طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

الأهم بالنسبة إلى القراء النصوص التي تتمخض عنها

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة
TT

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

لم تكن الكتابة ولن تكون عملاً سهلاً يمكن الشروع به في أي وقت، ويخضع لإملاءات الكتّاب وإرادتهم المباشرة. ذلك على الأقل ما يستخلصه المرء من سيَر الشعراء والمبدعين الذين تحدثوا عن علاقتهم بالكتابة ومكابداتهم الشاقة مع النصوص والأعمال التي أنجزوها. وحتى لو اعتبر البعض بأن الكتابة «مهنتهم» الوحيدة والدائمة، فهي بالتأكيد إحدى أكثر المهن مثاراً للدهشة والحيرة الملغزة، أو هي واحدة من «مهن القسوة»، كما عبّر الشاعر اللبناني الراحل بسام حجار. ولا أتحدث هنا عن النثر العادي الذي نجد تمثلاته في الكتابة الصحافية والسياسية والعلمية، بل عن الكتابة الإبداعية، بخاصة الشعر الذي هو مكابدة غير مضمونة العواقب وصراع شديد الضراوة مع اللغة. صحيح أن الشعر نوع من الإلهام الذي لا يتأتى إلا للموهوبين وحدهم، ولكن ذلك الإلهام لا يكون على الدوام طوع بنان الشاعر ومزاجه الشخصي. وسواء كانت الموهبة ثمرة تحالف ثنائي وطيد بين الشاعر وشيطانه المقيم في وادي عبقر، كما ذهب العرب الأقدمون، أو كانت ربيبة الداخل الإنساني وما يتسم به من عناصر الرهافة والقابلية والاستعداد الشخصي، فإن كلا الفرضيتين تفضيان إلى الاستنتاج بأن الطاقة الكامنة في دواخلنا ليست قابلة بصورة دائمة للتحقق والتسييل اللغوي، بل إن الغيوم التي تختزنها تحتاج إلى شروط ملائمة لكي تتحول إلى مطر.
ولأن العرب الأقدمين كانوا يرون في الشعر كلاماً استثنائياً يفيض عن قدرة البشر العاديين، فقد نسبوا هذا الفن إلى الجن والشياطين وسائر القوى الغيبية، التي تملك الحق الحصري في رفد الشعراء بما يلزمهم من شحنات الإلهام وطاقاته وشروطه المؤاتية. لا بل إن العرب في جاهليتهم قد ذهبوا أبعد من ذلك، بحيث تحدث جواد علي في كتابه الشهير «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» بأن الشاعر الجاهلي كان يرتبط مع شيطانه بعقد مشروط، وكان يحرص على عدم الإخلال بالشروط المتفق عليها بين الطرفين، كي لا يغادره صاحبه إلى غير رجعة، أو ينقل موهبته إلى شاعر منافس. كما ورد في «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي بأن مظعون الأعرابي التقى بشيخ طاعن في السن، وأخذا يتسامران إلى أن أسمعه هذا الأخير أبياتاً من الشعر. وحين فاتحه القرشي بأنه سمع هذه الأبيات من الأعشى، أجاب الشيخ: أنا صاحب الأبيات، واسمي مسحل بن جندل، فعرف الرجل أنه من الجن. وقد خطر للأعرابي أن يسأل الشيخ عن أشعر العرب، فقال: لافظ بن لاحظ، صاحب امرئ القيس، وهباب بن هبيد، صاحب عبيد بن الأبرص، وهاذر بن ماهر، صاحب النابغة الذبياني. وإذا كان العرب قد لجأوا، كغيرهم من الشعوب، إلى الاستعانة بالأساطير والخرافات لتفسير ما استغلق عليهم من الظواهر الغامضة، فإن مثل هذه المعتقدات لا تُقرأ بحرفيتها النصية، بل بما تشير إليه من استعصاء الشعر وتمنّعه، حتى على الموهوبين الكبار من الشعراء. ولعل ما يروى عن الفرزدق من أن خلعه لأحد أضراسه أهون عليه من نظم بيت من الشعر، هو الترجمة المعقلنة لفكرة الوحي ولزمن القريحة المتقطع.
في إحدى الجلسات التي جمعتني بأدونيس أثناء وجوده في بيروت، قبل أشهر، خطر لي أن أسأله عن طريقته في الكتابة، وعما إذا كان ثمة شروط مكانية وزمانية ينبغي توفرها للشروع في كتابة نصوصه الإبداعية. والحقيقة أن إجابات صاحب «مفرد بصيغة الجمع» كانت مفاجئة لي بكل المعايير، إذ لم يدر في خلدي على الإطلاق أن شاعراً كأدونيس يستطيع أن يكتب متى وأنى يشاء، دون الخضوع لمزاج شيطانه الشعري وإملاءاته. قال أدونيس يومها إن جسده بآلياته المختلفة هو الذي يقرر زمن الكتابة ونوعها، مضيفاً أن لا وقت محدداً عنده للقيام بذلك. ولأن الكتابة عنده هي زمن داخل الزمن، فهو وحده من يملك زمام زمنه الإبداعي، بحيث يستطيع أن يكتب في الليل والنهار، ويكاد لا يمر يوم واحد دون أن ينجز نصاً ما أو جزءاً من نص. وهو في الوقت ذاته لا يخضع لإملاءات المكان وشروطه القاسية، إذ يمكنه أن يكتب في الفنادق والطائرات والمطارات والمقاهي. «وحده المكان الأليف لا يحفزني على الكتابة، وتبعاً لذلك فأنا لا أكتب في البيت الذي أسكنه» يقول أدونيس، معللاً ذلك بأن اللغة هي ربيبة الهجرة والترحال والمنفى، وهي نقيض الألفة والسكينة الوادعة.
أما الأمر الآخر المفاجئ في ذلك الحوار، فهو اعتراف صاحب «أغاني مهيار الدمشقي» بأنه يكتب نصوصه دفعة واحدة، وأن تنقيحه اللاحق لما يكتبه، وخلافاً لما يعتقد البعض، لا يتجاوز المفردات والتراكيب النحوية القليلة. وحين عبّرت عن دهشتي لمثل الاعترافات، باعتبار أن لغته الشعرية تشي بالكثير من التنقيح والاشتغال، لم ينكر أدونيس هذه الميزة في نصوصه، لكنه قال بأنه ينقح القصيدة في رأسه أولاً، وأن كل ما يكتبه ينضج داخل عقله قبل أن يدوّن على الورق. وبسؤالي له عن أدوات الكتابة وتفاصيلها الصغيرة قال بأنه يميل إلى استخدام الحبر الأسود، ولكنه لا يأبه للون الورق الذي يستخدمه، شرط ألا تكون الورقة مخطّطة بشكل أو بآخر، «ربما لأنه يرفض في لا وعيه أن يتبع أي نموذج أو مخطط يأتيه من الخارج».
أما محمود درويش فقد تحدث غير مرة عن علاقته الخاصة بالكتابة الشعرية، وعن الشروط الملائمة التي ينبغي توفرها للشروع فيها. وفي الحوار العميق والثري الذي أجراه الشاعر المغربي حسن نجمي مع صاحب «الجدارية» قبل رحيله بفترة قليلة، يعتبر درويش أن الشعر في الأصل هو مزيج من المهنة والهواية. ولكن الشاعر لا يستطيع أن يظل هاوياً فحسب، بل عليه مع الزمن أن ينتبه إلى الصناعة الشعرية التي هي أقرب إلى المهنة. واللافت أن درويش يتقاطع في بعض إجاباته مع أدونيس، إذ يعتبر أن الشعر ليس تدفقاً سليقياً تلقائياً فقط، بل ينبغي أن يخضع لفكر شعري، ولفهمٍ ما للوجود. ولكن درويش يعترف من جهة أخرى بأنه لا يطمئن في العادة للنصوص الطازجة لحظة إنجازها، ولذا فهو يترك النص لفترة من الزمن كي يعاود قراءته بعين الناقد الموضوعي، قبل أن يأخذ القرار بحذفه أو تعديله أو الدفع به إلى النشر. وإذ يحث درويش الشعراء على كبح كسل الهواية وعدم انتظار الإلهام، يحذر بعضهم من الافتعال، ومن تكرار ما سبق لهم أن كتبوه، لا لشيء، إلا لكونهم قادرين على الإنتاج اليومي. ولأن على الشاعر، وفق درويش، أن يظل متربصاً بلحظات الإلهام التي لا يعرف موعدها، فهو قد درّب نفسه، وإن بصعوبة بالغة، على خلق عادات كتابية تتمثل في الجلوس إلى مكتبه صباح كل يوم بانتظار «اللحظة التي يجد فيها اللاوعي كلماته»، ودون أي افتعال أو إرغام. ثم يمعن درويش في سرد بعض تفاصيل «مختبره الشعري» معترفاً بأنه شاعر نهاري لا يكتب إلا في «الضوء الطبيعي». كما أنه يكتب بقلم الحبر السائل ذي اللون الأسود، وعلى ورق أبيض وغير مسطر. وهو كلما شطب سطراً على صفحة، مزقها واستبدلها بسواها. وقد يحدث أن تتعثر الكتابة، فيتطيّر من القلم، ويستبدله بسواه، كما لو أن المشكلة في القلم لا في الإلهام. ورداً على سؤال يتعلق بالإيقاع، يقول الشاعر بأنه ينصت أثناء الكتابة إلى أنواع مختلفة من الموسيقى التي يجد فيها ما يعضد النبرات الإيقاعية للنص، «فعندما أريد أن أكتب نصاً خافتاً، أستمع إلى شوبان. وعندما أريد أن أكتب نصاً عالي النبرة، أستمع إلى بيتهوفن». ويتابع درويش بوحه الحميم لنجمي، موضحاً أنه لا يستطيع الكتابة في الفنادق والطائرات والقطارات أو أي مكان آخر، سوى المكان الذي توجد فيه مكتبته الخاصة، مقراً بأنه يحتاج للعودة إلى المعاجم، بغية الوقوف على دقة المفردات التي يستخدمها، وعلى وجوهها الصرفية ودلالاتها المتعددة.
