتى الآن، تبدو غير منضبطة، وربما مُبهمة، وبقدر ما تنطوي على علامات تفاؤل فإنها تنطوي كذلك على علامات تشاؤم».


مقالات ذات صلة

جبهة لبنان: المُسيَّرات الهجومية عنوان «معركة الاستنزاف»

حصاد الأسبوع قصف إسرائيلي يستهدف أحد مواقع "حزب الله" (رويترز)

جبهة لبنان: المُسيَّرات الهجومية عنوان «معركة الاستنزاف»

رفعت إسرائيل من وتيرة عملياتها في العمق اللبناني، مستهدفةً بشكل ممنهج مواقع لـ«حزب الله»، ومنفّذة عمليات اغتيال طالت قادة ميدانيين، في حين يردّ الحزب بضرب مواقع

يوسف دياب (بيروت)
حصاد الأسبوع في عام 2011 انتُخب هاريس وهو لا يزال في الرابعة والعشرين من العمر نائباً في البرلمان، وكان يومذاك أصغر النواب سناً

سايمون هاريس... أصغر زعيم في تاريخ آيرلندا...أحد الثلاثي الأوروبي الداعم لقيام دولة فلسطين

طرح الإعلان «الثلاثي» من حكومات النرويج وإسبانيا وجمهورية آيرلندا عن قرارها كل على حدة بالاعتراف رسمياً بدولة فلسطين علامات استفهام في الأوساط السياسية الداعمة

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع ليو فارادكار (رويترز)

هؤلاء هم رؤساء حكومات جمهورية آيرلندا منذ 1945

> عُرف الحاكم الفعلي في آيرلندا قبل عام 1937 بأسماء مختلفة، وكذلك اختلفت الأنظمة والدساتير. وفي البداية، بين 21 يناير (كانون الثاني) 1919 و6 ديسمبر

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع مودي يشارك في احتفال تدشين المعبد الهندوسي الذي شيد على انقاض المسجد الببري في آيوديا بشمال الهند (رويترز)

الانتخابات الهندية ودلالاتها الجيوسياسية داخل النظام العالمي

تمتد التبعات الجيوسياسية للانتخابات الهندية، التي هي الأكبر على الإطلاق في العالم، إلى ما وراء حدود الهند. ومع اقتراب فترة ولاية ثالثة لرئيس الوزراء ناريندرا

حصاد الأسبوع اجتماع لحكومة شارون... ويبدو فيها نتنياهو في أقصى يمين الصورة (غيتي)

محطات في تاريخ الخلافات الإسرائيلية ـــ الأميركية

شهد تاريخ العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية عديداً من حالات التوتر، التي بلغت حدوداً أكبر من الخلاف الحالي الناجم عن اجتياح رفح. إلا أن الحليفين

نظير مجلي (القدس)

جبهة لبنان: المُسيَّرات الهجومية عنوان «معركة الاستنزاف»

قصف إسرائيلي يستهدف أحد مواقع "حزب الله" (رويترز)
قصف إسرائيلي يستهدف أحد مواقع "حزب الله" (رويترز)
TT

جبهة لبنان: المُسيَّرات الهجومية عنوان «معركة الاستنزاف»

قصف إسرائيلي يستهدف أحد مواقع "حزب الله" (رويترز)
قصف إسرائيلي يستهدف أحد مواقع "حزب الله" (رويترز)

رفعت إسرائيل من وتيرة عملياتها في العمق اللبناني، مستهدفةً بشكل ممنهج مواقع لـ«حزب الله»، ومنفّذة عمليات اغتيال طالت قادة ميدانيين، في حين يردّ الحزب بضرب مواقع إسرائيلية ذات بُعد استراتيجي. أما القاسم المشترك بين الطرفين فيتمثّل باستخدامهما أسلحة جديدة أبرزها المُسيَّرات الهجوميّة التي باتت وسيلة فاعلة على الجبهتين، وعنوان «معركة الاستنزاف» المستمرّة منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. يتمسّك «حزب الله» حتى الآن بقواعد الاشتباك، وعدم تغيير ظروف اللعبة تجنباً لحربٍ واسعة تريدها إسرائيل وتسعى لاستدراجه إليها، بينما تُوسّع تل أبيب دائرة استهدافها العمق اللبناني ويشّن طيرانها الحربي غارات تطول معظم بلدات الجنوب وأطراف مدينة صيدا وصولاً إلى البقاع الذي يشكل امتداداً لبيئة الحزب، وقد أسفرت غارة إسرائيلية قبل يومين على منطقة الزهراني في قضاء صيدا، عن مقتل عنصر في الحزب وطفلين سوريين، كما كثّفت غاراتها على بلدات جنوبية منها النجارية والعدوسيّة القريبتين من مدينة صيدا البعيدة جداً عن الحدود اللبنانية - الإسرائيلية.

في حين نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤولين عسكريين قولهم إن إيران نقلت وسائل دفاع جوي متقدمة لـ«حزب الله»، مستندين في ذلك إلى صور من موقع عسكري هاجمه الجيش الإسرائيلي، أدخل «حزب الله» في المقابل أسلحة جديدة على المعركة لإظهار قدراته القتالية، ومحاولة خلق «توازن رعب» جديد مع إسرائيل.

وفي هذا الإطار أعلن الحزب عن «تنفيذ عملية بواسطة مُسيَّرة هجوميّة مسلّحة مزوّدة بصاروخين من طراز (إس – 5) على موقع عسكري في المطلة بأقصى شمال شرقي إسرائيل، قبل أن تنفجر». وأيضاً نشر مقطع فيديو يوثّق تحليق المُسيَّرة باتجاه الموقع حيث توجد دبابات ولحظة إطلاقها الصاروخين ثم انفجارها.

دخول الأسلحة الجديدة على المعركة لا يعني بالضرورة أن الحزب يهيئ الأرضية لفتح جبهة الجنوب على امتدادها، بقدر ما هو توجيه رسائل إلى الجانب الإسرائيلي تفيد بأن المغامرة العسكرية ستكون أثمانها مكلفة جداً.

وهنا أشار الدكتور رياض قهوجي، مدير مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري والخبير في شؤون الأمن والتسلّح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «حزب الله لم يستخدم كل أسلحته منذ البداية، بل آثر أن يرسم لنفسه قواعد الاشتباك المناسبة، ويحصر عملياته العسكرية ضمن جبهة معينة مع إسرائيل».

ولفت قهوجي أيضاً إلى أن الحزب «لا يزال يعتمد على صواريخ (كاتيوشا) و(غراد) إلى جانب صاروخ أطلق عليه اسم (البركان) هو عبارة عن صاروخ (غراد) معدّل برأس أكثر قوّة». ووفق قهوجي فإن «استخدام الحزب الأسلحة التكتيكية، أي الصواريخ المضادة للدروع مثل (كورنيت)، تبقى استراتيجية أكثر فاعلية، لأن الضرر الذي ينجم عن (كاتيوشا) و(غراد) محدود الفاعلية، بالنظر إلى امتلاك إسرائيل قبّة حديدية قادرة على تدمير هذه الصواريخ في الجوّ».

المُسيَّرات الانقضاضيّة

في هذه الأثناء، يواظب «حزب الله» على تصوير عملياته التي تستهدف مواقع إسرائيلية قريبة من الحدود اللبنانية، لسببين:

الأول، إظهار قدرته أمام جمهوره وبيئته على إلحاق الخسائر بالعدو والردّ على الاغتيالات التي تطول قيادييه وكوادره.

والثاني، التأثير النفسي على الجانب الإسرائيلي. وكان الحزب قد أعلن أخيراً «استهداف نقطة تموضع واستقرار لجنود العدو في موقع رويسة القرن في مزارع شبعا اللبنانية بصاروخ موجّه». وذكر في بيان له أن العملية «حققت إصابات مباشرة، مما أدى إلى اشتعال النيران فيها في الموقع المذكور».

ضمن هذا السياق، لا يُخفي رياض قهوجي أن «استخدام الحزب الصواريخ الموجَّهة والطائرات المُسيَّرة الانقضاضية أو الانتحارية، نجح في إيقاع إصابات في صفوف الجنود الإسرائيليين... وكلما اقترب الهدف من الحدود اللبنانية قلّت قدرة إسرائيل على اعتراض مُسيَّرات وصواريخ الحزب وإسقاطها».

تشييع عباس شومان أحد عنصر "حزب الله" (رويترز)

عمليات مركّبة

في المقابل، فرض تفوّق الجيش الإسرائيلي، خصوصاً في سلاح الجوّ والدفاعات الجوية، على «حزب الله» تكتيكات معيّنة، فبدأ الأخير استخدام الطائرات المُسيَّرة بشكل منسق مع الصواريخ الموجهة، في ممارسة أطلق عليها تسمية «العمليات المركّبة».

وعودة إلى رياض قهوجي، فإن «العنوان الأساسي للمعركة الحالية هو الاستنزاف، لأن الحزب لم يتوقّع أن تستمر هذه الحرب لسبعة أشهر». وهنا قدّم الخبير الاستراتيجي اللبناني مقاربة مختلفة لرؤية إسرائيل لهذه الحرب، إذ شدّد على أن الجيش الإسرائيلي «ألغى قواعد الاشتباك وأزال الحدود أمام عملياته، مستخدماً قدراته وتفوّقه الجوّي... وهو ينجح بالاستهداف النوعي ويختار أهدافه عبر اغتيال قادة ميدانيين وكوادر أساسية في الحزب ذات خبرة قتالية عالية وواسعة، بالإضافة لاستهدافه مخازن أسلحة ومواقع سيطرة، فضلاً عن تدمير بلدات وقرى تشكِّل البيئة الحاضنة للحزب، من أجل زيادة الضغط عليه». ثم أردف: «لا شك في أن الجانب الإسرائيلي يستخدم جميع أنواع الأسلحة ضمن استراتيجية واحدة هي الاغتيالات والاستنزاف وتدمير قدرات الحزب بشكل ممنهج».

تحييد المدن الكبرى

لا خطوط حمراء أمام العمليات الإسرائيلية التي بلغت منطقة البقاع الشمالي وصولاً إلى مواقع «حزب الله» في ريف مدينة القصير السورية، لكنها ما زالت تتجنّب قصف المدن الكبرى مثل صور وصيدا وبيروت. وحسب رأي قهوجي، فإن «تحييد إسرائيل للمدن الكبرى إنما هو لتجنيب مدنها صواريخ (حزب الله)، وهذه قاعدة الاشتباك الوحيدة التي يلتزم بها الطرفان». ومن ثم لفت إلى أن الحزب «يمتلك تشكيلة كبيرة من الأسلحة، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي، وقد قدّم نموذجاً منها عندما أسقط ثلاث مُسيَّرات إسرائيلية من طراز (هيرمز 450) و(هيرمز 950)، لكنَّ هذا التقدّم لا يعني تهديد السيطرة الجوية الإسرائيلية، فهي ذات قدرات محدودة أمام الطائرات الحربية النفّاثة، وهذه الصواريخ استُخدمت في سوريا في مواجهة القصف الذي يطول مواقع للحزب وإيران ولم يُثبت فاعليته».

اغتيال القادة الميدانيين

على صعيد آخر، لوحظ بوضوح في الفترة الأخيرة، أن إسرائيل هي التي تسارع إلى الكشف عن اسم الشخصيّة العسكرية التي يغتالها قبل أن يعلن عنه «حزب الله» عن هويّة المستهدف من قادته الميدانيين ودوره وأهميته في الجبهة.

وخلال الساعات الماضية أعلن الجيش الإسرائيلي عن «تنفيذ عملية اغتيال جديدة طالت مسؤولاً في (حزب الله) يتولى قيادة وحدة صاروخية في منطقة ساحل جنوب لبنان». وقال الناطق العسكري الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إن الجيش «نفّذ غارة جوية في منطقة صور، هاجم فيها قاسم سقلاوي، قائد الوحدة الصاروخية في منطقة الشاطئ في (حزب الله)». وأضاف أدرعي أن سقلاوي «كان مسؤولاً عن التخطيط والتنفيذ لعمليات إطلاق قذائف صاروخية نحو الجبهة الداخلية الإسرائيلية، حيث عمل على تنفيذ وتخطيط عمليات إطلاق قذائف صاروخية، وأخرى مضادة للدروع نحو إسرائيل من منطقة الشاطئ في لبنان»، في إشارة إلى منطقة الساحل الجنوبي.

ورداً على هذا الاغتيال والعملية الإسرائيلية في مدينة القصير السورية، التي تسببت بمقتل اثنين من عناصره، أعلن «حزب الله» أن مقاتليه «هاجموا موقع المطلة ‏وحاميته وآلياته بمُسيَّرة مسلّحة بصاروخي (إس 5)، وهي المرة الأولى التي يستخدم فيها الحزب هذا النوع من الصواريخ التقليدية غير الموجهة».

معركة استنزاف

ثم إنه صحيح أن المواجهة وضعت «حزب الله»، كما وضعت إسرائيل، أمام معركة استنزاف لم يتوقعها الطرفان، لكن رغم ارتفاع أثمانها والخسائر التي يتكبّدها الحزب فإنه لا مؤشرات على استعداده للذهاب إلى «حربٍ شاملة»، بخلاف حكومة إسرائيل التي تسعى لإشعال الجبهة مع لبنان، رافضةً الضغوط الأميركية والأوروبية. غير أن مصدراً مقرّباً من «حزب الله» قال لـ«الشرق الأوسط» إن الأخير «ليس في مرحلة استنزاف كما يروّج البعض». وتابع أن الحزب «يضع نفسه في حالة مواجهة دائمة مع الجانب الإسرائيلي، ولذلك يرى أن معركة إشغال إسرائيل ومساندة غزة لا تزال في بدايتها، وأن الحزب يملك نفساً طويلاً في كلّ حروبه من إسرائيل».

ومن ثمَّ أكد المصدر المقرّب من الحزب أن «المقاومة تحتفظ بكثير من المفاجآت التي ستصدم العدو وحلفاءه وليس العكس». وأضاف شارحاً أن «المقاومة في حالة حرب مع الإسرائيلي منذ اجتياح بيروت في عام 1982، وبقيت في هذه الوضعية حتى بعد تحرير الجنوب في 25 مايو (أيار) 2000، لأن العدو لم يُخفِ يوماً نيّاته العدوانية تجاه لبنان». واستطرد: «ما دام الإسرائيلي فتح الحرب في غزة، ووضع لبنان أمام خطر الحرب منذ الثامن من أكتوبر، فعليه أن يتحضّر للمفاجآت إذا ما اختار توسيع المواجهة».

منطقة عازلة

أخيراً، حول احتمالات المستقبل، يُجمع الخبراء على أن جبهة جنوب لبنان ستبقى مشتعلة، إلى أن تتبدّل الظروف التي كانت قائمة قبل السابع من أكتوبر الماضي، وأن تل أبيب لن تقبل بوقفٍ لإطلاق النار قبل إقامة «منطقة عازلة» في جنوب لبنان، تقع تحت سيطرة قوات «يونيفيل» والجيش اللبناني، وخالية من أي وجود لمقاتلي «حزب الله».

وفي رأي أحد الخبراء، فإن حكومة إسرائيل «ستعمل على فرض واقع أمني في جنوب لبنان، كي لا تستفيق يوماً على (طوفان أقصى جديد) ينطلق من جنوب لبنان إلى الجليل الأعلى ومستوطنات الشمال... ولذلك نراها ترفض عودة مواطنيها إلى منازلهم في المناطق القريبة من حدود لبنان قبل الانتهاء من هذه الورقة الأمنية، سواء بالحلّ الدبلوماسي أو بالعمل العسكري أياً كانت نتائجه». لا خطوط حمراء أمام العمليات الإسرائيلية التي بلغت منطقة البقاع الشمالي وصولاً إلى مواقع «حزب الله» في ريف مدينة القصير السورية

منظر لقطاع من الجبهة المفتوحة في جنوب لبنان (رويترز)

حسابات أوراق القوّة... والخسائر البشرية

> تأهباً للحرب الشاملة التي تتفوّق فيها إسرائيل عتاداً وعديداً تكنولوجياً، فإن «حزب الله» يخبئ أوراقاً قويّة تحضيراً لها. وهنا، أفاد الخبير الاستراتيجي الدكتور رياض قهوجي، بأن الحزب «لا يزال يمتلك ترسانة من الصواريخ الباليستية والصواريخ الدقيقة القادرة على ضرب العمق الإسرائيلي إذا حصل التصعيد في أي وقت». وجزم قهوجي بأن «حزب الله لا يريد الحرب، وهو يعدّل تكتيكاته عبر الصواريخ الموجَّهة والمُسيرات الانقضاضيّة لإيقاع إصابات في إطار حرب الاستنزاف، بخلاف الإسرائيلي الذي يسعى إلى حرب واسعة، لكن عندما تقع هذه الحرب سيُظهر الحزب أوراق القوّة لديه».والمعروف أنه عند كلّ زيارة يقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أو وزير الدفاع يؤاف غالانت، أو رئيس الأركان هرتسي هاليفي، يحضّ هؤلاء جنودَهم على الاستعداد لمعركة طويلة مع لبنان بما فيها احتمال الاجتياح البرّي، ويتكلمون عن «بنك أهداف» كبير ووسائل ربما تكون «حرب 2006» نزهة أمام ما سيحدث.على هذا، ردّ المصدر المقرّب من «حزب الله» بأن إسرائيل «تمارس حرباً نفسيّة على لبنان وحزب الله للخضوع لشروطها»، وشدد على أن الحزب «حدّد بدوره بنك الأهداف داخل الكيان الإسرائيلي في أي مواجهة قادمة». وأضاف: «لقد أعلن (أمين عام حزب الله) السيد حسن نصر الله، أن ضرب بيروت سيقابله تدمير تلّ أبيب، وضرب المنشآت المدنية سيقابَل بتدمير أهداف مدنية استراتيجية لدى العدو، بما فيها منصات الغاز في حقل كاريش».وفي حين لم يكشف الجانب الإسرائيلي عن خسائره البشرية جرّاء عمليات «حزب الله» ضدّ مواقعه وتجمعات جنوده، أعلنت مؤسسة «الدولية للمعلومات» عن سقوط 428 قتيلاً لبنانياً بالقصف الإسرائيلي على لبنان، غالبيتهم من «حزب الله». وأفادت «الدولية للمعلومات» في نشرتها الشهرية، بأنه «منذ عملية طوفان الأقصى في غزة التي بدأت فجر يوم السبت 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ولغاية صباح الأربعاء 22 مايو (أيار) 2024، وصل عدد الشهداء 428 شهيداً، أكثريتهم السّاحقة من حزب الله». وأشار إلى أن القتلى توزّعوا على الشكل التالي:- مقتل جندي واحد للجيش اللبناني سقط يوم الثلاثاء 5 ديسمبر (كانون الأول) 2023، عندما قصفت إسرائيل أحد مراكز الجيش في بلدة العديسة الحدوديّة.- 305 لـ«حزب الله» و18 لحركة «أمل» وواحد للحزب السوري القومي الاجتماعي في 15 ديسمبر 2023، و3 من الإعلاميين.- 61 مدنياً من بينهم الجدة سميرة أيوب وحفيداتها الثلاث اللواتي استُشهدن يوم 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 في الطريق بين عيترون وعيناتا.- عائلة البرجاوي وأقاربهم الذين قضوا يوم الأربعاء 14 فبراير (شباط) 2024.- عائلة فادي حنيكي (الذين قُتلوا داخل منزلهم) في ميس الجبل في 5 مايو 2024.- 9 من الهيئة الصحية الإسلامية التابعة لـ«حزب الله»، و5 من الجماعة الإسلامية، و7 من مسعفي الهيئة الطبية الإسلاميّة التابعة للجماعة الإسلاميّة أُصيبوا في بلدة الهبّارية، و3 من كشافة الرسالة الإسلامية التابعة لحركة «أمل»، و7 سوريين، و8 فلسطينيين.