اجتماعات ليبية سرية في القاهرة لعزل جماعة الإخوان وميليشياتها

{الشرق الأوسط} حضرت أحد اللقاءات ضم رجال أعمال محسوبين على {فجر ليبيا}.. ووثائق تكشف عن خلافات حول مصير حفتر

الدخان يغطي سماء بنغازي بسبب الاشتباكات بين الجيش وميليشيات الإسلاميين (رويترز)
الدخان يغطي سماء بنغازي بسبب الاشتباكات بين الجيش وميليشيات الإسلاميين (رويترز)
TT

اجتماعات ليبية سرية في القاهرة لعزل جماعة الإخوان وميليشياتها

الدخان يغطي سماء بنغازي بسبب الاشتباكات بين الجيش وميليشيات الإسلاميين (رويترز)
الدخان يغطي سماء بنغازي بسبب الاشتباكات بين الجيش وميليشيات الإسلاميين (رويترز)

أمام فيلا تطل على «الحي الدبلوماسي» في ضاحية «التجمع الخامس» بشرق القاهرة، كان يقف حارسان مصريان في ملابس رمادية. هنا يقيم أحد أهم الشخصيات التي عملت لسنوات مع معمر القذافي قبل أن ينشق عن نظامه في 2011. وبعد قليل بدا أن هناك حركة مثيرة للانتباه. نعم.. لقد جاء توا وفد مكون من ثلاثة يمثلون أبرز الداعمين لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، وعبروا مدخل الفيلا المزين بالمرايا والرسوم الفرعونية.
وكان مع الوفد مجموعة وثائق، من بينها ورقة تتكون من عدة نقاط للتفاوض حولها، بينما تشمل الأوراق الأخرى، التي اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخ منها، حصيلة اجتماعات عقدها سياسيون ورجال أعمال «معتدلون» لكنهم محسوبون في الوقت نفسه على قوات «فجر ليبيا» التي يقودها متشددون من «الإخوان». وتبين من الأوراق أن هؤلاء الداعمين لميليشيات الجماعة يتجهون للتخلي عنها، وأصبحت لديهم رؤية تتجاوز المنظور الضيق الذي يتعامل به الإخوان والمتشددون مع الحالة الليبية.
وأكدت الوثائق أن الانتصار الذي حققته «فجر ليبيا» في معركة السيطرة على مطار طرابلس الدولي وعلى العاصمة نفسها في الأشهر الماضية «قابلته خسائر سياسية كبيرة أصبح لها تداعيات محلية وإقليمية ودولية تصب في صالح البرلمان الجديد الذي يعقد جلساته في طبرق».
ويقود الوفد شاب من كبار المستوردين الليبيين في طرابلس. وخلافا لتوجهات قادة «فجر ليبيا» تشير الوثائق إلى وجود مساعٍ من أبرز داعمي هذه القوة للدخول في حوار مع باقي الخصوم بمساعدة دول الجوار والأمم المتحدة للتوافق حول الوضع السياسي، يتضمن الاعتراف بالبرلمان الجديد، مع وجود تحفظات على الحكومة المنبثقة منه، وعلى اللواء خليفة حفتر، الذي يقود «عملية الكرامة» العسكرية ضد المتطرفين.
وفي لغة جديدة قالت الأوراق ما معناه أن «قوة فجر ليبيا ومن يقودها من جماعة الإخوان، عليها أن تعلم أنه لن يكون في استطاعتها الدخول في مفاوضات مع الأطراف الدولية حول الحل في ليبيا، ما دامت ترفض الاعتراف بالبرلمان الذي اختاره الشعب وفقا لصناديق الاقتراع وبالطريق الديمقراطي».
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع تشديد الجيش الوطني، بقيادة حفتر، ضرباته على مواقع المتشددين، ليس في بنغازي فحسب، بل في العاصمة ومحيطها، أي ضد معاقل ميليشيات «الإخوان» التي تقودها شخصيات أغلبها من مدينة مصراتة الواقعة على بعد 200 كيلومتر شرق طرابلس.
ويوجد في مصر عدة عشرات من الشخصيات الليبية المهمة التي تنتمي إلى عهد القذافي وأخرى تنتمي إلى عهد ما يعرف بـ«ثورة 17 فبراير 2011»، تضم منشقين ومعارضين سابقين.. كل هؤلاء فروا من البلاد، بعد هيمنة الإخوان والمتشددين المتحالفين مع الجماعة على البلاد، طيلة السنوات الثلاث الماضية، وذلك بسبب تهديدات بالاغتيال من جانب المتطرفين.
