طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

الأهم بالنسبة إلى القراء النصوص التي تتمخض عنها

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة
TT

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

طقوس الكتابة وأحوالها الغريبة

لم تكن الكتابة ولن تكون عملاً سهلاً يمكن الشروع به في أي وقت، ويخضع لإملاءات الكتّاب وإرادتهم المباشرة. ذلك على الأقل ما يستخلصه المرء من سيَر الشعراء والمبدعين الذين تحدثوا عن علاقتهم بالكتابة ومكابداتهم الشاقة مع النصوص والأعمال التي أنجزوها. وحتى لو اعتبر البعض بأن الكتابة «مهنتهم» الوحيدة والدائمة، فهي بالتأكيد إحدى أكثر المهن مثاراً للدهشة والحيرة الملغزة، أو هي واحدة من «مهن القسوة»، كما عبّر الشاعر اللبناني الراحل بسام حجار. ولا أتحدث هنا عن النثر العادي الذي نجد تمثلاته في الكتابة الصحافية والسياسية والعلمية، بل عن الكتابة الإبداعية، بخاصة الشعر الذي هو مكابدة غير مضمونة العواقب وصراع شديد الضراوة مع اللغة. صحيح أن الشعر نوع من الإلهام الذي لا يتأتى إلا للموهوبين وحدهم، ولكن ذلك الإلهام لا يكون على الدوام طوع بنان الشاعر ومزاجه الشخصي. وسواء كانت الموهبة ثمرة تحالف ثنائي وطيد بين الشاعر وشيطانه المقيم في وادي عبقر، كما ذهب العرب الأقدمون، أو كانت ربيبة الداخل الإنساني وما يتسم به من عناصر الرهافة والقابلية والاستعداد الشخصي، فإن كلا الفرضيتين تفضيان إلى الاستنتاج بأن الطاقة الكامنة في دواخلنا ليست قابلة بصورة دائمة للتحقق والتسييل اللغوي، بل إن الغيوم التي تختزنها تحتاج إلى شروط ملائمة لكي تتحول إلى مطر.
ولأن العرب الأقدمين كانوا يرون في الشعر كلاماً استثنائياً يفيض عن قدرة البشر العاديين، فقد نسبوا هذا الفن إلى الجن والشياطين وسائر القوى الغيبية، التي تملك الحق الحصري في رفد الشعراء بما يلزمهم من شحنات الإلهام وطاقاته وشروطه المؤاتية. لا بل إن العرب في جاهليتهم قد ذهبوا أبعد من ذلك، بحيث تحدث جواد علي في كتابه الشهير «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» بأن الشاعر الجاهلي كان يرتبط مع شيطانه بعقد مشروط، وكان يحرص على عدم الإخلال بالشروط المتفق عليها بين الطرفين، كي لا يغادره صاحبه إلى غير رجعة، أو ينقل موهبته إلى شاعر منافس. كما ورد في «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي بأن مظعون الأعرابي التقى بشيخ طاعن في السن، وأخذا يتسامران إلى أن أسمعه هذا الأخير أبياتاً من الشعر. وحين فاتحه القرشي بأنه سمع هذه الأبيات من الأعشى، أجاب الشيخ: أنا صاحب الأبيات، واسمي مسحل بن جندل، فعرف الرجل أنه من الجن. وقد خطر للأعرابي أن يسأل الشيخ عن أشعر العرب، فقال: لافظ بن لاحظ، صاحب امرئ القيس، وهباب بن هبيد، صاحب عبيد بن الأبرص، وهاذر بن ماهر، صاحب النابغة الذبياني. وإذا كان العرب قد لجأوا، كغيرهم من الشعوب، إلى الاستعانة بالأساطير والخرافات لتفسير ما استغلق عليهم من الظواهر الغامضة، فإن مثل هذه المعتقدات لا تُقرأ بحرفيتها النصية، بل بما تشير إليه من استعصاء الشعر وتمنّعه، حتى على الموهوبين الكبار من الشعراء. ولعل ما يروى عن الفرزدق من أن خلعه لأحد أضراسه أهون عليه من نظم بيت من الشعر، هو الترجمة المعقلنة لفكرة الوحي ولزمن القريحة المتقطع.
في إحدى الجلسات التي جمعتني بأدونيس أثناء وجوده في بيروت، قبل أشهر، خطر لي أن أسأله عن طريقته في الكتابة، وعما إذا كان ثمة شروط مكانية وزمانية ينبغي توفرها للشروع في كتابة نصوصه الإبداعية. والحقيقة أن إجابات صاحب «مفرد بصيغة الجمع» كانت مفاجئة لي بكل المعايير، إذ لم يدر في خلدي على الإطلاق أن شاعراً كأدونيس يستطيع أن يكتب متى وأنى يشاء، دون الخضوع لمزاج شيطانه الشعري وإملاءاته. قال أدونيس يومها إن جسده بآلياته المختلفة هو الذي يقرر زمن الكتابة ونوعها، مضيفاً أن لا وقت محدداً عنده للقيام بذلك. ولأن الكتابة عنده هي زمن داخل الزمن، فهو وحده من يملك زمام زمنه الإبداعي، بحيث يستطيع أن يكتب في الليل والنهار، ويكاد لا يمر يوم واحد دون أن ينجز نصاً ما أو جزءاً من نص. وهو في الوقت ذاته لا يخضع لإملاءات المكان وشروطه القاسية، إذ يمكنه أن يكتب في الفنادق والطائرات والمطارات والمقاهي. «وحده المكان الأليف لا يحفزني على الكتابة، وتبعاً لذلك فأنا لا أكتب في البيت الذي أسكنه» يقول أدونيس، معللاً ذلك بأن اللغة هي ربيبة الهجرة والترحال والمنفى، وهي نقيض الألفة والسكينة الوادعة.
أما الأمر الآخر المفاجئ في ذلك الحوار، فهو اعتراف صاحب «أغاني مهيار الدمشقي» بأنه يكتب نصوصه دفعة واحدة، وأن تنقيحه اللاحق لما يكتبه، وخلافاً لما يعتقد البعض، لا يتجاوز المفردات والتراكيب النحوية القليلة. وحين عبّرت عن دهشتي لمثل الاعترافات، باعتبار أن لغته الشعرية تشي بالكثير من التنقيح والاشتغال، لم ينكر أدونيس هذه الميزة في نصوصه، لكنه قال بأنه ينقح القصيدة في رأسه أولاً، وأن كل ما يكتبه ينضج داخل عقله قبل أن يدوّن على الورق. وبسؤالي له عن أدوات الكتابة وتفاصيلها الصغيرة قال بأنه يميل إلى استخدام الحبر الأسود، ولكنه لا يأبه للون الورق الذي يستخدمه، شرط ألا تكون الورقة مخطّطة بشكل أو بآخر، «ربما لأنه يرفض في لا وعيه أن يتبع أي نموذج أو مخطط يأتيه من الخارج».
أما محمود درويش فقد تحدث غير مرة عن علاقته الخاصة بالكتابة الشعرية، وعن الشروط الملائمة التي ينبغي توفرها للشروع فيها. وفي الحوار العميق والثري الذي أجراه الشاعر المغربي حسن نجمي مع صاحب «الجدارية» قبل رحيله بفترة قليلة، يعتبر درويش أن الشعر في الأصل هو مزيج من المهنة والهواية. ولكن الشاعر لا يستطيع أن يظل هاوياً فحسب، بل عليه مع الزمن أن ينتبه إلى الصناعة الشعرية التي هي أقرب إلى المهنة. واللافت أن درويش يتقاطع في بعض إجاباته مع أدونيس، إذ يعتبر أن الشعر ليس تدفقاً سليقياً تلقائياً فقط، بل ينبغي أن يخضع لفكر شعري، ولفهمٍ ما للوجود. ولكن درويش يعترف من جهة أخرى بأنه لا يطمئن في العادة للنصوص الطازجة لحظة إنجازها، ولذا فهو يترك النص لفترة من الزمن كي يعاود قراءته بعين الناقد الموضوعي، قبل أن يأخذ القرار بحذفه أو تعديله أو الدفع به إلى النشر. وإذ يحث درويش الشعراء على كبح كسل الهواية وعدم انتظار الإلهام، يحذر بعضهم من الافتعال، ومن تكرار ما سبق لهم أن كتبوه، لا لشيء، إلا لكونهم قادرين على الإنتاج اليومي. ولأن على الشاعر، وفق درويش، أن يظل متربصاً بلحظات الإلهام التي لا يعرف موعدها، فهو قد درّب نفسه، وإن بصعوبة بالغة، على خلق عادات كتابية تتمثل في الجلوس إلى مكتبه صباح كل يوم بانتظار «اللحظة التي يجد فيها اللاوعي كلماته»، ودون أي افتعال أو إرغام. ثم يمعن درويش في سرد بعض تفاصيل «مختبره الشعري» معترفاً بأنه شاعر نهاري لا يكتب إلا في «الضوء الطبيعي». كما أنه يكتب بقلم الحبر السائل ذي اللون الأسود، وعلى ورق أبيض وغير مسطر. وهو كلما شطب سطراً على صفحة، مزقها واستبدلها بسواها. وقد يحدث أن تتعثر الكتابة، فيتطيّر من القلم، ويستبدله بسواه، كما لو أن المشكلة في القلم لا في الإلهام. ورداً على سؤال يتعلق بالإيقاع، يقول الشاعر بأنه ينصت أثناء الكتابة إلى أنواع مختلفة من الموسيقى التي يجد فيها ما يعضد النبرات الإيقاعية للنص، «فعندما أريد أن أكتب نصاً خافتاً، أستمع إلى شوبان. وعندما أريد أن أكتب نصاً عالي النبرة، أستمع إلى بيتهوفن». ويتابع درويش بوحه الحميم لنجمي، موضحاً أنه لا يستطيع الكتابة في الفنادق والطائرات والقطارات أو أي مكان آخر، سوى المكان الذي توجد فيه مكتبته الخاصة، مقراً بأنه يحتاج للعودة إلى المعاجم، بغية الوقوف على دقة المفردات التي يستخدمها، وعلى وجوهها الصرفية ودلالاتها المتعددة.
يقرّ الشاعر التونسي منصف الوهايبي، من جهته، بأن الإلهام الشعري لا يحضره إلا بعد انقضاء الليل، ومع الخيوط البيضاء الأولى التي تنبعث مع الفجر لتضيء العالم. ومع أن صاحب «مخطوط تمبكتو» يرد ذلك إلى زمن الدراسة المبكرة في «الكتّاب»، حيث كان عليه أن ينهض باكراً كل يوم، لكنه يربط هذا الطقس الزمني اليومي بصفاء ما بعد النوم، حيث المسافة قريبة بين اللغة والأحلام، إضافة إلى أن كلاً من الجسد والنفس، يكونان تلك الساعة في حالة من التيقظ والحيوية اللازمين لأي نشاط ذهني وإبداعي. «اللغة في هذا الوقت تأتي من تلقاء نفسها»، يقول الوهايبي، وتستمر في التدفق المتقطع حتى ساعة الظهيرة، ثم تُسدل الستائر وينتهي كل شيء. ولذا فهو لا يستقبل أحداً في فترة مخاضه، ولا يتواصل في خلوته مع أحد، سوى هسهسة المفردات وتهويماتها. ولا فرق أن يكتب في البيت أو الحانة أو المقهى، إذ لا أهمية عنده للمكان، في ضجيجه أو صمته، لأنه يسوّر نفسه بجدار سميك من العزلة، ويختلي تحت «قبته البلورية» بمن يشاء من المخلوقات. ويقول الوهايبي، الحائز على جائزة زايد عن فئة الشعر لهذا العام، بأنه لا يكتب نصوصه دفعة واحدة، بل على دفعات عدة قد تستغرق شهرين أو أكثر. أما السبب فلا يعود إلى كون معظم قصائده يتسم بالإطالة فحسب، بل لأنه كثيراً ما يلجأ إلى مصادر معرفية وبحثية، وإلى معاجم مختلفة تساعده في التثبت من معاني الكلمات. وهي ميزة يتشاركها الشاعر مع محمود درويش، إضافة إلى ميزات أخرى، كالطقس النهاري، والحبر السائل الأسود، والأوراق ناصعة البياض. ويضيف الوهايبي، خلال حوار هاتفي جرى بيننا قبل أيام، بأنه لا يدفع بقصائده إلى النشر إلا بعد تنقيحٍ ومراجعة طويلين. كما أنه لا يتوانى عن إجراء تعديلات أساسية على نصوصه الجديدة، أو عن حذفها بالكامل، إما بفعل مراجعته المتشددة لها، أو استجابة لتمنيات الذين يطْلعهم على هذه النصوص، ممن يثق بسلامة أذواقهم من أصدقائه ومتابعيه.
ثمة بالطبع طقوس وممارسات أكثر غرابة، يحيط الشعراء والفنانون والكتّاب أنفسهم بها في بدايات مسيرتهم، قبل أن تتحول مع الزمن إلى وسائط إلزامية بينهم وبين الإبداع. فالكاتب النرويجي إبسن لم يكن يهتم بمكان الكتابة أو زمانها، ولكنه مع ذلك لم يكن يستطيع أن يكتب أي نص، ما لم يضع أمامه صورة منافسه وخصمه اللدود سترندبرغ، وحين سئل عن السبب في ذلك أجاب: «أريد أن أغيظه وهو يتفرج على إبداعي قبل نشره على الملأ». ولم يكن فيكتور هيغو وهو يكتب روايته «أحدب نوتردام» ليجد وسيلة لإرغام نفسه على ملازمة منزله وإكمال عمله في وقت قياسي، سوى خلع ثيابه بالكامل طيلة فترة كتابتها. كما كان الشاعر الألماني شيلر يضع تفاحة في درج المكتب الذي يجلس إليه، ثم يعمد خلال الكتابة إلى شمها وتحسسها بين حين وآخر، لكي توفر له عنصر الإلهام. فيما كان نزار قباني يتهيأ للكتابة بالاستلقاء على الأرض، أو بالنوم على بطنه، حيناً، أو يرتدي أفضل ثيابه وكأنه ذاهب إلى عرس، حيناً آخر. على أن الأهم بالنسبة للقراء لا يتمثل في الطقوس التي تلازم العملية الإبداعية، بل النصوص التي تتمخض عنها، وإلا لتحولت الكتابة إلى تعازيم خالية من المعنى، وشكليات فارغة من كل روح.



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».