«قطاف البازلاء» لبيسارو تعود إلى أصحابها بعد 77 عاماً

نهبها النازيون عند احتلال فرنسا

لوحة «قطاف البازلاء» لبيسارو
لوحة «قطاف البازلاء» لبيسارو
TT

«قطاف البازلاء» لبيسارو تعود إلى أصحابها بعد 77 عاماً

لوحة «قطاف البازلاء» لبيسارو
لوحة «قطاف البازلاء» لبيسارو

«حكم تاريخي»، بهذه العبارة وصفت أوساط قانونية قرار قاضي النقض في باريس بأحقية ورثة جامع التحف اليهودي سيمون بوير، في استعادة لوحة كانت ضمن آلاف الأعمال الفنية التي تعرضت لنهب منظم خلال الاحتلال الألماني لفرنسا. وتحمل اللوحة عنوان «قطاف البازلاء» وهي للرسام الفرنسي كامي بيسارو، وتعود لعام 1887.
وطوال السنتين الماضيتين بقيت اللوحة محفوظة في خزانة متحف «أورساي» في باريس؛ لكن المعركة القضائية التي خاضها أصحابها لاستعادتها استغرقت 77 عاماً. وبصدور قرار محكمة النقض، أمس، فإن من المنتظر أن يجري تسليمها إلى 18 وريثاً من أحفاد سيمون بوير، وعلى رأسهم جان جاك بوير، البالغ من العمر 90 عاماً. فقد حكم القاضي بأن القرار الموقع من الجنرال ديغول، في ربيع 1945، بعد تحرير فرنسا من الاحتلال، هو قرار غير محدد بمدة زمنية. وهذا يعني أحقية الأصحاب الأصليين في مقتنياتهم الفنية التي صادرها المحتلون النازيون، حتى لو كانت تلك الممتلكات قد بيعت في المزادات واقتناها آخرون بحسن نية. ووصف محامي أسرة بوير القرار بأنه سابقة تقدم أساساً قانونياً يفتح الطريق لقضايا كثيرة عالقة من هذا النوع.
إن لهذه اللوحة حكاية تصلح لأن تكون فيلماً أو رواية. فقد كانت موضع نزاع بين الوريث التسعيني من جهة، وبين الزوجين الأميركيين بروس وروبي تول، وذلك في إطار سوق للأعمال الفنية يشوبها كثير من الغموض والصفقات السرية وتمويه الوثائق. لكن الحكاية تبدأ قبل نشوب الحرب، حين جمع الإسكافي سيمون بوير ثروة من صناعة الأحذية. وبفضل تلك الثروة، راح يقتني في أخريات سنواته الأعمال الفنية وقطع الأثاث الثمينة، ومنها «قطاف البازلاء»، فقد اشتراها من تاجر اللوحات المعروف بول روزنبرغ، وأضافها إلى مجموعته المكدسة في بيته. واليوم يقول حفيده إن شقة جده في شارع «لا بومب» كانت بشعة؛ لكن جدرانها مغطاة بلوحات لسيسلي وديغا وبودان وبيسارو.
في عام 1943، قامت حكومة «فيشي» الفرنسية المتعاونة مع الاحتلال الألماني بتكليف موظف واسع الذمة، يدعى جان فرنسوا لوفران، بتنظيم عمليات نهب منظمة لشقق اليهود. وكان سيمون بوير وقتها قد طُرد من شقته واقتيد إلى معتقل «درانسي» النازي، تمهيداً لنقله إلى معسكر للإبادة. واستفاد لوفران من العمليات، وراح يبيع بعض اللوحات لحسابه الخاص. ومنها «قطاف البازلاء». وبسبب فوضى الحرب فإن الزبائن لم يكونوا يدققون كثيراً في مصدر تلك الأعمال؛ لكن أسماء كل منهم محفوظة في الوثائق مع تواريخ البيع.
خلال تلك الفترة، كان صاحب اللوحة قد نجا من التسفير إلى معسكر «أوشفيتز» بفضل إضراب لعمال السكك الحديدية. وحال تحرره من الأسر عام 1944، باشر معاملات البحث عن ممتلكاته، وتمكن من استعادة قسم منها، ونجح في إبطال عمليات غير قانونية لبيعها، وذلك بقرار من محكمة باريسية، عام 1947؛ لكنه توفي في تلك السنة دون أن يعرف مصير لوحته الأهم «قطاف البازلاء». واعتباراً من ذلك التاريخ تسلم الورثة الملف، ونالوا بعد 4 سنوات حكماً من قاضي الاستئناف في باريس، يستند إلى قرار الجنرال ديغول، ويلزم من اشترى اللوحة بإعادتها إلى الورثة؛ لكن تجار الأعمال الفنية الذين تداولوها أنكروا، زوراً، علمهم بمكان وجودها.
مرت السنوات دون أن تترك عائلة بوير حقها. ووصلت القضية إلى يدي الحفيد جان جاك الذي كان أبوه قد قضى في أحد معسكرات الاعتقال. وهو قد استمر يبحث ويتقصى لمدة 14 عاماً لحين ظهور أثر اللوحة. فقد تم إبلاغ العائلة بأن تاجراً أميركياً يدعى بيتر فندلي يقوم بتنظيم عملية لبيع لوحة بيسارو في باريس، بالتواطؤ مع شخص يقوم بتغطية العملية. وهنا تدخلت الشرطة الفرنسية وصادرت اللوحة قيد النزاع؛ لكن قاضي التحقيق رفع عن اللوحة، ولسبب غير مفهوم، التوصية بحظر البيع. وفيما بعد سيق القاضي للمحاكمة بتهمة الفساد. أما تاجر الأعمال الفنية الأميركي فندلي فقد سارع لترك باريس إلى لندن، حالما وصلته رائحة الشبهات، وهناك قام في عام 1966 بتنظيم بيع متكتم لـ«قطاف البازلاء» دون الإعلان عن اسم من اقتناها.
بعد 30 سنة، دخل إلى المشهد بروس وروبي تول، وهما زوجان أميركيان يسكنان «بالم بيتش» ويعتبران من أعمدة المجتمع اليهودي في فلوريدا؛ حيث يمولان الأعمال الخيرية. وكان الزوجان قد جمعا ثروتهما من تجارة العقارات، وراحا يقتنيان ما يروق لهما من قطع فنية. وفي عام 1995 وقعت أعينهما على لوحة بيسارو، وقاما بشرائها في مزاد علني نظمته دار «كريستيز» ودفعا فيها 800 ألف دولار، دون أن تراودهما الشكوك في مصدرها. ففي ذلك الوقت لم تكن قد صدرت قوائم مكتملة بالممتلكات الفنية التي نهبها النازيون من بيوت أثرياء اليهود. هذا على الأقل ما يقوله رون صوفير، محامي الزوجين، رافعاً الشبهة عن واحدة من أشهر شركات البيع بالمزاد.
قبل 3 سنوات، وافق الزوجان عن طيب خاطر على إعارة اللوحة إلى متحف «مارموتان» الباريسي في إطار معرض شامل أقيم لأعمال بيسارو. وهكذا قاما بشحن «قطاف البازلاء» إلى العاصمة الفرنسية دون أن يخطر ببالهما أن إليزابيت روييه غرامبلا، وهي صاحبة صالة للعرض الفني مقربة من عائلة بوير، قد ميزت صورة اللوحة المنشورة في دليل المعرض. وحال علمها بالخبر، أخطرت الحفيد الذي لم يتأخر في الذهاب إلى المتحف، ووضع اليد على اللوحة حال انتهاء المعرض. وبعد ذلك تقدم بدعوى قضائية ضد الزوجين الأميركيين.
بعد عام من ذلك التاريخ، وأمام محكمة الأمور المستعجلة، حصل بوير على حكم لصالحه، وقرار باستعادة لوحة بيسارو. أما مالكها الأخير بروس تول فقال أمام القاضي إنه ليس مسؤولاً عن جرائم حكومة «فيشي». وهنا بدأت جولة من المفاوضات بين الطرفين انتهت بالفشل. وكان رأي الوريث أن الزوجين تول لا يفكران سوى في الجانب المادي من القضية، بينما هو يسعى لإحقاق الحق، وهو ما حصل عليه أمام قاضي النقض في باريس؛ لكن محامي الزوجين الأميركيين أفاد بأنهما ذاهبان إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وحجتهما الوحيدة هي سلامة النية عند اقتناء «قطاف البازلاء».



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.