سنوات السينما

سنوات السينما

الجمعة - 27 شوال 1441 هـ - 19 يونيو 2020 مـ رقم العدد [ 15179]
مجابهة: صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد

The Crusades ‪(‬1935‪)‬
‫تبعاً لاستعراضنا لفيلم «الناصر صلاح الدين» في الأسبوع الماضي، قمت بالبحث عن بعض أهم ما قدمته السينما من أفلام حول صلاح الدين والصليبيين. فيلم «الحملة الصليبية» للمخرج الأسطوري سيسيل ب. دَميل يأتي في مقدّمتها.‬
صوّره كاملاً في استوديو شركة باراماونت وفي بعض صحاري ولاية كاليفورنيا مع عدد لا يقل عن 700 ممثل كومبارس بعضهم من الإطفائيين الذين تم دمجهم في عداد الكومبارس في مشاهد المعارك الكبيرة للتأكد من التدخل والسيطرة على احتمال اشتعال النيران التي كان الصليبيون والعرب يتبادلون إلقاءها خلال موقعة عكّـا إذا ما أصابت أهدافاً غير أهدافها.
إذا كان فيلم يوسف شاهين دار حول المهام العسكرية التي قام بها الجانبان فإن فيلم دَميل دفع بقصّة حب إلى صميم المعارك الناشبة لا بين الطرفين فقط، بل حتى داخل المعسكر الأوروبي الذي جاء لتحرير القدس من قبضة المسلمين. حسب السيناريو الذي صوّره دَميل بحرفة عالية، فإن ريتشارد قلب الأسد (هنري ولكوكسن الذي عمل مع ‫دَميل‬ أكثر من مرّة) لم يشارك في الحملة الصليبية إلا هرباً من تبعات تعهد أقدم عليه والده حين كان صغيراً أوصى فيه بزواج ريتشارد من شقيقة الملك الفرنسي فيليب. ريتشارد لم يكن يحب شقيقة الملك الفرنسي وكان يعلم أن حماسة الملك فيليب لتزويج شقيقته ما هي إلا خطوة أولى لهيمنة فرنسا على المملكة البريطانية فلجأ إلى الحرب بعدما أكّد له رجال الدين أن مشاركته في الحملة ستخلّصه من وعد أبيه.
لاحقاً، وقبل ركوب السفن المتجهة إلى الشرق، يضطر ريتشارد الزواج من ابنة حاكم مقاطعة ناڤار واسمها برنغاريا (لوريتا يونغ) لقاء مد رجاله بالمئونة (عملياً الزواج مقابل 3 آلاف بقرة). لكنه سيقع في حب زوجته لاحقاً وتقع هي في حبه بعدما غدر شقيقه به واستولى على المملكة خلال غيابه عن العرش كما واجهه ملوك وأعيان الحملة محاولين التخلص منه.
يمنح ‫دَميل‬ الخلاف عنايته الكبيرة في نقد للتحالف الغربي وكثرة المنشقين عنه لأسبابهم الشخصية. بذلك يقف الفيلم على الخط النحيف الفاصل بين الجد والهزل. حين يُلقي صلاح الدين (إيان كيث) القبض على برنغاريا يقع في أسر جمالها ويقودها لقبول الزواج منه مقابل عدم قتل ريتشارد فتوافق حباً بريتشارد. لكن الفيلم يمنح صلاح الدين موقفاً نبيلاً عندما يرفض الاحتفاظ بامرأة تقبل به مضطرة ولا تحبه فيعيدها إلى ريتشارد الذي أخفق في فتح أبواب القدس حرباً فقبل بالسلام وسيلة إلى ذلك.
يكاد الفيلم يخلو من المعارك الفعلية لولا موقعتين كبيرتين. واحدة على أسوار قلعة عكا والأخرى في الصحراء. كلاهما يجعلان من هذا الفيلم، المُنتج قبل 85 سنة، أحد أفضل الأفلام التي حوت مشاهد معارك بالسيوف. أدارها ‫دَميل‬ بالتحام فريد بين المتقاتلين وجعل الضحايا يتساقطون من كلا الجانبين على نحو متساوٍ. هناك واقعية شديدة التأثير وإدارة مجاميع مثالية. ومشاهد مثل إلقاء النار والزيت الساخن من أسوار القلعة المدافعة عن نفسها على جنود الحملة وهم على أعلى السلالم الخشبية ما زالت مؤثرة لجودتها.
لكن محور الفيلم هو أن الحب وليس الحرب من ينتصر داعياً، من دون إشهار، إلى تفاهم الثقافتين الدينية تبلورها عبارة: «هل نتقاتل لأن هناك طريقين مختلفين كلاهما يؤدي إلى الله؟» قرب نهاية الفيلم. فيلم ‫دَميل‬ يكاد يتحوّل بكامله إلى قصّة حب رومانسية بين ريتشارد وزوجته. يعالجها برقة معاكسة للعنف الذي يسود مشاهد العنف وعن قصد.
من باب التندر المشهد الذي يُساق فيه أسير عربي فإذا به يتحدث اللهجة البيروتية الخالصة ويصيح «لوين آخدني؟ دشّرني» (أتركني). كون الفيلم صُوّر في لوس أنجليس فإن ذلك البيروتي لا بد كان من سكّان المدينة آنذاك.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة