مسار الحل الليبي: ما الفرق بين «إعلان القاهرة» و«مخرجات برلين»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)
TT

مسار الحل الليبي: ما الفرق بين «إعلان القاهرة» و«مخرجات برلين»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال طرحه مبادرة لحل الأزمة الليبية بحضور رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)

طرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مبادرة لإحياء الحوار الليبي – الليبي بهدف الوصول إلى حل للأزمة المتفاقمة التي تعيشها الجارة الغربية لمصر. سارعت تركيا إلى رفضها، ومعها حليفتها الليبية، حكومة «الوفاق» برئاسة فائز السراج. في المقابل، أيدتها دول أخرى، بينها روسيا وفرنسا، وكلاهما لاعب أساسي في الساحة الليبية، في حين عرضت دول أخرى لعب دور وساطة لجمع الليبيين مثل الجزائر التي قال رئيسها عبد المجيد تبّون إن بلاده مستعدة لإحياء عرضها السابق في خصوص استضافة حوار ليبي – ليبي (ويأتي في هذا الإطار بالطبع قيام رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح بزيارة للجزائر بناء على دعوة من تبّون). أما الولايات المتحدة، وهي لاعب أساسي أيضاً في ملف ليبيا، فقد اكتفت بتقديم تأييد جزئي للمبادرة المصرية، قائلة إن مسار التسوية يجب أن تقوده الأمم المتحدة التي تعمل أصلاً على حل يقوم أساساً على مخرجات «مؤتمر برلين» الليبي في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وفي خضم هذه المبادرات والمواقف السياسية، يبدو الموقف العسكري على الأرض جامداً بعض الشيء، في انتظار انفراجة سياسية أو انفجار عسكري، كما يبدو. فقوات «الوفاق»، بدعم عسكري تركي وبآلاف المرتزقة السوريين، تحشد مقاتليها شرق مصراتة على مشارف مدينة سرت الساحلية، وهي بوابة الهلال النفطي الليبي. وبجانب هذا الحشد، أخذت تركيا «تستعرض عضلاتها» في مياه البحر المتوسط، وأجرت مناورات شاركت فيها طائرات «إف 16» قبالة سواحل مصراتة بغرب ليبيا. أما قوات «الجيش الوطني» فقامت هي الأخرى بتعزيز دفاعاتها في سرت حيث تقع قاعدة جوية ضخمة (قاعدة القرضابية) وكذلك حول مطار الجفرة بوسط ليبيا. ويُزعم أن مرتزقة من مجموعة فاغنر الروسية ينتشرون في هاتين القاعدتين، وهم مزودون بطائرات مقاتلة من طراز ميغ 29 وسوخوي 24. بحسب ما قالت القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم). وبجانب كل ذلك، تداول ناشطون مقاطع مصوّرة (فيديو) لقوات مصرية تتجه صوب الحدود الليبية. لكن السلطات المصرية لم تؤكد ذلك، علما بأن المشاهد قد تكون لتحركات سابقة وأعيد توزيعها على أنها حديثة. لكن كان لافتاً أن رئيس أركان حرب الجيش المصري قام قبل أيام بزيارة تفقدية لقواته على الحدود الغربية مع ليبيا، ما يوحي بأن مصر تهتم بأن لا يتأثر أمنها بما يحصل في ليبيا، خصوصاً في ظل تقدم جماعات إسلامية تدعمها تركيا من غرب ليبيا نحو الشرق.
وفي ظل ما يبدو سباقاً بين مساعي التسوية السياسية والعودة إلى مسار التصعيد العسكري، تعيد «الشرق الأوسط» هنا طرح أبرز بنود المبادرة المصرية الخاصة بحل النزاع الليبي وأيضاً أبرز بنود مخرجات مؤتمر برلين، لرصد إذا كانت هناك اختلافات بينهما:

«إعلان القاهرة»: وقف للنار... وحوار
قدّم الرئيس السيسي المبادرة التي حملت اسم «إعلان القاهرة» خلال مؤتمر صحافي في القاهرة الأسبوع الماضي، وكان محاطاً برئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وقائد «الجيش الوطني الليبي» المشير خليفة حفتر.
تقوم المبادرة المصرية على مجموعة عناصر تبدأ بوقف للنار (كان يفترض بدؤه يوم الاثنين الماضي – لكن حكومة الوفاق رفضته)، على أن تمهّد هذه الهدنة لعودة الحوار الليبي – الليبي. وكان واضحاً أن المبادرة المصرية شددت على دور الأمم المتحدة في رعاية هذا الحوار، وعلى أن يكون ذلك وفق مخرجات برلين التي نصّت، ضمن ما نصّت عليه، على تعهد الدول الخارجية عدم إرسال مرتزقة والتزام حظر السلاح المفروض على ليبيا. وكما هو معروف، لم يتم الوفاء بأي من تلك الالتزامات، وهو ما تجلّى خصوصاً في إسراع تركيا، مباشرة بعد انتهاء المؤتمر وقبل أن يجف حبر اتفاقه، في بناء جسر جوي نقل آلاف المرتزقة السوريين وكميات ضخمة من العتاد الحربي لدعم حكومة «الوفاق» في غرب ليبيا. وتبرر الولايات المتحدة هذا التصرف التركي بالقول إنه جاء رداً على إرسال روسيا مرتزقة لدعم قوات المشير حفتر خلال تقدمها جنوب طرابلس. وكما هو معروف، قلب الدخول العسكري التركي المباشر موازين معركة طرابلس وأرغم «الجيش الوطني» على الانسحاب كلياً من غرب البلاد.
لكن «إعلان القاهرة» يذهب أبعد من مجرد تقديم عرض هدنة عسكرية والعودة إلى الحوار والتزام الأطراف الخارجية بإخراج مرتزقتها من ليبيا. إذ أنه يقدّم تصوّراً شاملاً ومفصلاً لكيفية التقدم في هذا الحوار وما هي التسويات التي يفترض الوصول إليها. وفي هذا الإطار، تنص المبادرة المصرية على تشكيل مجلس رئاسي جديد من رئيس ونائبين، على أن يكون هؤلاء ممثلين لأقاليم ليبيا الثلاثة: غرب ليبيا ومركزه طرابلس، وشرق البلاد (إقليم برقة) وعاصمته بنغازي، والجنوب (إقليم فزان) وكبرى مدنه سبها. ويفترض، بحسب «إعلان القاهرة»، أن يختار كل إقليم من هذه الأقاليم ممثلاً له في المجلس الرئاسي خلال 90 يوماً، على أن يتم ذلك من خلال توافق أو عبر انتخابات محلية ترعاها الأمم المتحدة، على أن يختار المجلس الرئاسي الجديد رئيساً للوزراء يتقدم بطلب للحصول على الثقة بحكومته من مجلس النواب. وتنص المبادرة المصرية أيضاً على أن «يقوم المجلس الرئاسي باِتخاذ قراراته بالأغلبية، عدا القرارات السيادية المتعلقة بالقوات المسلحة فيتم اتخاذ القرارات أو البت في المقترحات التي يقدمها القائد العام للقوات المسلحة في هذه الحالة بالإجماع وبحضور القائد العام للقوات المسلحة».
وتدخل المبادرة أيضاً في تفاصيل توزيع المناصب الكبرى في الدولة على أقاليم ليبيا الثلاثة. إذ تشير إلى «حصول كل إقليم على عدد متناسب من الحقائب الوزارية طبقاً لعدد السكان عقب التوافق على أعضاء المجلس الرئاسي الجديد وتسمية رئيس الحكومة، على ألا يجمع أي إقليم أكثر من رئاسة للسلطات الثلاث (المجلس الرئاسي - مجلس النواب - مجلس الوزراء) بحيث يحصل إقليم طرابلس على 9 وزارات، وإقليم برقة على 7 وزارات، وإقليم فزان على 5 وزارات، على أن يتم تقسيم الـ6 وزارات السيادية على الأقاليم الثلاثة بشكل متساو (وزارتين لكل إقليم) مع تعيين نائبين لكل وزير من الإقليمين الآخرين».
وتشير المبادرة المصرية أيضاً إلى قيام مجلس النواب الليبي باعتماد «تعديلات الإعلان الدستوري من خلال لجنة قانونية يتم تشكيلها من قبل رئيس المجلس المستشار عقيلة صالح، وذلك عقب قيام اللجنة (تضم ممثلي أعضاء مجلسي النواب والدولة) بالاتفاق على النقاط الواجب تعديلها في الإعلان الدستوري في مدة لا تتجاوز 30 يوماً بدءاً من تاريخ انعقاد أول جلسة». كما تنص المبادرة على «قيام المجمع الانتخابي لكل إقليم تحت إشراف الأمم المتحدة بتشكيل لجنة من شخصيات وطنية وخبراء دستوريين ومثقفين من ذوي الكفاءة واعتمادها من قبل البرلمان الليبي لصياغة دستور جديد للبلاد يحدد شكل إدارة الدولة اللبيبة وطرحه للاستفتاء الشعبي لإقراره (على أن تنتهي من أعمالها خلال 90 يوماً من تاريخ تشكيها)».
ويحدد إعلان القاهرة «المدة الزمنية للفترة الانتقالية بـ18 شهراً قابلة للزيادة بحد أقصى 6 أشهر يتم خلالها إعادة تنظيم كافة مؤسسات الدولة الليبية خاصة المؤسسات الاقتصادية الرئيسية (المصرف المركزي - المؤسسة الوطنية للنفط – المؤسسة الليبية للاستثمار)، وإعادة تشكيل مجالس إدارة المؤسسات الأخيرة بما يضمن فعالية أداء الحكومة الجديدة وتوفير الموارد اللازمة لإدارة المرحلة الانتقالية انتهاءً بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية».
وختاماً، تنص الخطة على «اتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة لتوحيد كافة المؤسسات الاقتصادية والنفطية في شرق وغرب ليبيا، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، إلى جانب منع وصول الأموال الليبية إلى أي من الميليشيات، وكذلك العمل على ضمان توزيع عادل وشفاف للموارد الليبية لكافة المواطنين».
وكما هو معروف، لقي «إعلان القاهرة» ترحيباً واسعاً من دول عربية وأجنبية، لكن حكومة «الوفاق» رفضته، وكذلك تركيا. كما كان لافتاً قول الولايات المتحدة، على لسان مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر، إن «المبادرة المصرية... نحن نعتبر أن ثمة جوانب مفيدة منها. لا شك في أن هذه المبادرة تحاول أولاً وقبل كل شيء إصلاح مسألة الانفصال التي حصلت منذ حوالي شهر ونصف عندما انفصل حفتر والجيش الوطني الليبي عن صالح والبرلمان». وكان شنكر يشير هنا إلى اختلاف تردد أنه حصل بين حفتر وعقيلة صالح بعد إعلان الأخير في نهاية أبريل (نيسان) الماضي مبادرة سياسية تنص على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية من خلال اختيار مجلس رئاسي جديد من ثلاثة أعضاء، وحكومة منفصلة. كما نصت مبادرة صالح على إعادة كتابة الدستور الليبي وإبقاء مجلس النواب بصفته سلطة تشريعية حتى إجراء انتخابات جديدة.
وقال شنكر أيضاً في تعليقه على إعلان القاهرة: «أصلحت المبادرة (المصرية) هذه الأمور (بين صالح وحفتر) بشكل من الأشكال (...) لكننا نعتبر أن المسار الذي تقوده الأمم المتحدة ومسار برلين هما الإطاران الفعليان وأكثر الإطارات المثمرة لكافة الأطراف حتى تشارك في المفاوضات وتحقق التقدم نحو التوصل إلى وقف إطلاق نار وتثبيته. أعتقد أن المبادرة المصرية تبتعد قليلاً عن هذا الهدف ولكننا نرحب مع ذلك بالجزء المنتج منها».
ولكن ما هو مسار برلين وكيف يختلف عن إعلان القاهرة.

مخرجات مؤتمر برلين
أعلن المشاركون في مؤتمر برلين (19 يناير الماضي)، وهم ممثلو 13 دولة بالإضافة إلى منظمات دولية وإقليمية، أن «الغاية الوحيدة من مسار برلين الذي تعهدنا فيه بدعم خطة الثلاث نقاط المطروحة من قبل الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، السيد غسان سلامة (استقال لاحقاً)، على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، هي مؤازرة الأمم المتحدة في توحيد صفوف المجتمع الدولي في دعمه للوصول إلى حلّ سلمي للأزمة الليبية. فما من حل عسكري في ليبيا».
وقال المشاركون في المؤتمر في بيانهم الختامي: «نلتزم بالامتناع عن التدخل في النزاع المسلّح الليبي أو في الشؤون الليبية الداخلية ونحثّ كافة الأطراف الدولية الفاعلة على الالتزام بالمثل».
وأشاد المشاركون أيضاً «بالدور المحوري الذي تؤديه الأمم المتحدة في سبيل تسهيل عملية سياسية وتصالحية ليبية داخلية وشاملة للجميع ترتكز على الاتفاق السياسي الليبي (أي اتفاق الصخيرات) الموقع عام 2015 والمؤسسات المنبثقة عنه (أي المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق)، وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2259 لعام 2015. وغيرها من القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والمبادئ المتفق عليها في باريس وباليرمو»، وهما مؤتمران خاصان بليبيا.
ويدعو المؤتمر «جميع الأطراف المعنية إلى مضاعفة جهودها المبذولة من أجل إدامة وقف الأعمال العدائية والتخفيف من حدة التصعيد ووقف دائم لإطلاق النار. وفي هذا الصدد نكرر التأكيد على المهمة الحيوية التي يضطلع بها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة. كما ندعو إلى اتخاذ خطوات ذات مصداقية ومتسلسلة ومتبادلة ويمكن التحقق منها، بما في ذلك خطوات ذات مصداقية نحو تفكيك المجموعات المسلحة والميليشيات من قبل جميع الأطراف».
ويدعو البيان الختامي أيضاً «إلى إنهاء كل التحركات العسكرية من قبل أطراف النزاع أو تلك الداعمة لها بشكل مباشر، في جميع الأراضي الليبية وفوقها، وذلك اعتباراً من بداية عملية وقف إطلاق النار».
وتنص مخرجات مؤتمر برلين أيضاً على «العودة إلى العملية السياسية». وفي هذا الإطار، أعلن المشاركون في المؤتمر «دعم الاتفاق السياسي الليبي بمثابته إطاراً قابلاً للتطبيق من أجل الحل السياسي في ليبيا. كما ندعو إلى تأسيس مجلس رئاسي يقوم بمهامه على الوجه الأمثل وتشكيل حكومة ليبية واحدة وموحّدة وشاملة وفعالة يصادق عليها مجلس النواب».
وجاء في نص المخرجات أيضاً: «نحث جميع الأطراف الليبية على استئناف العملية السياسية الشاملة التي تتولى ليبيا قيادتها وتمسك بزمامها تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والمشاركة فيها بشكل بنّاء وبما يمهد الطريق لإنهاء الفترة الانتقالية عبر انتخابات برلمانية ورئاسية حرة وعادلة وشاملة ونزيهة تنظمها مفوضية وطنية عليا للانتخابات مستقلة وفعالة».
كما دعا البيان الختامي «إلى التوزيع الشفاف والخاضع للمساءلة والعادل والمنصف للثروة والموارد العامة بين مختلف المناطق الجغرافية الليبية، بما في ذلك عبر اللامركزية ودعم البلديات بما ينهي تظلماً جوهرياً وسبباً للاتهامات المتبادلة».
وتابع البيان «إننا نتمسك بالأهمية القصوى لاستعادة واحترام وصون نزاهة جميع المؤسسات السيادية الليبية ووحدتها وحكومتها الشرعية، ولا سيما مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الليبية للاستثمار والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة الليبي».
ورحب البيان أيضاً بـ«أن كلاً من رئيس الوزراء فايز السراج والمشير خليفة حفتر قد قاما بتسمية ممثليهما في لجنة 5+5 العسكرية التي اقترحتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا دعماً منها لعملية التنفيذ الواردة كملحق لهذه الخلاصات».
وكما يبدو من مخرجات مؤتمر برلين فإنها لا تختلف جوهرياً عن الأفكار التي جاءت في «إعلان القاهرة» الذي كان أكثر تفصيلاً ووضوحاً في خصوص مسار التسوية وشكل المؤسسات الليبية المستقبلية. وتلتقي المبادرتان عند أهمية وقف النار والعودة إلى مسار التفاوض العسكري بين قوات حكومة «الوفاق» وقوات المشير حفتر، وهو ما يتم حالياً عبر حوار «5+5» الذي ترعاه الأمم المتحدة.



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.