السودان يجمع أكثر من 4 مليارات دولار من «الشراكة» في برلين

ماس وبوريل: الخرطوم تمتلك فرصة العمر لتحقيق السلام والتعافي الاقتصادي

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية الألماني هايكو ماس (أرشيفية - رويترز)
TT

السودان يجمع أكثر من 4 مليارات دولار من «الشراكة» في برلين

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية الألماني هايكو ماس (أرشيفية - رويترز)

خرج السودان من «مؤتمر الشراكة» الذي نظمته برلين، بتعهُّدات مالية دولية فاقت 4 مليارات دولار، ودعوات أوروبية لإخراجه من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، في حين أكدت الحكومة الألمانية أن المؤتمر فتح فصلاً جديداً من التعاون بين السودان والمجتمع الدولي.
وحصل السودان على مساعدات مباشرة، بلغت 1.8 مليار دولار، تُسلّم له خلال هذا العام، وأكثر من مليارين بين تعهدات وإعفاءات ديون ومعالجات من البنك الدولي.
وجاء في بيان ختامي صادر عن المؤتمر، أنه «فتح فصلاً جديداً من التعاون بين السودان والمجتمع الدولي»، وأن «المساءلة المتبادلة والشفافية ستكون أساس هذه العلاقة».
وأضاف البيان بأن «الحكومة السودانية الانتقالية والمجتمع الدولي أكدا بأن الدعم السياسي والمالي مرتبط بالتقدم الذي يتم إحرازه في العملية الديمقراطية والانتقال السياسي»، مشيراً إلى أن «الحكومة السودانية حددت مجموعة أهداف لتحقيقها في المرحلة الانتقالية تتعلق بإصلاحات اقتصادية وسياسية». وتابع البيان بأن «المفتاح هو عملية سلام شاملة وتأسيس مجلس انتقالي تشريعي يضم النساء والشباب والمهمشين». وأضاف البيان بأن المؤتمر يقر «بالحاجة الملحة إلى دعم السودان في أزمته الاقتصادية الحادة»، مشيراً إلى ترحيب المشاركين بالإصلاحات التي أعلنت عنها الحكومة والذي نتج منها تعهدات مالية وصلت قيمتها إلى 1.8 مليار دولار أميركي، للحماية الاجتماعية والتنمية والمساعدات الإنسانية والصحية المتعلقة بوباء كورونا. وشدد البيان على أن المجتمعين اتفقوا على ضرورة أن ينفذ السودان إصلاحات اقتصادية واجتماعية من بين ما يتعلق بالشفافية والمحاسبة؛ بهدف تحرير المزيد من الأموال.
وكانت الولايات المتحدة على رأس الدول التي قدمت أكبر المساهمات المالية، بتعهدها بـ365 مليون دولار أميركي كمساعدات اقتصادية وإنسانية عن العام الحالي. كما تعهد ممثل واشنطن في المؤتمر، جون بارسا وهو مدير الوكالة الدولية للتنمية الأميركية، بمساعدة السودان في تحقيق «انتقال آمن نحو السلام»، مضيفاً أن الولايات المتحدة «ستواصل مساعدة السودان بتسوية المطالبات بشأن أنشطة إرهابية سابقة».
وصدرت عن فرنسا وإسبانيا دعوات لآخراج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وقال وزير الخارجية الفرنسي جا إيف لودريان إن «السودان يجب ألا يكون على هذه اللائحة. وعبر لودريان كذلك عن تأييده لاتخاذ «جميع التدابير التي ستؤول إلى تخفيف عبء الدين» عن السودان، متعهّداً بـ60 مليون يورو مساعدات فرنسية للسودان. وأبدى استعداد بلاد لاستضافة مؤتمر دولي آخر حول السودان في باريس، لمناقشة المزيد من المساعدات الاقتصادية والسياسية للخرطوم.
وكان الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر مانح مالي بعد الولايات المتحدة، إذ تعهد بـ312 مليون يورو مساعدات عن العام الحالي، فيما تعهدت ألمانيا لوحدها بـ150 مليور يورو إضافي. وأعلن وزير التنمية الاقتصادية الألماني غيرد مولر أن ألمانيا «ستزيد وتوسع» تعاونها الاقتصادي مع الخرطوم.
وأعلن المفوض الأوروبي لإدارة الأزمات، ممثل الاتحاد الأوروبي جانيز لينارزيتش، أن هناك الكثير من البرامج التي يجب دعمها في السودان. وقال: «يجب أن يكون هناك دعم متواصل لبرامج السودان لمواجهة (كورونا) والدعم الإنساني».
وأعلن «البنك الدولي» عن تخصيص مبلغ 400 مليون دولار للحكومة الانتقالية لتجويد العمل في رفع الفقر، وتخصيص مبلغ 1.75 مليار دولار من البنك لمشروعات السودان إلى عام 0232. كما أعلن «بنك التنمية الأفريقي» عن تخصيص (500) مليون دولار تدفع خلال ثلاث سنوات. وأعلن «الصندوق العربي للتنمية» عن تخصيص مليار دولار لمدة خمس سنوات.
وأعلنت إسبانيا إعفاء 74 مليون يورو من ديونها على السودان، وتبرعت فوق ذلك بمبلغ 3 ملايين يورو، وتعهدت السويد بـ20 مليون يورو. وأعلنت بولندا إعفاء ديونها على السودان البالغة 122 مليون دولار، وتبرعت بلجيكا بمبلغ 22 مليون يورو، وإيطاليا 19 مليون يورو، وقالت النرويج إنها ستقدم مساعدات للسودان عبر «البنك الدولي» بما يعادل 30 مليون دولار.
وكان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس افتتح المؤتمر، وقال إن على «المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولية الوقوف إلى جانب السودان وثورته السلمية» التي وصفها بأنها «منارة أمل لجميع الشعوب في العالم». وأضاف: «بفضل هذا المؤتمر نريد أن نفي بوعودنا، ونبين أننا معا مع السودان، نعمل مع المؤسسات الدولية لتخفيف عبء الدين عن السودان». ووصف ماس المؤتمر بأنه «بداية شراكة دائمة لمرافقة السودان طوال الفترة الانتالقية سياسياً أو مالياً».
وناشد جوزيف بوريل، مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، الجيش السوداني «دعم الفترة الانتقالية وحمايتها»، كما دعا قوى التغيير والحرية «للحفاظ على الوحدة والتماسك نحو الانتخابات بهدف إنشاء مجلس تأسيسي انتقالي وتعيين مجلس محافظين في الولايات».
وكان أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غرتيريش قد تحدث كذلك في افتتاح المؤتمر، ودعا «لحشد الدعم السياسية من قبل المجتمتع الدولي للسودان»، وقال: «المسألة لا تتوقف عند الكرم، ولكن من مصلحة الجميع أن يكون هناك سودان آمن».
وعبّر رئيس الحكومة السوداني عبد الله حمدوك عن تطلع بلاده «لشراكة مع المجتمع الدولي مبنية على المساءلة والشراكة المتبادلة». وأشار إلى أن السودان يمر «حاليا في مرحلة انتقالية، من الحرب والصراع والانهيار الاقتصادي إلى الازدهار ومن الديكتاتورية إلى الحكومة الديمقراطية ومن العزلة والتهميش إلى بقية الارتباط بالعالم». ولكنه تابع يتحدث عن مشكلات وتحديات كثيرة، وقال: «يجب التوفيق بين الاقتصاد والسياسة، وهذه ليست مسألة سهلة، كذلك يجب معالجة أزمة الديون والمضي قدماً بعملية السلام»، مضيفاً أن وباء كورونا أضاف إلى مشكلات السودان مشكلة إضافية.
وعبر حمدوك عن أمله أن تساعد هذه الشراكة على حل أزمة الديون التي يعاني منها السودان وتسعى لإعادة هيكلتها. وأيد أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط طلب السودان بمساعدته في إعادة جدولة ديونه، وقال إن «ديونه الخارجية تثقل كاهل اقتصاده».
وعرض وزير المالية السوداني إبراهيم البدوي للخطة الإصلاحية للحكومة، ولإنجازات الحكومة من ناحية الإصلاحات منذ تسلمها مهامها.
وسبق الاجتماع دعوات متكررة من المسؤولين الأوروبيين للسودان لكي «تغتنم» الفرصة المقدمة لها، وقال ماس وبوريل في مقال مشترك نشرته المفوضية الأوروبية في الخرطوم، إن السودان يتمتع «بفرصة العمر لتحقيق السلام والديمقراطية والتعافي الاقتصادي»، وأضافا أنه «في هذه الأزمة العالمية غير المسبوقة، يجب التمسك بلحظات الأمل». وأشارا إلى أن «سودان ديمقراطياً يبقى الضمان الأفضل لأمن طويل الأمن في البلاد وفي كل المنطقة».
وتعهد المسؤولان حتى قبل بداية المؤتمر، بأن تقدم الدول والمنظمات المشاركة «شراكة للسودان لدعم البلاد لغاية موعد الانتخابات عام 2022»، وأن تساعده كذلك على الحصول على إعفاءات لديونه من صندوق النقد الدولي، إضافة إلى «جمع أموال لمساعدة إطلاق برنامج اجتماعي يموله البنك الدولي والحكومة السودانية لمساعدة العائلات المحتاجة». ولكن ماس وبوريل اشترطا مقابل كل هذا الدعم، أن تلتزم الحكومة السودانية بتنفيذ إصلاحات اقتصادية «جريئة» وإصلاحات سياسية إضافة إلى الدفع بعملية المصالحة الوطنية إلى الأمام. وكذلك اشترط المسؤولان أن تشمل الإصلاحات «كل السودانيين بما في ذلك المناطق التي تشهد نزاعات مثل دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان».



اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
TT

اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)

لا تزال حياة اليمنيين محكومة بالضغوط المعيشية، وسط تحذيرات من موجة جديدة من الغلاء واستمرار الضغط على أسعار الغذاء والطاقة والشحن نتيجة الاضطرابات في المنطقة.

تزامن ذلك، مع تصنيف دولي للبلاد وضعها بين الأعلى عربياً في تكلفة المعيشة، مع بقاء مستويات الدخل والقوة الشرائية عند حدودها المتدنية، رغم الإشادات بالإصلاحات الاقتصادية.

التحذيرات صدرت من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) التي قالت إن تداعيات الاضطرابات الإقليمية لن تتوقف بانتهاء الأزمة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ومضيق هرمز تحديداً، وإن انعكاسات الأزمة على أسعار الغذاء وقطاع النقل ستستمر لفترة أطول؛ نتيجة الاضطرابات الواسعة التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية لأكثر من 100 يوم.

وحسب تقرير «أونكتاد»، فإن إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الملاحة البحرية قد يخففان الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، إلا أن آثار الاضطراب ستظل قائمة لفترة أطول، بما يهدد الاقتصادات الهشة، وفي مقدمتها اليمن، بمزيد من تقلبات أسعار الوقود والحبوب وارتفاع تكاليف النقل، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويزيد من معدلات الفقر وسوء التغذية.

جاءت هذه التحذيرات في وقت أظهر فيه تصنيف حديث لمنصة «نومبيو»، وهي أكبر قاعدة بيانات عالمية تعتمد على المستخدمين لمقارنة تكلفة المعيشة وجودة الحياة بين مدن ودول العالم، أن اليمن يحتل المرتبة الـ46 في مؤشر تكلفة المعيشة لعام 2026، والثانية عربياً.

وتعكس هذه النتيجة استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، دون أن يُقابل ذلك تحسن مماثل في مستويات الأجور والمداخيل أو القوة الشرائية؛ ما يجعل الأعباء المعيشية أكثر ثقلاً على السكان.

غلاء دائم

يعدّ التناقض في اليمن مفارقة لافتة، فالمؤشر يقيس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية مقارنة بمدينة نيويورك الأميركية بوصفها معياراً مرجعياً؛ إذ ارتفع مؤشر تكلفة المعيشة في اليمن هذا العام مقارنة بسابقه، عندما سجل 48.4 نقطة؛ ما يعكس زيادة في مستويات الأسعار خلال العام الحالي، رغم تراجعه في الترتيب العالمي.

رغم الإشادات الدولية بالإصلاحات الحكومية لا يزال اليمنيون يعانون ضيق المعيشة (أ.ف.ب)

ويقتصر المؤشر على قياس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية ويغطي أسعار المواد الغذائية والمطاعم ووسائل النقل والخدمات الأساسية، ولا يشمل الأجور أو جودة الخدمات أو القوة الشرائية، في حين تُحتسب إيجارات السكن ضمن مؤشر مستقل.

واشتكى سكان العاصمة اليمنية المؤقتة عدن من ارتفاعات جديدة في الأسعار، ورغم أنه اقتصر على سلع محدودة، فإنه أثار مخاوف من أن يكون مؤشراً على موجة غلاء جديدة مقبلة.

جانب من مخيم لنازحين يمنيين من الحديدة (غرب) إلى محافظة أبين (جنوب) (أ.ب)

ففي حين تشهد أسواق الأسماك زيادة في أسعار «الثمد» (سمك التونة)، وهو النوع الأكثر استخداماً في الأطباق الشعبية في عدن، ارتفعت أسعار بعض الأدوية الضرورية للأمراض المزمنة إلى جانب شحها في الصيدليات.

ويقول الصيادون وبائعو الأسماك إن تأثير الأحوال الجوية المتمثلة بقدوم رياح الشمال على حركة الصيد تسبب في تراجع كميات الأسماك التي يمكن اصطيادها ونقلها إلى الأسواق في ظل الطلب الدائم عليها؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعارها.

ورغم التوقعات أن يكون هذا الارتفاع مؤقتاً، فإن ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية ضاعف المخاوف في أوساط الأهالي.

إصلاحات مطلوبة

في ضوء هذه المعطيات، تشكو عائلات المرضى وكبار السن من زيادات جديدة في أسعار أدوية ارتفاع ضغط الدم والسكر. ويذكر عبد الكريم غانم، وهو مهندس، ويعاني السكر والضغط، لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر قبل أسبوعين إلى شراء أدوية بديلة للأدوية التي أوصاه الأطباء باستخدامها بسبب ارتفاع الأسعار، قبل أن يفاجأ بارتفاع أسعار الأدوية البديلة، مع اختفاء الأدوية الأخرى من الصيدليات بشكل واسع.

ومنذ قرابة شهرين، حملت مشاورات المادة الرابعة التي أجراها صندوق النقد الدولي مع الحكومة اليمنية للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، إشارات أكثر تفاؤلاً؛ إذ أشاد الصندوق بتحسن القدرات المؤسسية، وعدّ أن الاقتصاد بدأ يسجل تعافياً تدريجياً بعد سنوات من الركود، مع تراجع وتيرة الانكماش، واستمرار جهود الإصلاح المالي والنقدي.

غير أن الصندوق ربط هذا التعافي بجملة من الشروط، أبرزها مواصلة الإصلاحات المالية، وتحسين الحوكمة، واعتماد سياسات نقدية أكثر مرونة، إلى جانب استمرار الدعم الخارجي، محذراً في الوقت نفسه من أن التوترات الإقليمية والأزمة الإنسانية ما زالتا تمثلان أبرز المخاطر التي قد تعرقل أي تحسن اقتصادي خلال الفترة المقبلة.

طفلة يمنية نازحة تتناول قطعة خبز مع الشاي (أ.ب)

ويرى الباحث الاقتصادي اليمني فؤاد المقطري، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن التراجع المستمر في القدرة الشرائية لليمنيين يعود إلى توقف صادرات النفط التي كانت تمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، واتساع عجز الموازنة، وتراجع الاحتياطيات الخارجية، والانقسام النقدي بين عدن وصنعاء، فضلاً عن تمويل العجز بطباعة المزيد من العملة.

