تجاوزت مآخذي على ميشال عون وعيّنته رئيساً للحكومة العسكرية

«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (2)‬

الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
TT

تجاوزت مآخذي على ميشال عون وعيّنته رئيساً للحكومة العسكرية

الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)
الجميل وعون في قصر بعبدا بعد تعيين عون رئيساً للحكومة العسكرية (غيتي)

في الحلقة الثانية من مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، التي تنشرها «الشرق الأوسط»، يروي قصة اليوم الأخير من ولايته التي يصفها بـ«الولاية الشاقة» في 22 سبتمبر (أيلول) 1988، ويتحدث عن الصعوبات التي واجهها لتشكيل حكومة انتقالية تكون مهمتها التحضير لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، بعدما عجز المجلس النيابي عن ذلك. ويقول الجميل إنه عندما وجد أن خيار المجلس العسكري برئاسة قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون، هو الخيار الأفضل، وحصل على موافقة جميع أعضائه الستة، فوجئ بالإعلام السوري يعلن استقالة الضباط المسلمين الثلاثة قبل أن يعلموا هم بذلك. وهنا نص الحلقة الثانية.

بعد ليلة مضطربة، بزغ أخيراً فجر 22 أيلول 1988، اليوم الأخير في الولاية الشاقة. تناولت فطوري وحدي، منزوياً في مكتبي يتملّكني شعور بقلق تشوبه المرارة. فيما عكفتُ على آخر عمل دستوري لي، هو تشكيل حكومة انتقالية، كان حسين الحسيني يسعى بقوة إلى جمع البرلمان لانتخاب مخايل ضاهر في ساحة النجمة. بدا من المستبعد أن يؤمّن النصاب المطلوب. عند الثانية عشرة ظهراً، قُضي الأمر: عشرة نواب فقط كانوا حاضرين في القاعة، فأُرجئت الجلسة إلى الساعة العاشرة والنصف من قبل ظهر اليوم التالي.
كان سليم الحص قد أبلغني عودته عن استقالة حكومة ليس هو رئيسها الأصيل، بل وكالة بعد اغتيال الرئيس المستقيل رشيد كرامي. انتحل الصفة رسمياً خلافاً لأحكام الدستور، الأمر الذي لم يكن في وسعي القبول به. لذا، كان عليّ أن أشكّل حكومة جديدة بحسب ما يقتضيه الدستور، وكما درجت التقاليد اللبنانية.
لرئاسة الحكومة الانتقالية، فكّرتُ في الرئيس شارل حلو في مسودّة افتراضية كنتُ أعددتها تحوّطاً لهذا اليوم، في مواجهة الشغور المحتمل، بغية إدارته. مهّدتُ لهذا الخيار بمفاتحته، والدوافع التي تحدوني على طرح اسمه، ورهاني على أنه وحده القادر على إمرار المرحلة الانتقالية إلى حين انتخاب خلف لي متى وصلنا إلى الحائط المسدود، فوافق. رجل حكيم معتدل، يعي في عمق دقّة المعادلة الوطنية وحساسيتها، ويحرص عليها هو الذي عايشها في الحقبتين بالغتي الأهمية في تاريخنا الوطني، الدستورية والشهابية. فوق الصراعات. يحاور الجميع، ويحظى باحترام وطني، ويسعه جمع اللبنانيين لا التفريق فيما بينهم. لم أعثر على سواه بمثل مواصفاته.
لم تكن تلك المرّة الوحيدة التي أفاتح الرئيس السابق في هذه المهمة. لاحقاً، في 10 أيلول، أوفدتُ إليه إيلي سالم وسيمون قسيس لإطلاعه على مخاوفي من التطوّرات المقبلة بأخطارها المتوقّعة بعد 22 أيلول، فعادا إليّ بالموافقة المبدئية.
لم أكن أودّ الوصول إلى هذا المفترق، وهو إصدار مرسوم حكومة انتقالية تحلّ محلّ رئيس الجمهورية. في المقابل يقتضي جبه الامتحان بالتمسّك بتقاليدنا وأعرافنا الوطنية والمحافظة عليها. اقتديتُ بسابقة الرئيس بشارة الخوري، في 18 أيلول 1952، حيث استقال من منصبه، وكلّف مارونياً ترؤس حكومة انتقالية تخلف رئيساً انتهت ولايته دونما انتخاب آخر. لأن صلاحيات رئيس الجمهورية، في مرحلة الشغور، تمسي بحسب الدستور في عهدة مجلس الوزراء وكالة، ولأن المنصب الشاغر هو لرئيس الدولة الماروني، كان لا بدّ من إبقاء الصلاحيات تلك في يد الطائفة المسند إليها عُرفاً هذا المنصب، وجود ماروني على رأس حكومة تتولى صلاحيات رئيس الجمهورية، ويشكّل ضماناً لاستمرار أعرافنا الوطنية المهيبة، المقدّرة، والجديرة بالاحترام. في سبيل ذلك فكّرتُ أولاً في شارل حلو.
التاسعة صباح 22 أيلول دعوتُه إلى قصر بعبدا للتشاور. اعتذر عن عدم قبول المهمة متذرّعاً بحاله الصحّية، كما بحال زوجته ما يُحتّم عليه ملازمتها كل الوقت، ويحول دون مقدرته على «تحمّل المسؤولية الضخمة» تلك بحسب قوله. اعتقد، في قرارة نفسه، أنه قد يمسي مُلزماً إبرام اتفاقات محرجة له. كان للتردّي الأمني أثره في قراره المستجدّ، هو الذي يؤثر السلام على العنف. اقترح عليّ عندئذ مرشّحاً بديلاً منه قال قبل أن يسمّيه إن له موصفات ملائمة: ماروني، منفتح، لديه اتصالات طيّبة بالأفرقاء جميعاً مسلمين ومسيحيين، ويتمتع بتقديرهم.
ثم أضاف: «هو أيضاً من عائلة حلو».
سمّى بيار حلو.
كنتُ قد فكرتُ فيه، ولكن لم أحسم قراري. نائب عاليه منذ عام 1972 ووزير سابق، وطني صميم، كما هو صديق قديم لكمال جنبلاط والإمام موسى الصدر في آن واحد، ومن مؤسسي «حركة المحرومين». عضو في كتلة مجيد أرسلان في البرلمان مذذاك. معتدل، لا يثير حفيظة أي من الأفرقاء وهو ما يتيح التعاون معه.
استدعيتُه إلى القصر في الحادية عشرة والنصف بعد استقبالي قائد الجيش. وافق بادئ ذي بدء بلا تردّد على تشكيل الحكومة الانتقالية، مُعبّراً عن مخاوفه - المبرّرة طبعاً - من الصعوبة الفائقة لهذه المهمة.
من مكتب في قصر بعبدا باشر مشاورات تأليف حكومته. يُريدها موسّعة تضم الأفرقاء الأساسيين الفاعلين، فاستدعاهم تباعاً لمناقشة مشاركتهم فيها، مسيحيين ومسلمين. سرعان ما بدأت الفيتوات تهبط عليه. بعض الشخصيات السنّية، بمَن فيهم الأكثر اعتدالاً، رفض المشاركة في حكومة انتقالية تضم ميشال عون وسمير جعجع، لا سيّما أن هؤلاء يُحمّلانهما لسبب أو آخر مسؤولية اغتيال رئيس الحكومة السنّي رشيد كرامي، بينما نحن في صدد حكومة وحدة وطنية متوازنة. من دون عون وجعجع، كما أفرقاء في المقلب الآخر، تصبح حكومة منحازة تمثّل أطرافاً دون آخرين، وبالتالي لا يمكنها أن تحكم أو تدوم. كنت تبلّغتُ من عون وجعجع بالذات إصراراً جدّياً على مشاركتهما في الحكومة الانتقالية، رافضين أي حلّ يستبعدهما، ما يُضطرهما، إن استُبعدا، إلى اتخاذ مواقف صارمة. حتى مفتي الجمهورية، الذي قلّما اتهم بالتطرّف، أبلغ إلى بيار حلو أن أحداً من أبناء طائفته «لن يشارك في هذه الحكومة الشاذة إذا ضمّت في عدادها الرجلين».
من بعد الظهر حتى المساء، أخفق بيار حلو في جمع فريق حكومي من حول مهمته الجديدة، وكان يطلعني تباعاً على مراحلها. إذ ذاك اختار الاعتذار أخيراً، آخذاً بنصيحة صديقين له هما ميشال إده وخليل أبو حمد.
