تعيش الحكومة الفرنسية، رئيساً ووزراء، حالة من انعدام اليقين بالنسبة لمستقبل بقائهم في السلطة، عشية تغييرات مرتقبة ستعقب الدورة الثانية من الانتخابات المحلية التي ستجرى يوم الأحد القادم. واليوم، تتجه كافة الأنظار إلى قصر الإليزيه لرصد أي تحرك أو إشارة من شأنها الكشف عن نوايا الرئيس إيمانويل ماكرون الذي يعطيه الدستور حق تسمية الوزراء ورئيسهم، وبالتالي فإنه الآمر الناهي المتحكم برقاب وزرائه. ووفق المراقبين، فإنه من المتوقع أن تتم عملية التعديل الوزاري الذي لم تعرف بعد أبعاده قبل 14 يوليو (تموز)، موعد العيد الوطني الفرنسي والأرجح في الأسبوع الأول من الشهر القادم. وبأي حال، فإن ماكرون وعد في كلمته المتلفزة الأخيرة إلى الفرنسيين بأن يتحدث إليهم مجددا لإطلاعهم على «المسار الجديد» أو «خريطة الطريق» للعامين القادمين «والأخيرين» من ولايته الرئاسية علما بأنه أكد أكثر من مرة، منذ بدء تفشي وباء «كورونا» وما عانت منه فرنسا، أنه يريد «استنباط» خط جديد.
وهذه الانعطافة تتطلب «تجديد» الفريق الوزاري الحالي الذي سيكون الأخير قبل الاستحقاق الرئاسي في العام 2022. وليس سرا أن ماكرون يسعى، كمن سبقه من الرؤساء في الجمهورية الخامسة للفوز بعهدة جديدة على غرار ما فعله الرئيسان فرنسوا ميتران الاشتراكي وجاك شيراك اليميني. الأول بقي 14 عاما في الإليزيه، والثاني 12 عاما. أما نيكولا ساركوزي اليميني «2007 - 2012»، فقد أخفق في الفوز في مواجهة خصمه الاشتراكي فرنسوا هولاند. وما يميز الأخير أنه كان الوحيد الذي وجد نفسه، سياسيا، غير قادر على الترشح لانهيار شعبيته وللمنافسة التي واجهها من رئيس وزرائه مانويل فالس ومن وزيره السابق للاقتصاد إيمانويل ماكرون.
في الأيام الأخيرة، أكثر ماكرون من لقاءاته ومشاوراته للتحضير لمرحلة ما بعد «كوفيد - 19» ولمواجهة تبعاته الاقتصادية والاجتماعية. فقد التقى وفدا كبيرا من رؤساء بلديات البلاد ورؤساء المجموعات الممثلة في مجلسي الشيوخ واليوم يعاود المرة ولكن بخصوص البرلمان. كذلك ينوي استقبال آخر رئيسين للجمهورية «ساركوزي وهولاند» والتحادث بالهاتف مع الرئيس الأسبق فاليري جيسكار ديستان «1974 - 1981». ويوم الثلاثاء القادم، سوف يتسلم دراسات مشكلة من 150 مواطنا فرنسيا من كافة الفئات، اختيروا بالقرعة، ومقترحاتهم الـ149 من أجل التغيير البيئوي وتعديل حياة الفرنسيين.
لم يكن هذا الحراك ممكنا لو بقي وباء «كورونا» على حاله في فرنسا. فالحركة في البلاد عادت إلى حالة شبه طبيعية مع تراجع أعداد الوفيات والحالات الصعبة والأشخاص في المستشفيات. إلا أن ماكرون وعد بـ«استخلاص العبر» وتصحيح مسار الإصلاحات التي كان سائرا بها في القطاع الصحي، ما سيظهر مع التعديل الحكومي المنتظر. وثمة من يرى أن ماكرون يريد من التعجيل في الكشف عن التغييرات الحكومية وعن توجهاته الجديدة اجتماعيا واقتصاديا، قلب صفحة الانتخابات المحلية. فالنتائج المنتظرة منها لن تكون على قدر ما كان يأمله هو وحزبه «الجمهورية إلى الأمام»، لا بل إن الانتخابات وفرت للحزبين التقليديين «الحزب الاشتراكي» وحزب «الجمهوريين» اليميني اللذين يتمتعان بتجذر قديم محليا، بعكس الحزب الرئاسي، حديث العهد، الفرصة للعودة بقوة إلى واجهة الساحة السياسية. كذلك، فإن حزب «التجمع الوطني» الذي ترأسه مارين لوبان، منافسة ماكرون في العام 2017 والمرجح أن تكون منافسته أيضا في العام 2022. أن تكسب مزيدا من المدن والبلدات وتزيد من حضورها المحلي. وكان ماكرون يأمل بفوز مرشحي حزبه بعدد من المدن الكبرى، حيث حقق هو شخصيا أعلى أرقام في الانتخابت الرئاسية والتشريعية التي تبعتها وعلى رأسها العاصمة باريس. لكن هذا السيناريو لن يتحقق، بل إن «الجمهورية إلى الأمام» اضطر إلى التحالف مع اليمين كما حصل في مدينة ليون «ثاني المدن الفرنسية» أو بوردو وغيرهما لقطع الطريق على مرشحي حزب الخضر، الأمر الذي أثار تساؤلات حول انسجام السياسة الماكرونية التي تدعي، من جهة، سعيها الحثيث لتحقيق النقلة البيئوية ولكنها، من جهة ثانية، تحارب دعاة البيئة وتتحالف مع أقل الأحزاب بيئوية «اليمين».
المعضلة الأولى التي يتعين على ماكرون حلها تتناول مصير رئيس الحكومة إدوار فيليب. هل يستبقيه في منصبه أم يستبدله بواسطة شخصية أخرى تجسد «التغيير» و«الانطلاقة الجديدة» اللذين يسعى إليهما؟ ومشكلة الرئيس مزدوجة: فهو يفتقر إلى اسم يفرض نفسه تلقائيا للمهمة، كما أن فيليب شخصية تفرض الاحترام وتتمتع بشعبية تزيد على شعبية ماكرون، إضافة إلى أنه نجح في إدارة أزمة وباء «كورونا». ويتردد اسم وزير الخارجية جان إيف لودريان للحلول مكانه في حال قرر ماكرون تغيير رأس الحكومة. ولودريان هو الوزير الوحيد الذي احتل لخمس سنوات وزارة الدفاع في عهد الرئيس هولاند. وثمة اسم آخر مطروح اليوم، هو برونو لومير، وزير الاقتصاد الحالي. وبحسب مقربين من الإليزيه، فإن اسم رئيس الحكومة القادم يجب أن يعكس صورة التغيير المرتقب. وفي أي حال، أكد إدوار فيليب المرشح لرئاسة بلدية مدينة لوهافر «شمال غرب» أنه سيبقى في منصبه إذا أراد ماكرون ذلك. ونقل عنه النائب المقرب منه جيل لوبوابييه أنه «لن ينافس ماكرون» في 2022 علما بأن بعض اليمين يراه الشخصية الأمثل لذلك.
يريد ماكرون، بحسب ما تسرب من المحيطين به، إيجاد أربع أو خمس وزارات رئيسية موسعة «بيئة، اقتصاد، صحة، شؤون اجتماعية، تربية...» مع شخصيات قوية على رأسها. وثمة وزراء اليوم باتوا مقتنعين أنهم سيخرجون من الحكومة ومنهم وزراء الداخلية والعدل والثقافة والعمل والبيئة كما يريد «إدخال دم جديد» إلى الحكومة ربما عن طريق استدراج اسم أو اسمين من الفاعلين على المستوى المحلي من رؤساء بلديات أو مناطق. وفي أي حال، فإن «الخلطة» الوزارية تحتاج لكثير من المشاورات واحترام التوازنات وشخصيات فاعلة يمكن الاتكاء عليها لإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية والمالية والتحضير للاستحقاقات الانتخابية القادمة.
ماكرون يسعى إلى تشكيل حكومة جديدة تواجه تبعات «كورونا»
تساؤلات حول مصير رئيسها الحالي
الرئيس الفرنسي خلال اجتماع مع ممثلي النقابات في باريس أمس (إ.ب.أ)
ماكرون يسعى إلى تشكيل حكومة جديدة تواجه تبعات «كورونا»
الرئيس الفرنسي خلال اجتماع مع ممثلي النقابات في باريس أمس (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
