من سيخلف خامنئي؟

5 سيناريوهات محتملة تمثل صراعات البيت السياسي الإيراني

من سيخلف خامنئي؟
TT

من سيخلف خامنئي؟

من سيخلف خامنئي؟

يعد تنصيب المرشد الأعلى في الجمهورية الإيرانية الإسلامية، من أكثر العناصر إثارة للجدل والغموض في فن إدارة الحكم في إيران ما بعد الثورة الإسلامية عام 1979م، بوصفه وضعا فريدا لا تمكن مقارنته مع المؤسسات الأخرى العليا في نظم الدولة الحديثة؛ مثل: رئاسة الجمهورية، أو تولي العرش في النظام الملكي؛ لأن المرشد الأعلى في إيران يمثل المرجعية التي لا يمكن الاستغناء عنها، حتى إن وفاة آية الله الخميني - أول من شغل هذا المنصب - عام 1989م أجبرت خلفاءه على القيام بمراجعة جوهرية للدستور من أجل تسهيل صعود علي خامنئي إلى سدة الحكم خلفا له، وإيجاد مؤسسة جديدة فاعلة يتمتع بمعظم صلاحياتها التي كان الخميني ينفرد بها. وتنشر «الشرق الأوسط» بالتزامن مع مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ملخصا لدراسة عن «سيناريوهات مستقبل منصب المرشد الأعلى في إيران»، ضمن إصدار (مسارات) للعدد القادم، الذي تصدره إدارة البحوث بالمركز باللغتين العربية والإنجليزية، ويعنى بقراءة أهم الأحداث والأفكار السياسية المعاصرة في العالم الإسلامي وتحليلها.
يمكن فهم القضية من خلال 4 عناصر، هي: المراحل الأولى (1979 - 1984م)، واختيار خامنئي عام 1989م، ومسألة الخلافة منذ عام 1989م إلى الوقت الراهن، والسيناريوهات المحتملة على المديين القصير والمتوسط، إضافة إلى خاتمة توضح الآثار المترتبة على خلافة خامنئي على نطاق أوسع.

* في العنصر الأول (المراحل الأولى: 1979 - 1984م)
* منصب المرشد الأعلى، الذي ينظر إليه في إيران على أنه يجسد ولاية الفقيه، لم يكن وليد ثورة عام 1979م مباشرة، إذ لم يُمِط الخميني اللثام من فوره عن آرائه حيال مكانته ووضعه ضمن نظام الدولة الوليدة التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، الذي انهار في فبراير (شباط) عام 1979م، مفضلا مراقبة الوضع والشد والجذب بين المؤيدين والمعارضين، الذين انقسموا حول تعريف نظام الدولة الجديد. وقد دخل الخميني غمار المعركة الانتخابية بصورة تدريجية بدءا من يونيو (حزيران) عام 1979م، عندما بدأ بانتقاد النسخة النهائية من الدستور التي أعلنتها حكومة مهدي بازركان الثورية المؤقتة. وكان أتباع الخميني قد أعلنوا عشية انتخابات الجمعية التأسيسية في يوليو (تموز) عام 1979م عن مقترحات مهمة ومؤثرة، داعين إلى الإعلان عن منصب جديد يحمل اسم «الفقيه»، أو ضمان أن يكون هو أرفع شخصية على الدوام، أي: رئيس الجمهورية، وأن يكون من علماء الدين الشيعة البارزين حسب ما ينص عليه دستور الحكومة الثورية المؤقتة. وعجل فوز حلفاء الخميني في انتخابات الجمعية التأسيسية من سير عملية إنشاء مؤسسة مستقلة للولي الفقيه، طغت على البنية الهيكلية للنظام الجمهوري، وأصبحت أهم مؤسسة في الدولة.
يشار إلى أن جذور فكرة تلك المؤسسة تمتد من سلسلة محاضرات الخميني، التي كان يلقيها في النجف في أواخر الستينات، والتي ضمنها في كتاب له بعنوان «الحكومة الإسلامية»، لأن كثيرا من السلطات الفعلية التي منحها الدستور الإيراني عام 1979م المرشد الأعلى لم تكن موجودة في برنامج الخميني، ولم تكن حاضرة ضمن مبادئ فن الحكم الحديث، إضافة إلى أن المواد المتعلقة بإسناد السلطات العليا، كالقيادة العليا للقوات المسلحة، أو الإشراف على أجهزة الدولة الثلاثة: التنفيذي، والتشريعي، والقضائي، مستمدة من المرجعية التي حددها آية الله محمد باقر الصدر، أحد علماء النجف، ردا على استفسار من مجموعة من علماء الدين الشيعة اللبنانيين، الذين طلبوا منه بيانا حول شكل النظام الإيراني الجديد.
وكان رد الصدر هو تقديم شخصية تحمل اسم «المرجع القائد»، تعهد إليه السلطة في وقت لاحق عن طريق الدستور الإيراني الصادر عام 1979م، الذي تمت المصادقة عليه ودخل حيز التنفيذ بصورة قانونية بعد استفتاء نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1979م. وتم نشر بيان الصدر باللغة الفارسية فورا بعد ذلك، ويبدو أنه حظي بالإعجاب والقبول داخل الأوساط السياسية الإيرانية في المدة بين فصلي الربيع والصيف من عام 1979م، وكان على الأرجح مصدر إلهام لصياغة المادة الخامسة من دستور عام 1979م.
ضرورة أن يكون المرشد الأعلى مرجعا معترفا به عالميا، الذي كان منصوصا عليه في الدستور الإيراني، أدى إلى تقويض آلية خلافة المرشد الأعلى بشكل واضح، وأن ازدياد المخاوف عام 1984م بشأن تقدم سن الخميني وتدهور حالته الصحية، حدا بالنخبة السياسية إلى وضع الترتيبات اللازمة لاختيار خليفة له في حال رحيله المفاجئ، فتم تأسيس مجلس للخبراء، مهمته اختيار مرشد جديد، وكان هذا المجلس هو الهيئة الوحيدة في إيران المؤلفة بالكامل من علماء الدين، إذ يضم 86 عضوا يتم انتخابهم كل 8 سنوات.

* خامنئي مرشدا عامّا

* امتنع مجلس الخبراء، الذي كان دوره هامشيا في أول عملية اختيار للمرشد الأعلى عام 1984م، عن الاضطلاع بدور فاعل في جهود البحث عن خليفة جديد بطريقة سلسة، وظلت المسألة معلقة من دون حل إلى وفاة الخميني في يونيو عام 1989م، إلا أن الخميني أصدر قبل وفاته مرسوما كان له أثر حاسم في ترقية خامنئي ليكون خلفا له، فقد بعث رسالة إلى علماء الدين، أشار فيها إلى أن شرط «المرجعية» الوارد في الدستور يعد ملغى في ما يتعلق باختيار المرشد الأعلى الجديد، الذي يجب أن يتمتع بخصائص وميزات معينة، كأن يمتلك بصيرة سياسية واقتصادية واجتماعية نافذة لا يتمتع بها كبار السن وكبار علماء الدين البعيدين عادة من المشهد السياسي، وخلص الخميني إلى أن مصالح الجمهورية الإيرانية الإسلامية تقتضي أن تتصدر لها شخصية دينية معتدلة، ذات مكانة رفيعة، ولها باع طويل في الميدان السياسي داخل النظام، لتكون قادرة على تعزيز أهداف النظام، وتحقيق طموحاته.
وفاة الخميني في الثالث من يونيو عام 1989م جاءت في لحظة غير مناسبة، إذ كان مجلس مراجعة الدستور قد عقد حينها 16 جلسة، لم يكن أي منها قد بحث مسألة إصلاح مؤسسة القيادة، ولم يكن الخميني قد أعطى أي إشارة إلى خليفته، تاركا خلفاءه في مأزق كبير بخصوص اختيار بديل له. وكانت الخطوة الأولى للجنة المرتجلة التي كانت تعالج شؤون الدولة في أعقاب وفاة الخميني هي إصرارها على دعوة مجلس الخبراء إلى الانعقاد في أقرب وقت. وفي الرابع من يونيو عام 1989م انعقد المجلس لاختيار خلف للخميني من دون التوصل إلى اقتراح شخص بعينه يعتلي سدة الحكم، وتم طرح عدة مقترحات مختلفة ومتفاوتة في مضامينها إلى حد كبير، تطالب كلها باختيار خامنئي. كان الاقتراح الأول يدعو إلى الاستفادة من المادة الدستورية، التي تسمح بتأسيس مجلس قيادة من 3 أشخاص، ويتألف من: الرئيس، ورئيس السلطة القضائية، ورئيس مجلس الخبراء، وهم على الترتيب: حجة الإسلام علي خامنئي، وآية الله موسوي أردبيلي، وآية الله علي مشكيني، في حال عدم وجود مرشح واحد مناسب. ولم ينجح هذا المقترح في حشد الدعم الكافي داخل المجلس، الذي كان يميل إلى الإبقاء على نموذج القائد الأوحد. وأصر المجلس في المحاولة الثانية على تسمية آية الله قلبيجاني، العضو الباقي على قيد الحياة من ثلاثي علماء قم: الخميني، وشريعة مداري، وقلبيجاني، لكن داء الشيخوخة كان قد أصاب قلبيجاني، فاعتزل السياسة تماما في ظروف أدت إلى رفض اختياره. وهنا تدخل رفسنجاني - رئيس مجلس الخبراء حينها - فشرع في سرد رواية عن محتوى اجتماع عقده مع الخميني قبل وفاته، قال فيه الخميني: إن خامنئي قد يكون الزعيم الأنسب، فتمت مصادقة مجلس الخبراء على اختيار خامنئي سريعا، ليسدل بذلك الستار على قضية اختيار خليفة الخميني.
* سيطرة خامنئي وتهميش مجلس الخبراء
* ظل خامنئي مهيمنا على منصب المرشد الأعلى أكثر من عقدين من الزمن، وقدرته على السيطرة على زمام الأمور، إضافة إلى قدرته على المناورة وتحويل مسار الجناح اليساري الوليد المعارض لحكمه في المراحل المبكرة من وجوده في سدة الحكم، تدلان على أن مسألة الخلافة ظلت معلقة تماما منذ صعوده إلى السلطة، ويبدو أن أو حتى إنهاء ولايته، وهو مجلس الخبراء، فوفقا لدستور عام 1989م المعدل، يحتفظ مجلس الخبراء بدوره الأصلي لاختيار المرشد الأعلى في المستقبل خلفا لسلفه الراحل، كما يمتلك المجلس الحق والقدرة على مراقبة أداء المرشد الحالي، وحق خلعه إذا قرر المجلس عدم كفايته وافتقاره إلى المقومات الضرورية التي تحول دون قيامه بمسؤولياته. وهذا الأمر يعني أن المجلس قد يقف في وجه المرشد، ويخلعه من منصبه، لذلك عمد خامنئي ورفسنجاني عام 1991م إلى تغيير القواعد واللوائح التي تنظم انتخابات مجلس الخبراء، ففرضا امتحانات تحريرية لتقويم مدى ملاءمة المرشحين للمجلس، وهو شرط أبطل الاعتماد السابق الذي كان أيسر وأكثر بساطة، وهو الاكتفاء بالحصول على «خطاب إحالة» من أحد كبار المراجع. وأدى هذا التطور إلى وجود مجلس خبراء يسيطر عليه بإحكام المرشد، وإلى فقدان المجلس قدرا كبيرا من الاستقلال السياسي. لكن فرضت بعض الأحداث عام 2014م، أهمها مرض خامنئي، ضرورة عودة مجلس الخبراء إلى سابق عهده، وربما كان خامنئي وراء ذلك أيضا، بسبب رغبته في غرس الوعي في ما يتعلق بتقدم سنه، وترسيخ الحاجة إلى البدء بوضع خطط كفيلة باستمرار مؤسسة القيادة في حال رحيله، على الرغم من أنه من غير المرجح أن يسمي خامنئي خليفة له على المديين القصير أو المتوسط، كما أنه يبدي دائما حذرا شديدا من تفويض أي شخص أيا من صلاحياته الواسعة الممنوحة له بموجب الدستور الحالي.

* 5 سيناريوهات لخلافة خامنئي

* يشار هنا إلى مدى قلق مجلس الخبراء واهتمامه بقضية منصب المرشد الأعلى، بوصف المجلس سيكون محط التطورات المستقبلية في ما يخص القيادة، وأن المجلس سيكون له رئيس جديد يحل محل آية الله محمود هاشمي شاهرودي - القائم بتصريف أعماله الحالي - قبل نهاية العام الحالي حسب التقويم الفارسي (مارس «آذار» عام 2015م)، وأن مدة الرئيس الجديد ستكون قصيرة على أي حال، لأن المجلس على مشارف انتخابات جديدة في نهاية مارس عام 2015م.
يجدر التنبيه إلى أن الكفة تميل في نظام الدولة الإيرانية حاليا إلى مصلحة «السبعينيين»، الذين حافظوا على مناصبهم السياسية الرفيعة منذ الأيام الأولى لقيام الجمهورية الإيرانية الإسلامية، وتنظر الدراسة إلى أن عهد أحمدي نجاد كان محاولة لتغيير الأجيال داخل السلطة التنفيذية، لكنها أخفقت فعاد كبار السن مرة أخرى.
وبالتالي النتائج المحتملة لتشكيل القوى إذا تمت دعوة مجلس الخبراء إلى اختيار القائد الجديد بعد الانتخابات التي ستجرى في مارس عام 2015م، ويمكن توقع 5 سيناريوهات أساسية للوصول إلى منصب المرشد الأعلى، هي:
1 - الاختيار التوافقي الأوحد: فإذا لم يترك خامنئي إشارة تدل على ترشيح خليفة بعينه بعد وفاته فقد يلجأ المجلس إلى المفاضلة بين الخيارات المطروحة، فيتجه إلى الخيار الانتقالي الأوحد إذا لم يظهر مرشح قوي. والاسم الذي يرجحه هذا السيناريو هو محمود هاشمي شاهرودي، عالم الدين العراقي المولد، الذي استقر في إيران عام 1980م بصفته الممثل الشخصي لآية الله باقر الصدر، والذي يتمتع بسمعة طيبة بين الإصلاحيين والأحزاب والشخصيات المحافظة على حد سواء.
2 - حلول جماعية: وهي العودة إلى السيناريو الذي تم اتخاذه عام 1989م، بإنشاء مجلس للقيادة يتألف من: الرئيس، ورئيس السلطة القضائية، ورئيس مجلس الخبراء، على أن تستغرق تلك القيادة الجماعية مدة محدودة إلى أن تتمكن القوى السياسية من الوصول إلى تسوية لشكل مؤسسة القيادة من خلال عملية إصلاح دستوري. ومن شأن هذا السيناريو أن يلقى قبولا لدى جيل الشباب من المحافظين والإصلاحيين، وتبرز فيه شخصيتا: الرئيس حسن روحاني، وصادق لاريجاني رئيس السلطة القضائية.
3 - استعادة أحداث عام 1989م في الأذهان (الصعود الجديد للرئيس): وينظر هذا السيناريو إلى دور السلطة التنفيذية في تعيين منصب المرشد الأعلى كما حدث مع خامنئي نفسه، إذ كان رئيسا للدولة عندما تولى هذا المنصب عقب الخميني. ويدعم هذا السيناريو أن من يتقلد منصب الرئاسة حاليا هو الشخصية الدينية حسن روحاني، وقد يحاول بعض وسطاء السلطة الضغط من أجل ترقيته لخلافة خامنئي. وتنحصر فرص نجاح هذا السيناريو، الأكثر ميلا إلى السياسة، في مدى نقله إلى حيز الواقع عبر وجود شخصيات دينية لائقة يمكنها الاحتفاظ بمنصب الرئاسة في المستقبل المنظور. ومن المتوقع وفق هذا السيناريو أن يسعى روحاني إلى إعادة انتخابه مرة أخرى عام 2017م، ليمهد الطريق لنفسه لكي يكون في موقف قوة إذا رحل خامنئي قبل عام 2021م.
4 - تدخل قوي من قوى خارجية: يطرق هذا السيناريو احتمال تدخل فاعل من أطراف خارجية في عملية البحث عن مرشد، بهدف تقديم كل طرف رئيسا صوريا له يكون خلفا لخامنئي، ويحافظ على مصالحه الاقتصادية الضخمة المكتسبة، وستكون قيادة الحرس الثوري الإيراني الأوفر حظا لاختطاف منصب المرشد الأعلى، بسبب ازدهار قوتها ومصالحها الاقتصادية الضخمة الذائعة الصيت. وسيمثل هذا السيناريو انحسارا لأهمية الطبقة السياسية غير العسكرية وتأثيرها، لا سيما الأحزاب الإصلاحية. ويرتبط تحقق هذا السيناريو بحظوظ الحرس الثوري الإيراني في السنوات القليلة المقبلة، وقدرته على الاحتفاظ بامتيازاته الاقتصادية، خصوصا في حال الوصول إلى اتفاق نووي بين إيران والغرب، وفتح الاقتصاد الإيراني على مشاركة أجنبية ومحلية أوسع في المشروعات الاقتصادية. ومن الشخصيات المناسبة لتحقيق هذا الدور مصباح يزدي، وبعض الشخصيات الأخرى من الجناح الأشد تطرفا من المحافظين، مثل: حامد رسائي، أو أحمد خاتمي، وكلاهما نائب برلماني متشدد عن طهران. وقد يكون صادق لاريجاني من الشخصيات الأقرب إلى الجناح المعتدل، مع مراعاته مصالح الحرس الثوري الإيراني.
5 - مرحلة الكرسي الشاغر: وهو أن تمر البلاد بمرحلة «الكرسي الشاغر» ولو مدة وجيزة جدا، على غرار ما حدث في الفاتيكان في المدة بين وفاة البابا وانتخاب خليفة له. ومن المرجح أن تكون هذه المرحلة قصيرة، وسيتم تجاوزها من خلال إنشاء مجلس قيادة مؤقت لدرء احتمال اندلاع أنشطة متطرفة في المناطق المضطربة في البلاد، وهو سيناريو محتمل لا ينبغي تجاهله واستبعاده تماما، خصوصا أن خامنئي ما زال يحجم إلى الآن عن تسمية خليفة له.

* المنصب والأجيال الشابة

* مسألة خلافة خامنئي لا تزال شائكة ومبهمة، بسبب التطورات السياسية في الجمهورية الإيرانية الإسلامية، فضلا عن أن الظروف الحالية لإيران ستعمل على إنعاش مجلس الخبراء، وبث الروح فيه من جديد، بعد أن مر بحقبة طويلة من السبات العميق، والمرحلة مرشحة لمزيد من المواجهات الحزبية إذا نجح رفسنجاني في السيطرة على المجلس في مارس عام 2015م.
خامنئي سيكون بحاجة ماسة إلى وضع استراتيجية لجذب الأجيال الشابة من الأحزاب السياسية التابعة له، وكذلك سيفعل معارضه آية الله مصباح يزدي مع الأجيال الشابة التابعة له، وهو ما يعني أن مرحلة ما بعد خامنئي يمكن أن تستهل بجيل جديد على الفور، لن يتوانى عن إعلان مطالبه بوصفه جزءا من النخبة السياسية في إيران.
من الآن إلى موت خامنئي ستكون مختلف الأحزاب في سباق مع الزمن للوصول إلى حل دائم لمعضلة منصب المرشد الأعلى، تلك المؤسسة التي ستظل هي الأقوى والأكثر أهمية في الجمهورية الإيرانية الإسلامية.

* نوافذ على الداخل الإيراني

* - منصب المرشد الأعلى في إيران لم يكن وليد ثورة عام 1979م مباشرة.. فالخميني لم يكشف سريعا عن آرائه حول مكانته في نظام الدولة الوليدة
- الخميني أصدر قبل وفاته مرسوما بإلغاء شرط «المرجعية» الوارد في الدستور كان له أثر حاسم في ترقية خامنئي خلفا له
- رفسنجاني سرد رواية عن إشارة الخميني إلى أن خامنئي هو الزعيم الأنسب.. فصادق مجلس الخبراء على اختياره خليفة له
- خامنئي هيمن على منصب المرشد الأعلى.. وأضعف مجلس الخبراء الذي يخوله دستور 1989م المعدل مراقبة أدائه.. وخلعه.. واختيار المرشد الجديد
- لن يسمي خامنئي خليفة له.. لأنه يبدي حذرا شديدا من تفويض أي شخص أيا من صلاحياته الواسعة الممنوحة له بموجب الدستور الحالي
- مجلس الخبراء قد يلجأ إلى الخيار الانتقالي الأوحد إذا لم يظهر مرشح قوي.. والمرشح لذلك هو هاشمي شاهرودي عالم الدين العراقي المولد
- إيران قد تشهد ترقية رئيس الجمهورية إلى منصب المرشد الأعلى على غرار ما حدث مع خامنئي نفسه.. ويدعم ذلك أن من يتقلد منصب الرئاسة حاليا هو الشخصية الدينية حسن روحاني
- قيادة الحرس الثوري الإيراني الأوفر حظا لاختطاف منصب المرشد الأعلى.. بسبب ازدهار قوتها ومصالحها الاقتصادية الضخمة.. وهو ما يمثل انحسارا لأهمية الطبقة السياسية غير العسكرية
- خلافة خامنئي لا تزال شائكة ومبهمة.. بسبب التطورات السياسية في إيران.. والمواجهات الحزبية ستزداد إذا نجح رفسنجاني في السيطرة على مجلس الخبراء في انتخابات مارس 2015م



«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
TT

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها في منزلها بحي مونمارتر في باريس، قبل 39 عاماً. فقد توفيت في 3 مايو (أيار) 1987، عن 54 عاماً، وتركت رسالة كتبت فيها: «سامحوني، الحياة لم تعد تُحتمل».

يُستهلّ العرض بعزف على الكمان لأغنيتها الشهيرة «حلوة يا بلدي»، التي يستمد عنوانه من أحد مقاطعها، وتعبّر عنها طفلة ترقص الباليه. وتبدأ الأحداث قبل ساعات من رحيل داليدا، وسط شعورها بالوحدة والضياع، لكن العرض لا يسقط في فخ الميلودراما، بل يقدّم رؤية موسيقية غنائية استعراضية صاغها المخرج حمدي العربي.

الفنانة داليدا (أرشيفية)

وتجسّد الفنانة الجزائرية كريمة نايت شخصية داليدا، فيما تحضر المطربة الراحلة في خلفية المسرح، عبر مشاهد من حفلاتها وصور لها بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المشاهد الأولى للمسرحية، التي قُدّمت على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، تستيقظ داليدا وداخلها شعور خانق بالوحدة والضيق، وكأنها تتعرض للمطاردة من وجوه عديدة غير واضحة الملامح، تكثّف حضورها شاشة العرض في خلفية المسرح. وتمزّق ملابسها التي تظهر بها في الحفلات، وتستعيد حواراً مع والدتها حين كانت طفلة.

وتتوالى المشاهد بين الإبهار في أزياء البطلة وبقية المشاركين والإضاءة اللافتة، ولحظات تتسم فيها داليدا بالحيوية، وأخرى تبدو خلالها منكسرة وضعيفة.