بوصول بيار حلو إلى طريق مسدودة، في محاولة مني لمعاكسة القدر مع احتمال الخروج على التقاليد، كلّفتُ داني شمعون استطلاع نيّة الرئيس سليم الحص، صديقه مذ ترافقا في الجامعة الأميركية في بيروت، في تأليف حكومة انتقالية تمثّل القوى السياسية جميعها، بمَا فيها «القوات اللبنانية». بيد أنه أصرّ على الإبقاء على الحكومة المستقيلة نفسها التي يرأسها وكالة، مع استعداد لإدخال تعديلات طفيفة عليها بتوسيعها: توزير داني شمعون خلفاً لوالده الرئيس كميل شمعون، وعمر كرامي خلفاً لشقيقه الرئيس رشيد كرامي، إلى أربعة وزراء آخرين، من بينهم جورج سعادة وجوزف سكاف. قَبِلَ بتعيين نائبين لرئيس الحكومة، أرثوذكسي هو عبد الله الراسي، وماروني هو داني شمعون، إلا أنه رفض رفضاً قاطعاً مشاركة ميشال عون وسمير جعجع، في حين تضم التشكيلة الحكومية الزعماء السياسيين وقادة الميليشيات الآخرين، لا سيّما منهم حلفاء دمشق أمثال وليد جنبلاط ونبيه برّي. ثم أصرّ على أن تظلّ اجتماعات الحكومة في مقرّها في بيروت الغربية، في القصر الحكومي في محلة الصنائع. بذلك يكون الحص جارى الصيغة الحكومية التي عرضها عبد الحليم خدّام على ريتشارد مورفي في 3 أيلول 1988، أي الإبقاء على الفريق الوزاري لسليم الحص كما هو، والإبقاء على اجتماعات مجلس الوزراء في منطقة نفوذ السوريين وحدهم.
بقبولي بالصيغة التي اقترحها الرئيس الحص على داني شمعون، أكون قد سلّمتُ البلد مُكبَّلاً إلى سوريا. للفور رفضت، فليس وارداً لدي توقيع مرسوم كهذا وإصداره لأنها غير متوازنة، ومعظم أعضائها معارضون من حلفاء لدمشق، وليس عندهم، لأسباب شتى، أي هامش مناورة إلا تحت جناح دمشق. في المنطقة الشرقية لم يكن وارداً لدى القوى السياسية والعسكرية، ذات الغالبية المسيحية، الاعتراف بسلطة حكومة غير متوازنة، مشكّلة تحت ضغط سوري مباشر، بما سيؤدّي حتماً إلى تقسيم البلد.
منذ ليل 21 أيلول، بعد عودتي في المساء من دمشق إلى بكركي، ومنها إلى قصر بعبدا، أجريتُ مشاورات متلاحقة مع معاوني ونواب، في اجتماعات استمرّت إلى ساعة متأخرة ما بعد منتصف الليل. كان عليّ أن أناقش معهم الخيارات المتاحة قبل بزوغ فجر غد، اليوم الأخير في الولاية. بالتزامن، تلقينا برقية غير مشجّعة من رئيس أساقفة نيويورك الكاردينال جون أوكونور توجّه بها إلى القيادات المسيحية اللبنانية، قائلاً: «عليكم إنقاذ الجمهورية». سلّم مثلنا بأن «ليس ثمّة خيار ديموقراطي»، محذّراً من خطر على «مصير المسيحيين في الشرق». لم تعد الفرص كثيرة، والخيارات صعبة، فإما انتخابات، ولكن من دون مؤشرات جدّية لحصولها بانتخاب رئيس متوافق عليه، وإما الفوضى التي بشّرنا بها ريتشارد مورفي.
قال لي رينه معوّض: «إذا لم تحصل انتخابات، نتحمّل نحن المسؤولية من أميركا إلى الفاتيكان إلى العالم الأوروبي. انتفضنا ضدّ طريقة طرح مخايل ضاهر، وبدل أن يساعدنا الأميركيون، أكدوا الطلب السوري».

- آخر الخيارات
بيار حلو وسليم الحص صارا الآن، خارج اللعبة، فلم يبقَ لي سوى أن أكشف ورقتي الأخيرة. أخفقتُ في محاولتي تأليف حكومة سياسية موسّعة، متوازنة، لا تستثني أحداً من الأفرقاء الفاعلين القادرين على العرقلة، على أن ينضم إليها ضابطان كبيران فقط، أحدهما لوزارة الدفاع والآخر لوزارة الداخلية، بسبب ما قد يستجد من أحداث أمنية في المرحلة الجديدة، لم تكن انحسرت مرّة عنا. إذ ذاك يقتضي الذهاب إلى خيار آخر وهو حكومة غير سياسية، إنما في الوقت ذاته ممثِّلة للنسيج الوطني اللبناني، وفي وسعها تحمّل مسؤولياتها. تصوّرتُ عندئذ أن الخيار الوحيد الماثل أمامي وضع الحكم بين يدي مؤسسة. حضرت اثنتان: مجلس القضاء الأعلى برئاسة ماروني هو الشيخ أمين نصّار، رجل منفتح جدير بالمهمة ومتواصل مع كل الفئات، والمجلس العسكري برئاسة ماروني أيضاً هو قائد الجيش العماد ميشال عون. كلتاهما أكثر ائتماناً على وحدة البلاد والوحدة الوطنية، بيد أنني مِلتُ في نهاية المطاف إلى المجلس العسكري، وهو وحده قادر على أن يحمي نفسه والمؤسسات، ويستطيع الإمساك بأمن البلاد، ومواجهة مَن يتسبّب في أي اضطراب ومنع التوتر. مهمة تتعذّر على حكومة قضاة لا يسعها الصمود.
استرجعتُ سابقة عام 1952 عندما عيّن بشارة الخوري، قبل أن يتنحّى، قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، الماروني، على رأس حكومة انتقالية. استدرتُ إذن صوب الجيش، والمجلس العسكري المُعاد تعيينه من حكومة رشيد كرامي تبعاً لموازين القوى الجديدة التي نشأت عام 1984. فيه تتمثّل حقيقة التنوّع اللبناني بمكوّناته الطائفية المختلفة، من خلال انتماء أعضائه الستة إلى الطوائف الست الرئيسية. سمّاهم أفرقاء الحكومة وليسوا على عداء مع سوريا، ولا يستهدفون أحداً. المجلس العسكري بذلك معبر، ليس إلى الأفرقاء فحسب، بل أيضاً إلى القوى والطوائف المتعدّدة، وهو ما يجعله يتمتّع بمظلتين وطنية وذاتية.
منعاً لأي التباس، أبقيتُ هذا المجلس على حاله، بلا أي تعديل، إلا أنني تجاوزتُ كل مآخذي على رئيسه ميشال عون ـ أياً تكون مسوّغاتها ـ لأن مصلحة البلد كانت تفرض ذلك. بعض معاونيَّ، عندما ناقشنا هذا الخيار، اقترحوا عليّ تطعيم حكومة المجلس العسكري بوزراء مدنيين، كوزير الخارجية يكون قريباً مني، ويُبقي قنوات التواصل مع الخارج، لكنني فضّلتُ عدم إحداث أي ثغرة في الحكومة الجديدة. مهمتها مقيَّدة بواجب واحد يُمليه الدستور، هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية فقط. لا مسؤوليات أخرى تنتظرها، أو أمامها، لأنها مؤقتة انتقالية لوظيفة ملحّة مستعجلة لا أولوية تتقدّمها، تنتقل إليها صلاحيات رئيس الجمهورية كاملة بموجب المادة 62 من الدستور. تتولى الحكم باسم تلك الصلاحيات، وكالة بأعضائها جميعهم، أشبه بقيادة جماعية. بذلك أكون عيّنتُ حكومة المجلس العسكري ولا حكومة ميشال عون.
في هذا اليوم، كان مقرّراً عقد جلسة انتخاب الرئيس، لكن في ساحة النجمة، بحسب دعوة حسين الحسيني تحت الضغط السوري المتمادي. مع ذلك، لم يحضر سوى 13 نائباً. فوجّه دعوة ثالثة في الغداة، 23 أيلول، في المكان نفسه. اليوم الأول بعد انتهاء ولايتي.
تحويل المجلس العسكري إلى حكومة أقلّ الحلول سوءاً. بقي عليّ الاتصال شخصياً بأعضائه الستة للتأكد من أنهم لن يتنحّوا عند تعيينهم. قبل أن أصدر آخر مرسوم رئاسي لي، خابرتُهم جميعهم فلم يعتذر أحد، وشكروني على ثقتي بهم. بيد أنهم فوجئوا، منذ ما بعد منتصف ليل 22 أيلول، مثلما فوجئتُ بدوري، بإعلان استقالة الضبّاط المسلمين الثلاثة: محمود طي أبو ضرغم ونبيل قريطم ولطفي جابر. استقالة إعلامية كانت دمشق السبّاقة إلى الكشف عنها من إذاعتها، من غير أن يُوجّه أي منهم كتاباً خطياً بها في ذلك الوقت، ولا لاحقاً.
كنت قد راعيتُ ضرورة استشارة القادة الروحيين والسياسيين، كي لا أضع أحداً أمام الأمر الواقع.
قبل منتصف ليل 22 أيلول، اتصلتُ بالبطريرك صفير. كان نائماً، فطلبتُ إيقاظه كي أُخطره بالخيار الأخير. كان أول مَن أُبلغ المآل من خارج المجتمعين في القصر.
قلتُ له: «أجرينا اليوم جلسة ماراثونية طويلة مع كل الإخوان، النواب والقوات اللبنانية والجيش. عرضنا كل الحلول الممكنة حيال الفراغ الدستوري، وكنا بين ثلاثة احتمالات: الأول حكومة الرئيس الحص بالأكثرية الموجودة فيها لمصلحة فريقه، وهي غير متوازنة، ولا يمكنها أن تحكم. الثاني حكومة موسّعة تضم كل الأطراف لكنها في النهاية تصبح مسيحية فقط، لأن المسلمين بمَن فيهم المعتدلون لن يمشوا فيها..».
عقّب البطريرك: «سمعتُ الأخبار. يبدو أن المفتي وشمس الدين حذّرا منها».
أضفتُ: «أما الاحتمال الثالث فهو المجلس العسكري برئاسة الجنرال عون، وتتمثّل فيه كل الطوائف والأفرقاء. لذا اعتمدنا الحلّ الثالث الذي هو المؤسسة العسكرية، والمجلس العسكري بأعضائه الستة. الجنرال عون قربي، ونبحث في هذا الأمر. المشكلة خطيرة للغاية. وعلى الأقلّ لن نسلّم المقدّرات من دون أن نعرف إلى أين تتجه؟».
قال: «تلقيتُ مكالمة من بوسطن، من الكاردينال لارو، يقول إن السلطات هناك تسعى إلى تغيير مكان الجلسة. يطلبون منا حلحلة الموضوع قليلاً. قلنا لهم أي حلحلة؟ قالوا انتخبوا (يللي قلناه لكم). المرشّح المفروض. نحن نطالب بالحرّية، فهل ننتخب لهم مرشّحاً وحيداً؟ أنا أحب انتخاب رئيس، لكن برضا الناس».
قلت: «اضطررتُ إلى أن أتخذ هذا الموقف».
رد: «قد يكون هو الأسلم. إن شاء الله خيراً. المهم ألا تتأزم أكثر وترجع البلاد إلى الوراء».
عقبت: «على أي حال يقتضي أن نظلّ في هذه الفترة مستنفَرين. على الكتف حمّال ونحن مقبلون على تطوّرات سياسية لا نعرف إلى أين تقودنا».
علّق: «ما هيي هيك. يبدو أن الأميركيين لا يزالون على الموقف نفسه».
قلت: «نعم».
ختم: «لسوء الحظ».
لا بدّ أيضاً من إبلاغ سمير جعجع بهذه الصيغة. حضر إلى القصر الجمهوري، ولمّا رأى نفسه مُستبعداً من التركيبة أظهر خيبة أمل كبيرة، وطلب استمهاله لحظات للتفكير في الموضوع. بعد محادثة مقتضبة على انفراد مع العماد عون، الذي كان موجوداً في القصر، عاد يُبلغني موافقته. ثم غادر مكتبي بسرعة ليُعلن أمام الصحافة تأييده الحكومة العتيدة ورئيسها، ويصفها بأنها «حكومة الاستقلال». علمتُ فيما بعد أن جعجع حصل من عون، في أثناء هذا اللقاء القصير في مقابل تأييده المشروط، على وعد بإطلاق يد «القوات اللبنانية» في المناطق المسيحية التي لا وجود للجيش السوري فيها، وعدم تدخّل الجيش في النزاعات الحزبية الداخلية.
دقائق قبل انتصاف ليل 22 أيلول 1988، لحظة انتهاء ولايتي، وقّعتُ بمرارة كبيرة ـ إنما مرتاح الضمير ـ آخر مرسوم رئاسي لي برقم 5387، ينصّ على تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة العماد عون. في الحال، أعربت معظم الحكومات العربية والأجنبية عن دعمها. اتصل فرنسوا ميتران هاتفياً بجورج بوش، المنتخَب حديثاً رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، فصرّح الأخير قائلاً: «أعترف بحكومة لبنان، وسأطلب من الروس أن يفعلوا الشيء ذاته».
تلك الليلة، بدت طاولة مكتبي فارغة. هي التي ظلّت على الدوام مثقلة بالملفات. شعرتُ بأنني منهك من التعب والمِحَن، لكن فخور بأداء واجبي حتى النهاية.



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.