وصف وزير الداخلية المصري اللواء محمد إبراهيم، الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع، بأنه «النموذج الفريد للقائد الفذ»، مشيدا بالتنسيق والتكامل والتناغم غير المسبوق بين الشرطة والقوات المسلحة لمجابهة الأخطار التي تواجه البلاد. بينما أكد الرئيس المصري المستشار عدلي منصور أن «يوم 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، كان بداية كسر جدار الخوف لدى المصريين، الذين كتبوا صفحة جديدة في تاريخ الوطن المعاصر بثورة شعبية انطلقت من دون قيادة لتفرض آمالها على الواقع».
وقال الرئيس منصور، في كلمته بأكاديمية الشرطة خلال احتفالات وزارة الداخلية بعيد الشرطة أمس، إننا «نحتفل بذكرى 25 يناير وعيد الشرطة، وفي الخلفية يطل الإرهاب القبيح بوجهه، لكننا سندحر هذا الإرهاب كما انتصرنا في تسعينات القرن الماضي على قوى الإرهاب»، مؤكدا أن الدستور الجديد يمثل النهاية الحتمية للدولة البوليسية التي ولت من دون رجعة، وذهبت معها الأنظمة السياسية التي اعتادت أن تستعمل مؤسسات الدولة كمؤسسات لتحقيق مصالحها.
يأتي هذا بعد ثلاث سنوات من انكسار هيبة الشرطة المصرية، خلال أحداث ثورة يناير التي تزامنت وقتها مع الاحتفال بـ«عيد الشرطة»، وبعد أن بدأت الصورة تتغير تدريجيا لصالح المؤسسة الأمنية مع انتهاء حكم الإخوان. ولأول مرة منذ ثورة يناير، التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، يعود الحديث في الشارع المصري عن الاحتفال بـ«عيد الشرطة»، ونظمت جمعية محبي مصر السلام والاتحاد العربي للأمن والاستثمار بالتعاون مع دار الأوبرا المصرية على المسرح الكبير بدار الأوبرا، احتفالية مساء أول من أمس بحضور تسعة وزراء، تضمنت تقديم أوبريت «حراس أمانك». وبينما دعت قوى ثورية للخروج إلى الميادين للاحتفال مع رجال الشرطة بعيدهم وتوجيه الشكر لهم، وضع الرئيس عدلي منصور إكليلا من الزهور على قبر الجندي المجهول.
ويؤكد الدكتور بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن «غياب الاحتفال بعيد الشرطة خلال العامين الماضيين كان سببه تجنب إثارة غضب القوى الثورية التي قادت الثورة ضد نظام مبارك». لكنه استطرد قائلا لـ«الشرق الأوسط»، إن «الصورة تغيرت بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي، وخلال الاحتجاجات المتواصلة لأنصاره التي استهدفت المقار الأمنية ورجال الشرطة في محافظات مصر وشبه جزيرة سيناء، والتي أسفرت عن سقوط قتلى ومصابين.. وهذه العوامل ساهمت بشكل كبير في تغيير وجهة نظر قطاع من المصريين تجاه الشرطة».
وقدر مصدر أمني مطلع عدد من قتلوا في صفوف الشرطة منذ يناير عام 2011 وحتى يوم أمس (الخميس)، بنحو ما يقرب من 427 قتيلا من رجال الشرطة. وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن «رغبة المصريين في الاحتفال بعيد الشرطة سببها الرغبة في استعادة الشعور بالأمن الذي عانى من فقدانه الشارع المصري منذ عزل مرسي، وتبرئة عدد كبير من قيادات وزارة الداخلية من تهم قتل المتظاهرين إبان ثورة يناير».
وهو ما تحدث عنه الرئيس عدلي منصور أمس في احتفالية عيد الشرطة، بقوله إن «هناك تجاوزات فردية من بعض رجال الشرطة، يتحمل مسؤوليتها من قام بها أمرا وتنفيذا؛ وليس مؤسسة الشرطة كلها»، موضحا أن «ثورة 30 يونيو (حزيران) جاءت لرأب الصدع الذي حدث بين الشرطة والشعب في 25 يناير وما قبلها».
في سياق متصل، أشعل الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع المصري النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، احتفال عيد الشرطة أمس، وقوبل السيسي بعاصفة من التصفيق دوت في قاعة الاحتفالات، عندما وصفه اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية في كلمته بـ«النموذج الفريد للقائد الفذ.. حازم الرأي».
من جانبه، قال الرئيس عدلي منصور، إن كل ما ثار عليه الشعب من ممارسات في الماضي لن يكون له مكان في المستقبل، مضيفا: «لا مكان بيننا لمحتكر دين أو وطن، فالوطن الجديد لكل أبنائه»، وتابع أن «المرحلة الجديدة بطموحاتها وآمالها تقتضي جهدا من كل أبناء الوطن، وتتطلب تضافر قوى المجتمع. ونحتاج لكل جهد وطني وفكر واع، وكل ساعد يبني وينتج، وكل يد لا تكتب إلا حقا».
وأكد منصور أن الوطن بحاجة للانطلاق نحو مسيرة التنمية لتحقيق أهداف 25 يناير، وفتح مزيد من فرص العمل، والارتفاع بمعدلات الاستثمار، وبذل الجهد لتقديم الخدمات للمواطنين والارتقاء بجودة خدمات التعليم والرعاية الصحية، وأضاف: «نحتاج إلى تحقيق الأمن والاستقرار، وهذه الجهود لا تؤتي ثمارها من دون أن نحفظ لمجتمعنا مناخه المستقر الآمن المشجع على جذب الاستثمار».
وشدد الرئيس المصري على أنه «آن لنا أن نواجه دعاة الفوضى والإرهاب بمزيد من الإصرار على دولة القانون، وسنمضي على طريقنا نحو المستقبل لتحقيق آمال المصريين وطموحاتهم لنصنع غدا جديدا لمصر، نبنيه بسواعد المسلمين والمسيحيين».
ووجه التحية لـ«شهداء ثورة 25 يناير»، قائلا إنهم «الذين بذلوا أرواحهم قربانا ليحيا الوطن عزيزا»، كما حيا شهداء رجال الشرطة بقوله إنهم «الأبرار الذين لن ننساهم أو نتخلى عن أسرهم».
من جهته، قال اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية، إن «ثورة 25 يناير قام بها الشباب ضد مظاهر الفساد بالبلاد، ومنذ ثورة 30 يونيو تعاظمت التحديات والمخاطر، ومن منطلق وطني خالص، وبتنسيق وتكامل وتناغم غير مسبوق، تكاتفت الشرطة مع القوات المسلحة، لمجابهة تلك الأخطار وإجهاض مخططاتها، وساهمت مساندة قواتنا المسلحة الباسلة أجهزة الشرطة في سرعة استعادة طاقاتها، فاستهدفت ولا تزال البؤر الإرهابية والإجرامية بمختلف أنشطتها، ونجحت في كشف وإجهاض العديد من المخططات الآثمة داخل البلاد وخارجها، وقضت على الكثير من تلك البؤر، وملاحقة عناصرها التي استغلت ما آلت إليه الأوضاع في ذلك الوقت».
و على صعيد اخر، قتل خمسة من رجال الشرطة وأصيب اثنان آخران بطلقات نارية، في هجوم نفذه مسلحون ملثمون أمس في محافظة بني سويف بصعيد مصر. وبينما تكثف الأجهزة الأمنية جهودها لتعقب المتهمين والعمل على ضبطهم، شددت الحكومة المصرية أمس على أن هذا الحادث لن يثنيها عن مواصلة حربها ضد الإرهاب.
ويأتي هذا الحادث عقب شهر فقط من تفجير استهدف مديرية أمن الدقهلية (شرق القاهرة)، في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأودى بحياة 16 شخصا معظمهم رجال شرطة، وهو الحادث الذي اتهمت جماعة الإخوان المسلمين بتدبيره من قبل وزارة الداخلية المصرية، وتبعه إعلان الحكومة تصنيفها «منظمة إرهابية».
وقال مصدر أمني مسؤول بمديرية أمن بني سويف أمس إن «مسلحين كانوا يستقلون دراجتين بخاريتين استهدفوا كمين (صفط الشرقية) في محافظة بني سويف وأطلقوا الأعيرة النارية بكثافة على قوات الكمين، مما أدى لمقتل خمسة من رجال الشرطة، منهم اثنان برتبة أمين شرطة، وثلاثة برتبة رقيب». وأضاف المصدر أن «الحادث أسفر أيضا عن إصابة اثنين برتبة عريف أحدهما في اليد والآخر في ساقه، وجرى نقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم»، منوها بأن «المسلحين تمكنوا من الفرار، وتقوم قوات الأمن بتمشيط المناطق المحيطة بالكمين بحثا عنهم، كما جرى نشر تعزيزات أمنية بنطاق بنى سويف، فضلا عن غلق مداخل ومخارج المحافظة».
ورفعت محافظة بني سويف حالة الاستنفار الأمني في كل مراكز المحافظة الحدودية، وانتشرت دوريات الشرطة في مدينة بني سويف، وجرى تشكيل كمائن متحركة تجوب مدينة الواسطى والقرى التابعة لها على أثر حادث الاقتحام. وقال مصدر أمني آخر من أمن بني سويف، إن «قوات الجيش والشرطة تقوم بتمشيط المناطق المحيطة بموقع الحادث الإرهابي، حيث أغلقت القوات مداخل ومخارج المحافظة لسرعة القبض على مرتكبي الحادث، كما جرى الدفع بقوات إضافية لتعزيز الوجود الشرطي بجميع الكمائن الثابتة على الطرق الصحراوية والزراعية لضبط الجناة».
ومن جانبه، أدان مجلس الوزراء برئاسة الدكتور حازم الببلاوي، رئيس الوزراء، الحادث واصفا إياه بـ«الإرهابي الآثم». وأكد المجلس في بيان له أمس أن «مثل تلك الجرائم لن تثني الحكومة عن عزمها الأكيد في أن تتصدى بكل قوة وحسم للإرهاب بكل صوره وأشكاله مهما كانت التضحيات».
وشيع الآلاف من أهالي محافظة بني سويف جثامين رجال الشرطة، في جنازة شعبية وعسكرية مهيبة. وردد الأهالي هتافات خلال تشييع الجثامين، من بينها «الشعب يريد إعدام الإخوان».
وقتل عشرات من رجال الشرطة في هجمات لمتشددين منذ عزل محمد مرسي في 3 يوليو (تموز) الماضي، تبنت معظمها جماعة «أنصار بيت المقدس» المسلحة، دون أن يجري التأكد من ذلك.
من جهة أخرى، قال مصدر أمني بمديرية أمن القاهرة، إن قوات الأمن ألقت القبض على أكثر من 40 شخصا ممن شاركوا في مظاهرات مساء أول من أمس بميدان «طلعت حرب» (وسط القاهرة)، من بينهم أعضاء بحركة «شباب 6 أبريل» وحركة الاشتراكيين الثوريين، لاتهامهم بإثارة الشغب وتنظيم مظاهرة من دون تصريح من الجهات الأمنية، وجرى اقتيادهم إلى مديرية أمن القاهرة لفحصهم جنائيًا وعرضهم على النيابة التي تتولى التحقيق.
وكان المئات من عدد من الحركات الثورية نظموا مظاهرة في ميدان طلعت حرب مساء الأربعاء للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين وتطهير وزارة الداخلية، وسقوط حكم العسكر، على حد تعبيرهم. وهتف المتظاهرون بهتافات معادية للجيش والشرطة، بينما أغلقت قوات الأمن كل المداخل المؤدية إلى ميدان «التحرير» أمام حركة مرور السيارات والمشاة؛ لمنع المتظاهرين من دخول الميدان.
وفي محافظة البحيرة (شرق القاهرة)، أسفرت اشتباكات بين أنصار لجماعة الإخوان المسلمين، وبعض الأهالي المعارضين لهم، بمدينتي كفر الدوار ودمنهور بالبحيرة، عن إصابة العشرات من الطرفين، واحتراق محل وتحطيم واجهتي محلين آخرين نتيجة قذف الحجارة، وذلك عقب مسيرة للإخوان.
كما شهدت جامعة الإسكندرية اشتباكات عنيفة بين طلاب منتمين لجماعة الإخوان وقوات الأمن، حيث قام الطلاب برشق قوات الأمن بالحجارة، فيما رد عليهم الأمن بالقنابل المسيلة للدموع. وأعلن الدكتور أحمد مصطفى، مدير عام مستشفى جامعة الإسكندرية، وفاة أحد الطلاب.







