«مجموعة العشرين» تناقش فاعلية منظمة التجارة العالمية و{إصلاحها الحتمي}

فريق عمل التجارة والاستثمار لـ«الشرق الأوسط»: نبحث معالجة لمنصة دولية موثوقة تتفاعل مع المتغيرات

الاقتصاد الكربوني أحد الملفات الحيوية لـ «مجموعة العشرين»  (الشرق الأوسط)
الاقتصاد الكربوني أحد الملفات الحيوية لـ «مجموعة العشرين» (الشرق الأوسط)
TT

«مجموعة العشرين» تناقش فاعلية منظمة التجارة العالمية و{إصلاحها الحتمي}

الاقتصاد الكربوني أحد الملفات الحيوية لـ «مجموعة العشرين»  (الشرق الأوسط)
الاقتصاد الكربوني أحد الملفات الحيوية لـ «مجموعة العشرين» (الشرق الأوسط)

في وقت تشرع فيه المناقشات بمجموعة العشرين برئاسة السعودية في فتح ملف القطاع السياحي لمرحلة ما بعد كورونا، أكد فريق عمل التجارة والنمو والاستثمار بمجموعة العشرين لـ«الشرق الأوسط»، أن إصلاح منظمة التجارة العالمية بات أمراً حتمياً لا بد منه مع فقدان المنظمة الأدوات الفعالة في منظومة حركة التجارة والاستثمار العالمية ما يستعدي معها وجود خريطة طريق لإصلاح المنظمة كمنصة موثوقة وديناميكية التفاعل مع المتغيرات العالمية. وقال لـ«الشرق الأوسط» رئيس فريق عمل التجارة والنمو والاستثمار الدكتور سعيد الشيخ، إن الإطار الذي تم تناوله في مجموعة الفكر بـ«العشرين» لم يقتصر على أوضاع التجارة العالمية في ظل ظروف كورونا، بل امتد إلى جوانب متعددة من التحديات التي تواجه منظمة التجارة مع تقديم التوصيات نحو إصلاح عمل المنظمة. وبرغم الإقرار بالنجاحات الأولية التي امتدت لعقود من الزمن، يشير الشيخ إلى أن منظمة التجارة العالمية تواجه حالياً تحديات تهدد أساس وجودها، إذ إن أدواتها الرئيسية أصبحت وبتزايد «غير فعالة» - على حد وصفه - وهو ما يشكل أمراً ملحاً يدعو إلى إصلاح عمل المنظمة. من جانب آخر، تتصاعد الأطروحات في العشرين حول تبني ملف الاقتصادي الكربوني الدائري لتعزيز البيئة العالمية... وإلى تفاصيل أكثر في التقرير التالي:
- استبدال المنظمة
يؤكد الشيخ حول تساؤل «الشرق الأوسط» بخصوص نوايا مجموعة العشرين للتوصية باستبدال كيان آخر بمنظمة التجارة، أن من أهم التوصيات التي تم الوصول إليها مؤخراً هي دعوة دول مجموعة العشرين للبدء في حوار يهدف إلى تحديد ومعالجة مواضيع الخلاف، لافتاً إلى أن الحوار ليس المقصود منه استبدال المنظمة كمنتدى للتفاوض ووضع قواعد العمل وإنما توفير منصة لبناء الثقة المتبادلة بين أصحاب المصلحة في منظمة التجارة العالمية. وأضاف أنه لا بد من التعجيل في وضع قواعد عمل جديدة تواكب المتغيرات العالمية مع الحفاظ على المبادئ الأساسية، وكذلك وضع خطط عمل ملموسة لتحقيق مقترحات الإصلاحات الواردة في البيانات المختلفة للمجموعة.
- توصية التمكين
ويضيف الشيخ أن المقترحات الأخيرة في نقاشات مجموعات العمل تضمن التوصية لمجموعة العشرين بتمكين فريق عمل التجارة والاستثمار في تحسين بيئة الحوار بين أعضاء المنظمة، مشيراً في ذات الخصوص إلى أنه على المجموعة توفير أمر رسمي واضح وقابل للتنفيذ إلى فريق عمل التجارة والاستثمار لتفعيل الإطار الذي من خلاله يتم تحديد التحديات التي يتعين التصدي لها.
واستطرد: «من الضروري أن تولي مجموعة العشرين فريق عمل التجارة والاستثمار وضع خريطة طريق تشتمل على برامج عمل طويلة المدى وواضحة من أجل مقترحات لإصلاح المنظمة تكون قابلة للتنفيذ».
- الحالات الطارئة
وحول رؤى فريق العمل بالظروف التجارية العالمية، يؤكد الشيخ: «لا شك أن التعامل مع الحالات الطارئة التي تشوه التجارة الدولية حظي باهتمام منظمة التجارة العالمية، كما أن البيان الوزاري لمجموعة العشرين في مارس (آذار) الماضي أشار إلى أن تدابير التجارة في مثل حالة وباء كورونا التي تهدف لتخفيف الآثار السلبية يجب ألا تعيق الوصول إلى المنتجات الطبية والسلع والخدمات الضرورية».
وزاد رئيس فريق عمل التجارة والنمو والاستثمار في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن مجموعة العشرين أشارت إلى أن هذه التدابير يجب أن تكون موجهة ومتناسبة وشفافة وبما تتفق مع قواعد منظمة التجارة العالمية، مبيناً أن الوباء أضاف حالة من عدم الاستقرار للتجارة العالمية، ما ضاعف من أهمية أن تتولى المنظمة لعب دورها في القيام بعزل شؤون التجارة الدولية عن الوباء.
وكما أشرت في إجابة السؤال السابق، وفق الشيخ، فإن منطلقات السياسات والمقترحات من مجموعة الفكر بـ«العشرين» تتضمن إصلاحات شاملة إلى ما بعد وباء كورونا.
- الإصلاح حتمي
ويشدد الشيخ على أنه منذ بداية هذا العام وأعضاء المنظمة يتحاورون على أهمية إصلاح المنظمة وبأن هذا الأمر حتمي، مشيراً إلى أن لدى الأعضاء مقترحات تركز على التحديات التي تواجه المنظمة في تنفيذ مهامها وانعكاس ذلك على مواضيع المتغيرات الجيوسياسية التي تواجه المنظمة.
- الحرب التجارية
وبالتساؤل حيال دور المنظمة وإصلاحها في تخفيف وطأة الأزمة التجارية العالمية بين أكبر اقتصادين حالياً (الولايات المتحدة والصين)، أفاد الشيخ: «يشكل التنافس بين الاقتصادين الكبيرين، والقائم أحدهما على مبادئ اقتصاد السوق والآخر الذي يعتمد على التوجه الحكومي جوهر النقاشات حالياً»، مبيناً أن مجموعة العشرين تمثل الكتلة العظمى في التجارة العالمية وأيضاً في التحديات التي تواجه المنظمة. واستطرد: «لذا فإن على أعضاء المجموعة أن تلعب دوراً قيادياً بشكل جماعي في تقديم نهج متماسك تحدد من خلاله الانقسامات والأولويات، كما عليها تحديد الحلول لتسهيل مهمة المنظمة في تنفيذ أعمالها»، مضيفاً «على مجموعة العشرين دعمها لدور المنظمة في التخفيف من الآثار السلبية للوباء على التجارة الدولية... لذا من المؤمل أن تسهم هذه التوجهات نحو إصلاح المنظمة بعد العمل على تنفيذها في التخفيف من وطأة الأزمة التجارية القائمة بين أكبر اقتصادين وبما يحقق المصالح المتبادلة لكليهما».
وكان الأسبوع الماضي شمل مناقشات معمقة في «العشرين» عبر مشاركة مجموعة الفكر في اجتماع مجموعة عمل التجارة والاستثمار لرئاسة مجموعة العشرين في السعودية، بهدف وضع خريطة طريق لتعزيز دور منظمة التجارة في العمل كمنتدى للمفاوضات التجارية، حيث شاركت مجموعة الفكر بتقديم 8 توصيات لمعالجة القضايا ذات العلاقة بالتجارة العالمية. وتضمنت التوصيات التي قدمتها مجموعة الفكر توفير آلية لتسوية النزاعات المحيطة في قضايا الإعانات وتفعيل الدور الرقابي والتنفيذي للمنظمة، وضرورة توافق وشفافية منظمة التجارة العالمية مع العوائق التجارية، إضافة إلى معالجة التحولات في التجارة الرقمية في اقتصاد ما بعد جائحة «كوفيد - 19» ووضع حلول لآليات فض النزاع في منظمة التجارة العالمية.
وينتظر أن تساعد نتائج اجتماع فريق عمل التجارة والاستثمار في دعم قادة دول مجموعة العشرين ووزراء التجارة في تشكيل مستقبل منظمة التجارة العالمية، ومكافحة الآثار الاقتصادية التي تسببت بها الجائحة على التجارة والاستثمار.
- الاقتصاد الدائري
من جهة أخرى، بحثت أمس مجموعة عمل استدامة الطاقة لمجموعة العشرين سبل تفعيل الاقتصاد الدائري للكربون من خلال الابتكار والتقنيات الكفيلة بالتعامل مع الانبعاثات، وتجسيد فرص التعاون الدولي المحتملة عبر التعريف بالإمكانات المتاحة عبر ورش عمل حول تسريع تطبيق الاقتصاد الدائري للكربون، دون الإفصاح عن أي نتائج حتى موعد إعداد التقرير.


مقالات ذات صلة

واشنطن تسعى لوقف هجمات الطاقة بين روسيا وأوكرانيا... وتدعو بوتين إلى «قمة الـ20»

الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

واشنطن تسعى لوقف هجمات الطاقة بين روسيا وأوكرانيا... وتدعو بوتين إلى «قمة الـ20»

قال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إن واشنطن تضغط لوقف الهجمات على منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، وأكد دعوة الرئيس فلاديمير بوتين إلى «قمة الـ20»...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم البيت الأبيض (أ.ب) p-circle

البيت الأبيض: مسؤول روسي سيحضر اجتماع مجموعة العشرين في هيوستن

قال مسؤول في البيت الأبيض، الجمعة، إن مسؤولاً روسياً سيحضر اجتماعاً للطاقة خاصاً بمجموعة العشرين في هيوستن الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا «قمة شنغهاي» بين مسعى تعدد الأقطاب وتحدي مواجهة الأزمات

قمة شنغهاي: «إعلان بيشكيك» يرفض «الهيمنة الأحادية» ويتجاهل الصراع في أوكرانيا

قمة شنغهاي: «إعلان بيشكيك» يرفض «الهيمنة الأحادية» ويتجاهل الصراع في أوكرانيا وبوتين يذكر العالم بـ«السيد لا» وشي يؤكد استعداد بلاده للمساهمة في تسوية الأزمات

رائد جبر ( موسكو )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

أعلن دونالد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، أن جنوب إفريقيا لن تكون مدعوّة لحضور قمة مجموعة العشرين المقررة العام المقبل في ميامي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال جلسة اليوم الثاني لقمة قادة «مجموعة العشرين» (واس)

السعودية تؤكد التزامها بالعمل مع «العشرين» لمنظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة

أكدت السعودية، الأحد، التزامها بمواصلة العمل مع دول مجموعة العشرين لتعزيز منظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة واستدامة، تقوم على التعاون والابتكار وتكافؤ الفرص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم من التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم من التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، يوم الجمعة، مع طغيان التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي على الضغوط السلبية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة إلى مستويات مقلقة.

وصعدت أسهم شركات الرقائق الإلكترونية، «أدفانسد مايكرو ديفايسز» و«مارفيل» و«سيريبراس» و«إنتل»، بنحو 2 في المائة لكل منها، لتتصدر المكاسب في تعاملات ما قبل افتتاح السوق. كما سجلت أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة «تسلا» و«إنفيديا» و«سبيس إكس» ارتفاعات طفيفة، وفق «رويترز».

وقفز سهم شركة «أكامي تكنولوجيز» 21 في المائة، بعدما وقعت شركة خدمات تكنولوجيا المعلومات اتفاقية خدمات سحابية بقيمة 11.6 مليار دولار مع مختبر الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك».

وجاء التفاؤل الذي ساد قطاع الذكاء الاصطناعي هذا الأسبوع مدفوعاً بتزايد الإقبال بين المستهلكين الشباب على تطبيق الذكاء الاصطناعي «ميوز» التابع لشركة «ميتا»، وعلى جهاز مدمج مع وكيل الذكاء الاصطناعي «تشارم».

وتتجه أسهم عملاق وسائل التواصل الاجتماعي إلى تسجيل مكاسب للأسبوع الخامس على التوالي، في أطول سلسلة مكاسب أسبوعية للسهم منذ أواخر يناير (كانون الثاني) 2023، ليصبح على بُعد أقل من 1 في المائة من بلوغ قيمة سوقية قدرها تريليونا دولار. واستقر سهم «ميتا» دون تغيير يذكر في تعاملات ما قبل السوق.

وبحلول الساعة 05:15 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» 162 نقطة، أو 0.31 في المائة، وصعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» 23.75 نقطة، أو 0.31 في المائة، بينما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» 188 نقطة، أو 0.61 في المائة.

وقاد قطاعا خدمات الاتصالات، الذي يضم «ميتا»، والتكنولوجيا المكاسب الأسبوعية بين قطاعات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». كما يتجه المؤشر القياسي ومؤشر «ناسداك»، الذي تغلب عليه أسهم التكنولوجيا، إلى تسجيل مكاسب أسبوعية.

ومع ذلك، ظلت المكاسب محدودة مع حومان أسعار خام برنت حول مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، وارتفاع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 5.1 في المائة، وسط تنامي المخاوف بشأن التضخم الناجم عن الصراعات الممتدة في إيران وأوكرانيا، فضلاً عن الارتفاع الكبير في مستويات الدين الحكومي.

وبعث تقرير بصيصاً من الأمل، إذ أشار إلى استمرار المفاوضين الأميركيين والإيرانيين في بحث مسار تدريجي للخروج من حالة الحرب، يتضمن إعادة طهران فتح مضيق هرمز ورفع واشنطن حصارها الاقتصادي.

وأظهرت أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» أن المتداولين يرون احتمالاً بنسبة 71 في المائة لقيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بما لا يقل عن 25 نقطة أساس في أكتوبر (تشرين الأول)، ارتفاعاً من نحو 50 في المائة في وقت سابق من هذا الأسبوع.

ومن المرجح أن يؤكد صناع السياسات، ومن بينهم رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي جيفري شميد، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك، موقفهم المتشدد بشأن السياسة النقدية خلال تصريحاتهم المقررة في وقت لاحق اليوم.

ومن المقرر أيضاً صدور بيانات السلع المعمرة لشهر أغسطس (آب) في الساعة 8:30 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

وارتفع سهم شركة «بيبول» بنسبة 9.4 في المائة، عقب تقرير أفاد بأن شركة «إم جي إم ريزورتس إنترناشيونال» تجري محادثات بشأن عرض للاستحواذ على شركة الخدمات عبر الإنترنت.


الفقر يعود للارتفاع في الأرجنتين مع تآكل الأجور

مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)
مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)
TT

الفقر يعود للارتفاع في الأرجنتين مع تآكل الأجور

مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)
مواطنون ينتظرون «وجبة مجانية» في كنيسة بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ب)

ارتفع معدل الفقر في الأرجنتين مجدداً خلال النصف الأول من عام 2026، ليبدِّد جزءاً من التَّحسُّن الكبير الذي تحقَّق خلال العامين الأولين من حكم الرئيس خافيير ميلي، مع عجز الأجور عن مجاراة ارتفاع الأسعار، وازدياد الضغوط على سوق العمل وقطاعَي الصناعة والتجزئة.

وأظهرت بيانات رسمية أن نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر بلغت 32.3 في المائة خلال الأشهر الستة الأولى من العام، بزيادة 4.1 نقطة مئوية مقارنة بالنصف الثاني من 2025، عندما بلغ المعدل 28.2 في المائة.

كما ارتفع معدل الفقر المدقع إلى 7.5 في المائة، من 6.3 في المائة، ما يعكس اتساع الضغوط المعيشية رغم نجاح الحكومة في إبطاء وتيرة التضخم مقارنة بالمستويات الاستثنائية التي واجهتها البلاد سابقاً.

وكان الأطفال الأكثر تضرراً من تدهور الأوضاع الاجتماعية، إذ أظهرت البيانات أن 44.5 في المائة من الأرجنتينيِّين الذين تبلغ أعمارهم 14 عاماً أو أقل يعيشون تحت خط الفقر، بينما بلغت نسبة الفقر المدقع بينهم 10.8 في المائة.

وتُشكِّل الأرقام الجديدة تحولاً في المسار الذي استند إليه ميلي في الدفاع عن برنامجه الاقتصادي القائم على التقشف، وتقليص دور الدولة، وإلغاء القيود التنظيمية وفتح الاقتصاد بصورة أكبر أمام المنافسة الخارجية.

وشهد معدل الفقر تقلبات حادة منذ وصول ميلي إلى السلطة؛ فقد قفز إلى 52.9 في المائة في النصف الأول من عام 2024، بعد إجراءات اقتصادية تضمَّنت خفض قيمة البيزو بأكثر من النصف، قبل أن يبدأ في التراجع مع انحسار التضخم واستقرار بعض المؤشرات الاقتصادية.

وبحلول النصف الثاني من 2025، انخفض معدل الفقر إلى 28.2 في المائة، أي نحو نصف الذروة المُسجَّلة في 2024، في تحسُّن عدّته الحكومة دليلاً على نجاح برنامجها في استعادة الاستقرار بعد سنوات من الاختلالات المالية والنقدية.

لكن بيانات 2026 تشير إلى أن خفض التضخم وحده لم يكن كافياً لحماية القوة الشرائية للأسر؛ فقد ظلت الأسعار مرتفعة في الوقت الذي لم تتمكَّن فيه الأجور من اللحاق بها بالسرعة نفسها؛ ما أدى إلى عودة نسبة من السكان إلى ما دون خط الفقر.

وتزامن ذلك مع ضغوط متزايدة في سوق العمل؛ فقد ارتفع معدل البطالة إلى 7.9 في المائة خلال الرُّبع الثاني من العام، وهو أعلى مستوى منذ 2021، وسط خسائر ملحوظة للوظائف في قطاعَي التصنيع والتجزئة.

وتواجه الشركات المحلية بدورها منافسة أكبر بعد قرار حكومة ميلي فتح الاقتصاد أمام الواردات، في وقت أدى فيه ضعف القوة الشرائية إلى تراجع الطلب المحلي. وأسهم الجمع بين المنافسة الأجنبية وتباطؤ الاستهلاك في زيادة الضغوط على الشركات، خصوصاً في القطاعات الأكثر اعتماداً على السوق الداخلية.

ومنذ تولي ميلي السلطة، أغلقت نحو 30 ألف شركة أبوابها، في مؤشر على حجم إعادة الهيكلة التي يشهدها الاقتصاد الأرجنتيني مع انتقال الحكومة من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الحماية والدعم، إلى سياسات أكثر انفتاحاً على الأسواق والمنافسة.

وتبرز بيانات الفقر الجديدة التحدي الذي يواجه المرحلة التالية من البرنامج الاقتصادي للحكومة. فبعد التركيز على كبح التضخم وتصحيح الاختلالات الاقتصادية، باتت قدرة الأجور والتوظيف والنشاط المحلي على التعافي عاملاً أساسياً في تحديد ما إذا كان التحسُّن الاقتصادي سينعكس بصورة مستدامة على مستويات المعيشة.

وبينما لا يزال معدل الفقر أقل بكثير من ذروة 2024، فإن عودته إلى الارتفاع تكشف هشاشة المكاسب الاجتماعية التي تحققت خلال الفترة الماضية. وسيعتمد مسارها خلال الأشهر المقبلة بدرجة كبيرة على قدرة الاقتصاد على خلق الوظائف واستعادة القوة الشرائية بالتزامن مع استمرار جهود السيطرة على التضخم.


صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
TT

صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

بدأت الأموال اليابانية رحلة العودة من الأسواق الخارجية، لكن موجة إعادة توطين واسعة للأصول لا تزال مؤجلة، إذ ينتظر كبار المستثمرين اتضاح المستوى الذي ستبلغ عنده عوائد السندات الحكومية ذروتها، والمدى الذي سيذهب إليه بنك اليابان في رفع أسعار الفائدة.

ويبدو أن البنك المركزي نجح، مؤقتاً، في كبح موجة جديدة من المضاربات ضد الين، بعد رفع الفائدة الأسبوع الماضي، وتأكيد التزامه بمواجهة التضخم، إلى جانب تقارير عن إجراء السلطات عمليات تحقق من أسعار الصرف، وهي خطوة تُعد عادة مؤشراً إلى احتمال التدخل في سوق العملات.

لكن المؤسسات الاستثمارية الكبرى لا تزال مترددة في ضخ أموال كبيرة في السندات المحلية بينما تستمر العوائد في الارتفاع. كما زاد الغموض بعد تصويت عضوين في بنك اليابان لصالح موقف أكثر ميلاً للتيسير خلال الاجتماع الأخير، بالتزامن مع استمرار عمليات بيع السندات هذا الأسبوع.

