تحالفات في الساحة اليمنية لإبعاد صالح عن المشهد السياسي.. وغضب غربي من تصرفاته

الحوثيون يوسعون من استيلائهم على المؤسسات ويهددون من يقف أمام «المسيرة القرآنية»

طلاب يطلقون أمس شعارات ضد جماعة الحوثي احتجاجا على نشر قواتها في حرم جامعة صنعاء (رويترز)
طلاب يطلقون أمس شعارات ضد جماعة الحوثي احتجاجا على نشر قواتها في حرم جامعة صنعاء (رويترز)
TT

تحالفات في الساحة اليمنية لإبعاد صالح عن المشهد السياسي.. وغضب غربي من تصرفاته

طلاب يطلقون أمس شعارات ضد جماعة الحوثي احتجاجا على نشر قواتها في حرم جامعة صنعاء (رويترز)
طلاب يطلقون أمس شعارات ضد جماعة الحوثي احتجاجا على نشر قواتها في حرم جامعة صنعاء (رويترز)

أعلنت قيادات بارزة في حزب المؤتمر الشعبي العام، بزعامة الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، عن وجود اتجاه كبير داخل الحزب لعزل صالح من رئاسة الحزب، وتعيين نائبه (الرئيس اليمني) عبد ربه منصور هادي رئيسا للحزب، على خلفية وقوف صالح بجانب ميليشيات جماعة الحوثي المنطوية تحت اسم «أنصار الله»، والتنسيق معهم لدخول العاصمة صنعاء.
وعقدت قيادات بارزة في حزب المؤتمر الشعبي اجتماعا في عدن للنظر في أوضاع الحزب، وأعلنت في مؤتمر صحافي بعده ضرورة إزاحة صالح عن رئاسة الحزب، وإعادة نائبه (الرئيس اليمني) عبد ربه منصور هادي إلى منصبه الذي أزيح منه وتعيينه رئيسا للحزب. وأعلن عضو الأمانة العامة لحزب المؤتمر أحمد بن أحمد الميسري أن الحزب يحضر لمؤتمر عام في المحافظات الجنوبية والشرقية وإقليم الجند لاختيار الرئيس هادي رئيسا للمؤتمر الشعبي العام بدلا من صالح. واتهم المجتمعون قيادات في حزب المؤتمر بصنعاء بالتنسيق مع ميليشيات الحوثي منذ أشهر لسقوط العاصمة اليمنية صنعاء أخيرا بيد مسلحي جماعة الحوثي، قائلين إن الوحدة سقطت وانتهت يوم سقوط صنعاء بيد الحوثيين وسيسقط المؤتمر الشعبي العام من صنعاء.
وأشار المجتمعون إلى أن صالح بات معتكفا لكتابه مذكراته التي لن تجعله قادرا على العمل التنظيمي، مجددين رفضهم لقرار عزل الرئيس هادي والإرياني الذي صدر في وقت سابق، وقالوا إن تلك القرارات عشوائية وغير قانونية وعبثية.
وقال مصدر في حزب المؤتمر الشعبي العام لـ«الشرق الأوسط» إنهم سيعقدون اجتماعا شاملا، منتصف الشهر، سيعلنون التخلي رسميا عن صالح بشكل نهائي، مؤكدا أن حزب المؤتمر سيظل الحزب الأول في اليمن، ولكن برئيسه الجديد الذي سيعلنونه، وهو الرئيس عبد ربه منصور هادي.
وكان جنوبيو حزب المؤتمر عقدوا لقاء في الــ20 من الشهر الماضي بمحافظة عدن، واعتبروا قرار فصل هادي والإرياني من الحزب باطلا، باعتبار أن هادي والإرياني هامتان وطنيتان كبيرتان، ودعامتان تنظيميتان أساسيتان في المؤتمر الشعبي، ورمزان سياسيان على مستوى اليمن والإقليم العربي والعالم، مطالبين هيئة الرقابة القانونية في الحزب بالقيام بواجبها الذي يلزمها الدفاع عن النظام الداخلي، وإصدار فتوى نافذة بإلغاء أي إجراءات مخالفة للنظام الداخلي ومقررات المؤتمر العام.
وأكدت مصادر يمنية مطلعة وجود تمرد وصراع كبير داخل حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في حين يزداد الغضب الدولي من تصرفات الرئيس السابق، وخصوصا فيما يتعلق بتحالفه مع المتمردين الحوثيين ومساعدتهم في الاستيلاء على مؤسسات الدولة والمدن الرئيسية.
وعقدت قيادات بارزة في حزب المؤتمر الشعبي مؤتمرا صحافيا في عدن أمس، مؤكدة ضرورة إزاحة صالح عن رئاسة الحزب، وإعادة نائبه (الرئيس اليمني) عبد ربه منصور هادي إلى منصبه الذي أزيح منه. وقررت قيادات رفيعة في الحزب عقد مؤتمر عام من أجل مناقشة مستقبل الحزب، وأعاد هادي إلى الحزب في منصب الرئيس.
وأكدت مصادر في حزب المؤتمر لـ«الشرق الأوسط» أن قيادات الصف الأول في الحزب في الجنوب قررت إزاحة صالح وانتخاب هادي بدلا عنه. ومن أبرز الشخصيات الجنوبية التي تنادي بالإطاحة بصالح، رئيس جامعة عدن، البروفسور عبد العزيز بن حبتور، وأحمد الميسري، الذي كان محافظا لمحافظة أبين، إضافة إلى شخصيات أخرى في شمال البلاد شعرت بالتهميش في الآونة الأخيرة. ويشكل الأعضاء الجنوبيون في الحزب نسبة عالية، لكن الغالبية هم من أبناء الشمال، ولكن عددا كبيرا من نواب الشمال باتوا يفقدون الثقة في رئيسهم.
في غضون ذلك علمت «الشرق الأوسط» من مصادر سياسية يمنية ودبلوماسية غربية أن هناك استياء كبيرا من تصرفات الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، في الآونة الأخيرة، وبالأخص فيما يتعلق بتحالفه مع المتمردين الحوثيين ومساعدتهم، عبر أنصاره في السيطرة على العاصمة صنعاء وبقية المحافظات الشمالية.
وقالت هذه المصادر إن «هذه التصرفات تتنافى مع قانون الحصانة الممنوح لصالح مقابل أن يكف عن ممارسة العمل السياسي وعرقلة التسوية السياسية الحالية»، وهي الخطوات التي أدت إلى اتخاذ مجلس الأمن الدولي قرارا بفرض عقوبات بحقه واثنين من القيادات الحوثية البارزة.
وأشارت مصادر إلى وجود اتجاه في مجلس الأمن لتوسيع رقعة العقوبات لتشمل أسماء جديدة.
إلى ذلك أكدت مصادر متطابقة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الحوثيين وسعوا من سيطرتهم على جملة من المؤسسات والمصانع والمنظمات والدوائر الحكومية، وأكدت المصادر سيطرة المسلحين الحوثيين على مصنع شهير للمياه في غرب صنعاء وإدارته، إضافة إلى سيطرتهم على شركات أغذية أجنبية ذات ماركات عالمية وطرد عمالها وموظفيها وتشغيلها لمصلحتهم، وفي السياق ذاته، شهدت جامعة صنعاء، كبرى الجامعات اليمنية، أمس، مظاهرات لطلاب الجامعة الرافضين لوجود ميليشيا الحوثيين في الحرم الجامعي وتحكمهم في جميع تفاصيل العملية التعليمية ودخول وخروج أساتذة الجامعة والطلاب والطالبات، وتحدثت مصادر إعلامية يمنية عن تهديدات بشعة يتلقاها الطلاب والطالبات الرافضون لوجود المسلحين في الجامعة.
وبات اليمن يُحكم من قبل عشرات الآلاف من المسلحين الحوثيين الذين ينتشرون «كما الجراد»، حسبما شبههم أحد المواطنين في صنعاء، وذكرت مصادر خليجية وعربية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن البعثات الدبلوماسية شددت من إجراءاتها الأمنية بصورة غير مسبوقة بسبب الوضع الأمني المنفلت، خاصة أن السلاح بات منتشرا بشكل كبير في ظل ضعف أداء الأجهزة الأمنية التي لم تعد قادرة على تأمين نفسها، قبل تأمين الآخرين، وأفرجت جماعة الحوثي المسلحة عن الشيخ عبد الرحمن مكرم طسي، أمين عام الحراك التهامي في محافظة الحديدة، إمام وخطيب الجامع الكبير في الحديدة بغرب العاصمة صنعاء، وذلك بعد اختطافه من قبل الميليشيات الحوثية المسلحة منذ أكثر من شهر، بالإضافة إلى الإفراج عن المختطفين طارق سرور وماهر جميل وسالم بافقيه بعد اختطافهم لأكثر من نصف شهر.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر خاص مقرب من وزير الدولة السابق شايف عزي صغير، أن الأخير كان له الدور الكبير في الإفراج عن المعتقلين من قيادات الحراك والنشاطين الحقوقيين لدى جماعة الحوثيين المسلحة، وقال المصدر إن «الأمين العام للحزب الناصري الديمقراطي ووزير الدولة السابق صغير كان قد نجا من محاولة اغتيال قبل أيام وهو متجه إلى مطار صنعاء في طريقه إلى الحديدة ليلتقي بجماعة أنصار الله (الحوثيين) لبحث مسألة المعتقلين من الحراك والناشطين الحقوقيين لدى جماعة الحوثيين، ونجا من محاولة الاغتيال الذي أصيب فيها عضو المكتب السياسي في الحزب ومستشاره القانوني المحامي عادل جرمش».
وأكد المصدر أن الوزير شايف «بذل جهودا كبيرة في الإفراج عن المعتقلين الذين أفرج عنهم الحوثيون، وأن الوزير رفض قبول لجنة التحكيم (أول من أمس) من قبل أنصار الله (الحوثيين) في قضية محاولة اغتياله التي تورط فيها مسلحون حوثيون، وأن شروطه كانت بأنه سيقبل التحكيم حين يتم الإفراج عن جميع المعتقلين من أبناء تهامة»، مشيرا إلى أن لجنة الوساطة بين الحوثيين والوزير شايف ما زالت مستمرة لقبول التحكيم رغم الإفراج عن بعض المعتقلين، وأنه، أمس، جرى لقاء خاص بين أعضاء المكتب السياسي للحوثيين وشايف عزي صغير للوصول إلى حل في قضية محاولة الاغتيال الذي علمت «الشرق الأوسط» أن من قام بها أحد أفراد جماعة الحوثيين المسلحة، وقالوا عنها إنها كانت عن طريق الخطأ.
في المقابل، قال طارق سرور أحد المعتقلين من السجون السرية للحوثيين ومنسق مجلس شباب الثورة السلمية في الحديدة ونقيب المعلمين، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن «الميليشيات الحوثية المسلحة لديها سجون سرية في مدينة الحديدة، وإنه تم اعتقالهم من الشارع العام ووضعوه على طقم عسكري وفيه ما يقارب الـ10 من المسلحين واقتادوه إلى أحد سجونهم السرية غير الشرعية، وهو مبنى خاص يتبع نادي ضباط محور الحديدة الذي احتلته جماعة الحوثيين المسلحة مثلها مثل بقية المرافق الحكومية المحتلة في ضل سكوت الدولة».
وأضاف سرور: «لقد ظلت الميليشيات الحوثية المسلحة تستجوبنا باستمرار ومنعونا من التواصل مع أهالينا أو مع أي شخص كان، ولا أحد كان يعلم أين مكان اعتقالنا، في حين كانوا يقولون لهم إننا معتقلون خارج المدينة، ومع هذا ظلوا يهددونا بأنهم سيخفوننا نهائيا، وأنهم سيرحلوننا إلى محافظة صعدة»، مؤكدا أن الميليشيات المسلحة كانت تطالبهم بعدم عرقلة المسيرة القرآنية الحوثية، وطالب نقيب معلمي محافظة الحديدة الدولة بفرض هيبتها وعدم السماح بإيجاد دولة بديلة، وأنه لا بد من مراقبة ما تقوم به جماعة الحوثيين المسلحة ومحاسبتهم، مؤكدا استمرار مطالبهم بطرد جميع الميليشيات المسلحة من تهامة.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».