يقرّ الشاعر التونسي منصف الوهايبي، من جهته، بأن الإلهام الشعري لا يحضره إلا بعد انقضاء الليل، ومع الخيوط البيضاء الأولى التي تنبعث مع الفجر لتضيء العالم. ومع أن صاحب «مخطوط تمبكتو» يرد ذلك إلى زمن الدراسة المبكرة في «الكتّاب»، حيث كان عليه أن ينهض باكراً كل يوم، لكنه يربط هذا الطقس الزمني اليومي بصفاء ما بعد النوم، حيث المسافة قريبة بين اللغة والأحلام، إضافة إلى أن كلاً من الجسد والنفس، يكونان تلك الساعة في حالة من التيقظ والحيوية اللازمين لأي نشاط ذهني وإبداعي. «اللغة في هذا الوقت تأتي من تلقاء نفسها»، يقول الوهايبي، وتستمر في التدفق المتقطع حتى ساعة الظهيرة، ثم تُسدل الستائر وينتهي كل شيء. ولذا فهو لا يستقبل أحداً في فترة مخاضه، ولا يتواصل في خلوته مع أحد، سوى هسهسة المفردات وتهويماتها. ولا فرق أن يكتب في البيت أو الحانة أو المقهى، إذ لا أهمية عنده للمكان، في ضجيجه أو صمته، لأنه يسوّر نفسه بجدار سميك من العزلة، ويختلي تحت «قبته البلورية» بمن يشاء من المخلوقات. ويقول الوهايبي، الحائز على جائزة زايد عن فئة الشعر لهذا العام، بأنه لا يكتب نصوصه دفعة واحدة، بل على دفعات عدة قد تستغرق شهرين أو أكثر. أما السبب فلا يعود إلى كون معظم قصائده يتسم بالإطالة فحسب، بل لأنه كثيراً ما يلجأ إلى مصادر معرفية وبحثية، وإلى معاجم مختلفة تساعده في التثبت من معاني الكلمات. وهي ميزة يتشاركها الشاعر مع محمود درويش، إضافة إلى ميزات أخرى، كالطقس النهاري، والحبر السائل الأسود، والأوراق ناصعة البياض. ويضيف الوهايبي، خلال حوار هاتفي جرى بيننا قبل أيام، بأنه لا يدفع بقصائده إلى النشر إلا بعد تنقيحٍ ومراجعة طويلين. كما أنه لا يتوانى عن إجراء تعديلات أساسية على نصوصه الجديدة، أو عن حذفها بالكامل، إما بفعل مراجعته المتشددة لها، أو استجابة لتمنيات الذين يطْلعهم على هذه النصوص، ممن يثق بسلامة أذواقهم من أصدقائه ومتابعيه.
ثمة بالطبع طقوس وممارسات أكثر غرابة، يحيط الشعراء والفنانون والكتّاب أنفسهم بها في بدايات مسيرتهم، قبل أن تتحول مع الزمن إلى وسائط إلزامية بينهم وبين الإبداع. فالكاتب النرويجي إبسن لم يكن يهتم بمكان الكتابة أو زمانها، ولكنه مع ذلك لم يكن يستطيع أن يكتب أي نص، ما لم يضع أمامه صورة منافسه وخصمه اللدود سترندبرغ، وحين سئل عن السبب في ذلك أجاب: «أريد أن أغيظه وهو يتفرج على إبداعي قبل نشره على الملأ». ولم يكن فيكتور هيغو وهو يكتب روايته «أحدب نوتردام» ليجد وسيلة لإرغام نفسه على ملازمة منزله وإكمال عمله في وقت قياسي، سوى خلع ثيابه بالكامل طيلة فترة كتابتها. كما كان الشاعر الألماني شيلر يضع تفاحة في درج المكتب الذي يجلس إليه، ثم يعمد خلال الكتابة إلى شمها وتحسسها بين حين وآخر، لكي توفر له عنصر الإلهام. فيما كان نزار قباني يتهيأ للكتابة بالاستلقاء على الأرض، أو بالنوم على بطنه، حيناً، أو يرتدي أفضل ثيابه وكأنه ذاهب إلى عرس، حيناً آخر. على أن الأهم بالنسبة للقراء لا يتمثل في الطقوس التي تلازم العملية الإبداعية، بل النصوص التي تتمخض عنها، وإلا لتحولت الكتابة إلى تعازيم خالية من المعنى، وشكليات فارغة من كل روح.



ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي
TT

ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي

يمثل الروائي والكاتب المسرحي الروسي مكسيم غوركي (1868- 1936) حلقة وصل بين عهدين من تاريخ الأدب الروسي: العهد القيصري الذي كتب في ظله عمالقة من أمثال تولستوي ودوستويفسكي وتورجنيف وتشيخوف، والعهد السوفياتي عقب ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 الاشتراكية، وأدبائه عبر السنين من أمثال مايا كوفسكي وشولوخوف ويفتشنكو. ورغم أن غوركي كان منحازاً إلى هذا العهد التالي، بل كان أكبر ممثلى «الواقعية الاشتراكية» - المذهب الأدبي الرسمي للدولة الشيوعية - وأول رئيس لاتحاد الكتاب السوفيات في 1934 وحائزاً على رضا الديكتاتور ستالين، فقد كان أوسع أفقاً من أغلب معاصريه الشيوعيين، فهو منفتح على الآداب الغربية، قارئ جيد للتراث الإنسانى، وغير ناكر لفضل الجيل العظيم الذي سبقه. تشهد بهذا كتاباته النقدية وذكرياته عن أدباء ذلك الجيل، ومنها الكتاب الذي نتوقف عنده هنا «ذكريات عن تولستوي وتشيخوف وأندريف» (Reminiscences of Tolstoy, Chekhov and Andreyev).

تشيخوف

وقد صدرت له ترجمة، من اللغة الروسية إلى اللغة الإنجليزية، بقلم بريان كارتنك (Brian Karetnyk) في سبتمبر (أيلول) 2025 عن دار فيتزكارالدو للنشر في قرابة 200 صفحة (سبق أن ترجم الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج بعض هذه الكتابات إلى اللغة العربية، كما ترجم الناقد فؤاد دوارة مختارات من مقالات غوركي النقدية، منها مقالة موضوعها «الانحلاليون» أي الشعراء الفرنسيون البوهيميون في أواخر القرن التاسع عشر، مثل أرتور رامبو وبول فرلين).

أهم هذه الكتابات مقالة غوركي في 1919 عن تولستوي. وكان غوركي -الذي فقد أباه في سن الحادية عشرة- يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز مؤلف الروائع «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا». كان غوركي في صباه وشبابه وقد عرك الحياة عصامياً علّم نفسه بنفسه وكان عاملاً مكافحاً اشتغل صبي حرفة لدى إسكافي وفي مطبخ سفينة تعبر نهر الفولغا ثم خبازاً في قازان. وحين قدّم المخرج ستانسلافسكي مسرحية غوركي «الحضيض» أو «الأعماق السفلى» على مسرح الفن في موسكو عام 1902 بدأ غوركي يجذب الأنظار، لا في روسيا وحدها، وإنما في أوروبا أيضاً. وما لبث تشيخوف أن قدّمه باعتباره كاتباً واعداً إلى تولستوي، فكان غوركي يحج إلى بيت الأستاذ في ياسنايا بولينا أو في القرم.

تولستوي

وبعد عامين من نشر مقالته عن تولستوي، انتقل غوركي إلى جزيرة كابري في إيطاليا. وفي العقد الخامس من عمره بدأ يسجل ذكرياته عن الأدباء الذين عرفهم قبل قيام ثورة 1917. وكما يقول آدم ثرويل في مراجعة للكتاب في «لندن رفيو أوف بوكس» (25 يونيو / حزيران 2026) كانت هذه الذكريات سجلاً لماضٍ بطولي، خاصة أنها تصدر بعد أن رحل تولستوي وتشيخوف عن الدنيا.

لم يكن غوركي يغفل تسجيل أي مشهد أو محادثة مهما كانت بسيطة حتى تافهة. فهو يذكر مثلاً أن تولستوي أثنى على أقصوصة تشيخوف المسماة «العزيزة» في حضور مؤلفها: «ذات يوم كان تشيخوف يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، يجلس وعلى وجنتيه بقع حمراء ورأسه مائل إلى الأمام، ينظف منظاره المثبت على الأنف مدققاً. لم يقل شيئاً لبرهة، وأخيراً وهو يتنهد، قال بهدوء محرجاً: إن فيها أخطاء طباعية.. قصة بسيطة ولكنها تلقي الضوء على جانب مهم من شخصية تشيخوف، هو الإنسان الدمث المتواضع الذي لا يفخر بمنجزاته، وإن كانت منجزات رائعة قل أن يصل إليها غيره».

وكانت المودة متبادلة بين تولستوي وتشيخوف. لصلاح عبد الصبور مقالة عنوانها «عدو التفاهة» في كتابه «مدينة العشق والحكمة»، يقول فيها عن تشيخوف: «عندما يتحدث عن تولستوي تسبح على عينيه ابتسامة شاحبة رقيقة وخجولة معاً، وينخفض صوته كأنه يتحدث عن شيء قابل للكسر... شيء ينبغي أن يتناوله الإنسان في حرص وفي حب».

وموقف غوركي من تولستوي يلخصه قوله: «لن أكون يتيماً ما ظلّ هذا الرجل يعيش على ظهر الأرض». أبوة روحية رغم الفارق الطبقي الكبير بين تولستوي النبيل الأرستقراطي وغوركي البروليتاري القادم من أسفل السلم الاجتماعي.

وتكشف محادثات غوركي مع تولستوي عن آراء هذا الأخير في عدد من الأدباء. يقول مثلاً: «إن للفرنسيين 3 كتّاب: ستندال وبلزاك وفلوبير. هناك أيضاً موباسان بطبيعة الحال، ولكن تشيخوف خير منه. أما عن الأخوين جونكور فأي مهرجين هما! إنهما لا يعدوان أن يتظاهرا بالجدية. لقد عرفا الحياة من كتب وضعها مؤلفو قصص خرافية مثلهما، وظنّا أنها جدّ. لا أحد بحاجة إلى ذلك». وقد اختلف غوركي معه في هذا الرأي «وضايقه هذا بعض الشيء». كذلك صار تولستوي غير راضٍ عن دوستويفسكي قائلاً: «إن قراءته شاقة ولا تفضي إلى شيء».

كان غوركي يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز

كذلك كتب غوركي عن ليونيد آندريف، وهو - وإن يكن أقل شهرة من تولستوي وتشيخوف - قاصّ وكاتب مسرحي ومصور فوتوغرافي موهوب. وقد صدّر أول مجموعة قصصية له عام 1901 بإهداء إلى غوركي الذي شجّعه على دخول مضمار الأدب. ومن رواياته «السبعة الذين شنقوا» (لها ترجمة عربية) عن الإرهاب السياسي. وله أكثر من 20 مسرحية، منها «هو الذي يصفع» (مترجمة أيضاً إلى العربية). وإذ كان مناهضاً لثورة أكتوبر 1917، فقد عاش خارج روسيا ومات منفياً في فنلندا.

والمفارقة أنه بعد مرور 10 سنوات على كتابة هذه الذكريات غدا غوركي ذاته - في نظر أجيال الشباب - حكيماً مثل تولستوي. وفي مؤتمر الكتاب المنعقد في 1934 (الحقبة الستالينية) غضّ غوركي من شأن «الواقعية النقدية» التي يمثلها تولستوي وتشيخوف، ودعا بدلاً منها إلى «واقعية اشتراكية» أدخل في باب الدعاية منها في باب الفن. وأحجم عن مدّ يد العون لأدباء أصغر سناً، مثل الشاعر أوسيب ماندلستام، حين كان هؤلاء الأدباء في أمس الحاجة إلى غذاء وكساء.

وإذا غضضنا الطرف عن هذه السقطات - وهي تكثر في ظل الأنظمة الديكتاتورية - فستظل هناك حقيقة مستفادة من هذا الكتاب؛ أن فوارق السن بين الأجيال لا يجب أن تحول دون تواصلها. واختلاف الرأي السياسي لا يجب أن يفسد للودّ قضية. فما يجمع بين الأدباء أكبر مما يفرق بينهم، كلهم سدنة في معبد الفن مهما جنحوا يميناً أو وسطاً أو يساراً، فالفن أبقى من السياسة.


الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات
TT

الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات

في ديوانها الثالث «أبتر فرعي من شجرة العائلة»، تضع الشاعرة المصرية آلاء فودة يدها بكل قسوة في جروح الذات، تنكأها بلا رحمة، ودون محاولات للتجميل، وبكل ما ينطوي عليه ذلك من عنف موجع، ومن ثم تصبح قصائد الديوان أشبه بصرخات مدوية، ناتجة عن الانعتاق المصحوب بالألم، أو بالصراخ المصاحب للولادة الجديدة. هذا العنف يطل برأسه ويعلن عن حضوره منذ العنوان الرئيس، الذي يبدأ بمفردة «أبتر»، بما تحمله من دلالات تتعلق بالدماء، وحينما تأتي المفردة في صيغة الفعل المضارع، فإن البتر هنا يصبح عملية متصلة، وديمومة لا تنتهي، فضلاً عن أن هذا البتر تمارسه الذات الشاعرة على نفسها، بوصفها فرعاً متصلاً ومنبثقاً من شجرة العائلة أو القبيلة، ومن ثم فإن هذا البتر، على ما فيه من عنف وألم، محاولة للتحرر من التبعية، وفكاً للارتباط بأي ماضٍ قبلي، محاولةً أن تكون الذات هي مرجع نفسها، وتاريخاً أول، ونبتاً أصلياً جديداً، لا يأخذ جدارته من كونه صورة أو امتداداً لأصل سابق.

الديوان صادر عن منشورات المتوسط في إيطاليا، ويتكون من 23 قصيدة، تنتمي لقصيدة النثر، وكلها مفعمة بروح المواجهة، وقطع الحبل السري الذي يربط الذات الشاعرة بالزمان والمكان، فالتاريخ عبء مؤرق يثقلها، وتريد أن تبدأ من درجة الصفر، أن تخط تاريخاً يبدأ من ذاتها، وترغب في التحرر من الأماكن والبيوت، التي تتحول إلى سجون تكبلها، بل إنها توجه نصائح في صيغة الأمر لقارئها الضمني «لا تملك بيتاً/ شتت نفسك بين ألف بيت/ لتسيل ذاكرتك بين البلاد/ ولا تملك وطناً/ ودّعه قبل أن يصير له رائحتك».

هذه الرغبة الحادة والعنيفة في القطيعة والتحرر، تتجاوز مجرد التمرد، إلى رغبة عميقة في تحرر الكتابة، وتحرير الجسد الذي تكبله سطوة القبيلة وهيمنتها. تأتي هذه الدلالات في سياقات جدلية، تقدم أسبابا وتفندها، وتعقد مقارنات بين العالم المأمول والعالم الواقعي، فالبيوت المشتهاة الجديرة بالانتماء إليها لم تعد موجودة، وفقدت أي دفء محتمل، فلم يبق منها سوى الجدران الخانقة، وأصبحت مصائد للحزن، حتى الدجاجات باتت مصدراً للقسوة. تقول في قصيدة «البيوت التي كانت أولى بالسكن»:

«حلمت كثيراً بالبيوت القديمة

التي لم تتسع لي؛

هجرتني أسرتها النحاسية،

وغاب عني دفء السمر على عتباتها،

لياليها الصيفية مصيدة للحزن،

دجاجاتها شرسة»

القطيعة مع العائلة وتاريخها وأمكنتها، أو بالأحرى مع هذه السجون الثلاثة، ليس فقط من أجل تحرر الذات الشاعرة، ولكن من أجل تحرير فروعها الجديدة، المنبثقة عنها بوصفها جذراً أولاً، وهن بناتها الثلاثة التي تهديهن الديوان قائلة «إلى ميرال ولمى وحلا: نظفت قلبي قدر المستطاع لتلعبن بأمان»، حيث تتصل مفردة «نظفت» هنا بالانخلاع من الماضي الثقيل، وكنس أوساخه، بحثاً عن الأمان لمستقبل هذه الفروع. وبالتوازي مع هذا الإهداء، تصدّر الشاعرة ديوانها بمقطع لافت للشاعرة، تايلاندية الأصل، لانج لييف، تقول فيه: «ما معنى أن تكون شاعراً؟/ أن تفتح نفسك مثل هوة سحيقة خربة/ الكل يرى ما بداخلك/ لكن لا أحد يدرك من أنت». فضلاً عن وحدة الجندر وتقارب المرحلة العمرية بين الشاعرتين، ففي هذا التصدير أربعة مرتكزات دلالية تصل هذا المقطع ببنية الديوان، أولها سؤال الشعر ومعناه، وثانيها الشعر بوصفه اعترافاً وكشفاً عما تمور به الذات من هواجس. وثالثها رؤية الآخرين وتلصصهم على هذه الدفقات الاعترافية الأقرب للفضح الذاتي. ورابعها الفرق بين الرؤية التي يمارسها «الكل»، وعدم الإدراك العميق لجوهر الذات وألمها، فالجميع يرى، لكن لا أحد يدرك.

في مسارها الاعترافي، تستخدم الذات لغة حادة وكاشفة، لا مواربة فيها، حتى في اعترافها بانسحاقها القديم، وبتحولها هي نفسها إلى آلة قمع ذاتي لأحلامها وأفكارها وحتى جسدها، خنوعاً لتقاليد القبيلة، لتحوز ذلك الرضا المقدس، وتصنع موازاة بين ذاتها وبين النهر، الذي تخلَّى عن تدفقه وعنفوانه، وكان يسير بـ«صوت مكتوم، يشبه صوت قلبي حين أذعنت لتعاليم القبيلة». وتستغرق في سرد تجربة الإذعان هذه، كاشفةً كيف تحوَّلت هي نفسها إلى القمع الذاتي، تقول في «بلا شجرة عائلة»:

«ولأنني بنت القبيلة البارة؛

آمنت بالأب والأم والمجد العائلي،

قمطت صدري بلثام الخوف،

ووضعت حجراً بين ساقيّ،

حملت على رأسي نفايات حروبهم،

روث كلمات قذفوها ساعة الغضب»

هكذا، يتحول الأب والأم والمجد العائلي، من شخوص ومعان ثقافية، إلى «ثالوث مقدس»، وكتلة سلطوية جاثمة على روح الذات الشاعرة، بل تحتل جسدها كاملاً، تلوثه، من رأسها الذي يحمل نفايات حروبهم، مروراً بالصدر المقموع خوفاً، وصولاً إلى الحجر الموضوع بين الساقين، إنه إحكام للسيطرة، وقمع لـ«العقل، والقلب، والرغبة الجسدية»، التي تصبح ثالوثاً مدنَّساً، مرفوضاً ومكبَّلاً، كي تحظى بالقبول، ويتم ترسيمها بوصفها «بنت القبيلة البارة».

في سعيها للانبتات والبتر، تعيد الشاعرة تعريف العالم ومفرداته، عبر صيغ السؤال التي تنتشر كثيراً في الديوان، حتى إنها تخصص قصيدة بعنوان «أسئلة»، تنبني كلها على تقديم معرفة جديدة بكل شيء، عبر بنية السؤال والجواب، من أبسط الأشياء والمعاني إلى أكثرها وجودية وفلسفية: «ماذا عن الشعر؟ يد الله الحانية. ماذا عن الأمومة؟ مرآة تصفعك كل ليلة. ماذا عن الجسد؟ شاهد الحكاية الذي لا ينسى. ماذا عن الموت؟ فارس الملحمة الموصوم دائماً بسوء السمعة»، إنها رغبة في القطيعة مع أرشيف اللغة، والتمرد على العلاقات القديمة بين الدوال ومدلولاتها، محاولة صنع قاموس جديد، لشجرة مستقلة، مختلف عن لغة القبيلة والعالم.

ثمة مفارقة لافتة، فالذات الشاعرة الراغبة في الانفلات من كونها محض فرع لشجرة العائلة، نراها في القصيدة الأخيرة من الديوان تكرس نفسها مركزاً تدور حوله بناتها، ولا تجعلهن مجرد فروع، بل قبوراً تدفن فيهن أحلامها وأوجاعها، إنها نفس بنية الاستخدام والتسلط تعيد إنتاج نفسها، بل بشكل أشد قسوة، فتقول -ربما بنبرة عميقة من السخرية- في «يكبرن حولي»:

«أنجبت بنتاً وقلت لها:

صيري قبراً،

سأردم فيكِ؛

أحلامي التي اخترقها الحسد،

قلباً مضغ القسوة بكل النكهات».


إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ
TT

إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ

يذهب الباحث محمد المالحي في كتابه «نجيب محفوظ... حرافيش الإسكندرية وحكايات الرقيب»، الصادر عن دار «البديع العربي»، إلى مناطق أقل تداولاً في سيرة «أديب نوبل»، لا سيما تجربته مع مدينة الإسكندرية وعالمه هناك بين الأصدقاء والمقاهي والذكريات، فضلاً عن محفوظ الموظف، الذي مارس الرقابة على المصنفات الفنية وترك ملاحظاته على عدد من سيناريوهات الأفلام.

يستند المؤلف إلى العديد من الصور والخطابات المكتوبة بخط اليد والشهادات، وغيرها من المستندات النادرة في محاولة لتوثيق هذا الجانب من السيرة «المحفوظية»، منطلقاً من فكرة أساسية مفادها أن صورة «حرافيش محفوظ» ارتبطت في الذاكرة الثقافية بمجلسه الشهير في القاهرة، بينما ظلَّ هناك مجلس آخر أقل شهرة في الإسكندرية، فقد كان محفوظ يقضي في المدينة الساحلية عدة أشهر متصلة كل عام، بعيداً عن أسرته، في تقليد استمر قرابة ربع قرن، منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى عام 1994، حين توقفت رحلاته المنتظمة إلى الإسكندرية عقب محاولة الاعتداء عليه.

هنا تأتي حكاية «شلة سان استيفانو»، وهي المجموعة التي ارتبط بها عميد الرواية العربية خلال إقامته الصيفية في الإسكندرية، وكان مجلسهم اليومي ينعقد في حديقة فندق سان استيفانو القديم، في الفترة المسائية، وتحديداً بين السادسة والتاسعة.

كما يستند المؤلف إلى شهادات أربعة من أفراد هذه الدائرة، وإلى صور نادرة وخطابات بخط يد محفوظ، ليعيد بناء أجواء المجلس الذي ظل بعيداً عن الاهتمام الإعلامي مقارنة بما حظي به مجلس «حرافيش قصر النيل» في القاهرة.

وتكتسب هذه الشهادات أهميتها من أنها تقدم محفوظ في حياته اليومية: علاقته بأصدقائه، طريقته في إدارة الحوار، عاداته خلال الإجازة، وصِلاته بالأشخاص الذين لم يكونوا بالضرورة أدباء أو مشاهير. ومن بين الأسماء التي تظهر في هذه الحكايات المحاسب سيد قناوي، الذي بدأت صداقته بمحفوظ في مقهى «ريش» عام 1969 قبل أن تنتقل صداقتهما إلى الإسكندرية.

ولا يعتمد المالحي على شهادات أفراد المجلس وحدهم، إذ يستعين كذلك بذاكرة المكان، بالمقاهي والمطاعم التي ارتادها محفوظ، وبباعة الكتب القديمة في شارع النبي دانيال، وبشهادات كبار السن ممن عاصروا وجوده في المدينة.

وينتقل الكتاب في نصفه الثاني إلى شخصية تبدو نقيضاً كاملاً لذلك الرجل الجالس مع أصدقائه في حديقة سان استيفانو: الرقيب نجيب محفوظ، فالأديب الذي عُرف بتمرده الإبداعي وجرأته الأدبية كان في الوقت نفسه موظفاً حكومياً ملتزماً بالقواعد، وعمل في مجال المصنفات الفنية، حيث مارس مهمة الرقابة على الأعمال السينمائية.

يعتمد المالحي في هذا القسم على عدد من السيناريوهات التي تحمل ملاحظات محفوظ بوصفه رقيباً، بينها أعمال لمخرجين بارزين مثل صلاح أبو سيف وحسن الإمام. وتتحول هذه السيناريوهات إلى وثائق تكشف طبيعة عمل محفوظ داخل جهاز الرقابة، وتسمح بقراءة جانب مهني من حياته ظل أقل حضوراً من صورته كروائي وقاص.

وتكشف وثائق الرقابة أن محفوظ لم يكن يعيش حياته في منطقة واحدة، فقد كان صباحه مرتبطاً بالوظيفة واللوائح، بينما كان عالمه الآخر يتشكل من الكتابة والسينما والأصدقاء والمقاهي، وتجعل هذه الثنائية القسم الثاني مكملاً للقسم الأول، رغم اختلاف الموضوع: في الحالتين نحن أمام محفوظ خارج الصورة النمطية التي رسَّختها شهرته الأدبية.