وقال شوكي أوموري، استراتيجي الدخل الثابت في «دويتشه بنك» بطوكيو، إن تجارة العائد التي تنفذها الأموال السريعة «جرى تفكيكها بالفعل»، لكن تحرك «الأموال البطيئة» لم يبدأ بعد، في إشارة إلى صناديق التقاعد والأسر اليابانية التي تحتفظ بأصول خارجية من دون تحوط للعملة.

وتم تداول الين قرب 159 مقابل الدولار، الجمعة، بعدما فقد معظم مكاسبه الحادة التي سجلها في مطلع سبتمبر (أيلول). ومع ذلك، لا تتجاوز خسائره منذ بداية العام نحو 1 في المائة، بعدما سجل في يوليو (تموز) أدنى مستوى في نحو أربعة عقود عند أقل بقليل من 164 يناً للدولار.

وتشير بيانات مراكز المضاربين إلى تراجع الرهانات على انخفاض العملة بصورة كبيرة، إذ تحولت المراكز من صافي بيع قوي إلى أكبر صافي شراء منذ يوليو 2025، بقيمة 9.7 مليار دولار خلال أول أسبوعين من سبتمبر.

غير أن اتساع موجة رفع أسعار الفائدة عالمياً لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن حرب الشرق الأوسط يعني أن فروق العائد بين اليابان والاقتصادات الكبرى قد لا تضيق سريعاً، ما يحد من قدرة الين على تحقيق ارتفاع مستدام.

وفي سوق السندات، تغيرت الحسابات جذرياً. فقد ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بنحو نقطتين مئويتين خلال أقل من عامين، ليتجاوز 3 في المائة ويسجل أعلى مستوى في 30 عاماً. ووفق «دويتشه بنك»، أصبح الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية بعد التحوط من مخاطر العملة يقدم للمستثمر الياباني عائداً أقل من السندات المحلية.

وبدأت هذه المعادلة بالفعل في جذب الأموال. فقد اشترى المستثمرون سندات سيادية يابانية بقيمة 4.8 تريليون ين الشهر الماضي، وهي أكبر مشتريات صافية في ثلاثة أشهر، وفق تحليل «باركليز»، مع مشاركة البنوك وشركات التأمين في الشراء.

وتقدر «إتش إس بي سي» أن البنوك اليابانية باعت نحو 70 مليار دولار من السندات الأجنبية هذا العام، بعدما اشترت ما قيمته 35 مليار دولار في العام الماضي، وهو تحول يمكن أن تمتد آثاره إلى أسواق الدين في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة.

لكن شركات التأمين على الحياة، التي تدير أصولاً تبلغ 438.6 تريليون ين، نحو 2.78 تريليون دولار، تتحرك بوتيرة أكثر بطئاً. وقال آرون هيرد، مدير المحافظ لدى «ستيت ستريت غلوبال أدفايزرز»، إن إعادة الأموال اليابانية لا تزال في مرحلة مبكرة، متوقعاً أن تكتسب زخماً أكبر خلال 2027، بعد أن يقتنع المستثمرون بأن عوائد السندات اليابانية بلغت ذروتها.

وقد يشكل صندوق استثمار معاشات التقاعد الحكومي، الذي يدير نحو 1.8 تريليون دولار، عاملاً حاسماً. فقد شجع وزير المالية الصندوق على زيادة مخصصاته للأسواق المحلية، ويرى محللون أن أي تغيير رسمي في توزيعه للأصول قد يدفع مؤسسات يابانية أخرى إلى التحرك في الاتجاه نفسه.

وفي المقابل، يظل ارتفاع العوائد الأميركية وتوقعات المزيد من التشديد من مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» عقبة أمام بنك اليابان والين. ويرى محللون أن التحول الحقيقي قد يبدأ عندما تقتنع شركات التأمين والمؤسسات طويلة الأجل بأن دورة رفع الفائدة اليابانية تقترب من نهايتها، فتسرع إعادة الأموال إلى الداخل.

وحتى ذلك الحين، تبدو اليابان أمام مرحلة انتقالية؛ حيث إن جاذبية السندات المحلية ترتفع، والمضاربات ضد الين تتراجع، لكن المستثمرين الكبار لا يريدون شراء السندات بينما أسعارها لا تزال تهبط وعوائدها تصعد. وعندما تستقر العوائد، قد تتحول إعادة توطين رؤوس الأموال اليابانية إلى قوة مؤثرة ليس فقط في الين، بل في أسواق السندات العالمية أيضاً.