ويؤكد أن أي تعافٍ مستدام يتطلب استعادة مصادر الدخل الخارجي، وتوحيد السياسة النقدية، وتعزيز الاستقرار المالي، موضحاً أن التصدي لغلاء المعيشة لن يكون كافياً بزيادة الأجور فقط، بل وبضبط الأسواق، وتحفيز الإنتاج المحلي لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن السكان وزيادة إيرادات الدولة وتحسين سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية بالأداء الاقتصادي المتوائم مع القرار السياسي.


100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
TT

100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)

حصل اليمن على منحة جديدة بقيمة 100 مليون دولار من البنك الدولي لدعم جهود الحد من سوء التغذية وتعزيز سبل كسب العيش، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الأممية من اتساع رقعة الجوع وظهور بؤر جديدة للمجاعة، بالتزامن مع التراجع الحاد في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، الأمر الذي يفاقم أوضاع ملايين السكان الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء.

وتأتي المنحة في ظل مؤشرات مقلقة بشأن الأمن الغذائي، إذ أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن نحو 53 في المائة من سكان اليمن سيواجهون أزمة أو مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بينما يتحمل اليمن أعلى عبء عالمي للسكان المصنفين في المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)، وهي المرحلة التي يصبح فيها خطر الوفاة بسبب الجوع وسوء التغذية مرتفعاً بصورة كبيرة.

وأوضح البنك الدولي أن مجلس المديرين التنفيذيين وافق على المنحة المقدمة لليمن من المؤسسة الدولية للتنمية لتمويل مشروع «النقد مقابل التغذية وسبل كسب العيش»، الذي ستنفذه منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية.

اليمن يواجه تحديات غير مسبوقة وسط اتساع أزمة الجوع (إعلام محلي)

ويهدف المشروع إلى الحد من سوء التغذية وتعزيز قدرة الأسر الأكثر ضعفاً على مواجهة الظروف الاقتصادية، مع التركيز بصورة خاصة على الأمهات والأطفال دون سن الثانية، باعتبار الألف يوم الأولى من عمر الطفل المرحلة الأكثر أهمية في بناء صحته ونموه.

ووفق البنك الدولي، سيستفيد من المشروع نحو 1.8 مليون شخص في 15 محافظة يمنية تعد الأكثر تضرراً من سوء التغذية، على أن تمثل النساء ما لا يقل عن نصف المستفيدين، في إطار توجه يركز على حماية الفئات الأكثر هشاشة وتعزيز رأس المال البشري في البلاد.

مصادر تمويل صغيرة

لا يقتصر المشروع الدولي الجديد في اليمن على تقديم تحويلات نقدية، بل يشمل برامج لتعزيز سبل كسب العيش، من بينها إشراك نحو 55 ألف شخص في جمعيات الادخار والإقراض القروية، بما يتيح لهم الوصول إلى مصادر تمويل صغيرة تساعدهم على إنشاء أنشطة مدرة للدخل أو توسيع مشاريعهم القائمة، وتقليل اعتمادهم على المساعدات الإنسانية.

كما يتضمن المشروع مساعدة أكثر من 675 ألف يمني في الحصول على بطاقات الهوية الوطنية وشهادات الميلاد، بما يسهل وصولهم إلى الخدمات المالية والاجتماعية، ويعزز اندماجهم في الأنشطة الاقتصادية الرسمية.

مشروع دولي يستهدف 15 محافظة يمنية متضررة من سوء التغذية (إعلام محلي)

وفي جانب آخر، يستهدف المشروع الدولي الجديد في اليمن تنفيذ برنامج للعمل الرقمي متناهي الصغر يستفيد منه نحو ألفي شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، مع تخصيص نصف الفرص على الأقل للنساء. وسيحصل المشاركون على تدريب في المهارات الرقمية والعمل عبر المنصات الإلكترونية، إضافة إلى أجهزة لوحية وخدمات إنترنت، بما يمكنهم من تنفيذ أعمال رقمية لصالح جهات في الأسواق العالمية وتحقيق مصادر دخل جديدة.

وأكد المدير الإقليمي لمصر واليمن وجيبوتي في البنك الدولي ستيفان جيمبرت أن المشروع يجمع بين الاستجابة الإنسانية العاجلة والاستثمار في بناء القدرات الاقتصادية للمجتمعات المحلية، مشيراً إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم مرتكزات تعافي اليمن على المدى الطويل.

تحذيرات من تفاقم الجوع

تأتي المنحة الدولية لليمن في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تدهور الوضع الإنساني نتيجة الانخفاض غير المسبوق في التمويل الدولي. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت خلال الأشهر الماضية من أن تقليص المساعدات الإنسانية يهدد بظهور جيوب للمجاعة في عدد من المناطق، مع اضطرار وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها الغذائية والصحية بسبب نقص التمويل.

ويؤكد البنك الدولي أن اليمن ما زال يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، إذ يعاني أكثر من 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يعيش نحو 74 في المائة من السكان تحت خط الفقر، ويعاني نحو نصف الأطفال دون سن الخامسة من التقزم، وهو أحد أخطر مؤشرات سوء التغذية المزمن.

وأشار البنك إلى أن المشروع سيستمر حتى يونيو (حزيران) 2029، ضمن محفظة عمليات نشطة في اليمن تضم 12 مشروعاً بإجمالي تمويل يبلغ 2.4 مليار دولار، إضافة إلى تمويل من الصندوق الاستئماني متعدد المانحين للصمود والتعافي وإعادة الإعمار.

مأرب في واجهة الاحتياجات

في موازاة ذلك، جددت الحكومة اليمنية دعوتها للمجتمع الدولي إلى توفير دعم عاجل لتلبية احتياجات أكثر من 1.6 مليون شخص في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين داخلياً في البلاد، ويقدر عددهم بنحو 65 في المائة من إجمالي النازحين.

وأكدت الحكومة أن المحافظة تشهد مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار موجات النزوح وتراجع التمويل الإنساني، الأمر الذي يضع مئات الآلاف من الأسر أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، ويزيد من الحاجة إلى تدخلات عاجلة للحفاظ على الخدمات الأساسية وضمان استمرار برامج الغذاء والتغذية.

ويرى مراقبون أن المنحة الجديدة تمثل دفعة مهمة لدعم الفئات الأكثر ضعفاً، لكنها تبقى غير كافية لمعالجة اتساع الأزمة الإنسانية، في ظل استمرار النزاع وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع حجم التمويل الدولي مقارنة بالاحتياجات الفعلية، ما يجعل ملايين اليمنيين عرضة لمزيد من الجوع والفقر ما لم تتعزز الاستجابة الإنسانية خلال الفترة المقبلة.


الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
TT

الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)

لا يكاد الحديث الإسرائيلي عن ضرورة تأمين الحدود مع مصر يخبو حتى يطفو على السطح من جديد، مع مزاعم متكررة عن وجود عمليات تهريب، نفتها القاهرة مراراً، وسط توتر بالعلاقات، خصوصاً منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

أحدث هذه المزاعم جاءت على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال في مقابلة مع «القناة 14» العبرية المقربة منه، مساء الثلاثاء، إن إسرائيل بحاجة إلى حماية حدودها مع مصر، وإنه أجرى مناقشات مع الجانب المصري، وأخبرهم بما يتوقع القيام به.

وأضاف أن «جزءاً من ذلك يجري تنفيذه بالفعل، التزاماً بالاتفاقيات بين مصر وإسرائيل».

ويأتي حديث نتنياهو بعد تقرير إسرائيلي مطول، نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» قبل أيام، زعم أنه «منذ عام 2020، يطرأ ارتفاع مستمر في عمليات التهريب عبر الحدود المصرية والأردنية، وقد دخلت المسيّرات الصغيرة على الخط، وهو ما أسهم في رفع كمية الأسلحة المُهرَّبة ونوعيتها».

«خطاب دعائي»

مدير «الشؤون المعنوية» الأسبق بالجيش المصري والخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، يرى في تلك المزاعم «مجرد خطاب مستهلك ورسائل للداخل قبل الانتخابات المقبلة في إسرائيل».

وأضاف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نتنياهو يعيش حالة إخفاقات على جميع المستويات، سواء في غزة أو إيران أو لبنان، ويريد بهذه البروباغندا أن يدرك نفسه سياسياً قبل سقوطه انتخابياً».

وشدّد على أن مصر «تصون حدودها، وقادرة على فرض ذلك، وناجحة في ذلك على كل المستويات».

واستطرد قائلاً: «مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ولا تقبل بخرقها أو المساس بحدودها مهما كان»، مؤكداً أن المنطقة بحاجة إلى استقرار، وليس حملة شائعات، تهدد وتزيد من التوترات بالمنطقة.

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

ويلفت عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن حديث نتنياهو جاء مع قناة تُعَد من أبرز أذرعه الإعلامية التي تروج له انتخابياً.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نتنياهو «يحاول أن يضخم الدعاية، ولا يراعي أن حديثه يزيد التوتر مع مصر، ويخلق مزيداً من الأزمات».

وتابع: «رئيس الوزراء الإسرائيلي يبحث عن إنقاذ نفسه ومصالحه السياسية ووجوده السياسي عبر مزاعم لا أساس لها من الصحة».

«هروب من المأزق»

وبين الحين والآخر، يخرج الجيش الإسرائيلي ببيانات رسمية، يشير فيها إلى أنه «أسقط طائرة مُسيَّرة كانت تُهرّب أسلحة من الأراضي المصرية إلى إسرائيل». وحدث ذلك أكثر مرة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل قرار تحويل الحدود إلى «منطقة عسكرية مغلقة».

وأكدت «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر وقتها أن اتهامات إسرائيل «خطاب مستهلك»، وقالت إن مصر «سئمت هذه الادعاءات التي تُستخدم لإلقاء المسؤولية على أطراف خارجية كلّما واجهت الحكومة الإسرائيلية مأزقاً سياسياً أو عسكرياً».

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تحدث نتنياهو عن مخاوفه من حشد مصر قواتها العسكرية في سيناء، وردّت «الهيئة العامة للاستعلامات» بتأكيدها على أن انتشار القوات المسلحة «جاء بموجب تنسيق كامل مع أطراف معاهدة السلام». وأشارت الهيئة حينها إلى أن «القوات الموجودة في سيناء في الأصل تستهدف تأمين الحدود المصرية ضد كل المخاطر، بما فيها العمليات الإرهابية والتهريب».

نقطة مراقبة أمنية مصرية (رويترز)

وكانت صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية قد نقلت في أبريل (نيسان) 2025، عمن وصفته بأنه مسؤول أمني إسرائيلي رفيع المستوى، أن البنية التحتية العسكرية المصرية في سيناء تمثل «انتهاكاً كبيراً» للملحق الأمني في اتفاقية السلام، وأن المسألة تحظى بأولوية قصوى على طاولة وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس.

وفي فبراير (شباط) 2025، قال الجيش الإسرائيلي إنه أحبط محاولة لتهريب أسلحة عبر الحدود مع مصر. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن الجيش المصري في إفادة رسمية أنه «أحبط محاولة لتهريب المواد المخدرة جنوب منفذ العوجة على الحدود الشمالية الشرقية مع إسرائيل».

ويؤكد الدكتور أنور أن مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ودائماً تحافظ على الاستقرار، «لكن لا تسير وفق ما تريد إسرائيل».

وأضاف: «مصر صاحبة رؤية، وقادرة على فرض الأمن والاستقرار وحماية حدودها، وتدرك أن نتنياهو يريد مزيداً من الفوضى على الحدود؛ وهي لديها سيناريوهات مسبقة للتعامل مع أي تهديد وفق محددات أمنية وقانونية لا قبول بالخروج عنها».