مسار الحل الليبي: ما الفرق بين «إعلان القاهرة» و«مخرجات برلين»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)
TT

مسار الحل الليبي: ما الفرق بين «إعلان القاهرة» و«مخرجات برلين»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)

طرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مبادرة لإحياء الحوار الليبي – الليبي بهدف الوصول إلى حل للأزمة المتفاقمة التي تعيشها الجارة الغربية لمصر. سارعت تركيا إلى رفضها، ومعها حليفتها الليبية، حكومة «الوفاق» برئاسة فائز السراج. في المقابل، أيدتها دول أخرى، بينها روسيا وفرنسا، وكلاهما لاعب أساسي في الساحة الليبية، في حين عرضت دول أخرى لعب دور وساطة لجمع الليبيين مثل الجزائر التي قال رئيسها عبد المجيد تبّون إن بلاده مستعدة لإحياء عرضها السابق في خصوص استضافة حوار ليبي – ليبي (ويأتي في هذا الإطار بالطبع قيام رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح بزيارة للجزائر بناء على دعوة من تبّون). أما الولايات المتحدة، وهي لاعب أساسي أيضاً في ملف ليبيا، فقد اكتفت بتقديم تأييد جزئي للمبادرة المصرية، قائلة إن مسار التسوية يجب أن تقوده الأمم المتحدة التي تعمل أصلاً على حل يقوم أساساً على مخرجات «مؤتمر برلين» الليبي في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وفي خضم هذه المبادرات والمواقف السياسية، يبدو الموقف العسكري على الأرض جامداً بعض الشيء، في انتظار انفراجة سياسية أو انفجار عسكري، كما يبدو. فقوات «الوفاق»، بدعم عسكري تركي وبآلاف المرتزقة السوريين، تحشد مقاتليها شرق مصراتة على مشارف مدينة سرت الساحلية، وهي بوابة الهلال النفطي الليبي. وبجانب هذا الحشد، أخذت تركيا «تستعرض عضلاتها» في مياه البحر المتوسط، وأجرت مناورات شاركت فيها طائرات «إف 16» قبالة سواحل مصراتة بغرب ليبيا. أما قوات «الجيش الوطني» فقامت هي الأخرى بتعزيز دفاعاتها في سرت حيث تقع قاعدة جوية ضخمة (قاعدة القرضابية) وكذلك حول مطار الجفرة بوسط ليبيا. ويُزعم أن مرتزقة من مجموعة فاغنر الروسية ينتشرون في هاتين القاعدتين، وهم مزودون بطائرات مقاتلة من طراز ميغ 29 وسوخوي 24. بحسب ما قالت القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم). وبجانب كل ذلك، تداول ناشطون مقاطع مصوّرة (فيديو) لقوات مصرية تتجه صوب الحدود الليبية. لكن السلطات المصرية لم تؤكد ذلك، علما بأن المشاهد قد تكون لتحركات سابقة وأعيد توزيعها على أنها حديثة. لكن كان لافتاً أن رئيس أركان حرب الجيش المصري قام قبل أيام بزيارة تفقدية لقواته على الحدود الغربية مع ليبيا، ما يوحي بأن مصر تهتم بأن لا يتأثر أمنها بما يحصل في ليبيا، خصوصاً في ظل تقدم جماعات إسلامية تدعمها تركيا من غرب ليبيا نحو الشرق.
وفي ظل ما يبدو سباقاً بين مساعي التسوية السياسية والعودة إلى مسار التصعيد العسكري، تعيد «الشرق الأوسط» هنا طرح أبرز بنود المبادرة المصرية الخاصة بحل النزاع الليبي وأيضاً أبرز بنود مخرجات مؤتمر برلين، لرصد إذا كانت هناك اختلافات بينهما:

«إعلان القاهرة»: وقف للنار... وحوار
قدّم الرئيس السيسي المبادرة التي حملت اسم «إعلان القاهرة» خلال مؤتمر صحافي في القاهرة الأسبوع الماضي، وكان محاطاً برئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني الليبي» المشير خليفة حفتر.
تقوم المبادرة المصرية على مجموعة عناصر تبدأ بوقف للنار (كان يفترض بدؤه يوم الاثنين الماضي – لكن حكومة الوفاق رفضته)، على أن تمهّد هذه الهدنة لعودة الحوار الليبي – الليبي. وكان واضحاً أن المبادرة المصرية شددت على دور الأمم المتحدة في رعاية هذا الحوار، وعلى أن يكون ذلك وفق مخرجات برلين التي نصّت، ضمن ما نصّت عليه، على تعهد الدول الخارجية عدم إرسال مرتزقة والتزام حظر السلاح المفروض على ليبيا. وكما هو معروف، لم يتم الوفاء بأي من تلك الالتزامات، وهو ما تجلّى خصوصاً في إسراع تركيا، مباشرة بعد انتهاء المؤتمر وقبل أن يجف حبر اتفاقه، في بناء جسر جوي نقل آلاف المرتزقة السوريين وكميات ضخمة من العتاد الحربي لدعم حكومة «الوفاق» في غرب ليبيا. وتبرر الولايات المتحدة هذا التصرف التركي بالقول إنه جاء رداً على إرسال روسيا مرتزقة لدعم قوات المشير حفتر خلال تقدمها جنوب طرابلس. وكما هو معروف، قلب الدخول العسكري التركي المباشر موازين معركة طرابلس وأرغم «الجيش الوطني» على الانسحاب كلياً من غرب البلاد.
لكن «إعلان القاهرة» يذهب أبعد من مجرد تقديم عرض هدنة عسكرية والعودة إلى الحوار والتزام الأطراف الخارجية بإخراج مرتزقتها من ليبيا. إذ أنه يقدّم تصوّراً شاملاً ومفصلاً لكيفية التقدم في هذا الحوار وما هي التسويات التي يفترض الوصول إليها. وفي هذا الإطار، تنص المبادرة المصرية على تشكيل مجلس رئاسي جديد من رئيس ونائبين، على أن يكون هؤلاء ممثلين لأقاليم ليبيا الثلاثة: غرب ليبيا ومركزه طرابلس، وشرق البلاد (إقليم برقة) وعاصمته بنغازي، والجنوب (إقليم فزان) وكبرى مدنه سبها. ويفترض، بحسب «إعلان القاهرة»، أن يختار كل إقليم من هذه الأقاليم ممثلاً له في المجلس الرئاسي خلال 90 يوماً، على أن يتم ذلك من خلال توافق أو عبر انتخابات محلية ترعاها الأمم المتحدة، على أن يختار المجلس الرئاسي الجديد رئيساً للوزراء يتقدم بطلب للحصول على الثقة بحكومته من مجلس النواب. وتنص المبادرة المصرية أيضاً على أن «يقوم المجلس الرئاسي باِتخاذ قراراته بالأغلبية، عدا القرارات السيادية المتعلقة بالقوات المسلحة فيتم اتخاذ القرارات أو البت في المقترحات التي يقدمها القائد العام للقوات المسلحة في هذه الحالة بالإجماع وبحضور القائد العام للقوات المسلحة».
وتدخل المبادرة أيضاً في تفاصيل توزيع المناصب الكبرى في الدولة على أقاليم ليبيا الثلاثة. إذ تشير إلى «حصول كل إقليم على عدد متناسب من الحقائب الوزارية طبقاً لعدد السكان عقب التوافق على أعضاء المجلس الرئاسي الجديد وتسمية رئيس الحكومة، على ألا يجمع أي إقليم أكثر من رئاسة للسلطات الثلاث (المجلس الرئاسي - مجلس النواب - مجلس الوزراء) بحيث يحصل إقليم طرابلس على 9 وزارات، وإقليم برقة على 7 وزارات، وإقليم فزان على 5 وزارات، على أن يتم تقسيم الـ6 وزارات السيادية على الأقاليم الثلاثة بشكل متساو (وزارتين لكل إقليم) مع تعيين نائبين لكل وزير من الإقليمين الآخرين».
وتشير المبادرة المصرية أيضاً إلى قيام مجلس النواب الليبي باعتماد «تعديلات الإعلان الدستوري من خلال لجنة قانونية يتم تشكيلها من قبل رئيس المجلس المستشار عقيلة صالح، وذلك عقب قيام اللجنة (تضم ممثلي أعضاء مجلسي النواب والدولة) بالاتفاق على النقاط الواجب تعديلها في الإعلان الدستوري في مدة لا تتجاوز 30 يوماً بدءاً من تاريخ انعقاد أول جلسة». كما تنص المبادرة على «قيام المجمع الانتخابي لكل إقليم تحت إشراف الأمم المتحدة بتشكيل لجنة من شخصيات وطنية وخبراء دستوريين ومثقفين من ذوي الكفاءة واعتمادها من قبل البرلمان الليبي لصياغة دستور جديد للبلاد يحدد شكل إدارة الدولة اللبيبة وطرحه للاستفتاء الشعبي لإقراره (على أن تنتهي من أعمالها خلال 90 يوماً من تاريخ تشكيها)».
ويحدد إعلان القاهرة «المدة الزمنية للفترة الانتقالية بـ18 شهراً قابلة للزيادة بحد أقصى 6 أشهر يتم خلالها إعادة تنظيم كافة مؤسسات الدولة الليبية خاصة المؤسسات الاقتصادية الرئيسية (المصرف المركزي - المؤسسة الوطنية للنفط – المؤسسة الليبية للاستثمار)، وإعادة تشكيل مجالس إدارة المؤسسات الأخيرة بما يضمن فعالية أداء الحكومة الجديدة وتوفير الموارد اللازمة لإدارة المرحلة الانتقالية انتهاءً بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية».
وختاماً، تنص الخطة على «اتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة لتوحيد كافة المؤسسات الاقتصادية والنفطية في شرق وغرب ليبيا، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، إلى جانب منع وصول الأموال الليبية إلى أي من الميليشيات، وكذلك العمل على ضمان توزيع عادل وشفاف للموارد الليبية لكافة المواطنين».
وكما هو معروف، لقي «إعلان القاهرة» ترحيباً واسعاً من دول عربية وأجنبية، لكن حكومة «الوفاق» رفضته، وكذلك تركيا. كما كان لافتاً قول الولايات المتحدة، على لسان مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر، إن «المبادرة المصرية... نحن نعتبر أن ثمة جوانب مفيدة منها. لا شك في أن هذه المبادرة تحاول أولاً وقبل كل شيء إصلاح مسألة الانفصال التي حصلت منذ حوالي شهر ونصف عندما انفصل حفتر والجيش الوطني الليبي عن صالح والبرلمان». وكان شنكر يشير هنا إلى اختلاف تردد أنه حصل بين حفتر وعقيلة صالح بعد إعلان الأخير في نهاية أبريل (نيسان) الماضي مبادرة سياسية تنص على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية من خلال اختيار مجلس رئاسي جديد من ثلاثة أعضاء، وحكومة منفصلة. كما نصت مبادرة صالح على إعادة كتابة الدستور الليبي وإبقاء مجلس النواب بصفته سلطة تشريعية حتى إجراء انتخابات جديدة.
وقال شنكر أيضاً في تعليقه على إعلان القاهرة: «أصلحت المبادرة (المصرية) هذه الأمور (بين صالح وحفتر) بشكل من الأشكال (...) لكننا نعتبر أن المسار الذي تقوده الأمم المتحدة ومسار برلين هما الإطاران الفعليان وأكثر الإطارات المثمرة لكافة الأطراف حتى تشارك في المفاوضات وتحقق التقدم نحو التوصل إلى وقف إطلاق نار وتثبيته. أعتقد أن المبادرة المصرية تبتعد قليلاً عن هذا الهدف ولكننا نرحب مع ذلك بالجزء المنتج منها».
ولكن ما هو مسار برلين وكيف يختلف عن إعلان القاهرة.

مخرجات مؤتمر برلين
أعلن المشاركون في مؤتمر برلين (19 يناير الماضي)، وهم ممثلو 13 دولة بالإضافة إلى منظمات دولية وإقليمية، أن «الغاية الوحيدة من مسار برلين الذي تعهدنا فيه بدعم خطة الثلاث نقاط المطروحة من قبل الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، السيد غسان سلامة (استقال لاحقاً)، على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، هي مؤازرة الأمم المتحدة في توحيد صفوف المجتمع الدولي في دعمه للوصول إلى حلّ سلمي للأزمة الليبية. فما من حل عسكري في ليبيا».
وقال المشاركون في المؤتمر في بيانهم الختامي: «نلتزم بالامتناع عن التدخل في النزاع المسلّح الليبي أو في الشؤون الليبية الداخلية ونحثّ كافة الأطراف الدولية الفاعلة على الالتزام بالمثل».
وأشاد المشاركون أيضاً «بالدور المحوري الذي تؤديه الأمم المتحدة في سبيل تسهيل عملية سياسية وتصالحية ليبية داخلية وشاملة للجميع ترتكز على الاتفاق السياسي الليبي (أي اتفاق الصخيرات) الموقع عام 2015 والمؤسسات المنبثقة عنه (أي المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق)، وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2259 لعام 2015. وغيرها من القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والمبادئ المتفق عليها في باريس وباليرمو»، وهما مؤتمران خاصان بليبيا.
ويدعو المؤتمر «جميع الأطراف المعنية إلى مضاعفة جهودها المبذولة من أجل إدامة وقف الأعمال العدائية والتخفيف من حدة التصعيد ووقف دائم لإطلاق النار. وفي هذا الصدد نكرر التأكيد على المهمة الحيوية التي يضطلع بها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة. كما ندعو إلى اتخاذ خطوات ذات مصداقية ومتسلسلة ومتبادلة ويمكن التحقق منها، بما في ذلك خطوات ذات مصداقية نحو تفكيك المجموعات المسلحة والميليشيات من قبل جميع الأطراف».
ويدعو البيان الختامي أيضاً «إلى إنهاء كل التحركات العسكرية من قبل أطراف النزاع أو تلك الداعمة لها بشكل مباشر، في جميع الأراضي الليبية وفوقها، وذلك اعتباراً من بداية عملية وقف إطلاق النار».
وتنص مخرجات مؤتمر برلين أيضاً على «العودة إلى العملية السياسية». وفي هذا الإطار، أعلن المشاركون في المؤتمر «دعم الاتفاق السياسي الليبي بمثابته إطاراً قابلاً للتطبيق من أجل الحل السياسي في ليبيا. كما ندعو إلى تأسيس مجلس رئاسي يقوم بمهامه على الوجه الأمثل وتشكيل حكومة ليبية واحدة وموحّدة وشاملة وفعالة يصادق عليها مجلس النواب».
وجاء في نص المخرجات أيضاً: «نحث جميع الأطراف الليبية على استئناف العملية السياسية الشاملة التي تتولى ليبيا قيادتها وتمسك بزمامها تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والمشاركة فيها بشكل بنّاء وبما يمهد الطريق لإنهاء الفترة الانتقالية عبر انتخابات برلمانية ورئاسية حرة وعادلة وشاملة ونزيهة تنظمها مفوضية وطنية عليا للانتخابات مستقلة وفعالة».
كما دعا البيان الختامي «إلى التوزيع الشفاف والخاضع للمساءلة والعادل والمنصف للثروة والموارد العامة بين مختلف المناطق الجغرافية الليبية، بما في ذلك عبر اللامركزية ودعم البلديات بما ينهي تظلماً جوهرياً وسبباً للاتهامات المتبادلة».
وتابع البيان «إننا نتمسك بالأهمية القصوى لاستعادة واحترام وصون نزاهة جميع المؤسسات السيادية الليبية ووحدتها وحكومتها الشرعية، ولا سيما مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الليبية للاستثمار والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة الليبي».
ورحب البيان أيضاً بـ«أن كلاً من رئيس الوزراء فايز السراج والمشير خليفة حفتر قد قاما بتسمية ممثليهما في لجنة 5+5 العسكرية التي اقترحتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا دعماً منها لعملية التنفيذ الواردة كملحق لهذه الخلاصات».
وكما يبدو من مخرجات مؤتمر برلين فإنها لا تختلف جوهرياً عن الأفكار التي جاءت في «إعلان القاهرة» الذي كان أكثر تفصيلاً ووضوحاً في خصوص مسار التسوية وشكل المؤسسات الليبية المستقبلية. وتلتقي المبادرتان عند أهمية وقف النار والعودة إلى مسار التفاوض العسكري بين قوات حكومة «الوفاق» وقوات المشير حفتر، وهو ما يتم حالياً عبر حوار «5+5» الذي ترعاه الأمم المتحدة.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».