وبعد أن جابت الكثير من هذه الشخصيات بلدانا عربية وأوروبية، استقرت أخيرا في أبراج تطل على النيل، وفي فيلات تقع داخل مجمعات سكنية مغلقة على تخوم القاهرة مثل مدينة السادس من أكتوبر، ومنطقة «التجمع الخامس». ومن بين هؤلاء قيادات حكومية ووزراء سابقون ينتمون إلى توجهات سياسية وقبلية وجهوية مختلفة.
ويعقد بعض من هؤلاء الفرقاء اجتماعات مصغرة، وغير معلن عنها، بين حين وآخر لمتابعة ما يجري من اقتتال في بلادهم وسبل الخلاص من المخاطر التي تهدد ما تبقى من الدولة الليبية. وزادت مثل هذه اللقاءات في الأسابيع الأخيرة، وشملت أيضا مقابلات مع موفدين من أوروبا والولايات المتحدة وروسيا، كان آخرها مقابلة جرت في فندق «فورسيزونز» المطل على كورنيش القاهرة، مع رجل فرنسي يتمتع بعلاقات واسعة مع قادة في منطقة الشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي، واستمع من أحد الرموز السياسية الليبية لخطر المتشددين الإسلاميين، ليس على ليبيا فقط، ولكن على الأمن في دول الجوار والبحر المتوسط وأوروبا.
وتعد هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها ممثلون لرجال أعمال ليبيين كبار معروفين بدعمهم المالي والقبلي والجهوي لجماعة الإخوان مقابلة أقطاب محسوبة على «نظام القذافي» ومحسوبة على «البرلمان الجديد». وتبين الوثائق التي تسلمت قيادات ليبية مقيمة في القاهرة نسخا منها أيضا، الأزمة التي أصبح يمر بها الإخوان، خصوصا بعد الخسائر الشعبية والسياسية التي ضربت الجماعة في كل من مصر وتونس. وجرى تسريب هذه الوثائق أيضا لمسؤولين كبار معنيين بالشأن الليبي، من مصر وتونس والجزائر وأطراف دولية.
وتعد منطقة «التجمع الخامس» واحدا من أرقى المواقع السكنية في القاهرة، وتقع فيها فيلات لكبار الشخصيات من مصر وخارجها. وأمام الفيلا المطلة على «الحي الدبلوماسي» فتح أحد الحراس الباب لدخول الليبيين الثلاثة، القادمين إلى هنا عبر مطار إسطنبول التركي، ليجدوا في استقبالهم القيادي السابق في نظام القذافي البالغ من العمر نحو 60 عاما.
وتبادل الرجال الابتسامات وهم يهزون أيديهم في سلامات حارة وطويلة، قبل أن يختفوا في الصالون الواسع الذي يتكون من عدة زوايا تمنح الخصوصية في حال وجود أكثر من زائر في نفس الوقت. وشهدت «الشرق الأوسط» جانبا من هذا اللقاء الفريد من نوعه، والذي تطرق في بدايته، عن سير الحياة في البلاد الغارقة في الفوضى، وذلك حول أطباق ممتلئة بالفستق واللوز وبذور اللب والعصائر.
وسأل صاحب الفيلا ضيوفه عن 5 من أسماء القيادات السياسية والقبلية الكبيرة في السن والمسجونة في أقبية تابعة لميليشيات الإخوان في طرابلس وضواحيها منذ مقتل القذافي في خريف عام 2011، حتى الآن، لكن الردود جاءت محبطة، حيث كان رئيس الوفد يتولى الرد. وهنا قال القيادي السابق في نظام القذافي إنه في حالة وفاة أي من هذه الشخصيات في سجون الميليشيات ستكون محاولات التفاهم حول المستقبل أكثر صعوبة، وإنه «حتى لو تخليتم عن دعم الإخوان فإن هذا لا يعفيكم من المسؤولية عن مصير المعتقلين»، مشيرا إلى أن هؤلاء الخمسة يعانون من اعتلال الصحة بسبب الشيخوخة، وأن من بينهم ابن عم للقذافي نفسه.
وتابع قائلا للضيوف الثلاثة: «لا نريد إطلاق سراح المتهمين في قضايا جنائية، إلى أن تستكمل التحقيقات بشأنهم شرط أن تكون نزيهة، ومنهم رئيس المخابرات السابق (السنوسي) ورئيس الوزراء الأسبق (المحمودي)، ولكن يوجد معتقلون لا ذنب لهم سوى أنهم ينتمون إلى قبائل اعتمد القذافي على عدد من أبنائها أثناء حكمه، من قبائل ورفلة والمقارحة والقذاذفة أيضا».
وكان رئيس الوفد، الذي يحظى بثقة كبار رجال الأعمال المعروفين بوقوفهم وراء ميليشيات الإخوان، يعيش في المنفى، في أوروبا، في العهد البائد، ورجع إلى بلاده لينخرط في ثورة فبراير، لكنه بعد أن عمل في «منظومة الثوار وكتائبهم» فوجئ بالإخوان يهيمنون عليها - كما يقول - ويحاولون، خصوصا من مطلع هذه السنة، جر قيادات أخرى مؤثرة لدعم حروب الجماعة ضد باقي الفصائل والقبائل والمدن الليبية، فقرر التوقف عن السير في هذا الطريق، منتصف العام الحالي، والانحياز إلى حراك يقوده سياسيون وأثرياء ومثقفون، بينهم أكاديميون تعلموا في الخارج وشبان من مدينة مصراتة الثرية.
وقال رئيس الوفد إن «مصراتة تريد أن تدرأ عن نفسها تهما بدعم الإخوان والمتطرفين». وبدأ يشرح، وهو يتطلع إلى الجدران وما عليها من صور عائلية وخارطة لليبيا، المصاعب التي أوضح أن الكثير من الليبيين في الداخل والخارج لا يعرفونها عن سطوة قيادات إخوانية على مدن مصراتة وزليتن وسرت وصبراتة وبنغازي، وهيمنتهم على ميليشيات تضم ألوف الشبان والمعدات الحربية التي أصبحت تعرف في ما بعد بـ«فجر ليبيا»، للسيطرة على العاصمة والبلدات المجاورة لها والتشدد الذي أصبحت عليه الجماعة، عقب تحالفها مع باقي التنظيمات المتطرفة في البلاد، بما في ذلك رفضها للحوار مع البرلمان الجديد ورموزه باعتبار أنهم «فاقدون للشرعية ويستخدمون الجيش للانقلاب على ثورة فبراير».
وظهر من الحوار الذي استكمله الطرفان بعد ذلك على مائدة غداء تضم أكلات شعبية ليبية، في بهو آخر بالفيلا، أن الخلاف الرئيس يدور حول نقطتين.. الأولى عملية «فجر ليبيا»، لكن بدا أن هناك توافقا مبدئيا على طرح يقضي بمحاولة فصل «الثوار» عن ميليشيات الإخوان، من أجل تسهيل مهمة التفاوض بين الفرقاء مستقبلا، بعيدا عن المتشددين من الجماعة. والثانية حول مستقبل «اللواء حفتر» وكيف أن استمراره في قيادة «عملية الكرامة» يمكن أن يعرقل انخراط المعتدلين الفاعلين، خصوصا في مصراتة، في المفاوضات المقترحة، سواء داخل ليبيا أو في إحدى دول الجوار، كالجزائر.
وتعد منطقة الرجمة القريبة من مدينة بنغازي مقر عمليات الجيش بقيادة حفتر ضد المتطرفين، بينما ينظر إلى مصراتة على أنها القاعدة الرئيسة لعملية «فجر ليبيا» التي يلتف يهيمن عليها المتشددون. ويؤيد البرلمان الجديد حرب الجيش ضد المتشددين في عموم البلاد بقيادة حفتر، ولديه حكومة معترف بها دوليا هي حكومة عبد الله الثني. ويعقد هذا البرلمان جلساته في مدينة طبرق، مؤقتا، بعيدا عن مناطق الحرب.
ومن جانبه قام «المؤتمر الوطني العام (البرلمان المنتهية ولايته)»، الذي كان يهيمن عليه الإخوان والمتطرفون، بالاستناد على قوات «فجر ليبيا»، كذراع عسكرية لا يستهان بها، لكي يعود لعقد جلساته في طرابلس، ويعلن عن تشكيل حكومة موازية بقيادة عمر الحاسي.
ويعد الحاسي من المتعاطفين مع الإخوان، لكن المشكلة تكمن في أن معسكر الجماعة يتبنى خطابا يرفض الاعتراف بالبرلمان المنتخب، ويصف نفسه بأنه المعسكر الذي «يمثل الثورة التي قامت ضد القذافي»، وما زال يطلق على العناصر التي تقاتل معه لقب «ثوار» رغم مضي أكثر من 3 سنوات على انتهاء الثورة. وأعاد الإخوان عقد جلسات المؤتمر الوطني برئاسة نوري أبو سهمين، المحسوب على الجماعة. لكن الوثائق الجديدة المشار إليها تضمنت لأول مرة الاعتراف صراحة بأن «البرلمان الجديد (الذي أيد عملية الكرامة ضد المتطرفين) يمثل الشرعية السياسية في البلاد»، وأنه «يوجد حوله إجماع وطني، بينما نجد في المقابل أن ممارسات الثوار (مقصود بهم ميليشيات فجر ليبيا وأنصار الشريعة) تبدو خارج الشرعية القانونية».
وتحذر وثيقة أخرى من تسليم قوات «فجر ليبيا» لنفسها لتحقيق طموحات الإخوان، ومن خطورة أن تكون هذه القوات بمثابة جيش لبرلمان أبو سهمين، وحكومة الحاسي. وتبين الأوراق وجود إدراك لكراهية الشعب لتجربة البرلمان السابق وما أصدره من قوانين مثل قانون العزل السياسي، وتسببه في زيادة الاحتقان بين الفرقاء الليبيين طوال مدة عمله التي استمرت نحو عامين وقعت فيهما الكثير من الاضطرابات والمواجهات والاغتيالات.
وأقام أعضاء الوفد الليبي في فندق «فيرمونت» القريب من مطار القاهرة الدولي، ولديهم وجهة نظر تقول إن الأمور سارت بشكل متسارع منذ قرر الليبيون إسقاط النواب الإخوان وانتخاب شخصيات وطنية مستقلة، قبل 4 أشهر، حيث تصدت قيادات الإخوان «وللأسف معظمهم ينتمون إلى مدينة مصراتة» للبرلمان الجديد، ولكل من أعلن موالاة الجيش في حربه ضد المتطرفين.
وشكلت الجماعة تحالفا من الميليشيات التي يوالي بعضها تنظيم القاعدة، مثل تنظيم أنصار الشريعة، وقامت بالهجوم على مطار طرابلس لإخضاع العاصمة لسيطرتها بالقوة، ويشير أحد أعضاء الوفد إلى أن هذا الأمر «جعل كبار رجال السياسة والمال، في مصراتة، يشعرون بالقلق من المستقبل، محليا ودوليا، خصوصا بعد أن أصدر مجلس الأمن قراره رقم 2161 منتصف هذا العام، بفرض عقوبات مالية وحظر السفر على الأشخاص والكيانات التي تستخدم العنف أو تموله أو تدعو إليه».
ومن جانبه يقول رئيس الوفد الليبي إن رجال أعمال أغلبهم من المنطقة الغربية من بلاده وبعضهم من بنغازي، وبسبب قرار الأمم المتحدة المشار إليه تعرضوا بالفعل للملاحقة في الشهور الأخيرة في بعض الدول، منها دول خليجية تعد من المحطات المهمة للمستوردين الليبيين للسيارات والأجهزة الإلكترونية والمنزلية من آسيا، وذلك بعد الاشتباه في مشاركتهم في تمويل الإخوان و«فجر ليبيا».
ويقول عضو من الوفد ويعمل في مجال استيراد معدات الحفر وتكسير الحصى من ألمانيا، ويعد من السياسيين المعتدلين الذين بدأوا ينفرون من توجهات الإخوان، إن التوصل إلى تفاهمات مع الخصوم السياسيين سواء في الداخل أو من الموجودين في الخارج مثل المجموعات الموجودة بمصر «ما زال سابقا لأوانه بسبب حالة الاستقطاب الشديدة التي تسببت فيها الجماعة وحلفاؤها، في أوساط شبان من مصراتة وصبراتة وبعض مناطق طرابلس وما حولها». ويضيف أن «أي حوار أو مصالحة ستحتاج إلى تغيير لمفاهيم عدة، وبالتالي إلى مزيد من الوقت، بما في ذلك موضوع الإفراج عن قيادات سياسية وقبلية بعينها، لكن أهم شيء في هذه المرحلة أن يعرف العالم أننا لن نسير وراء الإخوان، كما أن عملية فجر ليبيا نرى أنها لا بد أن تتوقف.. هذه العملية كانت محسوبة على مصراتة، لكن الآن أصبح يسيطر عليها المتطرفون ويستغلونها في تحقيق أهدافهم الخاصة الضيقة».
