أميركا: دولة للبيض وأخرى للسود... تتصارعان في حلقة مفرغة

ثقافة «التفوق العرقي» تغذيها عقود من عنف الشرطة وقصور الطبقة السياسية عن تغييرها

أميركا: دولة للبيض وأخرى للسود... تتصارعان في حلقة مفرغة
TT

أميركا: دولة للبيض وأخرى للسود... تتصارعان في حلقة مفرغة

أميركا: دولة للبيض وأخرى للسود... تتصارعان في حلقة مفرغة

«الرد على العنف بالعنف يضاعفه، ويزيد العتمة ظلاماً أعمق في ليلة خالية من النجوم... لا يمكن للكراهية أن تطرد الكراهية: الحب وحده يمكنه فعل ذلك».
إنها واحدة من جمل وخطابات عديدة أطلقها الدكتور مارتن لوثر كينغ، أشهر مناضل أميركي أسود، تعبّر عن واقع حال يكاد ينفجر بوتيرة مستدامة، ويدور معها العنف العنصري في دائرة مفرغة في الولايات المتحدة.
مارتن لوثر كينغ، كان ذلك القسّ الذي أمضى حياته داعياً لإصلاحات جذرية للقوانين وتبنّى مبدأ اللاعنف والمقاومة السلمية. وقُتل أيضا على يد أحد المتعصبين البيض. أما اليوم، فإن العنف الذي انفجر أخيراً في مدينة مينيابوليس، كبرى مدن ولاية مينيسوتا، وامتد منها ليشمل المدن الأميركية الكبيرة الأخرى بعد مقتل جورج فلويد، فيشكّل حلقة أخيرة في لائحة طويلة وتاريخية من أعمال الشغب العنصرية في الولايات المتحدة.
سلّط موت جورج فلويد، الرجل الأميركي المتحدّر من أصول أفريقية إبان توقيفه من قبل الشرطة، وهو يستغيث تحت قدم رجل شرطي أبيض كان يضغط على رقبته، الضوء على قضية سياسية لها عدة أبعاد.
قضية تصاعد ارتباطها المنهجي بالعنف الذي مورس ويمارس على الأقليات، من قبل الشرطة في الولايات المتحدة، وذلك في ظل اتهامات وجهت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بأنه يتحمّل قدراً كبيراً من المسؤولية في جعل رجال الأمن يشعرون بالحصانة عن أفعالهم. ذلك أن ترمب قال في مطلع عهده، وفي حفل ضمّ شرطيين وشرطيات: «لا تُفرطوا في الرقّة. أراكم تضعون أيديكم على رؤوسهم (رؤوس الموقوفين) إذ تدخلونهم السيارات مكبّلين، كي لا يرتطم الرأس بحافة الباب. دعكم من هذا!».

أميركا «دولتان»
البعض يقول: في الولايات المتحدة «دولتان»: واحدة يستطيع الناس فيها اقتحام المنازل والمؤسسات الرسمية، وتهديد المسؤولين المنتخبين بمسدساتهم وأسلحتهم الرشاشة والصراخ في وجه رجال الشرطة، كما جرى أخيراً في ولاية ميشيغان، ثم يغادرون سالمين من دون أي اعتراض. ودولة ثانية حيث يمكن للمواطنين الذين يسيرون بسلام أو يقفون على شرفات منازلهم، أن يتعرّضوا للاعتقال وللرصاص المطاطي وقنابل الغاز أمام الكاميرات.
هناك أميركا حيث يرفض الناس أوامر بارتداء الكمامات، وأميركا ثانية حيث يفتش الناس بيأس عن أقنعة للوقاية من الغاز. وباختصار وبلاغة أكثر: هناك أميركا البيضاء حيث يحقّ للمواطنين توقّع الحصول على الخدمة والحماية، وأميركا السوداء حيث ليس بوسعهم توقع ذلك.
لقد بدا أن الدعوة إلى «لا مزيد من العنصرية» ليس تغييراً يمكن تنفيذه بين ليلة وضحاها. ومع تجذر انعدام المساواة في أسس الدولة والأمة الأميركيتين، في ظل قصور الطبقة السياسية عن تقديم حلول جذرية، يغدو من الطبيعي أن تتحول الفوارق العرقية إلى نظام يتحكم بالحياة الأميركية خارج نطاق تطبيق القانون. وهذا الواقع، لا شك، يتطلب تغييراً منهجياً، اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً. ويستوجب العمل على تحريك الدولة واستخدامها أدوات معقدة لعلاج القصور القانوني والتجاوزات الأخلاقية، في مشروع قد يستغرق عقوداً من العمل الدؤوب عبر أجيال عديدة لتحقيق هذا التغيير. إلا أن الحد من عنف الشرطة، بما في ذلك العنف الذي يستهدف عرقاً معيناً أكثر من غيره، قد يكون أسهل على الأرجح.
مكافحة تجاوزات الأمن
دول متقدمة عدة، ليس من بينها الولايات المتحدة، تمكنت من إيجاد «معادلة» مكّنتها من خفض عدد عمليات القتل على أيدي رجال الشرطة خلال تطبيقهم القانون، وهذا حتى في البلدان التي تعاني من التحيز والقلق الذي يثيره التنوع العرقي. ففي الولايات المتحدة أطلقت الشرطة النار في العام الماضي وحده، وقتلت أكثر من 1000 شخص، في حين أنه في بريطانيا قتل أقل من 100 شخص في إطلاق النار من قبل الشرطة على مدى العقدين الماضيين. وعند قياس قتلى الأسلحة النارية بسبب الشرطة من حيث نصيب الفرد، لا يبدو سجلّ الولايات المتحدة مشجعاً. ولعل، جزءاً مهماً من المشكلة توافر السلاح بكثرة، سواءً بين رجال الشرطة أو حتى المواطنين. وعلى سبيل المثال، فإن معظم ضباط الشرطة البريطانيين لا يحملون أسلحة نارية. وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن تنزع أسلحة الشرطة الأميركية، يرى البعض أنه بالإمكان العثور على سبل وسياسات أخرى.

مسؤولية الجمهوريين والديمقراطيين
من جهة أخرى، فإن مسؤولية الرئيس ترمب ومناصريه من الجمهوريين والمتشددين والمحافظين ليست حصرية أو فريدة في تغذية الانقسام إبان سنة انتخابية حاسمة. إذ إن الاتهامات توجه أيضا لمعارضيه، وخصوصاً للديمقراطيين، المتهمين بالوقوف موقف المتفرج على أعمال التخريب والعنف المدني والسرقة... إذ إنهم يبدون مكتفين بترداد خطاب لا يقدم حلولاً ولا يردع المخربين. وحتى مبادرتهم في الكونغرس لإقرار اقتراح تعديلات على قوانين الشرطة، لا تبدو كافية، علماً بأن تبنّيها يتطلب تعاون الجمهوريين وتوقيع ترمب عليها. ولذا، ثمة من يتهم الديمقراطيين، صراحةً، بأنهم إنّما يريدون في النهاية إلحاق الهزيمة بترمب فقط، ولو احترقت المدن وتعطلت الأعمال... وأنهم يعملون على استغلال الأحداث الجارية، لمضاعفة الضرر الذي لحق بأميركا والأميركيين، جراء كارثة جائحة «كوفيد - 19».
وحقاً، بعض الأصوات الجمهورية تتحدث عن «تضخيم مفتعل» لأرقام الوفيات الناجمة عن الجائحة التي تجاوزت الـ100 ألف شخص، بحسب «إحصاءات رسمية»، في محاولة للإبقاء على حالة الخوف من إعادة فتح الاقتصاد. ورغم أن استعادة الحياة الطبيعية قد يخدم ترمب والجمهوريين، فإن خطاب هؤلاء هو الآخر لا يقدم حلا للعنف العنصري، سوى استخدام القبضة الأمنية.
لقد هدّد ترمب باللجوء إلى قانون يعود إلى العام 1807 يسمح بنشر الجيش في المدن الأميركية لوضع حد للتظاهرات العنيفة، في أعقاب مقتل جورج فلويد. وقال في تصريحات في حديقة البيت الأبيض: «إذا رفضت مدينة أو ولاية اتخاذ القرارات اللازمة للدفاع عن أرواح وممتلكات سكانها، فسأنشر الجيش الأميركي لحل المشكلة سريعاً، بدلاً عنها». غير أن تصريحات الرئيس أثارت العديد من الانتقادات، لا سيما، وأنها أقحمت الجيش في الخلافات الداخلية، وجاء الانتقاد الأبرز من وزير دفاعه مارك إسبر، الذي رفض زجّ الجيش في الأحداث الجارية. أما وزير الدفاع السابق الجنرال جيم ماتيس فقد اتهم ترمب «بتقسيم الأميركيين بدلا من توحيدهم».
قرار نشر الجيش يحتاج إلى تفعيل «قانون الانتفاضة»، الذي استخدم في عقد الخمسينات لإلغاء الفصل العنصري، وبعدها في الستينات للتعامل مع أحداث شغب في مدينة ديترويت كبرى مدن ولاية ميشيغان. وكانت آخر مرة استخدم فيها القانون عام 1992 من أجل التصدّي لما يُعرف بـ«أحداث شغب لوس أنجليس»، التي أعقبت قرار تبرئة أربعة عناصر شرطة من البيض من تهمة استخدام العنف المفرط ضد رجل أسود يدعى رودني كينغ. وخارج النطاق العنصري، استخدم القانون قبل ذلك في عام 1989 خلال أعمال نهب واسعة وقعت في سانت كروي في «الجزر العذراء» بالبحر الكاريبي في أعقاب الإعصار «هيوغو». ويرى ترمب أن تفعيل القانون يهدف إلى التصدي لمحتجي منظمة «أنتيفا» أي من «المناهضين للفاشية» اليسارية المناهضة لليمين المتطرف. وهي جماعة يتهمها بالوقوف وراء أعمال التخريب التي أدت إلى عمليات النهب.
على أي حال، هذا ما تؤكده المنظمة نفسها، التي يصف أعضاؤها أنفسهم بأنهم فوضويون، يرفضون التسلسل الهرمي في المجتمع، ويسعون إلى مواجهة جسدية باستخدام وسائل عنيفة وإسقاط ما يعتبرونه يميناً متطرفاً. غير أن مسؤولين جمهوريين وديمقراطيين أشاروا أيضاً إلى مسؤولية منظمة «بوغالو» اليمينية المتطرفة، التي تُتهم بالسعي إلى إشعال حرب أهلية ثانية في البلاد. وحسب السناتور الجمهوري ماركو روبيو «هناك قصة كبيرة يجري تغييبها وهي أنه في مدينة بعد الأخرى، لدينا إرهابيون من جماعات من «أنتيفا» إلى «بوغالو» يشجّعون على العنف ويرتكبون أعمال عنف». وتابع روبيو، الذي يترأس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، «قد لا تكون لديهم الآيديولوجيا ذاتها لكنهم يتشاطرون كراهية إزاء الشرطة والحكومة، ويستغلون الاحتجاجات». وأردف قائلا: «هؤلاء الأفراد يريدون هدم النظام بالكامل، حتى ولو تطلب ذلك حرباً أهلية جديدة».
«مؤتمر القيادة حول الحقوق المدنية وحقوق الإنسان» وحملة «زيرو»، في بداية عام 1950، كان بهدف المساواة الكاملة للجميع، وتوسّع من 30 إلى 200 منظمة. وأصدر توصيات تهدف إلى نزع السلاح من أيدي المجتمع الأميركي، وأعدّ مع منظمات أخرى مجموعة من أدوات السياسة والتشريعات النموذجية وقوانين الشرطة، وقدّم توصيات مدعومة بأبحاث اجتماعية. وأكد «المؤتمر» أن هذه السياسات لا تقوم فقط على ما يمكن معاينته في الظاهر، بل إن «الدور الذي تلعبه الكاميرات المثبتة التي يرتديها رجال الشرطة، لا تزال نتائجه محل نقاش». وبالفعل، يستطيع رجل الأمن تعطيلها إذا شاء، كما جرى خلال الأحداث الأخيرة، بعد اكتشاف أن كاميرات رجال الشرطة لم تكن مفعّلة أثناء مقتل رجل أسود يدعى ديفيد مكاتي، خلال مظاهرات شهدتها مدينة لويفيل كبرى مدن ولاية كنتاكي، الأسبوع الماضي.
وتشير الدراسات إلى أن النتائج جارٍ تحسينها من خلال زيادة الرقابة المجتمعية، والتقليل من الحواجز التي تحول دون الإبلاغ عن سوء سلوك الشرطة وتدابير المساءلة الأخرى. وهذا أمرٌ يتضمن تغيير عقود التوظيف التي تحمي رجال الشرطة من مواجهة عواقب سوء السلوك. إذ إحساسهم بالقدرة على الإفلات من العقاب النسبي، يجعلهم يقدمون على أفعالهم العنيفة.

يمين ويسار متطرفان
تاريخ العنف العنصري في العقود الأخيرة الذي كانت تمثله أفضل تمثيل المواجهات شبه اليومية بين أفراد الشرطة والأقليات - وخصوصا السود منهم - تعود جذوره إلى قرون عدة، حين كانت العبودية ضد السود هي نظام الحكم الذي قامت عليه الولايات المتحدة قبل استقلالها عن بريطانيا.
وما يُكر أنه مقابل ثورات السود على الظلم، نمت منظمات عنصرية للبيض، أشهرها منظمة الـ«كوكلوكس كلان» التي ذاع صيتها نتيجة عمليات القمع والقتل الجماعية التي كان ينفذها أفرادها بحق السود. والـ«ك ك ك» - كما تعرف شعبياً - من أقدم المنظمات العنصرية ولا تزال موجودة حتى يومنا هذا، على الرغم من تراجع أنشطتها العنفية.
عليه، كما نمت منظمات للدفاع عن السود تحت شعار «حياة السود مهمة»، وحركات يسارية متشددة مثل «أنتيفا» و«أناركيون» (فوضويون)، خلال السنوات الأخيرة، نمت في المقابل منظمات يمينية متطرفة تدعو وتدعم تفوق العرق الأبيض، ويعتنق بعضها أفكارا نازية، تعزّز حضورها مع نمو موجات اليمين المتطرف والحركات النازية الجديدة والفاشيين، في أوروبا والولايات المتحدة على حد سواء.

روزنامة أحداث عنصرية الطابع
> أحداث مدينة مينيابوليس اليوم تكاد تكون نسخة لأحداث مشابهة، تتكرر في دائرة مغلقة مستمرة منذ أكثر من نصف قرن من تاريخ الولايات المتحدة الحديث.
- في عام 1965، في مدينة لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا، أدى توقيف رجال شرطة أبيض لشاب أسود يدعى ماركيت فراي خلال عملية تدقيق مرتبطة بمخالفة مرور، إلى وقوع شجار مع أقربائه، تطور إلى تمرد في أحد المعازل أو «الغيتو» في المدينة. وتحوّل حي «واتس» الفقير لستة أيام، إلى ساحة قتال نظمت فيها دوريات الحرس الوطني المسلحة برشاشات ثقيلة، بدوريات في سيارات عسكرية وفرِضت منع التجول لاحتواء أعمال العنف. وبلغت حصيلة هذه الحوادث 34 قتيلا، بينما جرى توقيف 4 آلاف شخص، وأدت إلى أضرار قدّرت بعشرات الملايين من الدولارات.
-في عام 1967، أفضت مشادّة بين شرطيين من البيض في نيوجيرسي وسائق سيارة أجرة أسود إلى أعمال شغب ونهب استمرت خمسة أيام، وقتل فيها 26 شخصا وجرح 1500 آخرون.
-في عام 1967 أيضاً، اندلعت في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان أعمال عنف بعد تدخل رجال الشرطة في الشارع 12 الذي تقطنه غالبية من السود. وخلال أربعة أيام أدت المواجهات إلى مقتل 43 شخصا وجرح نحو ألفين آخرين. وامتدت أعمال العنف إلى ولايات أخرى بينها إيلينوي ونورث كارولاينا وتينيسي وماريلاند.
- في عام 1968، وعلى أثر اغتيال القس مارتن لوثر كينغ - أشهر وأهم المناضلين الأميركيين السود - في مدينة ممفيس بولاية تينيسي في الرابع من أبريل (نيسان)، انفجر العنف في 125 مدينة، ما أدى إلى سقوط 46 قتيلا على الأقل و2600 جريح. وامتدت أعمال العنف إلى العاصمة الاتحادية واشنطن، حيث كان السود يشكلون ثلثي عدد سكانها، وأضرمت الحرائق ووقعت أعمال نهب. وفي اليوم التالي، امتدت الاضطرابات إلى الأحياء التجارية في وسط المدينة وصولاً إلى منطقة تبعد نحو 500 متر فقط عن البيت الأبيض. واستدعى الرئيس (يومذاك) ليندون جونسون الجيش، الذي تدخل أيضاً في مدن نيوآرك (ضواحي نيويورك) وشيكاغو وبوسطن وسنسناتي.
- في عام 1980، قتل في حي السود «ليبرتي سيتي» بمدينة ميامي في ولاية فلوريدا 18 شخصا وجرح أكثر من 400 خلال ثلاثة أيام من أعمال العنف. واندلعت أعمال العنف هذه بعد تبرئة السلطات في مدينة تامبا (في غرب الولاية) أربعة شرطيين من البيض كانوا متهمين بقتل سائق دراجة نارية أسود تجاوز إشارة المرور.
- في عام 1992، في مدينة لوس أنجليس أيضاً، أدت تبرئة أربعة شرطيين بيض بعد محاكمتهم، من تهمة قتل رودني كينغ، وهو سائق سيارة أسود، في 3 مارس (آذار) عام 1991، إلى اشتعال المدينة. وامتدت الاضطرابات إلى مدن سان فرنسيسكو ولاس فيغاس وأتلانتا ونيويورك وأسفرت عن مقتل 59 شخصا وجرح 2328 آخرين.
- في عام، قتل شرطي أبيض شاباً أسود يدعى تيموثي توماس ويبلغ 19 سنة، أثناء مطاردته في مدينة سنسناتي بولاية أوهايو. وتلت الحادثة أربعة أيام من أعمال العنف والشغب جرح خلالها نحو 70 شخصا، ولم تستعد المدينة هدوءها إلّا بعد فرض حالة الطوارئ ومنع التجول فيها.
- في عام 2014، أدى مقتل الشاب الأسود مايكل براون، الذي كان في الـ 18 من العمر، برصاص أطلقه شرطي أبيض في مدينة فيرغوسن بولاية ميزوري، إلى أعمال عنف استمرت 10 أيام، بين السود وقوات الأمن التي استخدمت بنادق هجومية وآليات مصفحة. وفي نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، أسقطت الملاحقات ضد الشرطي ما أدى إلى موجة ثانية من أعمال العنف.
- في عام 2015، في مدينة بولتيمور - القريبة من العاصمة واشنطن، وهي كبرى مدن ولاية ماريلاند - توفي فريدي غراي، وهو شاب أسود يبلغ من العمر 25 سنة، بعد إصابته بكسور في فقرات العنق خلال نقله بشاحنة صغيرة للشرطة إلى مركزها. وفي أعقاب نشر تسجيلات فيديو لعملية توقيفه، التي قيل إن نظراته لم ترُق لعناصر الشرطة، اندلعت أعمال شغب ونهب في المدينة التي يبلغ عدد سكانها 620 ألف نسمة، يشكل السود حوالي ثلثيهم. ومن ثم، أعلنت حالة الطوارئ واستدعت السلطات الجيش والحرس الوطني لإعادة فرض الأمن في المدينة التي تعاني ظروفاً اقتصادية سيئة، كانت سبباً لانتقادات أطلقها الرئيس دونالد ترمب ضد الديمقراطيين متهماً إياهم بالتقصير في تحسين ظروفها.
-في عام 2016، اندلعت في مدينة شارلوت، كبرى مدن ولاية نورث كارولاينا، تظاهرات عنيفة بعد مقتل كيث لامونت سكوت. سكوت رجل أسود في الـ43 من العمر، قتل عند خروجه من آلية بينما كان يطوّقه شرطيون، وقالت قوات الأمن إنه رفض تسليم سلاحه. لكن أقرباءه أكّدوا أنه لم يكن يحمل سوى كتاب بيده وينتظر بسلام ابنه عند موقف للحافلات. وبعد مظاهرات استمرت عدة ليال، أعلن حاكم الولاية حالة الطوارئ وطلب تعزيزات من الحرس الوطني.
- في عام 2017، دهست سيارة يقودها متطرّف من البيض امرأة ما أدى إلى مقتلها، بعد تصدّي متظاهرين غاضبين لمسيرة في مدينة شارلوتسفيل، بولاية فيرجينيا تدعو إلى توحيد قوى اليمين و«سيادة» البيض. وضمّت تلك المظاهرة جماعات من اليمين المتطرف و«اليمين البديل» و«الكونفدرالية الجديدة» و«الفاشيين الجدد» وغُلاة القوميين البيض و«النازيين الجدد» والـ«كو كلوكس كلان» وميليشيات مختلفة. وخلال تلك التظاهرة هتف المتظاهرون بشعارات عنصرية ومعادية للسامية، وحملوا بنادق نصف آلية، ورموزاً نازية وأعلاماً كونفدرالية (من حقبة الحرب الأهلية الأميركية). وشملت أهدافهم أيضا معارضة إزالة تمثال الجنرال روبرت لي، أحد رموز الحرب الأهلية، من «لي بارك». هذا، وتعرّض الرئيس دونالد ترمب لانتقادات حادة بسبب رفضه إدانة التظاهرة وقوله: «لدى الجانبين أشخاص جيدون».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.