مسار الحل الليبي: ما الفرق بين «إعلان القاهرة» و«مخرجات برلين»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)
TT

مسار الحل الليبي: ما الفرق بين «إعلان القاهرة» و«مخرجات برلين»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)

طرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مبادرة لإحياء الحوار الليبي – الليبي بهدف الوصول إلى حل للأزمة المتفاقمة التي تعيشها الجارة الغربية لمصر. سارعت تركيا إلى رفضها، ومعها حليفتها الليبية، حكومة «الوفاق» برئاسة فائز السراج. في المقابل، أيدتها دول أخرى، بينها روسيا وفرنسا، وكلاهما لاعب أساسي في الساحة الليبية، في حين عرضت دول أخرى لعب دور وساطة لجمع الليبيين مثل الجزائر التي قال رئيسها عبد المجيد تبّون إن بلاده مستعدة لإحياء عرضها السابق في خصوص استضافة حوار ليبي – ليبي (ويأتي في هذا الإطار بالطبع قيام رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح بزيارة للجزائر بناء على دعوة من تبّون). أما الولايات المتحدة، وهي لاعب أساسي أيضاً في ملف ليبيا، فقد اكتفت بتقديم تأييد جزئي للمبادرة المصرية، قائلة إن مسار التسوية يجب أن تقوده الأمم المتحدة التي تعمل أصلاً على حل يقوم أساساً على مخرجات «مؤتمر برلين» الليبي في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وفي خضم هذه المبادرات والمواقف السياسية، يبدو الموقف العسكري على الأرض جامداً بعض الشيء، في انتظار انفراجة سياسية أو انفجار عسكري، كما يبدو. فقوات «الوفاق»، بدعم عسكري تركي وبآلاف المرتزقة السوريين، تحشد مقاتليها شرق مصراتة على مشارف مدينة سرت الساحلية، وهي بوابة الهلال النفطي الليبي. وبجانب هذا الحشد، أخذت تركيا «تستعرض عضلاتها» في مياه البحر المتوسط، وأجرت مناورات شاركت فيها طائرات «إف 16» قبالة سواحل مصراتة بغرب ليبيا. أما قوات «الجيش الوطني» فقامت هي الأخرى بتعزيز دفاعاتها في سرت حيث تقع قاعدة جوية ضخمة (قاعدة القرضابية) وكذلك حول مطار الجفرة بوسط ليبيا. ويُزعم أن مرتزقة من مجموعة فاغنر الروسية ينتشرون في هاتين القاعدتين، وهم مزودون بطائرات مقاتلة من طراز ميغ 29 وسوخوي 24. بحسب ما قالت القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم). وبجانب كل ذلك، تداول ناشطون مقاطع مصوّرة (فيديو) لقوات مصرية تتجه صوب الحدود الليبية. لكن السلطات المصرية لم تؤكد ذلك، علما بأن المشاهد قد تكون لتحركات سابقة وأعيد توزيعها على أنها حديثة. لكن كان لافتاً أن رئيس أركان حرب الجيش المصري قام قبل أيام بزيارة تفقدية لقواته على الحدود الغربية مع ليبيا، ما يوحي بأن مصر تهتم بأن لا يتأثر أمنها بما يحصل في ليبيا، خصوصاً في ظل تقدم جماعات إسلامية تدعمها تركيا من غرب ليبيا نحو الشرق.
وفي ظل ما يبدو سباقاً بين مساعي التسوية السياسية والعودة إلى مسار التصعيد العسكري، تعيد «الشرق الأوسط» هنا طرح أبرز بنود المبادرة المصرية الخاصة بحل النزاع الليبي وأيضاً أبرز بنود مخرجات مؤتمر برلين، لرصد إذا كانت هناك اختلافات بينهما:

«إعلان القاهرة»: وقف للنار... وحوار
قدّم الرئيس السيسي المبادرة التي حملت اسم «إعلان القاهرة» خلال مؤتمر صحافي في القاهرة الأسبوع الماضي، وكان محاطاً برئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني الليبي» المشير خليفة حفتر.
تقوم المبادرة المصرية على مجموعة عناصر تبدأ بوقف للنار (كان يفترض بدؤه يوم الاثنين الماضي – لكن حكومة الوفاق رفضته)، على أن تمهّد هذه الهدنة لعودة الحوار الليبي – الليبي. وكان واضحاً أن المبادرة المصرية شددت على دور الأمم المتحدة في رعاية هذا الحوار، وعلى أن يكون ذلك وفق مخرجات برلين التي نصّت، ضمن ما نصّت عليه، على تعهد الدول الخارجية عدم إرسال مرتزقة والتزام حظر السلاح المفروض على ليبيا. وكما هو معروف، لم يتم الوفاء بأي من تلك الالتزامات، وهو ما تجلّى خصوصاً في إسراع تركيا، مباشرة بعد انتهاء المؤتمر وقبل أن يجف حبر اتفاقه، في بناء جسر جوي نقل آلاف المرتزقة السوريين وكميات ضخمة من العتاد الحربي لدعم حكومة «الوفاق» في غرب ليبيا. وتبرر الولايات المتحدة هذا التصرف التركي بالقول إنه جاء رداً على إرسال روسيا مرتزقة لدعم قوات المشير حفتر خلال تقدمها جنوب طرابلس. وكما هو معروف، قلب الدخول العسكري التركي المباشر موازين معركة طرابلس وأرغم «الجيش الوطني» على الانسحاب كلياً من غرب البلاد.
لكن «إعلان القاهرة» يذهب أبعد من مجرد تقديم عرض هدنة عسكرية والعودة إلى الحوار والتزام الأطراف الخارجية بإخراج مرتزقتها من ليبيا. إذ أنه يقدّم تصوّراً شاملاً ومفصلاً لكيفية التقدم في هذا الحوار وما هي التسويات التي يفترض الوصول إليها. وفي هذا الإطار، تنص المبادرة المصرية على تشكيل مجلس رئاسي جديد من رئيس ونائبين، على أن يكون هؤلاء ممثلين لأقاليم ليبيا الثلاثة: غرب ليبيا ومركزه طرابلس، وشرق البلاد (إقليم برقة) وعاصمته بنغازي، والجنوب (إقليم فزان) وكبرى مدنه سبها. ويفترض، بحسب «إعلان القاهرة»، أن يختار كل إقليم من هذه الأقاليم ممثلاً له في المجلس الرئاسي خلال 90 يوماً، على أن يتم ذلك من خلال توافق أو عبر انتخابات محلية ترعاها الأمم المتحدة، على أن يختار المجلس الرئاسي الجديد رئيساً للوزراء يتقدم بطلب للحصول على الثقة بحكومته من مجلس النواب. وتنص المبادرة المصرية أيضاً على أن «يقوم المجلس الرئاسي باِتخاذ قراراته بالأغلبية، عدا القرارات السيادية المتعلقة بالقوات المسلحة فيتم اتخاذ القرارات أو البت في المقترحات التي يقدمها القائد العام للقوات المسلحة في هذه الحالة بالإجماع وبحضور القائد العام للقوات المسلحة».
وتدخل المبادرة أيضاً في تفاصيل توزيع المناصب الكبرى في الدولة على أقاليم ليبيا الثلاثة. إذ تشير إلى «حصول كل إقليم على عدد متناسب من الحقائب الوزارية طبقاً لعدد السكان عقب التوافق على أعضاء المجلس الرئاسي الجديد وتسمية رئيس الحكومة، على ألا يجمع أي إقليم أكثر من رئاسة للسلطات الثلاث (المجلس الرئاسي - مجلس النواب - مجلس الوزراء) بحيث يحصل إقليم طرابلس على 9 وزارات، وإقليم برقة على 7 وزارات، وإقليم فزان على 5 وزارات، على أن يتم تقسيم الـ6 وزارات السيادية على الأقاليم الثلاثة بشكل متساو (وزارتين لكل إقليم) مع تعيين نائبين لكل وزير من الإقليمين الآخرين».
وتشير المبادرة المصرية أيضاً إلى قيام مجلس النواب الليبي باعتماد «تعديلات الإعلان الدستوري من خلال لجنة قانونية يتم تشكيلها من قبل رئيس المجلس المستشار عقيلة صالح، وذلك عقب قيام اللجنة (تضم ممثلي أعضاء مجلسي النواب والدولة) بالاتفاق على النقاط الواجب تعديلها في الإعلان الدستوري في مدة لا تتجاوز 30 يوماً بدءاً من تاريخ انعقاد أول جلسة». كما تنص المبادرة على «قيام المجمع الانتخابي لكل إقليم تحت إشراف الأمم المتحدة بتشكيل لجنة من شخصيات وطنية وخبراء دستوريين ومثقفين من ذوي الكفاءة واعتمادها من قبل البرلمان الليبي لصياغة دستور جديد للبلاد يحدد شكل إدارة الدولة اللبيبة وطرحه للاستفتاء الشعبي لإقراره (على أن تنتهي من أعمالها خلال 90 يوماً من تاريخ تشكيها)».
ويحدد إعلان القاهرة «المدة الزمنية للفترة الانتقالية بـ18 شهراً قابلة للزيادة بحد أقصى 6 أشهر يتم خلالها إعادة تنظيم كافة مؤسسات الدولة الليبية خاصة المؤسسات الاقتصادية الرئيسية (المصرف المركزي - المؤسسة الوطنية للنفط – المؤسسة الليبية للاستثمار)، وإعادة تشكيل مجالس إدارة المؤسسات الأخيرة بما يضمن فعالية أداء الحكومة الجديدة وتوفير الموارد اللازمة لإدارة المرحلة الانتقالية انتهاءً بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية».
وختاماً، تنص الخطة على «اتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة لتوحيد كافة المؤسسات الاقتصادية والنفطية في شرق وغرب ليبيا، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، إلى جانب منع وصول الأموال الليبية إلى أي من الميليشيات، وكذلك العمل على ضمان توزيع عادل وشفاف للموارد الليبية لكافة المواطنين».
وكما هو معروف، لقي «إعلان القاهرة» ترحيباً واسعاً من دول عربية وأجنبية، لكن حكومة «الوفاق» رفضته، وكذلك تركيا. كما كان لافتاً قول الولايات المتحدة، على لسان مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر، إن «المبادرة المصرية... نحن نعتبر أن ثمة جوانب مفيدة منها. لا شك في أن هذه المبادرة تحاول أولاً وقبل كل شيء إصلاح مسألة الانفصال التي حصلت منذ حوالي شهر ونصف عندما انفصل حفتر والجيش الوطني الليبي عن صالح والبرلمان». وكان شنكر يشير هنا إلى اختلاف تردد أنه حصل بين حفتر وعقيلة صالح بعد إعلان الأخير في نهاية أبريل (نيسان) الماضي مبادرة سياسية تنص على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية من خلال اختيار مجلس رئاسي جديد من ثلاثة أعضاء، وحكومة منفصلة. كما نصت مبادرة صالح على إعادة كتابة الدستور الليبي وإبقاء مجلس النواب بصفته سلطة تشريعية حتى إجراء انتخابات جديدة.
وقال شنكر أيضاً في تعليقه على إعلان القاهرة: «أصلحت المبادرة (المصرية) هذه الأمور (بين صالح وحفتر) بشكل من الأشكال (...) لكننا نعتبر أن المسار الذي تقوده الأمم المتحدة ومسار برلين هما الإطاران الفعليان وأكثر الإطارات المثمرة لكافة الأطراف حتى تشارك في المفاوضات وتحقق التقدم نحو التوصل إلى وقف إطلاق نار وتثبيته. أعتقد أن المبادرة المصرية تبتعد قليلاً عن هذا الهدف ولكننا نرحب مع ذلك بالجزء المنتج منها».
ولكن ما هو مسار برلين وكيف يختلف عن إعلان القاهرة.

مخرجات مؤتمر برلين
أعلن المشاركون في مؤتمر برلين (19 يناير الماضي)، وهم ممثلو 13 دولة بالإضافة إلى منظمات دولية وإقليمية، أن «الغاية الوحيدة من مسار برلين الذي تعهدنا فيه بدعم خطة الثلاث نقاط المطروحة من قبل الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، السيد غسان سلامة (استقال لاحقاً)، على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، هي مؤازرة الأمم المتحدة في توحيد صفوف المجتمع الدولي في دعمه للوصول إلى حلّ سلمي للأزمة الليبية. فما من حل عسكري في ليبيا».
وقال المشاركون في المؤتمر في بيانهم الختامي: «نلتزم بالامتناع عن التدخل في النزاع المسلّح الليبي أو في الشؤون الليبية الداخلية ونحثّ كافة الأطراف الدولية الفاعلة على الالتزام بالمثل».
وأشاد المشاركون أيضاً «بالدور المحوري الذي تؤديه الأمم المتحدة في سبيل تسهيل عملية سياسية وتصالحية ليبية داخلية وشاملة للجميع ترتكز على الاتفاق السياسي الليبي (أي اتفاق الصخيرات) الموقع عام 2015 والمؤسسات المنبثقة عنه (أي المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق)، وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2259 لعام 2015. وغيرها من القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والمبادئ المتفق عليها في باريس وباليرمو»، وهما مؤتمران خاصان بليبيا.
ويدعو المؤتمر «جميع الأطراف المعنية إلى مضاعفة جهودها المبذولة من أجل إدامة وقف الأعمال العدائية والتخفيف من حدة التصعيد ووقف دائم لإطلاق النار. وفي هذا الصدد نكرر التأكيد على المهمة الحيوية التي يضطلع بها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة. كما ندعو إلى اتخاذ خطوات ذات مصداقية ومتسلسلة ومتبادلة ويمكن التحقق منها، بما في ذلك خطوات ذات مصداقية نحو تفكيك المجموعات المسلحة والميليشيات من قبل جميع الأطراف».
ويدعو البيان الختامي أيضاً «إلى إنهاء كل التحركات العسكرية من قبل أطراف النزاع أو تلك الداعمة لها بشكل مباشر، في جميع الأراضي الليبية وفوقها، وذلك اعتباراً من بداية عملية وقف إطلاق النار».
وتنص مخرجات مؤتمر برلين أيضاً على «العودة إلى العملية السياسية». وفي هذا الإطار، أعلن المشاركون في المؤتمر «دعم الاتفاق السياسي الليبي بمثابته إطاراً قابلاً للتطبيق من أجل الحل السياسي في ليبيا. كما ندعو إلى تأسيس مجلس رئاسي يقوم بمهامه على الوجه الأمثل وتشكيل حكومة ليبية واحدة وموحّدة وشاملة وفعالة يصادق عليها مجلس النواب».
وجاء في نص المخرجات أيضاً: «نحث جميع الأطراف الليبية على استئناف العملية السياسية الشاملة التي تتولى ليبيا قيادتها وتمسك بزمامها تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والمشاركة فيها بشكل بنّاء وبما يمهد الطريق لإنهاء الفترة الانتقالية عبر انتخابات برلمانية ورئاسية حرة وعادلة وشاملة ونزيهة تنظمها مفوضية وطنية عليا للانتخابات مستقلة وفعالة».
كما دعا البيان الختامي «إلى التوزيع الشفاف والخاضع للمساءلة والعادل والمنصف للثروة والموارد العامة بين مختلف المناطق الجغرافية الليبية، بما في ذلك عبر اللامركزية ودعم البلديات بما ينهي تظلماً جوهرياً وسبباً للاتهامات المتبادلة».
وتابع البيان «إننا نتمسك بالأهمية القصوى لاستعادة واحترام وصون نزاهة جميع المؤسسات السيادية الليبية ووحدتها وحكومتها الشرعية، ولا سيما مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الليبية للاستثمار والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة الليبي».
ورحب البيان أيضاً بـ«أن كلاً من رئيس الوزراء فايز السراج والمشير خليفة حفتر قد قاما بتسمية ممثليهما في لجنة 5+5 العسكرية التي اقترحتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا دعماً منها لعملية التنفيذ الواردة كملحق لهذه الخلاصات».
وكما يبدو من مخرجات مؤتمر برلين فإنها لا تختلف جوهرياً عن الأفكار التي جاءت في «إعلان القاهرة» الذي كان أكثر تفصيلاً ووضوحاً في خصوص مسار التسوية وشكل المؤسسات الليبية المستقبلية. وتلتقي المبادرتان عند أهمية وقف النار والعودة إلى مسار التفاوض العسكري بين قوات حكومة «الوفاق» وقوات المشير حفتر، وهو ما يتم حالياً عبر حوار «5+5» الذي ترعاه الأمم المتحدة.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.