تجاوزت مآخذي على ميشال عون وعيّنته رئيساً للحكومة العسكرية

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (2)‬

الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
TT

تجاوزت مآخذي على ميشال عون وعيّنته رئيساً للحكومة العسكرية

الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)

في الحلقة الثانية من مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، التي تنشرها «الشرق الأوسط»، يروي قصة اليوم الأخير من ولايته التي يصفها بـ«الولاية الشاقة» في 22 سبتمبر (أيلول) 1988، ويتحدث عن الصعوبات التي واجهها لتشكيل حكومة انتقالية تكون مهمتها التحضير لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، بعدما عجز المجلس النيابي عن ذلك. ويقول الجميل إنه عندما وجد أن خيار المجلس العسكري برئاسة قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون، هو الخيار الأفضل، وحصل على موافقة جميع أعضائه الستة، فوجئ بالإعلام السوري يعلن استقالة الضباط المسلمين الثلاثة قبل أن يعلموا هم بذلك. وهنا نص الحلقة الثانية.

بعد ليلة مضطربة، بزغ أخيراً فجر 22 أيلول 1988، اليوم الأخير في الولاية الشاقة. تناولت فطوري وحدي، منزوياً في مكتبي يتملّكني شعور بقلق تشوبه المرارة. فيما عكفتُ على آخر عمل دستوري لي، هو تشكيل حكومة انتقالية، كان حسين الحسيني يسعى بقوة إلى جمع البرلمان لانتخاب مخايل ضاهر في ساحة النجمة. بدا من المستبعد أن يؤمّن النصاب المطلوب. عند الثانية عشرة ظهراً، قُضي الأمر: عشرة نواب فقط كانوا حاضرين في القاعة، فأُرجئت الجلسة إلى الساعة العاشرة والنصف من قبل ظهر اليوم التالي.
كان سليم الحص قد أبلغني عودته عن استقالة حكومة ليس هو رئيسها الأصيل، بل وكالة بعد اغتيال الرئيس المستقيل رشيد كرامي. انتحل الصفة رسمياً خلافاً لأحكام الدستور، الأمر الذي لم يكن في وسعي القبول به. لذا، كان عليّ أن أشكّل حكومة جديدة بحسب ما يقتضيه الدستور، وكما درجت التقاليد اللبنانية.
لرئاسة الحكومة الانتقالية، فكّرتُ في الرئيس شارل حلو في مسودّة افتراضية كنتُ أعددتها تحوّطاً لهذا اليوم، في مواجهة الشغور المحتمل، بغية إدارته. مهّدتُ لهذا الخيار بمفاتحته، والدوافع التي تحدوني على طرح اسمه، ورهاني على أنه وحده القادر على إمرار المرحلة الانتقالية إلى حين انتخاب خلف لي متى وصلنا إلى الحائط المسدود، فوافق. رجل حكيم معتدل، يعي في عمق دقّة المعادلة الوطنية وحساسيتها، ويحرص عليها هو الذي عايشها في الحقبتين بالغتي الأهمية في تاريخنا الوطني، الدستورية والشهابية. فوق الصراعات. يحاور الجميع، ويحظى باحترام وطني، ويسعه جمع اللبنانيين لا التفريق فيما بينهم. لم أعثر على سواه بمثل مواصفاته.
لم تكن تلك المرّة الوحيدة التي أفاتح الرئيس السابق في هذه المهمة. لاحقاً، في 10 أيلول، أوفدتُ إليه إيلي سالم وسيمون قسيس لإطلاعه على مخاوفي من التطوّرات المقبلة بأخطارها المتوقّعة بعد 22 أيلول، فعادا إليّ بالموافقة المبدئية.
لم أكن أودّ الوصول إلى هذا المفترق، وهو إصدار مرسوم حكومة انتقالية تحلّ محلّ رئيس الجمهورية. في المقابل يقتضي جبه الامتحان بالتمسّك بتقاليدنا وأعرافنا الوطنية والمحافظة عليها. اقتديتُ بسابقة الرئيس بشارة الخوري، في 18 أيلول 1952، حيث استقال من منصبه، وكلّف مارونياً ترؤس حكومة انتقالية تخلف رئيساً انتهت ولايته دونما انتخاب آخر. لأن صلاحيات رئيس الجمهورية، في مرحلة الشغور، تمسي بحسب الدستور في عهدة مجلس الوزراء وكالة، ولأن المنصب الشاغر هو لرئيس الدولة الماروني، كان لا بدّ من إبقاء الصلاحيات تلك في يد الطائفة المسند إليها عُرفاً هذا المنصب، وجود ماروني على رأس حكومة تتولى صلاحيات رئيس الجمهورية، ويشكّل ضماناً لاستمرار أعرافنا الوطنية المهيبة، المقدّرة، والجديرة بالاحترام. في سبيل ذلك فكّرتُ أولاً في شارل حلو.
التاسعة صباح 22 أيلول دعوتُه إلى قصر بعبدا للتشاور. اعتذر عن عدم قبول المهمة متذرّعاً بحاله الصحّية، كما بحال زوجته ما يُحتّم عليه ملازمتها كل الوقت، ويحول دون مقدرته على «تحمّل المسؤولية الضخمة» تلك بحسب قوله. اعتقد، في قرارة نفسه، أنه قد يمسي مُلزماً إبرام اتفاقات محرجة له. كان للتردّي الأمني أثره في قراره المستجدّ، هو الذي يؤثر السلام على العنف. اقترح عليّ عندئذ مرشّحاً بديلاً منه قال قبل أن يسمّيه إن له موصفات ملائمة: ماروني، منفتح، لديه اتصالات طيّبة بالأفرقاء جميعاً مسلمين ومسيحيين، ويتمتع بتقديرهم.
ثم أضاف: «هو أيضاً من عائلة حلو».
سمّى بيار حلو.
كنتُ قد فكرتُ فيه، ولكن لم أحسم قراري. نائب عاليه منذ عام 1972 ووزير سابق، وطني صميم، كما هو صديق قديم لكمال جنبلاط والإمام موسى الصدر في آن واحد، ومن مؤسسي «حركة المحرومين». عضو في كتلة مجيد أرسلان في البرلمان مذذاك. معتدل، لا يثير حفيظة أي من الأفرقاء وهو ما يتيح التعاون معه.
استدعيتُه إلى القصر في الحادية عشرة والنصف بعد استقبالي قائد الجيش. وافق بادئ ذي بدء بلا تردّد على تشكيل الحكومة الانتقالية، مُعبّراً عن مخاوفه - المبرّرة طبعاً - من الصعوبة الفائقة لهذه المهمة.
من مكتب في قصر بعبدا باشر مشاورات تأليف حكومته. يُريدها موسّعة تضم الأفرقاء الأساسيين الفاعلين، فاستدعاهم تباعاً لمناقشة مشاركتهم فيها، مسيحيين ومسلمين. سرعان ما بدأت الفيتوات تهبط عليه. بعض الشخصيات السنّية، بمَن فيهم الأكثر اعتدالاً، رفض المشاركة في حكومة انتقالية تضم ميشال عون وسمير جعجع، لا سيّما أن هؤلاء يُحمّلانهما لسبب أو آخر مسؤولية اغتيال رئيس الحكومة السنّي رشيد كرامي، بينما نحن في صدد حكومة وحدة وطنية متوازنة. من دون عون وجعجع، كما أفرقاء في المقلب الآخر، تصبح حكومة منحازة تمثّل أطرافاً دون آخرين، وبالتالي لا يمكنها أن تحكم أو تدوم. كنت تبلّغتُ من عون وجعجع بالذات إصراراً جدّياً على مشاركتهما في الحكومة الانتقالية، رافضين أي حلّ يستبعدهما، ما يُضطرهما، إن استُبعدا، إلى اتخاذ مواقف صارمة. حتى مفتي الجمهورية، الذي قلّما اتهم بالتطرّف، أبلغ إلى بيار حلو أن أحداً من أبناء طائفته «لن يشارك في هذه الحكومة الشاذة إذا ضمّت في عدادها الرجلين».
من بعد الظهر حتى المساء، أخفق بيار حلو في جمع فريق حكومي من حول مهمته الجديدة، وكان يطلعني تباعاً على مراحلها. إذ ذاك اختار الاعتذار أخيراً، آخذاً بنصيحة صديقين له هما ميشال إده وخليل أبو حمد.
بوصول بيار حلو إلى طريق مسدودة، في محاولة مني لمعاكسة القدر مع احتمال الخروج على التقاليد، كلّفتُ داني شمعون استطلاع نيّة الرئيس سليم الحص، صديقه مذ ترافقا في الجامعة الأميركية في بيروت، في تأليف حكومة انتقالية تمثّل القوى السياسية جميعها، بمَا فيها «القوات اللبنانية». بيد أنه أصرّ على الإبقاء على الحكومة المستقيلة نفسها التي يرأسها وكالة، مع استعداد لإدخال تعديلات طفيفة عليها بتوسيعها: توزير داني شمعون خلفاً لوالده الرئيس كميل شمعون، وعمر كرامي خلفاً لشقيقه الرئيس رشيد كرامي، إلى أربعة وزراء آخرين، من بينهم جورج سعادة وجوزف سكاف. قَبِلَ بتعيين نائبين لرئيس الحكومة، أرثوذكسي هو عبد الله الراسي، وماروني هو داني شمعون، إلا أنه رفض رفضاً قاطعاً مشاركة ميشال عون وسمير جعجع، في حين تضم التشكيلة الحكومية الزعماء السياسيين وقادة الميليشيات الآخرين، لا سيّما منهم حلفاء دمشق أمثال وليد جنبلاط ونبيه برّي. ثم أصرّ على أن تظلّ اجتماعات الحكومة في مقرّها في بيروت الغربية، في القصر الحكومي في محلة الصنائع. بذلك يكون الحص جارى الصيغة الحكومية التي عرضها عبد الحليم خدّام على ريتشارد مورفي في 3 أيلول 1988، أي الإبقاء على الفريق الوزاري لسليم الحص كما هو، والإبقاء على اجتماعات مجلس الوزراء في منطقة نفوذ السوريين وحدهم.
بقبولي بالصيغة التي اقترحها الرئيس الحص على داني شمعون، أكون قد سلّمتُ البلد مُكبَّلاً إلى سوريا. للفور رفضت، فليس وارداً لدي توقيع مرسوم كهذا وإصداره لأنها غير متوازنة، ومعظم أعضائها معارضون من حلفاء لدمشق، وليس عندهم، لأسباب شتى، أي هامش مناورة إلا تحت جناح دمشق. في المنطقة الشرقية لم يكن وارداً لدى القوى السياسية والعسكرية، ذات الغالبية المسيحية، الاعتراف بسلطة حكومة غير متوازنة، مشكّلة تحت ضغط سوري مباشر، بما سيؤدّي حتماً إلى تقسيم البلد.
منذ ليل 21 أيلول، بعد عودتي في المساء من دمشق إلى بكركي، ومنها إلى قصر بعبدا، أجريتُ مشاورات متلاحقة مع معاوني ونواب، في اجتماعات استمرّت إلى ساعة متأخرة ما بعد منتصف الليل. كان عليّ أن أناقش معهم الخيارات المتاحة قبل بزوغ فجر غد، اليوم الأخير في الولاية. بالتزامن، تلقينا برقية غير مشجّعة من رئيس أساقفة نيويورك الكاردينال جون أوكونور توجّه بها إلى القيادات المسيحية اللبنانية، قائلاً: «عليكم إنقاذ الجمهورية». سلّم مثلنا بأن «ليس ثمّة خيار ديموقراطي»، محذّراً من خطر على «مصير المسيحيين في الشرق». لم تعد الفرص كثيرة، والخيارات صعبة، فإما انتخابات، ولكن من دون مؤشرات جدّية لحصولها بانتخاب رئيس متوافق عليه، وإما الفوضى التي بشّرنا بها ريتشارد مورفي.
قال لي رينه معوّض: «إذا لم تحصل انتخابات، نتحمّل نحن المسؤولية من أميركا إلى الفاتيكان إلى العالم الأوروبي. انتفضنا ضدّ طريقة طرح مخايل ضاهر، وبدل أن يساعدنا الأميركيون، أكدوا الطلب السوري».

- آخر الخيارات
بيار حلو وسليم الحص صارا الآن، خارج اللعبة، فلم يبقَ لي سوى أن أكشف ورقتي الأخيرة. أخفقتُ في محاولتي تأليف حكومة سياسية موسّعة، متوازنة، لا تستثني أحداً من الأفرقاء الفاعلين القادرين على العرقلة، على أن ينضم إليها ضابطان كبيران فقط، أحدهما لوزارة الدفاع والآخر لوزارة الداخلية، بسبب ما قد يستجد من أحداث أمنية في المرحلة الجديدة، لم تكن انحسرت مرّة عنا. إذ ذاك يقتضي الذهاب إلى خيار آخر وهو حكومة غير سياسية، إنما في الوقت ذاته ممثِّلة للنسيج الوطني اللبناني، وفي وسعها تحمّل مسؤولياتها. تصوّرتُ عندئذ أن الخيار الوحيد الماثل أمامي وضع الحكم بين يدي مؤسسة. حضرت اثنتان: مجلس القضاء الأعلى برئاسة ماروني هو الشيخ أمين نصّار، رجل منفتح جدير بالمهمة ومتواصل مع كل الفئات، والمجلس العسكري برئاسة ماروني أيضاً هو قائد الجيش العماد ميشال عون. كلتاهما أكثر ائتماناً على وحدة البلاد والوحدة الوطنية، بيد أنني مِلتُ في نهاية المطاف إلى المجلس العسكري، وهو وحده قادر على أن يحمي نفسه والمؤسسات، ويستطيع الإمساك بأمن البلاد، ومواجهة مَن يتسبّب في أي اضطراب ومنع التوتر. مهمة تتعذّر على حكومة قضاة لا يسعها الصمود.
استرجعتُ سابقة عام 1952 عندما عيّن بشارة الخوري، قبل أن يتنحّى، قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، الماروني، على رأس حكومة انتقالية. استدرتُ إذن صوب الجيش، والمجلس العسكري المُعاد تعيينه من حكومة رشيد كرامي تبعاً لموازين القوى الجديدة التي نشأت عام 1984. فيه تتمثّل حقيقة التنوّع اللبناني بمكوّناته الطائفية المختلفة، من خلال انتماء أعضائه الستة إلى الطوائف الست الرئيسية. سمّاهم أفرقاء الحكومة وليسوا على عداء مع سوريا، ولا يستهدفون أحداً. المجلس العسكري بذلك معبر، ليس إلى الأفرقاء فحسب، بل أيضاً إلى القوى والطوائف المتعدّدة، وهو ما يجعله يتمتّع بمظلتين وطنية وذاتية.
منعاً لأي التباس، أبقيتُ هذا المجلس على حاله، بلا أي تعديل، إلا أنني تجاوزتُ كل مآخذي على رئيسه ميشال عون ـ أياً تكون مسوّغاتها ـ لأن مصلحة البلد كانت تفرض ذلك. بعض معاونيَّ، عندما ناقشنا هذا الخيار، اقترحوا عليّ تطعيم حكومة المجلس العسكري بوزراء مدنيين، كوزير الخارجية يكون قريباً مني، ويُبقي قنوات التواصل مع الخارج، لكنني فضّلتُ عدم إحداث أي ثغرة في الحكومة الجديدة. مهمتها مقيَّدة بواجب واحد يُمليه الدستور، هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية فقط. لا مسؤوليات أخرى تنتظرها، أو أمامها، لأنها مؤقتة انتقالية لوظيفة ملحّة مستعجلة لا أولوية تتقدّمها، تنتقل إليها صلاحيات رئيس الجمهورية كاملة بموجب المادة 62 من الدستور. تتولى الحكم باسم تلك الصلاحيات، وكالة بأعضائها جميعهم، أشبه بقيادة جماعية. بذلك أكون عيّنتُ حكومة المجلس العسكري ولا حكومة ميشال عون.
في هذا اليوم، كان مقرّراً عقد جلسة انتخاب الرئيس، لكن في ساحة النجمة، بحسب دعوة حسين الحسيني تحت الضغط السوري المتمادي. مع ذلك، لم يحضر سوى 13 نائباً. فوجّه دعوة ثالثة في الغداة، 23 أيلول، في المكان نفسه. اليوم الأول بعد انتهاء ولايتي.
تحويل المجلس العسكري إلى حكومة أقلّ الحلول سوءاً. بقي عليّ الاتصال شخصياً بأعضائه الستة للتأكد من أنهم لن يتنحّوا عند تعيينهم. قبل أن أصدر آخر مرسوم رئاسي لي، خابرتُهم جميعهم فلم يعتذر أحد، وشكروني على ثقتي بهم. بيد أنهم فوجئوا، منذ ما بعد منتصف ليل 22 أيلول، مثلما فوجئتُ بدوري، بإعلان استقالة الضبّاط المسلمين الثلاثة: محمود طي أبو ضرغم ونبيل قريطم ولطفي جابر. استقالة إعلامية كانت دمشق السبّاقة إلى الكشف عنها من إذاعتها، من غير أن يُوجّه أي منهم كتاباً خطياً بها في ذلك الوقت، ولا لاحقاً.
كنت قد راعيتُ ضرورة استشارة القادة الروحيين والسياسيين، كي لا أضع أحداً أمام الأمر الواقع.
قبل منتصف ليل 22 أيلول، اتصلتُ بالبطريرك صفير. كان نائماً، فطلبتُ إيقاظه كي أُخطره بالخيار الأخير. كان أول مَن أُبلغ المآل من خارج المجتمعين في القصر.
قلتُ له: «أجرينا اليوم جلسة ماراثونية طويلة مع كل الإخوان، النواب والقوات اللبنانية والجيش. عرضنا كل الحلول الممكنة حيال الفراغ الدستوري، وكنا بين ثلاثة احتمالات: الأول حكومة الرئيس الحص بالأكثرية الموجودة فيها لمصلحة فريقه، وهي غير متوازنة، ولا يمكنها أن تحكم. الثاني حكومة موسّعة تضم كل الأطراف لكنها في النهاية تصبح مسيحية فقط، لأن المسلمين بمَن فيهم المعتدلون لن يمشوا فيها..».
عقّب البطريرك: «سمعتُ الأخبار. يبدو أن المفتي وشمس الدين حذّرا منها».
أضفتُ: «أما الاحتمال الثالث فهو المجلس العسكري برئاسة الجنرال عون، وتتمثّل فيه كل الطوائف والأفرقاء. لذا اعتمدنا الحلّ الثالث الذي هو المؤسسة العسكرية، والمجلس العسكري بأعضائه الستة. الجنرال عون قربي، ونبحث في هذا الأمر. المشكلة خطيرة للغاية. وعلى الأقلّ لن نسلّم المقدّرات من دون أن نعرف إلى أين تتجه؟».
قال: «تلقيتُ مكالمة من بوسطن، من الكاردينال لارو، يقول إن السلطات هناك تسعى إلى تغيير مكان الجلسة. يطلبون منا حلحلة الموضوع قليلاً. قلنا لهم أي حلحلة؟ قالوا انتخبوا (يللي قلناه لكم). المرشّح المفروض. نحن نطالب بالحرّية، فهل ننتخب لهم مرشّحاً وحيداً؟ أنا أحب انتخاب رئيس، لكن برضا الناس».
قلت: «اضطررتُ إلى أن أتخذ هذا الموقف».
رد: «قد يكون هو الأسلم. إن شاء الله خيراً. المهم ألا تتأزم أكثر وترجع البلاد إلى الوراء».
عقبت: «على أي حال يقتضي أن نظلّ في هذه الفترة مستنفَرين. على الكتف حمّال ونحن مقبلون على تطوّرات سياسية لا نعرف إلى أين تقودنا».
علّق: «ما هيي هيك. يبدو أن الأميركيين لا يزالون على الموقف نفسه».
قلت: «نعم».
ختم: «لسوء الحظ».
لا بدّ أيضاً من إبلاغ سمير جعجع بهذه الصيغة. حضر إلى القصر الجمهوري، ولمّا رأى نفسه مُستبعداً من التركيبة أظهر خيبة أمل كبيرة، وطلب استمهاله لحظات للتفكير في الموضوع. بعد محادثة مقتضبة على انفراد مع العماد عون، الذي كان موجوداً في القصر، عاد يُبلغني موافقته. ثم غادر مكتبي بسرعة ليُعلن أمام الصحافة تأييده الحكومة العتيدة ورئيسها، ويصفها بأنها «حكومة الاستقلال». علمتُ فيما بعد أن جعجع حصل من عون، في أثناء هذا اللقاء القصير في مقابل تأييده المشروط، على وعد بإطلاق يد «القوات اللبنانية» في المناطق المسيحية التي لا وجود للجيش السوري فيها، وعدم تدخّل الجيش في النزاعات الحزبية الداخلية.
دقائق قبل انتصاف ليل 22 أيلول 1988، لحظة انتهاء ولايتي، وقّعتُ بمرارة كبيرة ـ إنما مرتاح الضمير ـ آخر مرسوم رئاسي لي برقم 5387، ينصّ على تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة العماد عون. في الحال، أعربت معظم الحكومات العربية والأجنبية عن دعمها. اتصل فرنسوا ميتران هاتفياً بجورج بوش، المنتخَب حديثاً رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، فصرّح الأخير قائلاً: «أعترف بحكومة لبنان، وسأطلب من الروس أن يفعلوا الشيء ذاته».
تلك الليلة، بدت طاولة مكتبي فارغة. هي التي ظلّت على الدوام مثقلة بالملفات. شعرتُ بأنني منهك من التعب والمِحَن، لكن فخور بأداء واجبي حتى النهاية.



زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.