وعلمت «الشرق الأوسط» أن الوفد الليبي لم يتمكن من إجراء أي مقابلة مع ممثلي الدولة المصرية رغم تقدمه بطلب لقيادات مسؤولة بالقاهرة عبر وسيط، وأن الجانب المصري رد على طلب هذا الوفد، بشكل غير مباشر، بالتأكيد على أن «من يقُل من القيادات الليبية إنه ينبذ التطرف ويريد أن ينسحب من تحالف الإخوان، فعليه أن يتخذ إجراءات عملية على أرض الواقع قبل أن يطرق الباب المصري».
وتشير الوثائق إلى اجتماعات عقدها سياسيون ورجال أعمال في غرب ليبيا في الأسابيع الماضية، وتقر بأن ليبيا أصبحت تعيش مرحلة من انعدام التوازن السياسي والأمني والعسكري، وأنها باتت تقترب من الفشل في أداء عملها كدولة. وتوقعت أن يغدو هذا الإشكال «معقدا ومتشابكا ومتداخلا إقليميا ودوليا».
وتعكس الوثائق جرأة غير معهودة، وتعطي إشارات شجاعة إلى أن كبار من يقفون وراء قوات «فجر ليبيا» ربما لن يستطيعوا الاستمرار في السير وراء طموحات الإخوان. وتقر وثيقة أخرى بعدم نضوج القناعة بمبدأ التداول السلمي للسلطة، واعتماد نخب سياسية على ركائز جهوية ودعم أنفسهم بـ«ميليشيات»، ما تسبب في «تجاذبات حادة وعنيفة».
ويقول أحد أعضاء الوفد الليبي إن «الإسلاميين استغلوا مدينة مصراتة أسوأ استغلال»، لأن المدينة الغنية والمتماسكة، والبالغ عدد سكانها أكثر من نصف مليون نسمة، تتميز بوجود رجال أعمال ومال كبار فيها، دعموا بشكل قوي الثورة ضد القذافي، كما شارك ألوف الشباب منها في العمليات العسكرية سواء حين دخلت «قوات الثوار» إلى مقر حكم النظام السابق في باب العزيزية بطرابلس في أغسطس (آب) 2011، أو حين جرى القبض على القذافي وقتله، بعد ذلك بشهرين، على أيدي قوات من مصراتة قامت بنقله إلى المدينة.ويضيف أن المشاركة الواسعة لمصراتة في الثورة، مكنتها من جمع معدات عسكرية ضخمة من الكتائب العسكرية التي كانت تابعة للقذافي، من بينها ألوف المدرعات والمصفحات والدبابات والمدفعية والصواريخ، مشيرا إلى أنه «عندما خسر المتطرفون انتخابات البرلمان الصيف الماضي، عملوا على تجاوز هذه الخسارة بطريقة التفافية أصابت سمعة مصراتة في الصميم في ما بعد، وذلك بأن قدموا أنفسهم لقيادات شعبية وعسكرية معتدلة في المدينة على أرضية أخرى تقول إنه ليس من حق فصيل معين أن يهيمن على الدولة الليبية». وأن هذا الفصيل قصد به وقتها «جماعة الزنتان التي كانت تقوم بحراسة مطار طرابلس الدولي».
ومن المعروف أنه جرى توافق، تحت الضغط الشعبي، في عام 2013، على انسحاب الميليشيات المسلحة من طرابلس، بما فيها قوات مدينة مصراتة ذات التسليح والعتاد الأكبر في البلاد. لكن أحد أعضاء الوفد الليبي يقول إنه «رغم ذلك، لم تستجب قوات الزنتان للانسحاب من المواقع التي كانت تهيمن عليها في العاصمة، خصوصا مطار طرابلس، وأنها استغلت انسحاب قوات مصراتة من العاصمة، وبدأت في تنفيذ خطة لسيطرة قواتها ورجالها على المدينة وعلى وزارتي الداخلية والدفاع بإيعاز من خصوم سياسيين جهويين وقبليين»، وأن هذا جرى «رغم أن مصراتة لم تكن من الأساس قد زاحمت على شغل أي موقع من المواقع العليا في دولة ما بعد القذافي».
وتشير الوثائق إلى استغلال المتطرفين من «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة»، و«أنصار الشريعة» المرتبطة بتنظيم القاعدة، هذه المشاعر الجهوية بين مصراتة والزنتان للهيمنة على العاصمة والتنافس على الإقامة في قصور وفيلات القذافي وأنصاره في طرابلس. وعليه تكونت قوة «فجر ليبيا» واقترنت بمصراتة «في ظل ملابسات وظروف ساعدت على ذلك». وكانت من أبشع المعارك التي وقعت بين الطرفين تلك التي جرى خلالها تدمير مطار طرابلس الدولي وما فيه من طائرات، وحرق أكبر مستودعين للوقود، إضافة لأعمال القتل والتخريب والتهجير الذي شهدته العاصمة.
