الأوروبيون يبحثون عن «استراتيجية» موحدة للتعامل مع الملف النووي الإيراني

الأوروبيون يبحثون عن «استراتيجية» موحدة للتعامل مع الملف النووي الإيراني

السبت - 28 شوال 1441 هـ - 20 يونيو 2020 مـ رقم العدد [ 15180]
وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا في مجاملة قبل الدخول إلى مفاوضات، ويسبقهما وزير الخارجية الألماني في برلين أمس (د.ب.أ)
باريس: ميشال أبو نجم

بانت عزلة إيران بشكل جلي، أمس، في القرار الذي تبناه مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة النووية في فيينا، وهو يطالب طهران بالتعاون الكامل مع مفتشي الوكالة والإقلاع عن وضع العصي في دواليبهم ومنعهم من الوصول إلى موقعين نوويين تحوم حولهما ظنون بأنهما احتضنا أنشطة نووية سابقة قد تكون على علاقة بتجارب لإنتاج سلاح نووي.

القرار وإن كان رمزياً وليست له تبعات مباشرة، يرتدي أهمية استثنائية لثلاثة اعتبارات: الأول، أن طرحه جاء بطلب مشترك من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وهي الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق النووي التي رفضت حتى اليوم ضغوط واشنطن للتخلي عنه، لا بل إنها سعت لمساعدة إيران في الالتفاف على سياسة «الضغط الأقصى» التي فرضتها على طهران.

ولذا يمكن فهمه، وفق مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس على أنه «تعبير عن استياء العواصم المعنية» من الأداء الإيراني، وفي الوقت عينه «السير خطوة ثانية باتجاه المواقف الأميركية المتشددة» بعد خطوة أولى، بداية العام الجاري، تمثلت في تفعيل آلية فض النزاعات المنصوص عليها في الاتفاق النووي التي يمكن أن تعيد ملفه مجدداً إلى مجلس الأمن الدولي.

والاعتبار الثاني أن قرار الوكالة وهو الأول من نوعه منذ عام 2015 «أي منذ تبني الاتفاق»، يعيد الملف النووي إلى واجهة الأحداث بعد أن غيبه وباء فيروس كورونا، ما يعني أن مرحلة «السماح» التي استفادت منها طهران في الأشهر الثلاثة الأخيرة قد انتهت، وأن أنظار العالم ستتركز مجدداً عليها. والاعتبار الثالث (والأخير) أن الأوروبيين عادوا ليجدوا أنفسهم في موقف غير مريح. فهم يواجهون، من جهة، الضغوط الأميركية، ومن جهة مقابلة، الرفض الإيراني، ولديهم، في الوقت عينه، قناعة عميقة، بأن وصول المفتشين الدوليين إلى المواقع الإيرانية وفق الاتفاق وبموجب «البروتوكول الإضافي» الذي يعطيهم الحق بتفتيش كل المواقع التي يريدونها، هو العنصر ربما الأخير الذي أبقى الاتفاق على قيد الحياة بعد أن تحللت طهران، تباعاً، من غالبية التزاماتها فيه.

حتى اليوم، بقي الأوروبيون مقتنعين بأن إيران ما زالت متمسكة بالاتفاق، واكتفوا، في الأشهر الماضية، حتى بعد تفعيل آلية فض النزاعات، بتكرار دعوتها إلى التراجع عن «انتهاكاتها» له، أكان ذلك بخصوص رفع نسبة التخصيب أو حجم مخزون اليورانيوم المخصب أو نوعية أجهزة الطرد المركزية المستخدمة التي تسرع وتيرته ونسبته أو إطلاق العنان للبحوث والتجارب... وهذه القناعة دفعت وزير الخارجية الفرنسي كما الألماني أمس، إلى التأكيد أن «الاتفاق هو الإطار الأفضل لمنع إيران من حيازة السلاح النووي». ولكن، إذا استمرت إيران في التمنع ورفض وصول المفتشين إلى مواقع إضافية بحجة أن المعلومات بشأنها وصلت إلى الوكالة من «جهات معادية» وعلى رأسها إسرائيل، فإن الحجة الرئيسية للتمسك بالاتفاق تسقط عندها من أيدي الأوروبيين.

وليس من المستبعد أن عزلة إيران والتصلب الأوروبي المستجد هما ما دفعا وزير الخارجية الإيراني إلى إبراز شيء من الليونة بقوله في تغريدة، عقب التصويت على القرار في فيينا، إنه «من الممكن التوصل إلى حل مناسب» لطلب الوكالة الدولية. وهذا يعني أن محمد جواد ظريف استوعب الرسالة الأوروبية مخاطر خسارة «التفهم» الأوروبي.

ولذا، فإنه يسعى لكسب مزيد من الوقت، لكنه يناقض في الوقت نفسه تصريحات إيرانية أخرى سبقت التصويت و«نبهت» إلى تسييس الملف وإلى «الإضرار بالمستوى الحالي من التعاون» بين طهران والوكالة. وتوقع وزير خارجية ألمانيا مايكو هاس أمس، أن «تلتزم إيران في النهاية بتعهداتها».

ثمة قناعة أوروبية متجذرة بأن إيران، رغم خروجها التدريجي من الاتفاق، ما زالت تواجه سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية بسياسة «الصبر الاستراتيجي» التي تعني عملياً انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية التي ستجرى في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وثمة معركة حامية في الأمم المتحدة، في الأسابيع المقبلة، عنوانها نهاية الحظر الدولي المفروض على السلاح التقليدي لإيران في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، وهو ما تسعى واشنطن لتعديله لجهة تمديد العمل به. لذا، فإن طهران بحاجة للأوروبيين الذين يواجهون ضغوطاً أميركية قوية للالتحاق بمواقف واشنطن وخططها. من هنا، ليونة ظريف وإعلان استعداده للتفاهم مع الوكالة الدولية. وتقول مصادر أوروبية إن الإيرانيين «بارعون في إدخال المفاوضات في متاهات وإثارة مسائل غرضها الإلهاء وكسب الوقت»، وبالتالي لا ينتظر أحد أن تحل أحجية الموقعين الممنوعين على المفتشين بين ليلة وضحاها وعلى ضوء تغريدة ظريف.

من هنا، فإن باريس وبرلين ولندن تبحث، بحسب بيان صدر أمس عن وزارة الخارجية الفرنسية، عن «استراتيجية» للتعامل مع الملف النووي والتسليح الإيراني في الأشهر المقبلة، وهي بحاجة إلى «أوراق» تمكنها من الاستمرار في الدفاع عن الاتفاق.

ومعضلة الثلاث «في حال بقيت لندن على مواقفها الراهنة ولم تلتحق بالركب الأميركي» أن الإدارة الأميركية عازمة على تعزيز الضغوط على إيران وأن مدير عام الوكالة الدولية رافاييل غروسي، ضاق ذرعاً بـ«المماطلة»، وبرز ذلك في قوله أمس، إن العمل بمضمون «البروتوكول الإضافي» الذي ينص على الوصول غير المشروط إلى المواقع الإيرانية «ليس كيفياً». ولذا، فإن بحث الأوروبيين عن «استراتيجية» هو أكثر من ضرورة للتعامل مع ملف متعدد الأوجه وبالغ التعقيد.


أوروبا اخبار اوروبا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة