برزان التكريتي... أرستقراطي في «بيجامة»

سيرة مختصرة لحياته أقرب لليوميات

برزان التكريتي... أرستقراطي في «بيجامة»
TT

برزان التكريتي... أرستقراطي في «بيجامة»

برزان التكريتي... أرستقراطي في «بيجامة»

تسألني زوجتي عما إذا كنت أستطيع قلب كتاب مذكرات برزان التكريتي على ظهره وأنا أضعه على الطاولة، تاركاً قراءته لوقتٍ ثانٍ. تحتل صورة برزان غلاف كتاب «الأعوام الحلوة والسنوات المرة» الذي صدر عن دار «سطور»، بقطعٍ كبيرٍ وبنطٍ عريضٍ، وهو سيرة مختصرة لحياته، بل هو أقرب إلى اليوميات، حام الشك بشأنها، وعما إذا كان برزان هو مَن كتبها؛ في النهاية صدرت على عجالة، وتبدو العجالة في مستواها التحريري واللغوي، وخلوها من وثائق تحدث عنها برزان كثيراً.
تبدأ المذكرات وهو شاب يعين صدام حسين في نشاطه الحزبي وينبض في قلبه أول حب لأحلام خير الله، زوجته، أو كما يسميها «شجرة الدر»، التي ستشعل قلبه حتى آخر أيام حياته، لا سيما أنه فقدها قبل أن تبلغ الأربعين من عمرها، وتنتهي في عام 2001، حين حضر المؤتمر القطري لحزب البعث، وشهد صعود قصي صدام إلى عضوية القيادة. وبعد أن يسرد أحداث المؤتمر، ينتقل إلى نقاش حاد جرى بين الأخوة الأربعة غير الأشقاء، صدام وبرزان ووطبان وسبعاوي، وينفض الاجتماع كالعادة بخلاف. وقد خلت المذكرات من تداعيات أهم عقبة واجهت البعثيين في حكمهم؛ الأزمة التي سبقت الحرب، وسقط في إثرها النظام البعثي.
يبدو برزان في صورة الغلاف أنيقاً حزيناً بشاربٍ كث، أو لنقل متجهماً كعادة البعثيين في إضفاء مسحة تأمل على صمتهم. يرتدي بدلة سوداء ورباطاً أسود، وتحتهما قميصٌ ناصعُ البياض. برزان يمثّل واحدة من أسوأ الحقب التي مرت على العراقيين، ودمرت أحلامهم في بلد مستقر وحياة هانئة، فلماذا ألوم زوجتي!
حرصتُ بعد ذلك على قلب الكتاب على ظهره حتى أكملته.
حسناً، ستكون قراءة مذكرات برزان عملية شاقة، ذلك ما يعتريك للوهلة الأولى، لكن عندما تدخل في أعماق الكتاب، تشعر أن عقال الأسرار ينفلت في الحديث عن عائلة تحكم العراق، وتتساقط أسرارها في كل مكان، هل كان كتم الأسرار مجرد حكاية شائعة عن برزان وهو لا يتردد في كشف أفظعها، ويدون أكثرها خصوصية وفضائحية؟
ترأس برزان جهاز المخابرات من عام 1976 حتى عام 1983، ولم يعرف العراقيون كثيراً عنه قبل المحاكمة الشهيرة بعد 2003، فصدام لم يكن ليسمح لأحدٍ غيره بالظهور. والمذكرات التي بين أيدينا ربما ستقول لنا أي رجل كان. كتب برزان سراً ما كتب، وفي بلاد بعيدة عن سطوة رجال صدام وأعدائه من عائلته، ولكنه دون همومه وآراءه في السياسة ونظرته لحكم البعث بعد أن ضعف صوته وغاب.
يعترف برزان بضلوع صدام حسين بمقتل أحد أعمامه، وهو الحاج سعدون، إذ تربص به صدام في أحد الطرق وقتله. كان سبب القتل إحالة خير الله طلفاح على التقاعد بدفعٍ من الحاج سعدون، وكان طلفاح آنذاك مديراً عاماً في وزارة المعارف. اشترى طلفاح لصدام مسدساً، وطلب منه أن يقتل الحاج سعدون، ففعل صدام ذلك من دون أي تردد؛ تبرأ أعمام صدام منه بعد تلك الحادثة. وبينما يعترف برزان بذلك، يهاجم زوجة صدام الأولى التي عاش معها مدة طويلة لأنها كانت «جافة شحيحة تتضايق من الزائرين... إلخ، عكس صدام المضياف الودود»، كما يقول. ويعترف بمرارة في كثيرٍ من صفحات الكتاب بأن صدام، لو حظي بزيجة أفضل، لكان حاله قد تغير، وربما حال البلاد أيضاً، يفعل ذلك ويقارن بينها وبين زوجته هو، أخت زوجة صدام التي أثرت في حياته وغيرتها.
شارك برزان في انقلاب البعث بشقيه. وحسب ما يرويه، تشعر أن العملية لم تكن بالصعوبة التي نعتقد؛ كان القصر الجمهوري مطلاً على منطقة سكنية لم تتحول بعدُ إلى منطقة خاصة، مغلقة على عامة الناس، كما حدث في عهد البعث -يتأسف برزان لذلك كثيراً. وسار كل شيء بشكل عادي، ما عدا عطل الدبابة التي تقل صدام وبرزان وذياب العلكاوي باتجاه القصر. انتظروا حتى أصلح الجندي الدبابة. ولم يكن هذا الجندي مشتركاً بالانقلاب، بل ذهب تحت تهديد السلاح. ظن صدام أن الجندي تقصد تعطيل الدبابة، وأعتقد برزان أن خيوط نظرية المؤامرة التي نُسِجت في بيت البعث، وحكمت عقلية صدام، بدأت منذ تلك اللحظة. كان عطل الدبابة طبيعياً، ولا سبب سوى ذلك. أما الانقلاب الثاني، فكان أسهل من الأول، ويظهر فيه التنكر للعهود التي قطعوها للمجموعة التي ساعدتهم. كلف برزان بأخذ عبد الرزاق النايف الذي لم يكمل وجبة غدائه إلى منفاه في المغرب. وهناك، يصاب برزان بصدمة حضارية، كما يقال، بعد أن رأى الفندق الذي سكنوا فيه. ويعلل برزان ذهوله بقوله: «هو فندق مدهش حقاً، ليس لأنّنا (بدو) لم نرَ مثله، بل هو يستحق الإعجاب!».

برزان والعائلة الكبيرة والصغيرة
كانت العائلة هاجساً كبيراً لبرزان في المذكرات، العائلة الكبيرة من التكارتة، وبيت غفور تحديداً، وصراعهم على القرب من صدام، والتفاني في إرضائه، وعائلته الصغيرة التي بدأت عزلتها حين اختار لها برزان، بالتعاون مع زوجته، مساراً مختلفاً بعد خروجه من جهاز المخابرات، من حيث الدراسة (أكمل أولاده دراستهم في جنيف) والنظام داخل العائلة، يعطي برزان على سبيل المثال دليلاً على رقيه دون بقية العائلة الحاكمة، برفض ابنة صدام الصغيرة (حلا) الزواج من ابنه البكر محمد، بزعم أنها بتحريض من أخواتها لا تستطيع التكيف مع نظام عائلته الصارم، ولا تستطيع الأكل بالشوكة والسكين!
تلك العزلة بدأت، كما يقول، بظهور حسين كامل بصفته فرداً قوياً في أسرة صدام، وحرصه على إبعاد آل إبراهيم من حضن صدام الوثير. لم يثق برزان يوماً بحسين كامل، ويُرجِع له السبب في إفساد أولاد صدام، عدي وقصي، ولم يثق كذلك بعلي حسن المجيد، ويظن أن إبعاده عن دائرة القرار كانت بتأثير من حسين كامل.
حين يكتب يومياته في جنيف، وتبدو فيها عزلته عن عائلة صدام واضحة، وعزلته عن النظام أوضح، لم يقل برزان شيئاً عن هذا الامتياز الذي يحظى به دون بقية العراقيين. يهاجم في مدونته سياسة النظام، وعزلته عن العالم، وفقر العراقيين، وتراجع الخدمات، وحلف البعث مع الإسلاميين، ودخول الكويت، وحصر السلطة بيد شخص واحد، وضعف هذا الشخص الذي بيده كل شيء عن ضبط عائلته، وخلو الحياة السياسية في العراق من تعددية حزبية، لكنه بالمقابل لم يقل شيئاً عن امتيازاته. كان يرى أنها أقل مما يحصل عليه بقية المقربين من صدام، ويذكر لذلك أمثلة كثيرة.
هل سيكتب غير ذلك إذا بقي مقرباً من صدام؟ يظن أنه كان مظلوماً لأن صدام لم يأمر بطائرة خاصة لعلاج ابنه في فرنسا، وحجة صدام أن العراقيين سيغضبون! لا أدري من نصدق.
ما كتبه في جنيف يوحي بأن برزان لم يكن هو ذاته البعثي المتشدد؛ يحرص يومياً على إخراج كلب العائلة للنزهة، ويتابع تفاصيل حياة أبنائه بطريقة عصرية، ويتذكر زوجته وحبيبته ويبكي لفراقها بحرقة حين يزورها في المستشفى، بعد أن احتفظ بجسدها ولم يدفنه؛ يمارس طقوس زائرٍ لحي: يُقبلها، ويشكو لها ألم هجرها، ويخبرها بأنه سيأتي لزيارتها قريباً فلا تقلق، كأنه اشترى في تلك البلاد الجميلة قلباً جديداً!
يمكن للعراقيين أن يقارنوا بين برزان المذكرات وبرزان الذي ظهر في محاكمة البعثيين مثل مجنون.

العودة إلى بغداد بأمر صدام
عاد برزان لبغداد بعد رفض صدام بقاءه في جنيف بدفعٍ من أخويه الشقيين، وطبان وسبعاوي، عام 2001، وسقط سريعاً في قبضة الأميركان بعد 2003، وقدم للمحاكمة إذ كان في لائحة المطلوبين، كما معروف.
وفي المحاكمة، صرخ برزان بصوتٍ عالٍ وهو لا يرتدي غير بيجامته الممزقة: «فداك أبي وأمي، أيها البعث العظيم»، رد صدام بعدما أكمل برزان هتافه بكلمته الأثيرة: عفية. يقال إن كلمة «عفية» كانت تعادل خمسمائة ألف دينار عراقي في جلسات صدام حين كان في السلطة، يحصي حرسُهُ عدد «العفيات» التي يطلقها بعد كل اجتماع، لذلك كان منسوب التملق يصعد في لقاءات صدام، وسعيد من حظي بأكثر من «عفية»، حين قالها صدام في المحكمة لم يهتم أحدٌ، سوى عواجيز حطموا الدولة، وانتهوا في قفصٍ بلباسٍ رث.
لم يكره برزان في مذكراته البعث، لكنه كره الذين سرقوا أخاه منه، وحرموه من نعيم قربه، لذلك لا ينفك يلقي باللوم على اليوم الأسود الذي تقرب فيه حسين كامل من صدام، وصعدت الشحناء ناحيته بصعود الصهر القريب.
في المحاكمة أيضاً، طلب برزان وقتاً حتى يدلي بمعلومات سرية وخطيرة، طلب كذلك أن تبقى الجلسة علنية، لكن القاضي رفض، تسربت معلوماتٌ بعد ذلك عن فحوى ما أراد برزان قوله؛ لم يكنْ شيئاً ذا بال. كانت عبارة عن اتهامات لعلي حسن المجيد بوقوفه وراء الأعمال الوحشية للنظام السابق؛ يا إلهي، لم ينسَ برزان ثأره!
أما صدام، فأظهر حناناً غير معهود لبرزان في المحكمة. يشكو برزان في المذكرات من قطيعة كبيرة مع عائلة صدام، لا سيما بعد زواج عدي من ابنته «سجا»، وهجرها الدراماتيكي له، سافرت سجا بعد أشهر من زواجها إلى جنيف، ولم تعد لبيت صدام بعد أن ضاقت ذرعاً بجنون عدي. رجا صدام القاضي أن يرأف بأخيه برزان، فبحسب زعمه كان برزان مريضاً بالسرطان، لا أدري ما الذي جال في خاطر برزان آنذاك، أغلب الظن أن برزان قال في سره: إنه حنينٌ متأخرٌ يا أخي.
رفض برزان أن يعالجه أطباءٌ عراقيون، طالب بأطباء أميركان أجروا له الفحوصات سابقاً، ونسي الإمبريالية التي كتب عنها، نسي أنَه يطالب العراقيين بالثورة على الأميركان، لكنه لا يرضى بغيرهم معالجين!
لم يذكر برزان في مذكراته عن جهاز المخابرات الذي رأسه مدة ثماني سنوات سوى أنه طوره، وتمكن من صناعة أسلحة كيمياوية في عهده، لم يقل عن جهازٍ يحصي أنفاس العراقيين في دولة بوليسية تراقب حركاتهم وسكناتهم شيئاً، كل الذي عرفناه أنه تركه بعد أن ساءت علاقته بصدام. وفي المحاكمة، قال إنه أخرج معتقلين في فرقة حزبية قبض عليهم بعد محاولة اغتيال صدام في الدجيل، ولم يجد تفسيراً مقنعاً لاعتقالهم، رفض الإجراء الاحترازي وأطلق سراحهم، بينما فعلت آلة البعث الرهيبة في البقية من أهل الدجيل ما فعلت! مشهدانِ يتداخلانِ لدي وأنا أكمل قراءة مذكرات برزان، وأعيد مشاهدة محاكمته: برزان يمسك بكلبه ليُرفه عنه في أرقى أحياء جنيف كأي أرستقراطي بمعطفٍ طويلٍ تحيط به أسرتُهُ، وسجين يدير ظهره للقاضي ببيجامة ممزقة مفترشاً الأرض يبحث عن أي سبيل للعودة لأسرته التي تنتظره في جنيف، لائماً نفسه: ماذا لو لم أطع صدام وأعود؟!


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.