فصائل معارضة شمال سوريا تمهّد لتعامل الأهالي بالليرة التركية

إجراءات اقتصادية وأمنية توقف تدهور العملة الوطنية في دمشق

سيدتان في مصرف بدمشق قرب أوراق نقدية من فئة الألف ليرة السورية (أ.ب)
سيدتان في مصرف بدمشق قرب أوراق نقدية من فئة الألف ليرة السورية (أ.ب)
TT

فصائل معارضة شمال سوريا تمهّد لتعامل الأهالي بالليرة التركية

سيدتان في مصرف بدمشق قرب أوراق نقدية من فئة الألف ليرة السورية (أ.ب)
سيدتان في مصرف بدمشق قرب أوراق نقدية من فئة الألف ليرة السورية (أ.ب)

أدخلت فصائل معارضة تدعمها أنقرة أوراقاً نقدية ومعدنية تركية إلى شمال سوريا كي يتعامل بها المواطنون، بدلاً من الليرة السورية، بالتزامن مع قيام دمشق باتخاذ إجراءات لضبط تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي.

- تمدد تركي
وكان الجيش التركي قد سيطر عبر 3 عمليات على مساحات كبيرة من الأراضي شمال سوريا، بدعم من الفصائل المسلحة. وتشرف الولايات المتاخمة لسوريا على المناطق التي باتت خاضعة للسيطرة التركية، حيث تتبع المجالس المحلية في مناطق عمليات «درع الفرات» في حلب بشكل شبه كامل لولاية غازي عنتاب التركية. كما تشرف ولايتا هطاي وشانلي أوروفا على مناطق أخرى، ويتابع الولاة الأتراك ويشرفون على تلك المناطق.
وأدخلت أنقرة خدمات البريد، عبر هيئة البريد التركية، فضلاً عن مشروعات الكهرباء، وترميم المدارس وإعادة تأهيلها وتشغيلها عبر وقف «المعارف» التركي للتعليم. وتقوم فروع هيئة البريد بخدمات البريد والاتصالات والصيرفة والخدمات اللوجيستية والشحن وصرف رواتب المدرسين والموظفين العاملين في وقف «المعارف» والجنود الأتراك، فضلاً عن رواتب الشرطة المحلية التي تشكلت بمعرفة تركيا.
ويستخدم سكان المنطقة واللاجئون السوريون مؤسسة البريد الحكومية في تلبية احتياجاتهم من تحويل الأموال والشحن منذ عام 2017. وأوجدت شركات تركية خاصة واقعاً استثمارياً جديداً في ريف حلب الشمالي، بمشاريع كبيرة في القطاعات الرئيسية للخدمات التي يحتاج إليها السكان، ولا يمكن فصل نشاط هذه الشركات عن ملف إعادة الإعمار في سوريا الذي تحاول تركيا الدخول فيه من بوابة المدن والبلدات التي دمرتها المعارك ضد تنظيم داعش الإرهابي على طول حدودها الجنوبية.
ودعمت تركيا كلاً من الشرطة العسكرية والشرطة المدنية لفرض استقرار أمني نسبي في المنطقة، فاستطاعت بذلك إمساك جميع الخيوط في عفرين على مستوى الفصائل، والشرطة العسكرية، وقوات الشرطة المدنية وأجهزتها المتنوّعة.
وتشرف ولاية هطاي التركية بشكل مباشر على المجالس المحلية في منطقة عفرين، عبر ولاة مناطق أتراك، وفقاً للتقسيم الأمني (والي عفرين، ووالي راجو، ووالي جنديرس) الذين يمثلون والي هطاي في مناطقهم، وتتلقى المجالس مخصصات مالية شهرية من تركيا، وهي أموال عائدات المعابر الحدودية التي توزّعها تركيا أيضاً على الجيش الوطني السوري وأعمال ترميم البنية التحتية.
وبدأت تركيا مشروعاً في إدلب لإقامة مساكن للنازحين، قام وزير الداخلية التركي، يوم الأحد الماضي، بتفقده، وهي المرة الأولى التي يقوم فيها مسؤول تركي على هذا المستوى بزيارة إدلب.

- استعجال معارضين
تُسارع المجالس المحلية والمؤسسات الإدارية والمنظمات في مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة المدعومة من تركيا إلى استبدال الليرة التركية بالعملة المحلية، واعتمادها في الأسواق للتعامل التجاري والأجور وغيرها، نظراً لانخفاض القيمة الشرائية لليرة في الأسواق أمام الدولار الأميركي. فقد بادرت «حكومة الإنقاذ» المعارضة في محافظة إدلب إلى الإعلان عن نيتها طرح العملة التركية، بديلاً عن السورية للأسباب ذاتها، إذ أدى انخفاض قيمتها الشرائية إلى ارتفاع غير مسبوق لأسعار السلع والحاجات الأساسية والأدوية في الأسواق، وذلك عقب اجتماع «مجلس الشورى» وعدد من وزراء الحكومة (الإنقاذ) التي بدورها قامت خلال اليومين الماضيين بجلب كميات كبيرة من الليرة التركية إلى إدلب، استعداداً لطرحها في الأسواق ومحال الصرافة، وبدء تداولها بين التجار والمواطنين.
وقال مصطفى الماضي، صاحب محل تجاري لبيع الأدوات الكهربائية في سرمدا: «بالطبع التعامل تجارياً بالليرة التركية بات أضمن من التعامل بالسورية التي تشهد تدهوراً غير مسبوق هذه الآونة»، لافتاً إلى أن تراجع سعر صرف الليرة «يسبب في كثير من الأحيان خسائر مالية كبيرة للتجار وأصحاب المحال التجارية الصغيرة، لا سيما أن التعامل بالبيع والشراء مع الزبائن يكون بالليرة السورية، بينما نقوم باستيرادها عبر تركيا بالدولار الأميركي، وغالباً ما تتراجع أسعار الليرة في الأسواق خلال اليوم الواحد أضعاف مضاعفة أمام الدولار الأميركي، والحل الأمثل لتفادي الخسائر المالية هو التعامل بالليرة التركية التي تعد من العملات المستقرة في أسعارها أمام العملات الأجنبية». ولفت إلى خسارته خلال يوم واحد نحو 4 آلاف دولار، حيث قام ببيع كميات كبيرة من الأدوات الكهربائية بالعملة الوطنية بقيمة 1200 ليرة سورية للدولار الواحد، وفي ساعات المساء من اليوم ذاته، ذهب إلى أحد محال الصرافة ليفاجأ بتراجع قيمة الليرة، حيث وصل سعرها لنحو 3 آلاف ليرة سورية مقابل الدولار الواحد.
ومن جهته، قال مصطفى الحمود: «التداول بالليرة التركية أفضل بكثير بالنسبة لنا، نحن العمال المياومين، من التعامل بالسورية، حيث إن الليرة التركية مستقرة، ونسبة تراجع أسعارها أمام العملات الأجنبية التي باتت مؤخراً العملة الرئيسية في الأسواق ضئيلة جداً، مقارنة بالليرة السورية»، مشيراً إلى أن أجره اليومي يتراوح ما بين 2500 و4 آلاف ليرة يومياً. وعندما تتراجع أسعار الليرة السورية «تشهد الأسواق غلاء فاحشاً بالأسعار، ولا يكفي أجر اليوم لشراء علبة سمنة 2 كلم».
وقال الناشط الحقوقي أكرم جنيد إن «الوضع الاقتصادي والمعيشي بالنسبة للمواطن في الشمال السوري بات مرتبطاً بالاقتصاد التركي إلى حد بعيد، في التجارة والاستهلاك وغيرها من الاحتياجات الاقتصادية وأجور الموظفين والعمال، وتحديداً في المناطق الشمالية لمحافظة حلب الخاضعة للنفوذ التركي، من خلال تسليم الرواتب بالعملة التركية، وأحياناً بالدولار الأميركي، وقليلاً جداً ما يتم التداول بالعملة السورية، مع تراجع تداولها في الأيام الماضية، نظراً لتراجع قيمتها الشرائية»، لافتاً إلى أن عملية استبدال العملة التركية بالسورية فقط لا يكفي في إدلب، و«يجب أن يترافق الاستبدال مع إصلاحات اقتصادية واستعدادات من قبل الجانب التركي، والفاعليات الإدارية في إدلب، وربط كل الجوانب الاقتصادية والمالية التجارية وأجور الموظفين في المنظمات وأصحاب الأعمال الحرة بالعملة التركية».
كان وزير الاقتصاد في «الحكومة السورية المؤقتة» المعارضة، عبد الحكيم المصري، قد قال إن «كل التعاملات لدى مؤسسات الحكومة المؤقتة ستكون بالليرة التركية أو الدولار. على سبيل المثال، مؤسسة الحبوب تشتري القمح وتبيع الطحين بالدولار، أما الخبز فسيتم بيعه بالليرة التركية».
ومن جهتها، أصدرت «حكومة الإنقاذ»، المدعومة من «هيئة تحرير الشام»، قرارين بـ«زيادة رواتب العاملين في الجهات العامة، وتثبيتها بالدولار الأميركي. ولعدم وجود فئات نقدية صغيرة من الدولار، كان لا بد من دفع الرواتب بعملة أخرى، وبما يعادل قيمتها. وبسبب الانهيار المتواصل لليرة السورية، وتحقيقاً لرغبة العاملين بعدم صرف رواتبهم بالليرة السورية، بدأت الحكومة (المؤقتة) بصرف الرواتب بالليرة التركية لأول مرة».

- ضبط التدهور
وفي دمشق، أفادت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن تحسن سعر صرف الليرة في الأيام القليلة الماضية سببه ضخ رجال أعمال موالين كميات من الدولارات في السوق، ومصادرة كميات أخرى، إضافة إلى إحكام «مصرف سوريا المركزي» السيطرة على الحوالات المالية المتدفقة من الخارج.
ومع التحسن في صرف الليرة أمام الدولار في الأيام القليلة الماضية، إذ يتراوح ما بين 2300-2450، بعدما سجل تدهوراً غير مسبوق الاثنين الماضي، وصل إلى 3400 ليرة في بعض المناطق، تفيد المعلومات بأن «المركزي» لم يضخ «أي مبلغ من الدولارات في السوق»، وأن السبب في هذا التحسن «قيام مجموعة من رجال الأعمال الموالين، أبرزهم وسيم قطان، بضخ مئات الآلاف من الدولارات» في السوق، إضافة إلى الإجراءات الأمنية المشددة، وإلقاء القبض على صرافين، ومصادرة كميات كبيرة من الدولارات.
وأوضح متعاملون في سوق التحويلات المالية من الخارج إلى سوريا أن «النظام بعملية إغلاق الشركات أحكم سيطرته على الحوالات المالية المتدفقة إلى سوريا، وبات المتحكم بها، وهو الرابح الأكبر من إغلاق تلك الشركات».
وأكد متعاملون كبار توقف خدمة الصراف الآلي والبطاقات الصادرة عن البنوك الخاصة بسبب خلاف قديم بين «المركزي» والشركة المشغلة، وكشفوا أن «المركزي» يخطط لإعطاء العقد لقريب لأسماء الأسد، زوجة الرئيس بشار الأسد.
وذكر المتعاملون لـ«الشرق الأوسط» أن توقف خدمات الصراف وبطاقات السحب سببه إشكالية بين «المركزي» و«مجموعة csc» اللبنانية التي يملكها عبد القادر الدويك الذي استقال من منصبه رئيساً تنفيذياً لبنك «سوريا الدولي الإسلامي» الخاص عام 2018، بعد صراع مرير مع حاكم «مصرف سوريا المركزي»، حازم قرفول.
وبينت المصادر أن «المركزي» حاول أن يستبق عقوبات «قانون قيصر» الأميركي بإصدار لائحة تنظيمية لتنظيم عمل الشركات المتعاقدة معه، تشدد على ضرورة أن يكون الملاك متمتعين بالجنسية السورية، وأن تكون أصول الشركة موجودة في سوريا كي لا تشملها العقوبات.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».