وتقول الوثائق إنه ترتب على «الانتصار العسكري» لقوات «الثوار (فجر ليبيا)»، استمرار الإخوان في تنفيذ مخططهم الخاص، وأنه بدلا من أن تستغل «فجر ليبيا» هذا الانتصار للدخول في حلول سياسية مع الأطراف الأخرى بما فيها البرلمان، قامت جماعة الإخوان ومن معها من متطرفين برفض الاعتراف بالبرلمان الجديد، وقامت أيضا بإعادة البرلمان السابق للانعقاد، وتشكيل حكومة موازية ومحاولة إيهام العالم بأن البلاد فيها برلمانان وحكومتان.
وتتحدث واحدة من الوثائق عن الإخوان بطريقة حادة، قائلة إنهم «لا يتورعون عن عقد التحالفات مع أي من الفصائل الثورية أو السياسية من أجل الوصول إلى هدفهم الخاص.. أي فرض رؤيتهم على الدولة والمجتمع».
ومن جانبها توجه وثيقة أخرى الانتقاد إلى «الثوار» وغيرهم من القيادات المحسوبة على مصراتة، ممن يرفضون الاعتراف بالبرلمان، قائلة إن الاستمرار في هذا الرفض يجعل الرأي العام الليبي يوقن أن «الثوار» الذين سبق ورفعوا شعار التبادل السلمي للسلطة بعد مقتل القذافي لا يؤمنون، في الحقيقة، بقواعد الديمقراطية «بل يعتبرونها من وسائل القفز على السلطة»، و«اختزال الوطن لمصلحة الجماعة أو الجهة التي ينتمون إليها، ويخططون لاختطاف الدولة ووضعها تحت قبضتهم»، مشيرا إلى أن الرأي العام بدأ يرى هذا الواقع المرير بعد أن أعاد «الثوار البرلمان الميت من تحت الأنقاض ليمارس سلطاته من جديد».
ويبدو أن الوثائق التي عكف على وضعها مجموعة من السياسيين المعتدلين، لا تهدف إلى إلغاء «قوات فجر ليبيا»، ولكنها تريد أن تفصلها عن هيمنة الإخوان والمتطرفين، وأن يكون لها خط سياسي مبني على الحوار مع الفرقاء السياسيين، على رأسها الاعتراف بالبرلمان، ومحاولة تصحيح المسار من داخل العملية الديمقراطية وليس من خارجها «أو من خلال الانقلاب عليها».
وتعد مصراتة من أهم المدن الليبية بعد كل من طرابلس وبنغازي. ويوجد فيها ميناء بحري ومطار جوي، وكلية حربية. ووفقا لأحد أعضاء الوفد الليبي فإن هناك خلافا في الوقت الراهن بشأن من يسيطر على المكونات الرئيسة لهذه المدنية، «هل جماعة الإخوان وحلفاؤها أم القوى المعتدلة التي تسعى للعمل في إطار دولة موحدة؟»، مشيرا إلى أن الاتجاه المعتدل أقنع قبل شهر غالبية نواب مصراتة، ممن يقاطعون اجتماعات البرلمان الجديد، بضرورة المشاركة في الحوار الذي تقوده الأمم المتحدة، ما دفع الجناح المتشدد بقيادة الإخوان إلى مهاجمة الداعين إلى الحوار وتخوينهم.
وفي هذه الأثناء، أي خلال الاستعداد لمغادرة الفندق والعودة لمطار القاهرة، تلقى الوفد الليبي عدة برقيات عبر البريد الإلكتروني تعكس، من جديد، ما بدا أنه اتجاه المعتدلين المحسوبين على الجبهة الغربية من البلاد، لاتخاذ إجراءات فعلية ضد تنظيمات المتشددين، ويتوقع أن تتسبب في خلافات كبيرة داخل طرابلس وبنغازي ومصراتة ودرنة، من بينها برقية تتضمن نداء علنيا صادرا من مجلس مصراتة البلدي ويدعو «أنصار الشريعة، لحل نفسها كجماعة أو تنظيم، يعرقل العملية السياسية التي ارتضاها الليبيون من أجل الوصول إلى غايتهم في بناء دولة مدنية دينها الإسلام الوسطي بعيدا عن الغلو والتطرف».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.