لبنان: الانقلاب التشريعي الأبيض يحرج الفريق الاقتصادي للحكومة

لبنان: الانقلاب التشريعي الأبيض يحرج الفريق الاقتصادي للحكومة

السبت - 28 شوال 1441 هـ - 20 يونيو 2020 مـ رقم العدد [ 15180]
بيروت: علي زين الدين

باستثناء «لقب صاحب المعالي»، الملغى رسمياً، قد لا يجد الوزراء الاقتصاديون في الحكومة اللبنانية مَن يحسدهم على مواقعهم الوزارية التي تسلموها من أسلافهم المنصرفين بالاستقالة، وذلك عقب اختلالات حادة في الموازنة، ومداواة ضريبية عقيمة، أنتجت موجات متتابعة من المظاهرات الشعبية العارمة والاحتجاجات العاتية انفجرت أولاها يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
الحقيقة أن لبنان في أزمة تحاكي وصف «الوجودية»؛ كونها غير مسبوقة في تاريخه الحديث. فالاقتصاد الوطني، بكل قطاعاته، يُحتضَر تحت وطأة انهيارات متدحرجة، بدأت بفجوات عميقة ومتسعة في المالية العامة. ثم تمددت إلى واقع «السقوط الحر» للنقد الوطني، لتنحو بوتيرة متسارعة في اتجاه تقويض النظام المالي بكامله من أسس ومقومات ومؤسسات، بما فيه «درة التاج» التي يمثلها الجهاز المصرفي بأصول فاقت 5 أضعاف الناتج المحلي، وبهوية إقليمية، وحضور دولي مميز. وهكذا ولدت، بالتكافل والتضامن، حزمة أزمات أخطر واشد إيلاماً، مع انضمام نحو 60 في المائة من المواطنين إلى «جحيم»” الفقر، وذوبان الطبقة الوسطى، وتضخيم البطالة فوق مستوى 40 في المائة في القطاع الخاص، وتعظيم التضخم أعلى من حدود 100 في المائة.
مما زاد في حساسية مسؤوليات الفريق الاقتصادي الوزاري، يتقدمهم وزير المال الدكتور غازي وزني ووزير الاقتصاد راوول نعمة (وهما من بيئة «المهنيين الاختصاصيين»، انخراط الحكومة في برنامج «آحادي»، بالتعاون مع شركة «لازار الاستشارية الدولية». ولقد تسببت خلاصاته بصدام مبكّر مع حاكمية «مصرف لبنان» (البنك المركزي) ومحاولات لم تصل إلى مبتغاها لإقالة الحاكم رياض سلامة، ومع جمعية المصارف المنضوية إلى الهيئات الاقتصادية الممثلة لمكونات القطاع الخاص. وعلى الأثر، بدأت في ظلال البرنامج وتداعياته جولات المفاوضات مع «صندوق النقد الدولي» الذي تنشد من خلالها الجولة اللبنانية الحصول على تمويل ميسّر بمقدار 10 مليارات دولار أميركي.
لكن الحكومة تفرّدت بإنجاز خطتها الهادفة إلى إنقاذ الاقتصاد الوطني وتعافيه، من دون التشاور المسبق مع شركائها في القطاع المالي المعني بتحديد مكامن الأزمة ومقترحات معالجتها. وقدمت خطة أحصت فيها خسائر محاسبية وضمّنتها موجبات آجلة ومحفظة تمويل المصارف للقطاع الخاص بقيمة 241 ألف مليار ليرة. وحصل ذلك بعد أسابيع قليلة على إشهار «تمنّع» الدولة عن سداد شريحة مستحقة بقيمة 1200 مليون دولار من سندات «اليوروبوندز» في النصف الأول من شهر مارس (آذار) الماضي. وهو ما يعني تفشي مفاعيل القرار على كامل موجبات الدين العام البالغ نحو 93 مليار دولار. وبالتالي، تحميل الأعباء كاملة على «الدائنين»، أي «البنك المركزي» والمصارف بصورة رئيسية، وجزئيا على الأجانب الحاملين لنحو 16 مليار دولار من سندات الدين الدولية.
وانتقل التباعد في المواقف والخلفيات بين الأطراف الأساسية بسرعة إلى طاولة المفاوضات مع خبراء «صندوق النقد الدولي» في واشنطن (عبر تقنية الفيديو). ولم تمنع رئاسة الوزير وزني للفريق اللبناني، ظهور التباينات العميقة - إلى حد التناقض أحياناً - في الرؤى والأرقام وكيفية توزيع «الأحمال» بينهم. ومن ثم، اكتشف الجميع بسهولة، أن شكوك المؤسسات الدولية بقدرة الدولة والحكومة اللبنانيتين على التزام برامج الإصلاح مالياً ونقدياً وإعادة هيكلة القطاع العام، تزداد ترسخاً ما دامت المرجعيات المعنية تجري في حلبة مصارعة.
أيضاً «اكتشف» الجميع أمراً بديهياً هو أن خطوط اتصال «الصندوق» مفتوحة مع «مهنيين محايدين» في قطاعي المال والبنوك، فضلاً عن معرفتهم الوثيقة بلبنان وأحواله على مدى يقارب ثلاثة عقود، عبر بعثتهم المعتادة عالمياً.
وبناءً عليه، ما عدته الحكومة «إنجازاً» بعد إكمالها 100 يوم في الحكم، انقلب رأساً على عقب مع انتهاء مهمة تقصي الحقائق والبت في بيانات الخسائر المحققة فعلياً. وكانت قد تولت التقصي وأنجزته للتو لجنة المال والموازنة في مجلس النواب، بمشاركة كثيفة جذبت نواباً من غير الأعضاء، وبالتشاور مع كل مسؤولي القطاع المالي. وبدت المهمة في حصيلتها أبعد من التصويب في الأرقام، لتصير «انقلاباً» تشريعياً أبيض أعاد وضع «الحصان أمام العربة»، بعدما كانت تجره خلفها في مسار شديد الانحدار.
وبالنتيجة، هبوط تقدير الخسائر المجمعة من 240 ألف مليار ليرة إلى نحو 80 ألف مليار (وفق التسريبات)، وإعادة النظر بالأوصاف والمقاربات، وتوزيع «الأحمال» برفض «تنصل» الدولة والحؤول دون أي اقتطاع من ودائع الجهاز المصرفي، كانت من العوامل التي أسهمت في إعادة الانتظام التائه إلى المؤسسات بضمانة المؤسسة التشريعية. وأسهم في ذلك أيضاً استباق الإنجاز بتأكيد رئيس مجلس النواب نبيه برّي «ضرورة توحيد أرقام الخطة برعاية المجلس، للتفاوض على أساسها مع «صندوق النقد الدولي»، ما أراح أهل القطاع المالي وزاد حرج «الفريق الاقتصادي» الحكومي من وزراء ومستشارين.


حصاد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة