إرباك أوروبي في ملف السلاح الإيراني التقليدي

إرباك أوروبي في ملف السلاح الإيراني التقليدي

الخميس - 11 ذو القعدة 1441 هـ - 02 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15192]
مجلس الأمن يناقش عبر الفيديو تقرير أمين عام الأمم المتحدة حول تنفيذ القرار «2231» الخاص بإيران أول من أمس (الشرق الأوسط)
باريس: ميشال أبو نجم

مرة أخرى؛ تجد البلدان الأوروبية الثلاثة المعنية مباشرة بالملف النووي الإيراني (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) نفسها في وضع حرج بين الضغوطات الأميركية الساعية إلى تمديد حظر السلاح من وإلى إيران بدءاً من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من جهة؛ وبين حرصها؛ من جهة أخرى، على إبقاء خيط التواصل قائماً مع طهران والمحافظة على الاتفاق النووي المبرم في صيف عام 2015 رغم ما لحق به من تهشيم.

ويسعى الأوروبيون إلى التوفيق بين مواقف تبدو بشكل ما إما متناقضة وإما غير مفهومة؛ فمن جهة، يعدّ الثلاثي الأوروبي أن رفع الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على الأسلحة التقليدية والذي وضع بموجب القرار الدولي رقم «2231» «يمكن أن تكون له آثار ضخمة على الأمن والاستقرار الإقليميين»، وبذلك، يكون الأوروبيون قد التحقوا بالموقف الأميركي حيث كانت واشنطن أول من أثار ملف رفع الحظر وهي تسعى بكل الوسائل المتاحة لتمديده إلى أجل غير محدد.

والحال؛ من جهة أخرى، أن باريس وبرلين ولندن عبرت عن رفضها مشروع القرار الذي قدمته واشنطن إلى مجلس الأمن، يوم الثلاثاء الماضي، والذي لقي معارضة واضحة من المندوبين الصيني والروسي. وقالت مصادر أوروبية في نيويورك لـ«الشرق الأوسط» إن الأوروبيين «نصحوا» الطرف الأميركي بعدم تقديم المشروع؛ لأنهم يرون أنه لا يمكن أن يمر لسببين: الأول؛ لعدم حصوله على الأصوات التسعة الضرورية لإقراره في حال غياب استخدام حق النقض (الفيتو)، والثاني بسبب اللجوء إلى الفيتو روسياً وصينياً إذا وصل المشروع الأميركي إلى عتبة الأصوات التسعة. ويعني ذلك ضمناً أن الأوروبيين الخمسة داخل مجلس الأمن حالياً، وفق ما قالت المصادر المشار إليها، «لن يذهبوا إلى حد التصويت ضد مشروع القرار ما سيغيظ الجانب الأميركي ويرفع من حدة التوتر بين ضفتي الأطلسي؛ بل سيفضلون الامتناع عن التصويت». وتعدّ هذه المصادر أنه «إذا بقيت هذه الأمور على حالها ولم تتغير المواقف، فالمرجح ألا تطرح واشنطن مشروعها للتصويت؛ بل سوف تلجأ إلى طريقة بديلة».

وعنوان هذه الطريقة ما يسمى «سناب بك»؛ وتعني العودة لفرض العقوبات الدولية على إيران التي رفعت بموجب القرار الدولي «2231» بطلب من طرف موقع على الاتفاق في حال عجز الموقعون الستة (5+1) وإيران عن حل خلافاتهم بالتفاوض.

والحال أن الأوروبيين يعارضون ادعاء واشنطن أنها ما زالت ضمن الاتفاق رغم خروجها منه في ربيع عام 2018، بينما هي تؤكد العكس. وقال أولوف سكوك، ممثل الاتحاد الأوروبي لدى الأمم المتحدة، أول من أمس، إن واشنطن «لم تشارك في أي اجتماع أو نشاط في إطار الاتفاق النووي لعام 2015، مما يعني ضمناً أنها لا يمكنها الادعاء بأنها ما زالت داخله رغم خروجها منه». وسبق لوزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا أن رفضوا في بيان صدر عقب اجتماعهم في برلين «لكل محاولة أحادية (أميركية) من أجل إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران».

هكذا؛ تبرز هشاشة الموقف الأوروبي: رفض المقترحين الأميركيين الهادفين إلى مد العمل بحظر الأسلحة التقليدية على إيران من جانب؛ والتأكيد من جانب آخر أن رفع الحظر «ستكون له آثار ضخمة على الأمن والاستقرار الإقليميين». وتعترف المصادر المشار إليها بأن الأوروبيين اليوم «تضاعف حرجهم» وأغضبوا الإيرانيين والأميركيين معاً. ولكن يبدو أنهم «عثروا» على المخرج الذي يمكنهم من النأي بأنفسهم عن هذه الإشكالية المعقدة؛ أقله مؤقتاً؛ إذ إنهم يحتمون بقرار أوروبي سابق بحظر مبيعات السلاح إلى إيران يتم تمديده سنوياً وهو صالح حتى ربيع عام 2021. ولذا؛ فإن الجانب الأوروبي يؤكد أنه «غير معني» بمشروع القرار الأميركي، في حين أن رفضه إعادة فرض العقوبات الدولية على إيران يعود لرغبته في المحافظة على الاتفاق.

وفي هذا السياق؛ فإن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف استفاد من اجتماع مجلس الأمن، أول من أمس، لممارسة مزيد من الضغوط على الأوروبيين من خلال الربط بين رفع الحظر عن السلاح وبقاء بلاده داخل الاتفاق، رغم الانتهاكات الواسعة التي قامت بها والتي أفرغته عملياً من مضمونه.

وبالطبع، يستمر الأوروبيون في دعوة إيران إلى التراجع عن انتهاكاتها، كما ينددون ببرنامج الصواريخ الباليستية وسياستها الإقليمية المزعزعة للاستقرار، وهم ينتظرون، مثل الإيرانيين، الاستحقاق الرئاسي الأميركي وما يمكن أن يسفر عنه. ولا تستبعد المصادر الأوروبية أن تكون إثارة ملف السلاح التقليدي الإيراني ذات أهداف سياسية أميركية داخلية.

يبقى أنه إزاء هذه التعقيدات يدور همس في أروقة مجلس الأمن عن خطة بديلة أميركية قد تكون «المخرج الأخير» لواشنطن للوصول إلى أهدافها لجهة إعادة فرض العقوبات الدولية؛ بما فيها حظر مبيعات السلاح لإيران.

وتقوم هذه الخطة، وفق ما وصل إلى «الشرق الأوسط»، على تقديم مشروع قرار أميركي إلى مجلس الأمن يدعو إلى احترام موعد رفع الحظر عن السلاح بحلول شهر أكتوبر(تشرين الأول) المقبل، والمفاجأة ستكون بأن تصوت الولايات المتحدة ضده؛ مما سيعني الإطاحة به بسبب امتلاكها حق النقض (الفيتو).

وهي المرة الأولى التي تلجأ فيها الولايات المتحدة إلى مشروع قرار من هذا النوع. لكن هل سيرسو الخيار الأميركي على هذا السيناريو المحدث في الدبلوماسية الدولية؟ لا شك في أن الأسابيع المقبلة قد تحمل مفاجآت. لكن الأمر المؤكد أنها ستشهد معارك دبلوماسية عنيفة في نيويورك، وستكون أولاها معرفة ما إذا كانت واشنطن ستنجح في أن تقنع الآخرين «أو أن تفرض عليهم» أنها ما زالت ضمن الاتفاق النووي. والمعركة الثانية تتناول مدى قدرتها على استمالة الأوروبيين إلى جانبها، إضافة إلى كيفية خروج هؤلاء من تناقضاتهم بعيداً عن الاختباء وراء قرارات أوروبية سابقة سينتهي مفعولها في الأشهر القليلة المقبلة. ويبقى السؤال حول التداخل بين المعركة الانتخابية الأميركية والملف الإيراني، وإلى أي مدى سيدفع إلى اتخاذ مبادرات أو قرارات، من هذا الجانب أو ذاك، ليست اليوم في الحسبان.


ايران أخبار إيران

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة