آثار وقائية للكائنات الدقيقة في حليب الأم

ميكروبات طبيعية تحمي الرضع من التهابات الأمعاء

آثار وقائية للكائنات الدقيقة في حليب الأم
TT

آثار وقائية للكائنات الدقيقة في حليب الأم

آثار وقائية للكائنات الدقيقة في حليب الأم

في السنوات القليلة الماضية، ازداد الشعور العام لدى الناس بأن البروبيوتيك (Probiotics)؛ (وهي بكتيريا حية غير مرضية)، توفر فوائد صحية عند استهلاكها. إلا أن التأكيدات على أنها تضفي فوائد على الجسم البشري المستضيف لها، لم يتم إثباتها.
وقد أظهر كثير من الأبحاث أن معظم مواد البروبيوتيك غير قادرة على استعمار أو إضفاء فوائد دائمة، في أمعاء الإنسان، وأنها قد لا تكون طريقاً واعدة لعلاج المرض أو تحسين الصحة والعافية، لكنها قد تكون مفيدة لدى الأطفال الرضع حديثي الولادة.

بكتيريا الرضع
وحديثاً، لاحظ بعض العلماء أن استعمار الأمعاء لدى الرضع من قبل بكتيريا «بفيدوباكتريوم إنفانتس» (Bifidobacterium infantis /B. infantis) كانت له آثار وقائية، مثل انخفاض مستويات مسببات الأمراض المعوية المحتملة، وكذلك التوكسينات (المركبات السامة الداخلية)؛ (وهي مكونات غشاء خارجي من الكائنات الحية سالبة جرام) المعروفة بإحداث الالتهابات.
ووجدت جنيفر سميلويتز وديانا هازارد تافت في قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية في جامعة كاليفورنيا في ديفيس في بحثهما المنشور في مجلة «ساينتست» (The Scientist) في الأول من يونيو (حزيران ) 2020، أن الرضع الذين أعطوا البروبيوتيك بما فيها «بفيدوباكتريوم إنفانتس» التي تعدّ من ضمن مجموعة البكتيريا التي تعرف جميعها باسم «بروبيوتيك»، قد قل لديهم التهاب الأمعاء مقارنة بالرضع الذين لم يتلقوا البروبيوتيك، وأن الميكروبات المعوية لديهم تحتوي على عدد أقل من جينات مقاومة المضادات الحيوية، وهي علامة على وجود عدد أقل من مسببات الأمراض. وأظهرت النتائج تحللاً أقل للموسين (mucin)؛ وهو بروتين سكري تفرزة الخلايا الطلائية للأمعاء لحمايتها من الاتصال المباشر مع ميكروبات الأمعاء.
تكون أمعاء الرضع في البداية بيئة هوائية، لكن من خلال الاستعمار يتم تغيير البيئة، ما يؤدي إلى انخفاض مستويات الأكسجين، وبالتالي خلق بيئة مناسبة لنمو الكائنات اللاهوائية. وبشكل أكثر تحديداً، فإن الجهاز الهضمي البشري يتغير من حالة «العقم» في البداية إلى امتلاك ميكروبيوم (microbiome)؛ (وهو مجموع الكائنات الحية الدقيقة والمواد الوراثية الموجودة في الجهاز الهضمي) مستقر، يشابه ما لدى البالغين في الوقت الذي يصل فيه الرضيع إلى عامين من العمر.
وتوجد دلائل على أن الاستعمار الأولي يؤثر في تطوير جهاز المناعة اللاحق من خلال التأثير على مورفولوجيا الأمعاء ووظيفة الأنسجة الليمفاوية المرتبطة بالأمعاء (GALT). علاوة على ذلك وفي الآونة الأخيرة، تأكد أن الكائنات الحية الدقيقة المعوية تلعب دوراً مهماً في تنظيم الجهاز المناعي. ويمكن أن يؤدي تكوين الكائنات المعوية إلى تعريض الطفل لتكرار أكثر للالتهابات ومخاطر أمراض الحساسية.

الرضاعة الطبيعية
من جهة أخرى، تصف غريس الدروفاندي أستاذة طب الأطفال في كلية الطب ديفيد جيفن بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس، في دراسة لها على الرضع، حليب الثدي بأنه السائل المدهش الذي تطور عبر ملايين السنين لجعل الأطفال أصحاء، خصوصاً جهازهم المناعي. وقد فحصت الدراسة المحتوى الميكروبي لحليب الأم والجلد حول حلمة ثدي الأم وبراز الطفل الذي يمثل بكتيريا الأمعاء لدى 107 أزواج من الأم والرضيع.
وذكرت الباحثة ان البكتيريا الموجودة في براز الرضّع تشبه الميكروبات من أمهاتهم أكثر من تلك الموجودة من أمهات أخريات في الدراسة، ما يشير إلى أن البكتيريا تنتقل من الأم إلى الطفل من خلال الرضاعة الطبيعية. وتشير الأبحاث السابقة إلى أن الرضاعة الطبيعية تعمل ضد السمنة وتساعد في تطوير جهاز المناعة، وأن الأطباء يوصون بالرضاعة الطبيعية حصراً خلال الأشهر الستة الأولى لأنها مرتبطة بانخفاض خطر الإصابة بالتهابات الأذن والتهابات الجهاز التنفسي والحساسية والسكري ومتلازمة الموت المفاجئ للرضع. ويشير ألكسندر خورتس أخصائي أمراض الجهاز الهضمي بجامعة مينيسوتا الأميركية إلى أن معظم الميكروبات تأتي من الأم، وأن الرضاعة الطبيعية هي المصدر الرئيسي لانتقال الميكروبات خلال الأشهر الأولى من الحياة.

أصول الميكروبيوم
يمكن العثور على تلميحات حول ميكروبيوم الرضيع في المقالات التي تعود إلى قرن من الزمان حول البكتيريا المتكافئة في براز الرضع. كاناندرو لوغان أخصائي علم الأمراض السريرية بالكلية الملكية للأطباء في إدنبرة اسكوتلندا أول من أفاد قبل 100 عام بأن البكتيريا الموجودة في مسحات البراز من الرضع الذين تم إرضاعهم من الثدي كانت تقريباً نوعاً واحداً من العصيات التي تُعرف اليوم باسم جنس بفيدوباكتريوم (Bifidobacterium).
وعلى النقيض من ذلك، كانت مسحات البراز من الرضع الذين تمت تغذيتهم على الحليب الصناعي في ذلك الوقت تحتوي على تنوع من البكتيريا مع وجود عدد قليل نسبياً من بكتيريا بفيدوباكتريوم أكثر تشابهاً مع التنوع الميكروبي الموجود في الرضّع اليوم.
كانت هذة التغييرات اللافتة للنظر في تركيبة الميكروبيوم المعوية التي شوهدت خلال القرن الماضي متوافقة مع اكتشاف أن الرقم الهيدروجيني البرازي عند الرضاعة الطبيعية قد ارتفع بشكل كبير من 5.0 إلى 6.5 خلال المائة عام الماضية.
والرقم الهيدروجيني (الحموضة)، إذا كان منخفضاً فإنه يثبط البكتيريا المرضية في البراز، لذلك نلاحظ أن البول في الإنسان المتعافى حامضي، والشيء نفسه ينطبق على المهبل والأمعاء ومن ثم البراز.
وهذا التغير يرتبط بفقدان الأجيال الواضح من البفيدوباكتريوم، وتصاحب ذلك زيادة في مسببات الأمراض المحتملة. ومن المحتمل أن يكون الانخفاض في بكتيريا بفيدوباكتريوم في ميكروبات الأمعاء للرضع نتيجة غير مقصودة للممارسات الطبية التي توجه لإنقاذ الأرواح، ولكنها لا تدعم نمو بفيدوباكتريوم. وتشمل هذه الممارسات الطبية العلاج بالمضادات الحيوية التي تكون البيفيدوباكتريوم حساسة لها أو بسبب حليب الأطفال الصناعي الذي لا يوفر الغذاء المحدد الذي تتطلبه البكتيريا أو بسبب أعداد أكبر من الولادات القيصرية التي تتجاوز المسار الذي يتم من خلاله نقل البكتيريا من الأم إلى الطفل.
وقد أدت هذه الممارسات الطبية إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض الحساسية والمناعة الذاتية السائدة في الدول الغنية، إذ إن جميعها تقلل من البفيدوباكتريوم وتزيد من الميكروبات الالتهابية في سن الرضاعة المبكرة خلال الفترة الحرجة لتطور الجهاز المناعي، وبالتالي قد يزيد من خطر الإصابة بأمراض المناعة في وقت لاحق من الحياة.
ولفهم سبب تغير ميكروبات الأمعاء لدى الرضع بشكل كبير خلال القرن الماضي، فإن استعمارها لدى الرضع عند الولادة يبدأ بالتعرض للميكروبات الأمومية، إذ إن معظمها ميكروبات مهبلية وبرازية للرضع الذين ولدوا طبيعياً أو بشكل أساسي ميكروبات من الجلد والفم والبيئة المحيطة عند الرضع الذين يولدون بالولادة القيصرية. ثم بعد الولادة يتم استعمار أمعاء الرضَّع بمجموعة كبيرة من الميكروبات الموجودة في البيئة بما في ذلك حليب الثدي، لكن الأنواع التي تستمر في أن تصبح أعضاء دائمة في مجتمع الميكروبات هي تلك التي تنتقل عن طريق أمهات الأطفال الرضع من خلال الاتصال الجسدي. ويواصل الأطفال اكتساب أنواع الميكروبات المعوية من أمهاتهم وغيرهم في المجتمع خلال حياتهم المبكرة.

سكريات حليب الأم
إن العامل الرئيسي في تحديد البكتيريا التي تزدهر في القناة الهضمية هو توافر مصادرها الغذائية من الكربوهيدرات، وبالتالي لكي يعمل البروبيوتيك فإنه يجب اختيار الكائنات الحية الدقيقة، بحيث يتطابق مصدر الغذاء الذي تستخدمه بكفاءة مع ما هو متاح، أي بمعنى آخر طعام موجود لتلك الكائنات لا تستهلكه بكتيريا أخرى.
وبطبيعة الحال، لجأت الباحثتان سميلويتز وهازارد تافت إلى حليب الثدي الذي كان طوال ملايين السنين هو الطعام الوحيد الذي يمكنه تغذية الأطفال وحمايتهم حصرياً خلال الأشهر الستة الأولى من الحياة. كما يوفر حليب الأم المغذيات بالإضافة إلى الجزيئات غير الغذائية والنشطة بيولوجياً بما في ذلك الكربوهيدرات المعروفة باسم السكريات قليلة التعدد في حليب الأم، وهي فئة متنوعة من جزيئات الكربوهيدرات المعقدة التي يتم تصنيعها بواسطة الغدة الثديية مع ما يقرب من 200 نوع جزيئي مختلف، فإنها تمثل ثالث أكثر المكونات الصلبة وفرة في حليب الأم بعد سكر اللاكتوز والدهون. وتؤكد النتائج التي جاءت بها سميلويتز وهازارد تافت أن البروبيوتيك قد لا تؤدي عملها لدى الرضع عندما يكون هناك عدم تطابق بين احتياجات الكربوهيدرات من البروبيوتيك وتوفر الكربوهيدرات عالية التحديد مثل السكريات قليلة التعدد في حليب الأم.
ونظراً لأن بكتيريا بفيدوباكتريوم إنفانتس تستهلك بكفاءة جميع السكريات قليلة التعدد الموجودة في حليب الثدي فمن المحتمل أن تجد مكاناً بيئياً مفتوحاً ثم تتفوق على الميكروبات الأخرى، خصوصاً تلك التي تعمل كمسببات الأمراض المؤدية إلى الالتهاب.



الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.