فصائل معارضة شمال سوريا تمهّد لتعامل الأهالي بالليرة التركية

إجراءات اقتصادية وأمنية توقف تدهور العملة الوطنية في دمشق

سيدتان في مصرف بدمشق قرب أوراق نقدية من فئة الألف ليرة السورية (أ.ب)
سيدتان في مصرف بدمشق قرب أوراق نقدية من فئة الألف ليرة السورية (أ.ب)
TT

فصائل معارضة شمال سوريا تمهّد لتعامل الأهالي بالليرة التركية

سيدتان في مصرف بدمشق قرب أوراق نقدية من فئة الألف ليرة السورية (أ.ب)
سيدتان في مصرف بدمشق قرب أوراق نقدية من فئة الألف ليرة السورية (أ.ب)

أدخلت فصائل معارضة تدعمها أنقرة أوراقاً نقدية ومعدنية تركية إلى شمال سوريا كي يتعامل بها المواطنون، بدلاً من الليرة السورية، بالتزامن مع قيام دمشق باتخاذ إجراءات لضبط تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي.

- تمدد تركي
وكان الجيش التركي قد سيطر عبر 3 عمليات على مساحات كبيرة من الأراضي شمال سوريا، بدعم من الفصائل المسلحة. وتشرف الولايات المتاخمة لسوريا على المناطق التي باتت خاضعة للسيطرة التركية، حيث تتبع المجالس المحلية في مناطق عمليات «درع الفرات» في حلب بشكل شبه كامل لولاية غازي عنتاب التركية. كما تشرف ولايتا هطاي وشانلي أوروفا على مناطق أخرى، ويتابع الولاة الأتراك ويشرفون على تلك المناطق.
وأدخلت أنقرة خدمات البريد، عبر هيئة البريد التركية، فضلاً عن مشروعات الكهرباء، وترميم المدارس وإعادة تأهيلها وتشغيلها عبر وقف «المعارف» التركي للتعليم. وتقوم فروع هيئة البريد بخدمات البريد والاتصالات والصيرفة والخدمات اللوجيستية والشحن وصرف رواتب المدرسين والموظفين العاملين في وقف «المعارف» والجنود الأتراك، فضلاً عن رواتب الشرطة المحلية التي تشكلت بمعرفة تركيا.
ويستخدم سكان المنطقة واللاجئون السوريون مؤسسة البريد الحكومية في تلبية احتياجاتهم من تحويل الأموال والشحن منذ عام 2017. وأوجدت شركات تركية خاصة واقعاً استثمارياً جديداً في ريف حلب الشمالي، بمشاريع كبيرة في القطاعات الرئيسية للخدمات التي يحتاج إليها السكان، ولا يمكن فصل نشاط هذه الشركات عن ملف إعادة الإعمار في سوريا الذي تحاول تركيا الدخول فيه من بوابة المدن والبلدات التي دمرتها المعارك ضد تنظيم داعش الإرهابي على طول حدودها الجنوبية.
ودعمت تركيا كلاً من الشرطة العسكرية والشرطة المدنية لفرض استقرار أمني نسبي في المنطقة، فاستطاعت بذلك إمساك جميع الخيوط في عفرين على مستوى الفصائل، والشرطة العسكرية، وقوات الشرطة المدنية وأجهزتها المتنوّعة.
وتشرف ولاية هطاي التركية بشكل مباشر على المجالس المحلية في منطقة عفرين، عبر ولاة مناطق أتراك، وفقاً للتقسيم الأمني (والي عفرين، ووالي راجو، ووالي جنديرس) الذين يمثلون والي هطاي في مناطقهم، وتتلقى المجالس مخصصات مالية شهرية من تركيا، وهي أموال عائدات المعابر الحدودية التي توزّعها تركيا أيضاً على الجيش الوطني السوري وأعمال ترميم البنية التحتية.
وبدأت تركيا مشروعاً في إدلب لإقامة مساكن للنازحين، قام وزير الداخلية التركي، يوم الأحد الماضي، بتفقده، وهي المرة الأولى التي يقوم فيها مسؤول تركي على هذا المستوى بزيارة إدلب.

- استعجال معارضين
تُسارع المجالس المحلية والمؤسسات الإدارية والمنظمات في مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة المدعومة من تركيا إلى استبدال الليرة التركية بالعملة المحلية، واعتمادها في الأسواق للتعامل التجاري والأجور وغيرها، نظراً لانخفاض القيمة الشرائية لليرة في الأسواق أمام الدولار الأميركي. فقد بادرت «حكومة الإنقاذ» المعارضة في محافظة إدلب إلى الإعلان عن نيتها طرح العملة التركية، بديلاً عن السورية للأسباب ذاتها، إذ أدى انخفاض قيمتها الشرائية إلى ارتفاع غير مسبوق لأسعار السلع والحاجات الأساسية والأدوية في الأسواق، وذلك عقب اجتماع «مجلس الشورى» وعدد من وزراء الحكومة (الإنقاذ) التي بدورها قامت خلال اليومين الماضيين بجلب كميات كبيرة من الليرة التركية إلى إدلب، استعداداً لطرحها في الأسواق ومحال الصرافة، وبدء تداولها بين التجار والمواطنين.
وقال مصطفى الماضي، صاحب محل تجاري لبيع الأدوات الكهربائية في سرمدا: «بالطبع التعامل تجارياً بالليرة التركية بات أضمن من التعامل بالسورية التي تشهد تدهوراً غير مسبوق هذه الآونة»، لافتاً إلى أن تراجع سعر صرف الليرة «يسبب في كثير من الأحيان خسائر مالية كبيرة للتجار وأصحاب المحال التجارية الصغيرة، لا سيما أن التعامل بالبيع والشراء مع الزبائن يكون بالليرة السورية، بينما نقوم باستيرادها عبر تركيا بالدولار الأميركي، وغالباً ما تتراجع أسعار الليرة في الأسواق خلال اليوم الواحد أضعاف مضاعفة أمام الدولار الأميركي، والحل الأمثل لتفادي الخسائر المالية هو التعامل بالليرة التركية التي تعد من العملات المستقرة في أسعارها أمام العملات الأجنبية». ولفت إلى خسارته خلال يوم واحد نحو 4 آلاف دولار، حيث قام ببيع كميات كبيرة من الأدوات الكهربائية بالعملة الوطنية بقيمة 1200 ليرة سورية للدولار الواحد، وفي ساعات المساء من اليوم ذاته، ذهب إلى أحد محال الصرافة ليفاجأ بتراجع قيمة الليرة، حيث وصل سعرها لنحو 3 آلاف ليرة سورية مقابل الدولار الواحد.
ومن جهته، قال مصطفى الحمود: «التداول بالليرة التركية أفضل بكثير بالنسبة لنا، نحن العمال المياومين، من التعامل بالسورية، حيث إن الليرة التركية مستقرة، ونسبة تراجع أسعارها أمام العملات الأجنبية التي باتت مؤخراً العملة الرئيسية في الأسواق ضئيلة جداً، مقارنة بالليرة السورية»، مشيراً إلى أن أجره اليومي يتراوح ما بين 2500 و4 آلاف ليرة يومياً. وعندما تتراجع أسعار الليرة السورية «تشهد الأسواق غلاء فاحشاً بالأسعار، ولا يكفي أجر اليوم لشراء علبة سمنة 2 كلم».
وقال الناشط الحقوقي أكرم جنيد إن «الوضع الاقتصادي والمعيشي بالنسبة للمواطن في الشمال السوري بات مرتبطاً بالاقتصاد التركي إلى حد بعيد، في التجارة والاستهلاك وغيرها من الاحتياجات الاقتصادية وأجور الموظفين والعمال، وتحديداً في المناطق الشمالية لمحافظة حلب الخاضعة للنفوذ التركي، من خلال تسليم الرواتب بالعملة التركية، وأحياناً بالدولار الأميركي، وقليلاً جداً ما يتم التداول بالعملة السورية، مع تراجع تداولها في الأيام الماضية، نظراً لتراجع قيمتها الشرائية»، لافتاً إلى أن عملية استبدال العملة التركية بالسورية فقط لا يكفي في إدلب، و«يجب أن يترافق الاستبدال مع إصلاحات اقتصادية واستعدادات من قبل الجانب التركي، والفاعليات الإدارية في إدلب، وربط كل الجوانب الاقتصادية والمالية التجارية وأجور الموظفين في المنظمات وأصحاب الأعمال الحرة بالعملة التركية».
كان وزير الاقتصاد في «الحكومة السورية المؤقتة» المعارضة، عبد الحكيم المصري، قد قال إن «كل التعاملات لدى مؤسسات الحكومة المؤقتة ستكون بالليرة التركية أو الدولار. على سبيل المثال، مؤسسة الحبوب تشتري القمح وتبيع الطحين بالدولار، أما الخبز فسيتم بيعه بالليرة التركية».
ومن جهتها، أصدرت «حكومة الإنقاذ»، المدعومة من «هيئة تحرير الشام»، قرارين بـ«زيادة رواتب العاملين في الجهات العامة، وتثبيتها بالدولار الأميركي. ولعدم وجود فئات نقدية صغيرة من الدولار، كان لا بد من دفع الرواتب بعملة أخرى، وبما يعادل قيمتها. وبسبب الانهيار المتواصل لليرة السورية، وتحقيقاً لرغبة العاملين بعدم صرف رواتبهم بالليرة السورية، بدأت الحكومة (المؤقتة) بصرف الرواتب بالليرة التركية لأول مرة».

- ضبط التدهور
وفي دمشق، أفادت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن تحسن سعر صرف الليرة في الأيام القليلة الماضية سببه ضخ رجال أعمال موالين كميات من الدولارات في السوق، ومصادرة كميات أخرى، إضافة إلى إحكام «مصرف سوريا المركزي» السيطرة على الحوالات المالية المتدفقة من الخارج.
ومع التحسن في صرف الليرة أمام الدولار في الأيام القليلة الماضية، إذ يتراوح ما بين 2300-2450، بعدما سجل تدهوراً غير مسبوق الاثنين الماضي، وصل إلى 3400 ليرة في بعض المناطق، تفيد المعلومات بأن «المركزي» لم يضخ «أي مبلغ من الدولارات في السوق»، وأن السبب في هذا التحسن «قيام مجموعة من رجال الأعمال الموالين، أبرزهم وسيم قطان، بضخ مئات الآلاف من الدولارات» في السوق، إضافة إلى الإجراءات الأمنية المشددة، وإلقاء القبض على صرافين، ومصادرة كميات كبيرة من الدولارات.
وأوضح متعاملون في سوق التحويلات المالية من الخارج إلى سوريا أن «النظام بعملية إغلاق الشركات أحكم سيطرته على الحوالات المالية المتدفقة إلى سوريا، وبات المتحكم بها، وهو الرابح الأكبر من إغلاق تلك الشركات».
وأكد متعاملون كبار توقف خدمة الصراف الآلي والبطاقات الصادرة عن البنوك الخاصة بسبب خلاف قديم بين «المركزي» والشركة المشغلة، وكشفوا أن «المركزي» يخطط لإعطاء العقد لقريب لأسماء الأسد، زوجة الرئيس بشار الأسد.
وذكر المتعاملون لـ«الشرق الأوسط» أن توقف خدمات الصراف وبطاقات السحب سببه إشكالية بين «المركزي» و«مجموعة csc» اللبنانية التي يملكها عبد القادر الدويك الذي استقال من منصبه رئيساً تنفيذياً لبنك «سوريا الدولي الإسلامي» الخاص عام 2018، بعد صراع مرير مع حاكم «مصرف سوريا المركزي»، حازم قرفول.
وبينت المصادر أن «المركزي» حاول أن يستبق عقوبات «قانون قيصر» الأميركي بإصدار لائحة تنظيمية لتنظيم عمل الشركات المتعاقدة معه، تشدد على ضرورة أن يكون الملاك متمتعين بالجنسية السورية، وأن تكون أصول الشركة موجودة في سوريا كي لا تشملها العقوبات.



«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
TT

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

بعد نحو أسبوع من زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لإريتريا، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر؛ في خلاف متصاعد عدَّه محللون وخبراء جزءاً من رسائل للداخل الإثيوبي قبل الانتخابات المرتقبة الشهر القادم.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي الخميس، إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

الدول المشاطئة

خلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الجاري، التقى الوزير المصري عبد العاطي مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أية محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

رئيس إريتريا يستقبل وزيري الخارجية والنقل المصريين خلال زيارة لأسمرة (الخارجية المصرية)

وفي حين وصف المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد المنفذ البحري لإثيوبيا بأنه «رئة تتنفس منها»، يرى خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط حسين البحيري أن أديس أبابا «تتبنى سياسة خارجية تهدف إلى فرض وجودها الإقليمي عبر محاولة النفاذ إلى البحر الأحمر، وامتلاك منفذ بحري فيه».

وحذر البحيري من أن المساعي الإثيوبية «من شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر»، مضيفاً أن «إثيوبيا تحاول تبرير أطماعها البحرية بإلقاء اللوم على مصر، والادعاء بأنها تعرقل جهودها التنموية».

وتابع قائلاً: «التحركات الإثيوبية الحالية لا تهدد أمن دول الجوار بمنطقة القرن الأفريقي فحسب، بل تمس بشكل مباشر المصالح المائية، والأمن القومي المصري في منطقة حوض النيل، خاصة في ظل استمرار الرفض الإثيوبي للمطالب المصرية الرامية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة في فترات الجفاف، والجفاف الشديد».

السجال

ويأتي السجال المصري-الإثيوبي الجديد بعد زيارة أجراها مسؤولون إثيوبيون لواشنطن لتعزيز التعاون قبل أيام.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية غيتاتشو، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الخميس، إن وزير الخارجية جيديون تيموثيوس قاد وفداً إثيوبياً إلى العاصمة واشنطن، وأجرى لقاءات مهمة مع مسؤولين أميركيين، وتم توقيع اتفاقية تهدف إلى فتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، إلى جانب ملفات الدفاع، والأمن، والسلام الإقليمي.

ويرى عبد الشكور أن تقارب إثيوبيا والولايات المتحدة «هو من منطلق التعاون اقتصادياً وأمنياً بالنظر لتاريخ علاقات البلدين، وحاجتهما المشتركة في التعاون»، مستبعداً أن تصل المنطقة لـ«صِدام»، ومرجحاً استمرار الحملة الإعلامية الإثيوبية وتصاعدها قبل انتهاء الانتخابات المقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

وحول احتمالات اندلاع صدام عسكري بين إريتريا، المدعومة من مصر، وإثيوبيا بسبب أزمة البحر الأحمر، يرى البحيري أن السيناريو المرجح على المدى القريب هو استمرار الاكتفاء بالتصعيد السياسي والإعلامي المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، لافتاً إلى انشغال إثيوبيا بالتحضير للانتخابات العامة.

«دبلوماسية الموانئ»

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للوصول إلى البحر الأحمر، عبر ما تسمى «دبلوماسية الموانئ».

وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وفي فبراير (شباط) الماضي شهدت جلسات قمة الاتحاد الأفريقي سجالاً غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن البحر الأحمر؛ فبينما ربط آبي أحمد استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصول بلاده على منفذ بحري، جدد عبد العاطي تأكيد مصر أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة».


مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
TT

مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)

تتقاطع تأثيرات الأزمة اليمنية مع التغيرات المناخية والجفاف وتدهور البنية التحتية في التأثير على الزراعة واستمرار المجتمعات الريفية، وبينما تعاني غالبية مناطق البلاد من ظواهر متناقضة، مثل الجفاف والفيضانات، فإن مشروعات تنموية أممية تتجه إلى إعادة بناء أنظمة الري وتحسين إدارة المياه، بوصف ذلك مدخلاً لاستعادة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي وسبل العيش.

ورغم الأمطار الغزيرة التي شهدتها مناطق مختلفة من اليمن خلال بداية الربيع الحالي، فإن آثارها التدميرية كانت كبيرة، ولم يحقق سكان تلك المناطق استفادة كافية منها، بينما لا يزال الجفاف يؤثر على مناطق واسعة ينتظر سكانها موسم أمطار آخر لبدء زراعة عدد من المحاصيل؛ أهمها الحبوب.

وتعاني مناطق واسعة من التذبذب في مواعيد هطول الأمطار التي يعتمد عليها غالبية المزارعين اليمنيين؛ مما يؤدي إلى تأخرهم في رمي البذور، ويؤثر لاحقاً على وقت نضوج المحاصيل وجودتها، في ظل نقص الخبرات في التعامل مع التغيرات المناخية وطول فترات الجفاف والارتفاع الشديد في درجات الحرارة الذي تشهده البلاد.

ويقول سعيد الشرجبي، الأكاديمي والخبير الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط»، إن التغيرات المناخية الطارئة على المنطقة وعلى اليمن بشكل خاص، خلال السنوات الأخيرة، «تستدعي مزيداً من الدراسات والأبحاث وسن التشريعات لتتسنى معرفة طبيعة تأثيراتها؛ إيجابية أم سلبية، على إنتاج المحاصيل الزراعية».

إلى جانب الجفاف والفيضانات... يُلحق سوء إدارة المياه الضرر بالبنى التحتية والزراعة في اليمن (أ.ف.ب)

ويوضح أن هذه التغيرات أثرت بشكل مباشر على الحياة المعيشية للأسر في مناطق الزراعة؛ «مما يؤدي إلى المطالبة بضرورة إجراء تحليل شامل لتلك الأضرار، وإيجاد المعالجات التي تضمن التخفيف منها والآثار المترتبة على الإضرار بالغطاء النباتي والتنوع الحيوي».

وصدرت أخيراً تحذيرات أممية من موجة جديدة من الأمطار الغزيرة وغير المعتادة، يُتوقع أن تضرب أجزاء واسعة من البلاد خلال الأسابيع المقبلة.

ووفق «نشرة الإنذار المبكر والأرصاد الزراعية» الصادرة عن «منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)» فإن هناك مؤشرات مقلقة بشأن تفاوت كبير في معدلات هطول الأمطار على مستوى اليمن، تتجه إلى مستويات ترفع احتمالات حدوث فيضانات مفاجئة.

ترشيد استهلاك المياه

تعدّ الأمطار الموسمية في الظروف الطبيعية عاملاً حاسماً في دعم الزراعة المطرية في اليمن؛ لإنبات محاصيل الحبوب التي يعتمد عليها السكان بشكل واسع في الأمن الغذائي المحلي، وتسهم في تعزيز خصوبة التربة.

مزارع يمني يقف أمام «بيته الزراعي» الذي أُنشئ بتمويل من برنامج أممي (الأمم المتحدة)

واختتم «مشروع تعزيز قدرة الزراعة والأمن الغذائي على الصمود في اليمن» برنامجاً تدريبياً استمر 5 أيام في مديريتَي الصلو والمسيمير، استهدف 200 مزارع ومزارعة؛ بهدف تعزيز الأمن الغذائي ومساعدة المجتمعات الريفية في التكيف مع التغيرات المناخية وتحسين قدرتها على مواجهة شح المياه.

ونُفذ «البرنامج» بالشراكة بين جهات حكومية و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، وبدعم من الحكومة اليابانية، وتضمن تدريبات على الإنذار المبكر والمعلومات المناخية الزراعية، وتقنيات الري الحديث، والزراعة الذكية مناخياً، وإنتاج الأسمدة العضوية؛ بما يسهم في رفع الإنتاجية والحفاظ على الموارد الطبيعية.

وتكشف 3 مبادرات مدعومة من شركاء دوليين في مناطق ريفية بمحافظتَي تعز ولحج، كيف يمكن لتدخلات تبدو بسيطة نسبياً أن تُحدث أثراً واسعاً يتجاوز حدود الحقول، فمن خلال البيوت الزراعية المنزلية، وإعادة تأهيل قنوات الري، وتحديث البنية التحتية الزراعية، تستعيد عائلات ريفية قدرتها على إنتاج الغذاء وتوليد الدخل والاعتماد على الذات.

مزارع يمني يجني محصولاً من الحبوب بعد إحياء الأراضي الزراعية في قريته (الأمم المتحدة)

وحصل مئات المزارعين في مديرية المواسط، التابعة لمحافظة تعز، على بيوت زراعية صغيرة مجهزة بخزانات مياه وأنظمة ري بالتنقيط وبذور وأدوات أساسية؛ مما أتاح للعائلات إنتاج الخضراوات والأعشاب على مدار العام، مع تقليل استهلاك المياه وخفض تكاليف الزراعة، في بيئة تعاني أصلاً من شح الموارد المائية.

ويمثل هذا التدخل جزءاً من «مشروع الإدارة المتكاملة للموارد المائية لتعزيز مرونة الزراعة والأمن الغذائي»، الذي ينفذه «البرنامج» بتمويل من الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية عبر «بنك التنمية الألماني»، ويشمل إعادة تأهيل المدرجات الزراعية والخزانات وأنظمة الري والطرق الريفية، إلى جانب دعم المؤسسات المحلية المعنية بإدارة المياه.

استعادة الأرض وتخفيف التوتر

في مديرية طور الباحة بمحافظة لحج، أعادت قناة ري جديدة الحياة إلى أراضٍ زراعية ظلت شبه قاحلة سنوات طويلة؛ نتيجة الجفاف وانهيار البنية التحتية وارتفاع تكاليف تشغيل الآبار، ضمن «مشروع الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن»، الممول من «البنك الدولي»، الذي ينفذه «البرنامج» بالشراكة مع «الصندوق الاجتماعي للتنمية» وجهات أممية أخرى.

مزارعات يمنيات في ريف محافظة لحج بعد أن أعاد تمويل أممي المياه إلى أراضيهن (الأمم المتحدة)

وبعد إعادة تأهيل القناة بطول 360 متراً، استعاد نحو 110 هكتارات من الأراضي القدرة على الإنتاج، وعاد مئات المزارعين إلى زراعة الحبوب والخضراوات والفواكه، بينما وفّر المشروع فرص عمل مؤقتة خلال مرحلة التنفيذ.

ويؤكد المزارعون أن الأرض، التي كانت تغطيها الأشواك، أصبحت مجدداً مصدراً للغذاء والدخل، وأن الأسر عادت إلى استهلاك ما تنتجه، وبيع الفائض في الأسواق المحلية.

وفي مديرية المسيمير التابعة للمحافظة نفسها، يجري تأهيل قناة ري تقليدية كانت تتعرض باستمرار للتعرية والسيول؛ مما كان يفرض على المزارعين أعمال صيانة متكررة ويؤثر على انتظام تدفق المياه، ليستفيد من المشروع عشرات المزارعين، بالإضافة إلى حماية عشرات الآلاف من الأمتار المربعة من الأراضي الزراعية.

المزارعون اليمنيون يقدرون أهمية دور البنية التحتية المحسّنة في دعم مشروعاتهم (الأمم المتحدة)

وطبقاً لما نقله القائمون على المشروع عن وجاهات اجتماعية في المديرية، فإن نقص المياه كان سبباً رئيسياً في توترات متكررة بين الأسر، وإن تحسين القناة لا يعزز الإنتاج الزراعي فقط، بل يدعم أيضاً الاستقرار الاجتماعي داخل المجتمع المحلي.

ومنح انتظام تدفق المياه المزارعين فرصة للتركيز على زراعة أراضيهم بدلاً من الانشغال بإصلاح القنوات الترابية وحماية المحاصيل من الخسائر.

وفي حين يواجه اليمنيون إحدى أشد الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، تبدو إعادة تأهيل قنوات الري وتزويد المزارعين بتقنيات بسيطة وفعالة استثماراً مباشراً في الصمود والاستقرار.


وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
TT

وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

أكدت وزارة الدفاع اليمنية استمرار الجهود والترتيبات لتنفيذ استراتيجية توحيد القرار العسكري، وإنهاء حالة الانقسام، وتعدد التشكيلات المسلحة، بما يمنح الحكومة اليمنية قدرة أكبر على إدارة المعركة سياسياً وعسكرياً.

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

وقال العميد الركن عبده مجلي، الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الجهود التي يقودها وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، وهيئة العمليات المشتركة، تستهدف بناء قوات مسلحة أكثر كفاءة وقدرة على إدارة المعركة ضد جماعة الحوثي.

وأشار مجلي إلى رصد «تحشيدات حوثية خلال الأيام الماضية في مختلف الجبهات، خصوصاً في جبهات الحديدة وساحل البحر الأحمر»، موضحاً أن التحركات شملت نشاطاً مكثفاً في محافظة الحديدة ومناطق عدة من الساحل الغربي المُطل على البحر الأحمر، تضمن زراعة ألغام أرضية، والدفع بتعزيزات بشرية وآليات عسكرية، إلى جانب إنشاء تحصينات وخنادق جديدة قرب خطوط التماس.

ولفت الناطق باسم إلى أن «الهدف من هذه التحشيدات يتمثل في محاولة الحوثيين تعزيز مواقعهم الدفاعية في الساحل الغربي تحسباً لأي عمليات عسكرية قد تنفذها القوات المسلحة اليمنية ردّاً على أعمالهم العدائية»، مشيراً إلى أن الجماعة تسعى أيضاً إلى «ممارسة ضغوط ميدانية وسياسية بالتزامن مع التحركات الدولية المتعلقة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية».

جانب من حفل تخرج طلاب كلية الطيران والدفاع الجوي بمحافظة مأرب (سبأ)

وأضاف مجلي أن «الميليشيات الحوثية تُحاول كذلك إيجاد حالة من التوتر في الساحل الغربي المرتبط بالممرات البحرية الدولية، ولا سيما في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب».

وشدد على «جاهزية القوات المسلحة اليمنية في مختلف الجبهات القتالية، خصوصاً في الساحل الغربي»، مؤكداً استمرار التنسيق الميداني بين مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية، ضمن الجهود الرامية إلى توحيد القرار العسكري، وتعزيز مراكز العمليات المشتركة.

وقال إن «توحيد القرار العسكري يُحدد طبيعة المواجهة مع الميليشيات الحوثية، ويرفع الروح المعنوية والكفاءة القتالية، ويُعزز مستوى التنسيق العملياتي بين مختلف الجبهات، بما يُسهم في تسريع الاستجابة الميدانية وتقليص الازدواجية والانقسامات العسكرية».

وأضاف مجلي أن «الاستمرار في بناء قوات مسلحة موحدة يمنح الحكومة اليمنية قدرة أكبر على إدارة المعركة سياسياً وعسكرياً»، مشيراً إلى أن ذلك «يُعزز ثقة المجتمع الدولي بوجود شريك مؤسسي قادر على حماية الاستقرار وتنفيذ أي تفاهمات مستقبلية تتعلق بالأمن والاستقرار في اليمن ودول الجوار والعالم».

لقاء وزير الدفاع بمستشار المبعوث الأممي

وفيما يتعلّق بلقاء وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، في العاصمة المؤقتة عدن، بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي إلى اليمن الجنرال أنتوني هايورد، قال العميد عبده مجلي إن اللقاء يكتسب «أهمية سياسية وعسكرية كبيرة».

وأوضح الناطق الرسمي أن اللقاء جاء «في مرحلة حساسة تشهد تحركات أممية تهدف إلى إبقاء مسار السلام قائماً»، بالتزامن مع «تصعيد وتحشيدات وإقامة دورات طائفية من قبل جماعة الحوثي».

تدشين تشكيل بحري جديد للقوات البحرية اليمنية في قطاع البحر الأحمر من باب المندب (سبأ)

وأشار إلى أن أهمية اللقاء تبرز في ظل تأكيد الحكومة اليمنية التزامها بإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية حديثة، ومواصلة جهود توحيد القوات المسلحة ودمج مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة عبر مركز العمليات المشتركة.

وتحدّث مجلي عن «تنفيذ استراتيجية تهدف إلى توحيد القرار العسكري وإنهاء حالة الانقسام وتعدد التشكيلات العسكرية، بما يُسهم في بناء قوات مسلحة أكثر قدرة وكفاءة على إدارة المعركة المشتركة ضد جماعة الحوثي».

وأضاف أن «ترتيبات عسكرية وأمنية تُنفذ حالياً بهدف تعزيز الأمن والاستقرار في مختلف المناطق، واستعادة مؤسسات الدولة والشرعية، وإنهاء مشروع الميليشيات الحوثية التوسعي المدعوم من النظام الإيراني».