وتغنّي «أنا الديفا»، معبّرة عن إحساسها بالنجاح واعتزازها بما قدّمته، قبل أن يلاحقها الإحباط وتحيط بها مشاعر الوحدة بعدما ضاقت بقيود الشهرة؛ فتغنّي: «أنا مش مانيكان، أنا روح إنسان، مش وردة بلاستيك على رسمة فستان».

وتقدّم كريمة نايت أغنيات لداليدا بصوتها، من بينها «Je suis malade»، التي تعبّر عن حزنها وإحساسها بالمرض، وترافق أداءها بالرقص الإيقاعي والاستعراض مع فريق من راقصي الباليه. وتشارك في الأداء التمثيلي شيري أحمد وتمارا مصطفى حجاج.

وأكد مخرج العرض، الفنان حمدي العربي، الذي يقيم بين مصر وألمانيا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه ظل يعمل على العرض منذ سنوات، عادّاً المطربة الراحلة مصدر إلهام له. وقال: «صدمني مثل كثيرين خبر انتحارها رغم أنها حققت أمجاداً عالمية».

ملصق العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «رحلتها جمعت بين القوة والضعف، وهذه القوة مكّنتها من تحقيق كل هذه المكانة العالمية، ثم حين تعود إلى بيتها تجد نفسها وحيدة وضعيفة رغم كل الحب الذي أحاطها به الجمهور في كل مكان. فقد كانت تتوق لكي تكون أمّاً ولم تستطع، كما أن الذين أحبتهم أنهوا حياتهم».

وأوضح العربي أنه أنتج العرض بشكل مستقل، وأنه يسعى إلى تقديمه كلما توافرت له فرصة، متطلعاً إلى عرضه في مدن عربية وأجنبية خلال الفترة المقبلة.

وعن اختياره بطلة لا تشبه داليدا في الشكل، قال إنه قصد ذلك، ولا يعنيه التطابق الشكلي بينهما؛ لأنه لا يقدّم بطلة تقلّد داليدا وتتشبّه بها، بل يهمّه أن تعبّر عن روح الفنانة الراحلة.

وأضاف: «كريمة نايت تتمتع بطاقة فنية عالية مطربة وراقصة للرقص الحديث وممثلة لها مسيرة طويلة، وقد جعلتها أيضاً تغنّي أغنيات داليدا دون الاستعانة بتسجيلات صوتية للفنانة الراحلة».

ولعبت الموسيقى دوراً كبيراً في العرض المسرحي، بمشاركة شريف الوسيمي، الذي عَدّه المخرج شريكاً رئيسياً في جميع عروضه، لما يتمتع به من موهبة، ولما يجمعهما من تفاهم.

المخرج وفريق العمل يوجهون تحية للجمهور في نهاية العرض (الشرق الأوسط)

وأشار المخرج إلى عمله في بداياته عارضاً في فيديوهات أغنيات عدة لمطربات، من بينها «وحياتي عندك» لذكرى، و«كل دي إشاعات» لسميرة سعيد. كما أخرج عروضاً مسرحية في مصر، من بينها «فاوست»، التي قدّمها برؤية شعبية مصرية، وتناول سيرة أسطورة الباليه «نورياف» في عرض مسرحي قام ببطولته ممدوح حسن.

وُلدت المطربة الإيطالية الأصل يولاندا كريستينا جيجليوتي، الشهيرة بـ«داليدا»، في حي شبرا بالقاهرة، وشاركت ممثلة في الفيلم المصري «سيجارة وكأس» للمخرج نيازي مصطفى عام 1955. وحققت نجاحاً منقطع النظير مطربة بعد وصولها إلى فرنسا، وغنّت بلغات عدة، من بينها العربية والفرنسية والإيطالية واليونانية والألمانية، ولها رصيد يتجاوز ألف أغنية. كما لعبت بطولة فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين عام 1986.

ويخلّد ذكراها تمثال نصفي برونزي أبدعه النحات أسلان، ونُصب عام 1997 في ساحة داليدا بحي مونمارتر في باريس.


«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».