الأوروبيون يبحثون عن «استراتيجية» موحدة للتعامل مع الملف النووي الإيراني

وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا في مجاملة قبل الدخول إلى مفاوضات، ويسبقهما وزير الخارجية الألماني في برلين أمس (د.ب.أ)
وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا في مجاملة قبل الدخول إلى مفاوضات، ويسبقهما وزير الخارجية الألماني في برلين أمس (د.ب.أ)
TT

الأوروبيون يبحثون عن «استراتيجية» موحدة للتعامل مع الملف النووي الإيراني

وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا في مجاملة قبل الدخول إلى مفاوضات، ويسبقهما وزير الخارجية الألماني في برلين أمس (د.ب.أ)
وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا في مجاملة قبل الدخول إلى مفاوضات، ويسبقهما وزير الخارجية الألماني في برلين أمس (د.ب.أ)

بانت عزلة إيران بشكل جلي، أمس، في القرار الذي تبناه مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة النووية في فيينا، وهو يطالب طهران بالتعاون الكامل مع مفتشي الوكالة والإقلاع عن وضع العصي في دواليبهم ومنعهم من الوصول إلى موقعين نوويين تحوم حولهما ظنون بأنهما احتضنا أنشطة نووية سابقة قد تكون على علاقة بتجارب لإنتاج سلاح نووي.
القرار وإن كان رمزياً وليست له تبعات مباشرة، يرتدي أهمية استثنائية لثلاثة اعتبارات: الأول، أن طرحه جاء بطلب مشترك من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وهي الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق النووي التي رفضت حتى اليوم ضغوط واشنطن للتخلي عنه، لا بل إنها سعت لمساعدة إيران في الالتفاف على سياسة «الضغط الأقصى» التي فرضتها على طهران.
ولذا يمكن فهمه، وفق مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس على أنه «تعبير عن استياء العواصم المعنية» من الأداء الإيراني، وفي الوقت عينه «السير خطوة ثانية باتجاه المواقف الأميركية المتشددة» بعد خطوة أولى، بداية العام الجاري، تمثلت في تفعيل آلية فض النزاعات المنصوص عليها في الاتفاق النووي التي يمكن أن تعيد ملفه مجدداً إلى مجلس الأمن الدولي.
والاعتبار الثاني أن قرار الوكالة وهو الأول من نوعه منذ عام 2015 «أي منذ تبني الاتفاق»، يعيد الملف النووي إلى واجهة الأحداث بعد أن غيبه وباء فيروس كورونا، ما يعني أن مرحلة «السماح» التي استفادت منها طهران في الأشهر الثلاثة الأخيرة قد انتهت، وأن أنظار العالم ستتركز مجدداً عليها. والاعتبار الثالث (والأخير) أن الأوروبيين عادوا ليجدوا أنفسهم في موقف غير مريح. فهم يواجهون، من جهة، الضغوط الأميركية، ومن جهة مقابلة، الرفض الإيراني، ولديهم، في الوقت عينه، قناعة عميقة، بأن وصول المفتشين الدوليين إلى المواقع الإيرانية وفق الاتفاق وبموجب «البروتوكول الإضافي» الذي يعطيهم الحق بتفتيش كل المواقع التي يريدونها، هو العنصر ربما الأخير الذي أبقى الاتفاق على قيد الحياة بعد أن تحللت طهران، تباعاً، من غالبية التزاماتها فيه.
حتى اليوم، بقي الأوروبيون مقتنعين بأن إيران ما زالت متمسكة بالاتفاق، واكتفوا، في الأشهر الماضية، حتى بعد تفعيل آلية فض النزاعات، بتكرار دعوتها إلى التراجع عن «انتهاكاتها» له، أكان ذلك بخصوص رفع نسبة التخصيب أو حجم مخزون اليورانيوم المخصب أو نوعية أجهزة الطرد المركزية المستخدمة التي تسرع وتيرته ونسبته أو إطلاق العنان للبحوث والتجارب... وهذه القناعة دفعت وزير الخارجية الفرنسي كما الألماني أمس، إلى التأكيد أن «الاتفاق هو الإطار الأفضل لمنع إيران من حيازة السلاح النووي». ولكن، إذا استمرت إيران في التمنع ورفض وصول المفتشين إلى مواقع إضافية بحجة أن المعلومات بشأنها وصلت إلى الوكالة من «جهات معادية» وعلى رأسها إسرائيل، فإن الحجة الرئيسية للتمسك بالاتفاق تسقط عندها من أيدي الأوروبيين.
وليس من المستبعد أن عزلة إيران والتصلب الأوروبي المستجد هما ما دفعا وزير الخارجية الإيراني إلى إبراز شيء من الليونة بقوله في تغريدة، عقب التصويت على القرار في فيينا، إنه «من الممكن التوصل إلى حل مناسب» لطلب الوكالة الدولية. وهذا يعني أن محمد جواد ظريف استوعب الرسالة الأوروبية مخاطر خسارة «التفهم» الأوروبي.
ولذا، فإنه يسعى لكسب مزيد من الوقت، لكنه يناقض في الوقت نفسه تصريحات إيرانية أخرى سبقت التصويت و«نبهت» إلى تسييس الملف وإلى «الإضرار بالمستوى الحالي من التعاون» بين طهران والوكالة. وتوقع وزير خارجية ألمانيا مايكو هاس أمس، أن «تلتزم إيران في النهاية بتعهداتها».
ثمة قناعة أوروبية متجذرة بأن إيران، رغم خروجها التدريجي من الاتفاق، ما زالت تواجه سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية بسياسة «الصبر الاستراتيجي» التي تعني عملياً انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية التي ستجرى في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وثمة معركة حامية في الأمم المتحدة، في الأسابيع المقبلة، عنوانها نهاية الحظر الدولي المفروض على السلاح التقليدي لإيران في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، وهو ما تسعى واشنطن لتعديله لجهة تمديد العمل به. لذا، فإن طهران بحاجة للأوروبيين الذين يواجهون ضغوطاً أميركية قوية للالتحاق بمواقف واشنطن وخططها. من هنا، ليونة ظريف وإعلان استعداده للتفاهم مع الوكالة الدولية. وتقول مصادر أوروبية إن الإيرانيين «بارعون في إدخال المفاوضات في متاهات وإثارة مسائل غرضها الإلهاء وكسب الوقت»، وبالتالي لا ينتظر أحد أن تحل أحجية الموقعين الممنوعين على المفتشين بين ليلة وضحاها وعلى ضوء تغريدة ظريف.
من هنا، فإن باريس وبرلين ولندن تبحث، بحسب بيان صدر أمس عن وزارة الخارجية الفرنسية، عن «استراتيجية» للتعامل مع الملف النووي والتسليح الإيراني في الأشهر المقبلة، وهي بحاجة إلى «أوراق» تمكنها من الاستمرار في الدفاع عن الاتفاق.
ومعضلة الثلاث «في حال بقيت لندن على مواقفها الراهنة ولم تلتحق بالركب الأميركي» أن الإدارة الأميركية عازمة على تعزيز الضغوط على إيران وأن مدير عام الوكالة الدولية رافاييل غروسي، ضاق ذرعاً بـ«المماطلة»، وبرز ذلك في قوله أمس، إن العمل بمضمون «البروتوكول الإضافي» الذي ينص على الوصول غير المشروط إلى المواقع الإيرانية «ليس كيفياً». ولذا، فإن بحث الأوروبيين عن «استراتيجية» هو أكثر من ضرورة للتعامل مع ملف متعدد الأوجه وبالغ التعقيد.



إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
TT

إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

صعّدت إيران، أمس (الأربعاء)، في مضيق هرمز بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار؛ إذ تعرضت 3 سفن لهجمات متلاحقة، واحتجز «الحرس الثوري» اثنتين.

وجاء التصعيد تزامناً مع الإبقاء على باب التفاوض موارباً وفي ظل انتظار المفاوض الباكستاني تقليص الفجوة بين الجانبين.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيمدد الهدنة بانتظار «مقترح موحد» من طهران، مع إبقاء الجيش على أهبة الاستعداد، ومواصلة الحصار على الموانئ الإيرانية.

كما قال ترمب إن استئناف المحادثات «ممكن» خلال الأيام المقبلة، مشدداً على أن الحصار البحري يظل أداة الضغط الأساسية. وأكّد أن إيران لن تنتزع اتفاقاً من دون تقديم عرض واضح.

في المقابل، قال رئيس البرلمان الإيراني كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن وقف إطلاق النار لا معنى له إذا استمر الحصار البحري.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن ترى «انقساماً حاداً» بين المفاوضين والعسكريين داخل طهران، وأن غياب مركز قرار واضح يعرقل بلورة موقف موحد.

كما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن ترمب سيمنح إيران بضعة أيام لتقديم خطة سلام.

وفي هرمز، أفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بأن سفينة حاويات تعرضت لإطلاق نار من زورق تابع لـ«الحرس الثوري»، ما ألحق أضراراً جسيمة بجسر القيادة، فيما تعرضت سفينة ثانية لإطلاق نار من دون تسجيل أضرار، قبل أن تعلن وسائل إعلام إيرانية استهداف سفينة ثالثة واحتجاز السفينتين «إم إس سي فرانشيسكا» و«إيبامينونداس».


إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
TT

إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

بدأت إيران بتوثيق الهجمات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت مراكزها العلمية، وتعمل على إعداد ملف قانوني لملاحقتهما في المحافل الدولية، وفقاً لما ذكرته وكالة مهر الإيرانية للأنباء.

وفي تصريحات أدلى بها خلال زيارة لجامعة «الشهيد بهشتي» في طهران، قال نائب الرئيس الإيراني لشؤون العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة حسين أفشين إن هذا الجهد يتم تنفيذه «من خلال الدائرة القانونية في رئاسة الجمهورية»، بحسب تقرير الوكالة.

ووفقا للحكومة الإيرانية، تضررت أكثر من 20 جامعة في إيران جراء الضربات منذ بدء الحرب، كما تم استهداف أكاديميين فيما تزعم طهران أنها محاولة لإضعاف الأسس العلمية والثقافية للبلاد.

وصرح أفشين بأن «الهجمات على البنى التحتية العلمية والجامعية ليست مجرد اعتداء على الممتلكات والمعدات، بل هي هجوم على أسس إنتاج المعرفة، وتدريب الموارد البشرية الماهرة، ومستقبل التنمية في البلاد».

وأضاف أن السلطات الإيرانية تجمع «كافة الوثائق الفنية، وتقارير الخبراء، والأدلة الميدانية" تمهيدا لتقديمها "عبر القنوات القانونية المتاحة إلى الهيئات الدولية ذات الصلة»، وفقا لما ذكرته وكالة مهر.


انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
TT

انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

صعّدت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط مع اقتراب حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» من مسرح العمليات، في وقت عادت فيه «يو إس إس جيرالد فورد» إلى المنطقة، لتنضم إلى «يو إس إس أبراهام لينكولن».

ويضع هذا التحرك ثلاث حاملات طائرات أميركية في نطاق عملياتي واحد أو على مقربة منه، مع مجموعة ضاربة ثالثة تضيف نحو 5000 عنصر وثلاث مدمرات مرافقة، في أكبر حشد بحري من هذا النوع منذ عام 2003، في سياق توسيع الحصار البحري المفروض على إيران.

وتشير المعطيات إلى أن البحرية الأميركية تعمل على تشكيل طوق بحري متدرج يمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب والمحيط الهندي، بما يتيح التحكم بخطوط الملاحة المؤدية إلى الموانئ الإيرانية، مع إبقاء وحدات قتالية في حالة جاهزية للتحرك السريع نحو الخليج العربي ومضيق هرمز.

عودة «فورد» إلى المنطقة

عادت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى الشرق الأوسط بعد عبورها قناة السويس إلى البحر الأحمر برفقة مدمرتين، لتدخل مجدداً نطاق العمليات بعد توقف سابق بسبب حريق اندلع في مارس (آذار) في أحد مرافقها الداخلية. واستأنفت الحاملة انتشارها بعد إصلاح الأضرار، لتلتحق بالمسرح العملياتي ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية.

وانضمت «فورد» إلى «أبراهام لينكولن» العاملة في شمال بحر العرب، ما يعني وجود حاملتي طائرات قادرتين على تنفيذ عمليات جوية وبحرية متزامنة، تشمل الطلعات القتالية والاستطلاع والدعم اللوجيستي، إضافة إلى تغطية عمليات الحصار البحري.

«لينكولن» وغطاء بحر العرب

تواصل «أبراهام لينكولن» العمل في شمال بحر العرب، حيث تؤدي دوراً محورياً في العمليات الجوية والرقابة البحرية. وتعمل الحاملة ضمن مجموعة ضاربة تضم سفناً مرافقة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي، ما يوفر لها قدرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل الحماية البحرية، ومرافقة السفن، وتقديم الإسناد لعمليات الاعتراض والتفتيش.

ويتيح وجود «لينكولن» في هذا القطاع تغطية مساحات واسعة من المجال البحري الممتد بين بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي، مع قدرة على دعم عمليات الحصار البحري المستمرة على الموانئ الإيرانية.

اقتراب «بوش» من مسرح العمليات

تتحرك حاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» نحو الشرق الأوسط عبر المسار الجنوبي حول رأس الرجاء الصالح، بدلاً من المرور عبر مضيق باب المندب. ويُتوقع أن تصل إلى بحر العرب خلال أيام، ما يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية إلى ثلاث مجموعات ضاربة في المنطقة أو على مقربة منها، بحسب ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز».

وترافق «بوش» ثلاث مدمرات، ما يعزز قدرات الحماية والهجوم والدفاع الجوي للمجموعة. ويتيح هذا الانتشار تغطية متداخلة للبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، مع قدرة على إعادة التموضع السريع نحو الخليج العربي في حال تطلبت العمليات ذلك.

وسيضيف وصولها نحو خمسة آلاف عنصر إلى المنطقة ضمن مجموعة ضاربة ثالثة، ما يرفع مستوى الحشد البحري الأميركي إلى أكبر مستوى له منذ حرب العراق عام 2003.

أظهرت بيانات التتبع عبر موقع «فلايت رادار24» تحليق طائرة لوجستية من طراز «في - 22 أوسبري» قرب جزر القمر، في مؤشر على وجود أو اقتراب الحاملة «بوش» من مسرح العمليات. وتُستخدم هذه الطائرات لنقل الأفراد والبريد والحمولات وقطع الغيار بين القواعد البرية وحاملات الطائرات في البحر.

ويُعد ظهور هذه الطائرات على أنظمة التتبع المدني مؤشراً غير مباشر على مواقع المجموعات البحرية، في ظل التزام السفن العسكرية عادةً بإجراءات تقليل البصمة الإلكترونية وعدم بث مواقعها بشكل مباشر.

قوات برمائية وانتشار بحري موسع

بالتوازي مع حاملات الطائرات، دفعت الولايات المتحدة بقوات إنزال بحرية كبيرة إلى المنطقة؛ فقد وصل نحو 3500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم 2200 من عناصر الوحدة الاستكشافية 31، على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس تريبولي» والسفينة «يو إس إس نيو أورليانز»، ثم انضمت إليهما لاحقاً سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور».

كما تتحرك مجموعة برمائية ثانية تضم نحو 4500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم عناصر الوحدة الاستكشافية 11، على متن مجموعة «بوكسر» التي تضم «يو إس إس بوكسر» وسفينتين مرافقتين. وكانت هذه المجموعة قد غادرت بيرل هاربر في الأول من أبريل (نيسان)، ويُتوقع وصولها إلى المنطقة في نهاية الشهر.

طائرة من طراز «في - 22 أوسبري» (أ.ب)

نفذت قوات من مشاة البحرية عمليات إنزال انطلاقاً من «تريبولي»، حيث استخدمت مروحيات لنقل عناصر سيطرت على سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب. وتعد هذه العملية أول عملية مصادرة لسفينة منذ بدء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

وتوفر هذه القوات قدرة على تنفيذ عمليات صعود على متن السفن أو إنزال مباشر من البحر باستخدام مروحيات وزوارق إنزال ومركبات برمائية، بما يعزز من فاعلية الحصار البحري وقدرته على فرض السيطرة على خطوط الملاحة.

قوات برية وجاهزية تدخل

أمر البنتاغون بنشر ما يصل إلى 3000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي قوة مظلية قادرة على الانتشار السريع باستخدام طائرات نقل عسكرية من طراز سي-17 وسي-130. كما تم نشر نحو 10 آلاف جندي مدربين على عمليات الاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها.

وتتمتع هذه القوات بقدرة على تنفيذ عمليات إنزال جوي خلال ساعات، مع إسقاط الأفراد والمركبات والمدفعية في مناطق العمليات. وتعمل هذه الوحدات بالتوازي مع القوات البرمائية، ما يوفر خيارات متعددة للانتشار الميداني.

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 25 فبراير الماضي (رويترز)

شبكة حصار بحري متكاملة

يشمل الانتشار الأميركي مدمرات وسفن إنزال ومنصات استطلاع وطائرات دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون»، إضافة إلى طائرات تزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135». وتؤدي هذه الشبكة دوراً محورياً في مراقبة السفن واعتراضها، وتأمين خطوط الملاحة، وتنفيذ عمليات الإنفاذ البحري.

ويغطي هذا الانتشار الممرات البحرية الرئيسية، بما في ذلك مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب، مع قدرة على متابعة السفن الداخلة والخارجة من نطاق الملاحة المرتبط بإيران.

ويمنح وجود ثلاث حاملات أو ما يقارب ذلك الولايات المتحدة قدرة كبيرة على توزيع الطلعات الجوية ومهام الحماية البحرية والاستطلاع بعيد المدى. وتوفر الحاملات غطاءً دائماً لعمليات التفتيش والاعتراض، وتدعم القدرات اللوجستية والقتالية للقوات المنتشرة في البحر.

ومع استمرار الحصار، تتحول هذه الحاملات إلى منصات لفرض ضغط متواصل على إيران، من دون الحاجة إلى إعلان حملة هجومية جديدة. كما يسمح هذا الانتشار بالحفاظ على الجاهزية إذا فشلت المساعي السياسية واضطرت واشنطن إلى توسيع العمليات مجدداً.

زورق على متن سفينة الهجوم البرمائية «يو إس إس بوكسر» «واسب» خلال عمليات الإنزال من السفينة إلى الشاطئ في المحيط الهادئ، في 18 مارس 2026 (البحرية الأميركية)

جاهزية عملياتية مستمرة

توفر الوحدات الاستكشافية البحرية قدرة على تنفيذ إنزال سريع من السفن إلى الساحل باستخدام زوارق ومروحيات و«في - 22 أوسبري»، مع نقل الوقود والإمدادات مباشرة من البحر. وتتيح هذه القدرات استمرار العمليات لفترات ممتدة مع دعم لوجستي من السفن القريبة.

في المقابل، تعتمد قوات الفرقة 82 المحمولة جواً على إسقاط سريع مع إمدادات تكفي من يوم إلى يومين، قبل الحاجة إلى إعادة الإمداد عبر الجو أو من خلال خطوط دعم إضافية.

تؤمّن هذه التشكيلات العسكرية قدرة على تنفيذ عمليات بحرية وجوية وبرية متزامنة، تشمل الحصار البحري، وعمليات الاعتراض، والإنزال، والتدخل السريع. ومع وجود ثلاث حاملات طائرات ومجموعتين برمائيتين وقوات محمولة جواً، يكتمل انتشار عسكري متعدد الأبعاد يغطي كامل مسرح العمليات البحري المحيط بإيران، مع جاهزية مستمرة لتنفيذ المهام العملياتية المختلفة.

يأتي هذا الحشد ضمن عملية «ملحمة الغضب»، حيث بلغ عدد المصابين في صفوف القوات الأميركية 400 عنصر، بينهم 271 من الجيش و64 من البحرية و19 من مشاة البحرية و46 من سلاح الجو. كما بلغ عدد القتلى 13 عسكرياً، سقطوا في المراحل الأولى من الحرب.

وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق العمليات العسكرية وتعدد أذرعها البرية والبحرية والجوية، في ظل استمرار الانتشار العسكري واسع النطاق.

قدرات إيرانية ما زالت قائمة

في المقابل، تشير تسريبات من مسؤولين أميركيين نقلتها شبكة ـ«سي بي إس نيوز» إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لا تزال أكبر مما أعلنته الإدارة الأميركية؛ فبحسب هذه التقديرات، بقي نحو نصف مخزون الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاقها سليماً عند بداية وقف إطلاق النار، فيما لا يزال نحو 60 في المائة من الذراع البحرية لـ«الحرس الثوري» قائماً، بما في ذلك الزوارق السريعة الهجومية.

كما يعتقد أن نحو ثلثي القوة الجوية الإيرانية لا تزال قابلة للعمل، رغم الحملة الجوية المكثفة التي استهدفت آلاف المواقع. ويعني ذلك أن الانتشار الأميركي لا يواجه فراغاً عسكرياً، بل خصماً ما زال يحتفظ بقدرات كافية لإرباك الملاحة ورفع كلفة الحصار.