برزان التكريتي... أرستقراطي في «بيجامة»

سيرة مختصرة لحياته أقرب لليوميات

برزان التكريتي... أرستقراطي في «بيجامة»
TT

برزان التكريتي... أرستقراطي في «بيجامة»

برزان التكريتي... أرستقراطي في «بيجامة»

تسألني زوجتي عما إذا كنت أستطيع قلب كتاب مذكرات برزان التكريتي على ظهره وأنا أضعه على الطاولة، تاركاً قراءته لوقتٍ ثانٍ. تحتل صورة برزان غلاف كتاب «الأعوام الحلوة والسنوات المرة» الذي صدر عن دار «سطور»، بقطعٍ كبيرٍ وبنطٍ عريضٍ، وهو سيرة مختصرة لحياته، بل هو أقرب إلى اليوميات، حام الشك بشأنها، وعما إذا كان برزان هو مَن كتبها؛ في النهاية صدرت على عجالة، وتبدو العجالة في مستواها التحريري واللغوي، وخلوها من وثائق تحدث عنها برزان كثيراً.
تبدأ المذكرات وهو شاب يعين صدام حسين في نشاطه الحزبي وينبض في قلبه أول حب لأحلام خير الله، زوجته، أو كما يسميها «شجرة الدر»، التي ستشعل قلبه حتى آخر أيام حياته، لا سيما أنه فقدها قبل أن تبلغ الأربعين من عمرها، وتنتهي في عام 2001، حين حضر المؤتمر القطري لحزب البعث، وشهد صعود قصي صدام إلى عضوية القيادة. وبعد أن يسرد أحداث المؤتمر، ينتقل إلى نقاش حاد جرى بين الأخوة الأربعة غير الأشقاء، صدام وبرزان ووطبان وسبعاوي، وينفض الاجتماع كالعادة بخلاف. وقد خلت المذكرات من تداعيات أهم عقبة واجهت البعثيين في حكمهم؛ الأزمة التي سبقت الحرب، وسقط في إثرها النظام البعثي.
يبدو برزان في صورة الغلاف أنيقاً حزيناً بشاربٍ كث، أو لنقل متجهماً كعادة البعثيين في إضفاء مسحة تأمل على صمتهم. يرتدي بدلة سوداء ورباطاً أسود، وتحتهما قميصٌ ناصعُ البياض. برزان يمثّل واحدة من أسوأ الحقب التي مرت على العراقيين، ودمرت أحلامهم في بلد مستقر وحياة هانئة، فلماذا ألوم زوجتي!
حرصتُ بعد ذلك على قلب الكتاب على ظهره حتى أكملته.
حسناً، ستكون قراءة مذكرات برزان عملية شاقة، ذلك ما يعتريك للوهلة الأولى، لكن عندما تدخل في أعماق الكتاب، تشعر أن عقال الأسرار ينفلت في الحديث عن عائلة تحكم العراق، وتتساقط أسرارها في كل مكان، هل كان كتم الأسرار مجرد حكاية شائعة عن برزان وهو لا يتردد في كشف أفظعها، ويدون أكثرها خصوصية وفضائحية؟
ترأس برزان جهاز المخابرات من عام 1976 حتى عام 1983، ولم يعرف العراقيون كثيراً عنه قبل المحاكمة الشهيرة بعد 2003، فصدام لم يكن ليسمح لأحدٍ غيره بالظهور. والمذكرات التي بين أيدينا ربما ستقول لنا أي رجل كان. كتب برزان سراً ما كتب، وفي بلاد بعيدة عن سطوة رجال صدام وأعدائه من عائلته، ولكنه دون همومه وآراءه في السياسة ونظرته لحكم البعث بعد أن ضعف صوته وغاب.
يعترف برزان بضلوع صدام حسين بمقتل أحد أعمامه، وهو الحاج سعدون، إذ تربص به صدام في أحد الطرق وقتله. كان سبب القتل إحالة خير الله طلفاح على التقاعد بدفعٍ من الحاج سعدون، وكان طلفاح آنذاك مديراً عاماً في وزارة المعارف. اشترى طلفاح لصدام مسدساً، وطلب منه أن يقتل الحاج سعدون، ففعل صدام ذلك من دون أي تردد؛ تبرأ أعمام صدام منه بعد تلك الحادثة. وبينما يعترف برزان بذلك، يهاجم زوجة صدام الأولى التي عاش معها مدة طويلة لأنها كانت «جافة شحيحة تتضايق من الزائرين... إلخ، عكس صدام المضياف الودود»، كما يقول. ويعترف بمرارة في كثيرٍ من صفحات الكتاب بأن صدام، لو حظي بزيجة أفضل، لكان حاله قد تغير، وربما حال البلاد أيضاً، يفعل ذلك ويقارن بينها وبين زوجته هو، أخت زوجة صدام التي أثرت في حياته وغيرتها.
شارك برزان في انقلاب البعث بشقيه. وحسب ما يرويه، تشعر أن العملية لم تكن بالصعوبة التي نعتقد؛ كان القصر الجمهوري مطلاً على منطقة سكنية لم تتحول بعدُ إلى منطقة خاصة، مغلقة على عامة الناس، كما حدث في عهد البعث -يتأسف برزان لذلك كثيراً. وسار كل شيء بشكل عادي، ما عدا عطل الدبابة التي تقل صدام وبرزان وذياب العلكاوي باتجاه القصر. انتظروا حتى أصلح الجندي الدبابة. ولم يكن هذا الجندي مشتركاً بالانقلاب، بل ذهب تحت تهديد السلاح. ظن صدام أن الجندي تقصد تعطيل الدبابة، وأعتقد برزان أن خيوط نظرية المؤامرة التي نُسِجت في بيت البعث، وحكمت عقلية صدام، بدأت منذ تلك اللحظة. كان عطل الدبابة طبيعياً، ولا سبب سوى ذلك. أما الانقلاب الثاني، فكان أسهل من الأول، ويظهر فيه التنكر للعهود التي قطعوها للمجموعة التي ساعدتهم. كلف برزان بأخذ عبد الرزاق النايف الذي لم يكمل وجبة غدائه إلى منفاه في المغرب. وهناك، يصاب برزان بصدمة حضارية، كما يقال، بعد أن رأى الفندق الذي سكنوا فيه. ويعلل برزان ذهوله بقوله: «هو فندق مدهش حقاً، ليس لأنّنا (بدو) لم نرَ مثله، بل هو يستحق الإعجاب!».

برزان والعائلة الكبيرة والصغيرة
كانت العائلة هاجساً كبيراً لبرزان في المذكرات، العائلة الكبيرة من التكارتة، وبيت غفور تحديداً، وصراعهم على القرب من صدام، والتفاني في إرضائه، وعائلته الصغيرة التي بدأت عزلتها حين اختار لها برزان، بالتعاون مع زوجته، مساراً مختلفاً بعد خروجه من جهاز المخابرات، من حيث الدراسة (أكمل أولاده دراستهم في جنيف) والنظام داخل العائلة، يعطي برزان على سبيل المثال دليلاً على رقيه دون بقية العائلة الحاكمة، برفض ابنة صدام الصغيرة (حلا) الزواج من ابنه البكر محمد، بزعم أنها بتحريض من أخواتها لا تستطيع التكيف مع نظام عائلته الصارم، ولا تستطيع الأكل بالشوكة والسكين!
تلك العزلة بدأت، كما يقول، بظهور حسين كامل بصفته فرداً قوياً في أسرة صدام، وحرصه على إبعاد آل إبراهيم من حضن صدام الوثير. لم يثق برزان يوماً بحسين كامل، ويُرجِع له السبب في إفساد أولاد صدام، عدي وقصي، ولم يثق كذلك بعلي حسن المجيد، ويظن أن إبعاده عن دائرة القرار كانت بتأثير من حسين كامل.
حين يكتب يومياته في جنيف، وتبدو فيها عزلته عن عائلة صدام واضحة، وعزلته عن النظام أوضح، لم يقل برزان شيئاً عن هذا الامتياز الذي يحظى به دون بقية العراقيين. يهاجم في مدونته سياسة النظام، وعزلته عن العالم، وفقر العراقيين، وتراجع الخدمات، وحلف البعث مع الإسلاميين، ودخول الكويت، وحصر السلطة بيد شخص واحد، وضعف هذا الشخص الذي بيده كل شيء عن ضبط عائلته، وخلو الحياة السياسية في العراق من تعددية حزبية، لكنه بالمقابل لم يقل شيئاً عن امتيازاته. كان يرى أنها أقل مما يحصل عليه بقية المقربين من صدام، ويذكر لذلك أمثلة كثيرة.
هل سيكتب غير ذلك إذا بقي مقرباً من صدام؟ يظن أنه كان مظلوماً لأن صدام لم يأمر بطائرة خاصة لعلاج ابنه في فرنسا، وحجة صدام أن العراقيين سيغضبون! لا أدري من نصدق.
ما كتبه في جنيف يوحي بأن برزان لم يكن هو ذاته البعثي المتشدد؛ يحرص يومياً على إخراج كلب العائلة للنزهة، ويتابع تفاصيل حياة أبنائه بطريقة عصرية، ويتذكر زوجته وحبيبته ويبكي لفراقها بحرقة حين يزورها في المستشفى، بعد أن احتفظ بجسدها ولم يدفنه؛ يمارس طقوس زائرٍ لحي: يُقبلها، ويشكو لها ألم هجرها، ويخبرها بأنه سيأتي لزيارتها قريباً فلا تقلق، كأنه اشترى في تلك البلاد الجميلة قلباً جديداً!
يمكن للعراقيين أن يقارنوا بين برزان المذكرات وبرزان الذي ظهر في محاكمة البعثيين مثل مجنون.

العودة إلى بغداد بأمر صدام
عاد برزان لبغداد بعد رفض صدام بقاءه في جنيف بدفعٍ من أخويه الشقيين، وطبان وسبعاوي، عام 2001، وسقط سريعاً في قبضة الأميركان بعد 2003، وقدم للمحاكمة إذ كان في لائحة المطلوبين، كما معروف.
وفي المحاكمة، صرخ برزان بصوتٍ عالٍ وهو لا يرتدي غير بيجامته الممزقة: «فداك أبي وأمي، أيها البعث العظيم»، رد صدام بعدما أكمل برزان هتافه بكلمته الأثيرة: عفية. يقال إن كلمة «عفية» كانت تعادل خمسمائة ألف دينار عراقي في جلسات صدام حين كان في السلطة، يحصي حرسُهُ عدد «العفيات» التي يطلقها بعد كل اجتماع، لذلك كان منسوب التملق يصعد في لقاءات صدام، وسعيد من حظي بأكثر من «عفية»، حين قالها صدام في المحكمة لم يهتم أحدٌ، سوى عواجيز حطموا الدولة، وانتهوا في قفصٍ بلباسٍ رث.
لم يكره برزان في مذكراته البعث، لكنه كره الذين سرقوا أخاه منه، وحرموه من نعيم قربه، لذلك لا ينفك يلقي باللوم على اليوم الأسود الذي تقرب فيه حسين كامل من صدام، وصعدت الشحناء ناحيته بصعود الصهر القريب.
في المحاكمة أيضاً، طلب برزان وقتاً حتى يدلي بمعلومات سرية وخطيرة، طلب كذلك أن تبقى الجلسة علنية، لكن القاضي رفض، تسربت معلوماتٌ بعد ذلك عن فحوى ما أراد برزان قوله؛ لم يكنْ شيئاً ذا بال. كانت عبارة عن اتهامات لعلي حسن المجيد بوقوفه وراء الأعمال الوحشية للنظام السابق؛ يا إلهي، لم ينسَ برزان ثأره!
أما صدام، فأظهر حناناً غير معهود لبرزان في المحكمة. يشكو برزان في المذكرات من قطيعة كبيرة مع عائلة صدام، لا سيما بعد زواج عدي من ابنته «سجا»، وهجرها الدراماتيكي له، سافرت سجا بعد أشهر من زواجها إلى جنيف، ولم تعد لبيت صدام بعد أن ضاقت ذرعاً بجنون عدي. رجا صدام القاضي أن يرأف بأخيه برزان، فبحسب زعمه كان برزان مريضاً بالسرطان، لا أدري ما الذي جال في خاطر برزان آنذاك، أغلب الظن أن برزان قال في سره: إنه حنينٌ متأخرٌ يا أخي.
رفض برزان أن يعالجه أطباءٌ عراقيون، طالب بأطباء أميركان أجروا له الفحوصات سابقاً، ونسي الإمبريالية التي كتب عنها، نسي أنَه يطالب العراقيين بالثورة على الأميركان، لكنه لا يرضى بغيرهم معالجين!
لم يذكر برزان في مذكراته عن جهاز المخابرات الذي رأسه مدة ثماني سنوات سوى أنه طوره، وتمكن من صناعة أسلحة كيمياوية في عهده، لم يقل عن جهازٍ يحصي أنفاس العراقيين في دولة بوليسية تراقب حركاتهم وسكناتهم شيئاً، كل الذي عرفناه أنه تركه بعد أن ساءت علاقته بصدام. وفي المحاكمة، قال إنه أخرج معتقلين في فرقة حزبية قبض عليهم بعد محاولة اغتيال صدام في الدجيل، ولم يجد تفسيراً مقنعاً لاعتقالهم، رفض الإجراء الاحترازي وأطلق سراحهم، بينما فعلت آلة البعث الرهيبة في البقية من أهل الدجيل ما فعلت! مشهدانِ يتداخلانِ لدي وأنا أكمل قراءة مذكرات برزان، وأعيد مشاهدة محاكمته: برزان يمسك بكلبه ليُرفه عنه في أرقى أحياء جنيف كأي أرستقراطي بمعطفٍ طويلٍ تحيط به أسرتُهُ، وسجين يدير ظهره للقاضي ببيجامة ممزقة مفترشاً الأرض يبحث عن أي سبيل للعودة لأسرته التي تنتظره في جنيف، لائماً نفسه: ماذا لو لم أطع صدام وأعود؟!


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً