كافكا... كوابيس العزلة والصمت

رحل في الأربعين قبل 96 سنة بعد أن زلزل الأدب العالمي

مشهد من فيلم «كافكا» للمخرج الأميركي ستيفن سودربيرغ 1991
مشهد من فيلم «كافكا» للمخرج الأميركي ستيفن سودربيرغ 1991
TT

كافكا... كوابيس العزلة والصمت

مشهد من فيلم «كافكا» للمخرج الأميركي ستيفن سودربيرغ 1991
مشهد من فيلم «كافكا» للمخرج الأميركي ستيفن سودربيرغ 1991

في مثل هذا الشهر من عام 1924، رحل فرانز كافكا عن أربعين عاماً. لكن متى سمعت باسم كافكا لأول مرة؟ لا أعرف بالضبط. كل ما أعرفه هو أني عندما كنت معيداً في كلية الآداب بجامعة حلب عام 1975، وأحضر نفسي بكل لهفة للطيران إلى فرنسا لإتمام شهادة الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، كنت ألتقي أسبوعياً بوليد إخلاصي في مقهى الفندق السياحي، إذا لم تخني الذاكرة... كنا نتحلق حوله -نحن مجموعة الأدباء الشباب أو من يحضّرون أنفسهم لكي يصبحوا أدباء يوماً ما- وكان معه أحياناً أديب حلبي آخر معروف، هو جورج سالم. وقد فهمت أن هذا الروائي المرموق مختص بكافكا، أو يفهم عالمه جيداً أو يقتبسه في كتاباته أو معجب به في كل الأحوال. كان يبدو سوداوياً مثله، أو هكذا تخيلت. ولكني كنت دوماً أتحاشى كافكا هذا خوفاً من عقده الشخصية ودهاليزه السيكولوجية المرعبة. قلت بيني وبين نفسي: يا رجل، ألا تكفيك الكوابيس الشخصية والعائلية والسورية حتى تذهب إلى براغ وتستورد كوابيس جديدة؟ ألا تكفيك الكوابيس العربية؟ حياتك كلها كوابيس. والآن، ما كان ناقصنا إلا كابوس كورونا: الطامة الكبرى! ابحث عن كتاب متفائلين يدخلون الفرح والبهجة إلى روحك المحطمة وطفولاتك المدمرة.
ولكن من هو كافكا هذا يا ترى؟
باختصار شديد: لقد ولد في مدينة براغ، عام 1883، وفيها مات بمرض السل عام 1924، وهذا يعني أنه لم يعش أكثر من أربعين عاماً. تصوروا الوضع: أربعين عاماً فقط، ومع ذلك فقد زلزل الآداب العالمية!
ويبدو أنه كتب أعماله الكبرى في جو من الوحدة والصمت المطبق بين عامي 1912 و1924؛ أي خلال اثني عشر عاماً فقط. ولم يكن هدفه أن يصبح مشهوراً، أو ينال الجوائز والتشريفات، كان يريد فقط أن يعبر عما يعتمل في نفسه من هموم ومشكلات نفسية عصابية تؤرقه. كان يريد أن يعبر عن شيء واحد فقط: عدم قدرته على التأقلم مع الحياة. ولأنه غير قادر على الانغماس في الحياة كبقية البشر، فإنه أصبح كاتباً من الطراز الأول. لاحظوا المعضلة المحيرة هنا: إما أن تربح الحياة وتخسر الأدب، وإما أن تربح الأدب وتخسر الحياة؛ ليس كل الناس فيكتور هيغو الذي ربح الحياة والأدب في آن معاً!
والواقع أن الشيء الوحيد الذي كان يهمه في الحياة هو الأدب فقط الذي انشغل به إلى حد الهوس، وكان يقول: كل ما ليس أدباً يضجرني، بما في ذلك الحديث عن الأدب نفسه. كان يسقط على الأدب كل هلوساته وقلقه وجنونه ومخاوفه ورعبه.
وبالتالي، فالأدب كان عبارة عن علاج نفسي لشخصية كافكا، كان بمثابة التحليل النفسي الذي يشفيه من مرضه وأوجاعه، ولذلك كان يسقط على شخصياته الروائية كل مخاوفه وعذاباته الداخلية وعقده النفسية لكي يتخفف منها، ويرتاح ولو قليلاً. ولو لم يصبح كاتباً كبيراً لربما جُن أو انتحر، وبالتالي فالكتابة العبقرية أنقذته من الانهيار، أو عصمته من الانتحار.
لقد رفع كافكا الأدب إلى مستوى الدين المطلق، إذ أصبح ديدنه ومعبوده. وكان بذلك وريثاً لكبار الكتاب في القرن التاسع عشر، من أمثال بلزاك وجيرار دونيرفال وبروست وستندال ودوستويفسكي ونيتشه، وبقية العُصابيين الكبار.
ولكن هناك نقطة أخرى أساسية، بل وحاسمة، لا ينبغي إهمالها أبداً: فهؤلاء في معظمهم تعلقوا بالأدب بعد أن فقدوا إيمانهم بالمسيحية، دين آبائهم وأجدادهم؛ لقد أصبح الأدب دينهم وعزاءهم، بعد أن تراجع الدين في أوروبا وانحسر نتيجة صعود الحداثة والفلسفة الوضعية، وانتصار العصر الصناعي التكنولوجي.
وبالتالي، فالفراغ الذي خلفه انحسار الدين ملأه الأدب، بشعره ونثره. ولكن هل يستطيع الأدب مهما كان عالياً أن يؤمن لك تلك السكينة الرائعة والطمأنينة المطلقة التي يؤمنها الدين العظيم؟ سؤال مطروح على الحداثة الغربية وبإلحاح هذه الأيام، بعد أن غرقت أكثر من اللزوم في الشهوات والماديات والشذوذات... يضاف إلى ذلك أن كافكا كان يحتقر نفسه، ويزهد بها إلى أقصى الحدود. وكان يعاني من عقدة نفسية مزمنة، وهذا ما نكتشفه من قراءة مذكراته اليومية ومراسلاته الضخمة مع تلك الفتاة التي خطبها مرتين دون أن يتزوجها، وكانت تُدعى فيليسي باوير! فقد شرح لها القلق المرعب الذي يجتاحه من الداخل ولا يتركه يرتاح لحظة واحدة. وبالتالي، فإنه يخشى أن يقضي على حياتها وسعادتها إذا ما ارتبطت به. والغريب العجيب أن هذا ما حصل لكيركيغارد من قبله؛ كلاهما ترك حبيبته ليس كرهاً لها، وإنما خوفاً عليها!
هذا وقد ألقى كافكا بمسؤولية عقدته النفسية المزمنة على التربية الخاطئة التي تلقاها في مرحلة الطفولة الأولى، وعلى تلك العلاقة الصدامية العنيفة التي كان يتعاطاها مع والده. ومعلوم أنه كان يهابه ويخشاه؛ كان كابوسه الأول. وقد عد ذلك سبب مرضه النفسي العميق الذي لا يستطيع منه فكاكاً. ولذلك كان يكرهه كره النجوس. من يستطيع أن ينجو من طفولته؟ من يستطيع أن ينتصر على طفولته؟
وبالتالي، فكافكا كان يعاني من صراع داخلي متواصل مزمن، ولم يكن متصالحاً مع نفسه على الإطلاق. هذه نقطة أساسية لا ينبغي أن ننساها أبداً. وهذا هو السبب الذي دفعه إلى الغطس في الكتابة حتى أصبح أحد كبار الكتَّاب على مرّ العصور. ومن صفاته النفسية الثابتة أنه كان عدو نفسه الأول، وكان يجلد نفسه ويعذبها، ويتلذذ بذاك العذاب!
يُضاف إلى ذلك أنه كان في حالة صدام مع المجتمع السائد في عصره، وفي مدينة براغ تحديداً. والواقع أن كل شيء في حياة كافكا يحيلنا إلى هذه المدينة التي يدعوها التشيكيون بـ«الأم الصغيرة»، ولكنها كانت بالنسبة لصاحب رواية «المحاكمة» امرأة شرسة لا ترحم، وليست أماً حنوناً على الإطلاق.
كانت براغ في زمن كافكا عاصمة بوهيمية ومقراً للبلاط الملكي. وكانت مدينة صغيرة كوسموبوليتية من جهة، وإقليمية محلية من جهة أخرى. كانت تسكنها أقلية ألمانية تنتمي عموماً إلى البيروقراطية العليا الحاكمة، ولا تربطها بألمانيا إلا اللغة. أما الأغلبية فكانت مؤلفة من الشعب التشيكي العامل الكادح الصابر. هذا بالإضافة إلى اليهود الخارجين لتوِّهم من الغيتو القديم الذي يعود إلى القرون الوسطى، وإليهم ينتمي كافكا من حيث الولادة. وقد كانوا يمارسون عموماً المهن التجارية والليبرالية، ولكنهم كانوا يتعرضون للتمييز الطائفي والعنصري أحياناً من قبل الأغلبية المسيحية الأوروبية الشقراء عموماً.
هذه هي الفئات الثلاث التي كانت تسكن براغ في بدايات القرن العشرين. وكانت تفصل بينها حدود اللغة والعادات والتقاليد والمكانة الاجتماعية. وكان الألمان يحتلون قمة الهرم الاجتماعي في المدينة، والتشيكيون أسفل الهرم، واليهود في الوسط.
وعندما ينتقل كافكا من حي إلى آخر في المدينة، كان يشعر وكأنه انتقل من عالم إلى آخر! فكل فئة كانت مغلقة على نفسها معزولة عن الفئات الأخرى تماماً، كما هو عليه الحال في مشرقنا العربي: هذا حي للعرب، وهذا حي للأكراد أو للأرمن أو للسريان أو للشيعة أو للسنة... إلخ. وهذا الاحتقار المتبادل، أو العداء المستحكم بين مختلف الفئات، كان يشعر كافكا بالخوف والقلق. وفي بعض الأحيان، كان يشعر بأنه يعيش في منفى، لا في وطن. فالآخرون ينظرون إليه شزراً، وربما يعتدون عليه أو يضربونه، إذا ما خاطر بنفسه ودخل حارتهم مثلاً.
لقد ضغط هذا الوضع الاجتماعي المزعج بكل ثقله على حياة الكاتب الكبير، وجعله يشعر بالتمزق بين عدة انتماءات طائفية وعدة لغات. صحيح أنه كان يكتب بالألمانية، ولكن لغة اليديش اليهودية كانت تحاصره أيضاً، وكذلك لغة البوهيميين التشيك. وبالتالي، لم يكن يشعر بأنه يمتلك لغة وطنية أو قومية خاصة به؛ كان ضائعاً بين اللغات والديانات والانتماءات والحارات.
والواقع أن الصعوبات الداخلية والخارجية دمّرت حياة كافكا، وجعلته يعيش حالة مستمرة من الحرب الداخلية. لا ريب في أنه كان يشعر في شبابه الأول بالانتماء إلى الألمان، لغة وثقافة وتاريخاً، وكان مشبعاً بقراءة غوته وكبار الكلاسيكيين الألمان. وبالتالي، كان يطمح إلى تقديم عطائه الخاص عبر الأدب الألماني الكبير، ولكن صعوبات الحياة اليومية كانت تعترض طريقه، وتمنعه من تحقيق طموحاته. فوظيفته التي كان يكرهها جداً كانت تأكل معظم وقته، ولا تترك له إلا النذر اليسير من الوقت للأدب.
ولذا، كان مضطراً لممارسة الكتابة ليلاً، أي بعد عودته من الوظيفة. وهذا ما أدى إلى تدمير صحته، وإصابته بمرض السل. ولكن الصراع تفاقم كثيراً عام 1912، وتحول إلى خيار وجودي، فقد التقى آنذاك بالفتاة التي أحبها وخطبها مرتين، ثم تخلى عن فكرة الزواج في آخر لحظة، كما ذكرنا. والواقع أنه وجد نفسه أمام خيار صعب جداً: فإما أن يتزوج ويشكل عائلة وينجب الأطفال ويتخلى عن الأدب، وإما أن يدوس على قلبه وعواطفه وحبه ويكرس ذاته كلياً للأدب.
وفي نهاية المطاف، اختار الحل الثاني. وقد كلفه ذلك غالياً من الناحية العاطفية والإنسانية؛ لقد دمره هذا الصراع الداخلي لأنه تخلى عن المرأة التي عشقها عشقاً جنونياً، مفضلاً عليها الكتابة الروائية والأدب. لقد شعر بالذنب إذ حسم خياره في هذا الاتجاه. ولكن هل كان بإمكان شخص مثل كافكا أن يعيش بشكل طبيعي كجميع البشر؟ هل يمكن أن تتخيل نيتشه وهو يكرج العربة وفيها الطفل إلى جانب المدام؟ عيب، شيء مخجل، من رابع المستحيلات.



الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley
TT

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل.

لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم يأتِ بعدُ، بل كان دائماً مساحةً اختباريّةً للأفكار، ومُختبراً أخلاقيّاً تُقاسُ فيه عواقبُ الحاضر ومفاعيلُهُ المُتوقّعة. (الرواية الاستباقية) تحتلُّ موقعاً خاصّاً داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّةٌ مميّزة: هي لا تكتبُ المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحرّ بل بدافع القلق الواعي.

إنها روايةٌ تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشلُّ قدرات الإنسان وعقله عن الفعل؛ بل هو الخوفُ الذي يستحثُّ دافعيّة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض.

الرواية الاستباقية لا تعلنُ الهزيمة من الواقع بل تلاحقُهُ إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سؤال يعبثُ براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُهُ اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هذا المصير الذي تتوقّعه الإحصائيات ودراساتُ معاهد الفكر ومراكزُ التفكير الاستراتيجيّ؟

ما قدّمتُهُ أعلاه هو وصفٌ للرواية الاستباقيّة، وهو لا يُغني عن تقديم تعريف تقني لها. تُعرَّفُ الرواية الاستباقية بأنّها شكلٌ سرديٌّ يتناول المستقبل القريب أو المتوسّط، لا بوصفه تنبؤاً غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسارات قائمة في الحاضر. ليس من شأن هذه الرواية أو اهتماماتها الإبداعيّة أن تخترع عالماً كاملاً من مادّة الخيال الخالص، بل تعملُ على تصوّر شكل المستقبل عبر تضخيم عناصر واقعيّة قائمة، منها على سبيل المثال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، السوق، الإعلام، الخوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاستباقيّةُ خيالاً علميّاً بالضرورة وإن وظّفت بعض أدواته. لو شئنا الاختصار سنقول إنّها أدبٌ تحليليٌّ نقديٌّ ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة في معظم الحالات، وتتّخذُ من السرد وسيلةً بديلةً عن الأطروحات الأكاديميّة، ومن المستقبل فضاءً روائيّاً لزمن مشخّص دون الماضي والحاضر.

ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلفُ الرواية الاستباقية عن كثير من أدب المستقبل (Literature of Future) في كيفية توظيف الخيال. الخيالُ في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلةٌ فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّمُ عزاءً، ولا بطلاً منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضعُ القارئ أمام بُنْية كاملةٍ من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شرّ فردي الطابع بل حصيلةُ نظامٍ، واعتياد، وقبولٍ طوعيّ طويل الأمد.

لا بدّ أيضاً من التمييز الواضح بين الرواية الاستباقيّة ورواية التاريخ البديل (Alternate History Novel). رواية التاريخ البديل تعيدُ فتح ملفّات الماضي، وتتناولهُ بوسائلها السرديّة؛ منطلقةً من سؤال افتراضي:

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟ وهي بذلك تعيد تخيّل التاريخ عبر نقطة انعطاف محددة، غالباً بهدف الملاعبة السرديّة المحضة أو مساءلة فكرة الحتّمية التاريخية (سعياً لتفنيد هذه الفكرة ودحضها). الرواية الاستباقية، وعلى العكس من رواية التاريخ البديل، تنطلق في خطّ الشروع من الحاضر، وسؤالُها المركزيُّ ليس: ماذا لو تغيّر الماضي عند واقعة مفصليّة فيه؟ بل: ماذا لو لم يتغيّر الحاضر ومضى في مساراته الحاليّة؟ الرواية الاستباقيّةُ هي روايةُ الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الكارثةُ من حدث استثنائي بل من الاعتياد، والتطبيع مع الفكر الكارثي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج القارئ لأنّها لا تقصد طمأنته أبداً. يمكنُ إضافةُ ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الشائعة منها، هي رواية ديستوبية وكارثيّة. دعونا نسمِّها رواية التحذير من الديستوبيا الكارثيّة.

*****

من المناسب هنا تقديمُ نماذج كلاسيكية من الرواية الاستباقيّة. المثيرُ والغريبُ معاً أنّ كثرةً من الروايات التي شاعت في الأدب العالمي هي روايات استباقيّة معياريّة. رواية «1984» إحدى هذه الروايات. لم يكتب أورويل عن مستقبل بعيد بل حلّل آليّات الشمولية الحديثة: السيطرة على اللغة، وإعادة كتابة الحقيقة، وتحويل المراقبة إلى أسلوب حياة. الأخ الأكبر في الرواية ليس فرداً بل بنية سلطةٍ شاملةٍ تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى الجسد. «عالم جديد شجاع» نموذجٌ ثانٍ. في مقابل القمع الشموليّ الذي يكتب عنه أورويل، يقدّمُ ألدوس هكسلي عالماً قائماً على اللذّة المُنَظّمة. السيطرةُ هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّهُ لم يَعُدْ قادراً على تحمّل قلق خياراتها الكثيرة. «حكاية الخادمة» نموذجٌ ثالث. رواية استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتوود تركيب أشكال قمع تاريخية حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَةً أنّ الاستبداد لا يولَدُ من فراغ بل يُعادُ إنتاجُهُ حين تتغيّرُ اللغة وتُبرَّرُ السيطرة باسم الأخلاق أو المسعى الخلاصي. «فهرنهايت 451» نموذجٌ رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب فحسب بل عن مجتمعٍ يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثةُ فضيلة، ويغدو التفكّرُ العميق تهديداً للاستقرار. «نحن»، روايةُ يفغيني زامياتين نموذجٌ خامس. تعدُّ هذه الروايةُ إحدى الروايات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحولُ فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية.

لو شئتُ اختيار رواية استباقيّة نموذجية في القرن الحادي والعشرين فسأختارُ رواية «الطوفان»، Deluge، المنشورة عام 2023، ومؤلّفها هو الروائيّ - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي Stephen Markley. تمثل رواية «الطوفان» ذروة معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امتداداً مباشراً للَّحظة الراهنة. تتابعُ الرواية مصائر شخصيات متعددة على شاكلة نشطاء بيئيين، وعلماء، وسياسيين، ورجال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّاً تحت وطأة التغيّر المناخي؛ غير أنّ الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بل كعملية بطيئة مؤلمة. تكشف الرواية عن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَمُ حالةُ الطوارئ لتبرير أنماط جديدة من السيطرة. إنّها رواية لا تحذّرُ من الديكتاتور الفرد بل من نظام كاملٍ يتغذّى على الخطر ويطيلُ تأثيره لدى الناس.

*****

لا تعمل الرواية الاستباقية على مستوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تختصُّ بإعادة تشكيل الوعي الجمعي. هي لا تخاطبُ القارئ بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه جزءاً من هيكل مؤسّساتي: دولة، سوق، ثقافة، أو شبكة تقنية. هي تقول للقارئ من غير تصريح مكشوف: أنت لست بريئاً بالكامل من الكارثة المقبلة. أنت تسرّعُ في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام.

يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب مقاومة (Resistance Literature). تنبعُ خاصيّة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّزُ جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّمُ حلولاً جاهزة بقدر ما تنشغلُ بتعرية المسارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم.

فتحت النماذج الروائيّة الاستباقيّة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشدّ الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُدْ بعيداً كما يُزيّنُ لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأنّ الكارثة لم تَعُدْ استثناءً. إنها لا تنفكُّ تذكّرُنا بأنّ التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت.

حين يتقدّم السردُ على التاريخ في الرواية الاستباقيّة فهو لا يفعل ذلك بدافع الرغبة في التفوّق بل بدافع الإنذار الخطير: قد يكونُ هناك وقتٌ؛ لكنْ لا تتوهّموا أبداً. ليس وقتاً طويلاً. الاسترخاءُ والكسل والاعتياد ليست خيارات مناسبة، ونحنُ إزاء مستقبلٍ يحملُ نُذُرَ الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلاً على المواجهة. يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب المقاومة... إنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً

إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة


«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا
TT

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقدٌ ثقافي على تخوم مضطربة» لحسام الدين محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّه عنوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه.

يصعب علينا أن نتناول هذا العنوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت: 449 هـ)، لأننا أمام إحالة تراثية بيّنة يستند العنوان إليها بجلاء ويستثمر فيها بذكاء. وكتاب «رسالة الغفران» عملٌ نثريٌّ فريد في التراث العربي، يجمع بين السرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جواباً على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلى عوالم الجنة والنار كاشفاً عن وعيٍ مبكِّر بدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه.

يستدعي المعري في هذه الرحلة عدداً لا بأس به من الشعراء كشعراء المعلقات ولبيد والأعشى، واللغويين كالفراهيدي والأصمعي، والنحاة كسيبويه والكسائي، والمتكلّمين كأبي الهذيل العلاف وأبي الحسين البصري، وسواهم من شخصيات مختلفة من آل البيت أو الصحابة أو الخلفاء أو رجال السلطة، ومن خلال ما يورده من أخبار ومناقشات يمتحن عدالة الأحكام البشرية، ويتأمل في القيم الأخلاقية، وسلطة اللغة في إنتاج المعنى متوسّلاً المفارقات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شبه المكتوم، ليقول ما لا يُقال وهو يفضح هشاشة الفهم البشري من غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني.

في «رسالة اللا غفران» نحن أمام رحلة أيضاً، لكنّها غير متخيلة ولا ساخرة ولا متهكمة. رحلة في عوالم شخصيات متنوعة تراثية ومعاصرة: شعراء وأدباء وفلاسفة ومفكرين عرباً وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يمور الكتاب بالمقاربات اللّماحة والمقارنات المحفزة: المتنبي وابن هانئ الأندلسي، فراس السواح وفاطمة المرنيسي، المسيح وغيفارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، محمود درويش وسليم بركات، جمال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم.

يشير عنوان «رسالة اللا غفران» إلى أننا أمام مساءلة أخلاقية لا تصالحية، ترفض التسويات الرمزية، وتعارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحدّ الذي ينقلب فيه الغفران من فضيلة إلى رخاوة وتساهل، وهذا يتناغم تماماً مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والتدليس الفكري، والانحراف القيمي، وهي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل.

فلا غفران لأدونيس وهو يؤلّه نفسه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طائفة معينة بدعوى أنّ فكرها فكر اتِّباع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيضاً للتفكيك والنقد والمساءلة بدعوى أن فكرها فكر إبداع. ولا تهاون مع الكاتبين بو علي ياسين ونبيل سليمان في أطروحتهما الأدب والآيديولوجيا التي استخدما فيها النظرية الماركسية الناجزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صغار مضللين، أو أدباء تقدميين. وفي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «التخلف»، ويقتصر نقدهما لقائدي النكسة صلاح جديد وحافظ الأسد على قصورهما وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي.

في «رسالة اللا غفران» نقرأ عن الماغوط، وكيف قبل رئاسة تحرير «مجلة الشرطة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عليه، فكثير من حسنات جرأته وشجاعته وتصديه للسلطة الأسدية واضحة، وكثير من سيئاته وأذيته وأخطائه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي يهوي من عبقرية الرسم إلى قاع شتّامي «الفيس بوك» ممن قرّر أن يتبارى معهم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية.

يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حديث الشارع السوري عن العدالة الانتقالية ليقول بأنّ الغفران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بل قد يكون أداة لإغلاق الملفات، أو تقنية لمحو الذاكرة، أو لغة لتبييض الجرائم، أو شرطاً للاستقرار الزائف، وعليه، فإن «رسالة اللا غفران» تعني: رفض تحويل الثقافة إلى محكمة تصالحية بلا عدالة، وهذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية.

أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مضطربة»، فيطرح النقد الثقافي بوصفه تجاوزاً للنقد الأدبي التقليدي حين بدا هذا الأخير عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تعمل في عمق الخطاب. فالنقد الثقافي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو القيمة الفنية وحدها، بل من الأسئلة الكبرى: من يتكلم؟ باسم من؟ ولصالح أي سلطة؟ وكيف تُنتج المعاني وتُشرعن؟ وهنا يأتي النقد الثقافي ليقدم قراءةً تفكيكيةً للخطابات، فتتعامل مع النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها بما هي نصوص ثقافية تخضع لمنطق التمثيل والهيمنة، فالنص، في هذا المنظور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة.

الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هل النص جميل؟ بل يسأل: ما الذي يمرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الثقافي أنه يفضح تواطؤ الأدب أحياناً مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب.

يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «النص»، فالحدث السياسي، أو الخطاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حول شاعر أو روائي يتحوّل عنده إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية التي تنتج الحدث وتمنحه شرعيته ودلالته، فحين يكتب عن الصراع السوري، أو عن التاريخ الإسلامي المبكر، أو عن الإبادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فقط، بل بوصفها خطابات محمّلة بتمثيلات وقيم وأساطير، وبهذا المعنى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك النسق الثقافي الذي سمح بصعوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية علاوة على كونها «شذوذاً سياسياً» عرضاً ثقافياً لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الذي امتاز بلغة تحليلية واعية بوظيفتها، قليلة الزخرفة، حذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مع النقد الثقافي الذي يرى اللغة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان.

في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مرات دلالياً: قبل قراءة الكتاب على سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بل أمام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أنّ عنوان كتاب حسام الدين محمد «رسالة اللا غفران» هو امتداد لروح «رسالة الغفران» النقدية، ولكن دون توسّل التهكم الغائم أو الخفي، وكأنّ الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد.

* كاتب سوري


رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
TT

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

مثّل الدكتور أحمد عبد الملك، نموذجاً للإعلامي والمثقف والكاتب الذي لا يكل ولا يمل، فقد سخّر حياته كلها للعمل الإعلامي والإذاعي ومعها اشتغل بكتابة الأعمال السردية، من القصة والرواية والمسرح، التي ملأت فضاء الخليج إبداعاً، وعبرت عن الروح القطرية والخليجية، كما عبّرت عن هموم الناس وتطلعاتهم... وكان صوته تعبيراً صادقاً عن ضمير المثقف.

وقد نعته وزارة الثقافة القطرية وقالت إنها «تنعى ببالغ الحزن والأسى وفاة أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في دولة قطر الدكتور أحمد عبد الملك الحمادي».

كما نعاه الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري، وزير الثقافة القطري الأسبق، (وزير دولة حالياً)، معتبراً أن الراحل الدكتور أحمد عبد الملك، كان «أحد أعلام الأدب الذين لم يخفت بريقهم، وصوتاً ثقافياً ظلّ حاضراً في الوجدان القطري والخليجي والعربي».

وتحدث عن تعيينه مديراً للدائرة الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، «فكان خير من يمثل بلده، عمل بإخلاص وتفانٍ واقتدار»، ثم عاد ليعمل في وزارة الثقافة القطرية، «فاشتغلنا معاً في هذه المجالات الحيوية بنشاطٍ لا ينقطع وهمّة لا تفتر».

وقال إن عبد الملك «كان إلى جانب حضوره الإعلامي، مسؤولاً ومثقفاً ملتزماً، وإعلامياً بارزاً، ومقدّم برامج، ومشاركاً دائماً في الحوارات الفكرية والثقافية، وناقداً أدبياً وروائياً مميزاً، ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع. حظي بقرّاء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي، وكان قلمه جسراً للحوار والتنوير، وصوته معبّراً عن وعي المثقف ومسؤوليته».

كما نعاه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، (الذي كان مقيماً في قطر)، واصفاً الأديب الراحل بأنه «كان غزير المشاعر، طيب السريرة، وافر الكرم (...) وكان أديباً واسع المعرفة، وإعلامياً حقيقياً. ترك أثراً ثقافياً كبيراً في بلده، (...) بذل جهده في رفع اسم قطر».

د. أحمد عبد الملك

سيرة إبداعية

الدكتور احمد عبد الملك (مواليد 1951)، حصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك - بافلو - بالولايات المتحدة سنة 1983، ثم حصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1989.

في عام 1972 بدأ العمل رسمياً مذيعاً في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم شغل منصب رئيس قسم الأخبار عام 1976. وشغل منصب رئيس تحرير جريدتين قطريتين. كما عمل مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999، وعمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام بجامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014.

للدكتور أحمد عبد الملك عدد من التجارب الروائية، من بينها: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011)، و«الموتى يرفضون القبور» (2016)، و«شو» 2016، و«غصن أعوج» 2017، ومن مؤلفاته الأدبية، في النثر الفني: «رسائل إلى امرأة تحترق» 1982، و«مهاجر إلى عينيك» 1992، و«شيء من الهمس» 1993، و«امرأة الفصول السريعة» 2002، و«مدينة القبور» 2007. وفي القصة القصيرة له: «الغرفة 405» 1997، و«أوراق نسائية» (جزآن) 2001–2002، و«وشوشات الروح» 2012، و«نوافذ على شرفة الروح» 2014. وفي المسرح: «المعري يعود بصيراً» 2005.

كما كتب عدداً من الدراسات في مجال الإعلام من بينها: «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، 1983، و«الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، و«أغسطس الرعب»، (توثيق غزو الكويت) 1991، و«فضائيات» 2000، و«قضايا إعلامية» 1999، و«دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، و«اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية» 2003، و«إعلاميون من طراز جديد» 2003، و«كيف تكون مذيعاً ناجحاً؟» 2004.

كما كتب في النقد الأدبي عدة كتابات بينها دراسته «الرواية القطرية... قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015، وترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عاماً منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.

وحازت روايته «ميهود والجنية» على جائرة «كتارا» للرواية العربية.