«نداء الكوكو» لروبرت غالبريث بالعربية

تزامنا مع معرض بيروت الدولي للكتاب

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

«نداء الكوكو» لروبرت غالبريث بالعربية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

بالتزامن مع معرض بيروت الدولي للكتاب، الذي انطلقت فعالياته، أول من أمس، تصدرت الترجمة العربية لرواية «نداء الكوكو» لروبرت غالبريث*، عن دار «نوفل» – «هاشيت أنطوان»، وهي من ترجمة عمر سعيد الأيوبي. وقد خصت الدار جريدة «الشرق الأوسط» بهذه المقتطفات الموسعة من الرواية قبل صدورها للأسواق

كان الأزيز في الشارع شبيها بطنين الذباب. احتشد المصوّرون خلف الحواجز التي تحرسها الشرطة، وهم يتمنطقون بكاميراتهم ذات العدسات الطويلة، وأنفاسهم تتصاعد كالبخار. استمرّ الثلج يتساقط على القبّعات والأكتاف، والأصابع المستترة تحت القفّازات تمسح العدسات وتجلوها. وبين الحين والآخر، تنطلق الطقطقات العَرَضية عندما يشغل المصوّرون المنتظرون الوقت بالتقاط صوَر للخيمة البيضاء المنصوبة في منتصف الطريق، ومدخل المبنى السكني المرتفع ذي الطوب الأحمر، وشرفة الطابق الأخير الذي سقطت منه الجثّة.
خلف حشد المصوّرين (الباباراتزي) المرصوص، تقف شاحنات مقفلة بيضاء تحمل على أسقفها أطباق سواتل ضخمة، وصحافيّون يثرثرون، بعضهم بلغات أجنبية، في حين يجوب المكان فنّيّو الصوت واضعين السمّاعات على رؤوسهم. ولتمضية الوقت، يقوم المصوّرون التلفزيونيون بتصوير «الباباراتزي» من الخلف، والشرفة، والخيمة التي تخفي الجثّة، ثم يغيّرون مواضعهم لأخذ لقطات واسعة تُظهر الفوضى التي دبّت في شارع مايفير الهادئ والمثلج، الشارع الذي تمتدّ على جانبيه أبواب سوداء لامعة تحيط بها أروقة من الحجارة البيضاء وتحفّها الشجيرات المشذّبة. كان المدخل إلى المبنى رقم 18 محاطا بشريط، وفي الردهة وراءہ، يُلمح عناصر من الشرطة، بعضهم خبراء جنائيون يرتدون ملابس بيضاء.
كانت محطّات التلفزة قد تلقّت الخبر منذ عدّة ساعات، واحتشد عند طرفَي الشارع أشخاص من عامّة الناس، يصدّهم مزيد من أفراد الشرطة ويمنعونهم من الاقتراب، بعضهم جاء عمدا للتفرّج، وآخرون توقّفوا لبعض الوقت وهم في طريقهم إلى أعمالهم وقد رفع الكثير منهم هواتفهم المحمولة عاليا لالتقاط الصوَر قبل أن يتابعوا طريقهم. ثمّة شاب لم يكن يعرف الشرفة المعنيّة، فراح يصوّر كلا منها بدورها، مع أنّ الشرفة الوسطى كانت ممتلئة بصفّ من الشجيرات، 3 شجيرات مشذّبة على شكل كرات مورقة لا تترك متسعا لوقوف أي إنسان.
أحضرت مجموعة من الشابّات الأزهار، وصُوّرن وهنّ يقدّمنها إلى أفراد الشرطة الذين لم يكونوا قد قرّروا بعد في أي مكان يضعونها، فتركوها على استحياء في مؤخّرة شاحنة الشرطة المقفلة، وهم مدركون أنّ عدسات الكاميرات تتابع جميع خطواتهم.
في غضون ذلك، تابع المراسلون الذين أوفدتهم القنوات الإخبارية التي تبثّ على مدار الساعة، سيلَ التعليقات والتخمينات بشأن القليل من الوقائع المحرّكة للمشاعر التي عرفوها.
«... من شقّتها في الطابق الأخير عند الساعة الثانية صباحا تقريبا. وقد أبلغ حارس أمن المبنى الشرطة..».
«... ليس هناك ما يشير بعد إلى أنّهم سينقلون الجثّة، ما دفع بعضهم إلى التخمين..».
«... لم يُعرف إن كانت بمفردها عندما سقطت..».
«... دخلت فرق إلى المبنى وستجري بحثا شاملا».
ثمّة ضوء موحش يملأ الخيمة. جثم رجلان على جانبَي الجثّة استعدادا لنقلها، ووضعاها أخيرا في كيس للجثث. كان رأسها قد نزف قليلا على الثلج، وسُحق وجهها وتورّم. واستحالت إحدى عينيها إلى تغضّن على الوجه، وظهر بياض الثانية باهتا بين جفنين متورّمين. عندما التمع ملبسها العلوي المزيّن بالبَرَق مع التغيّر الطفيف في الضوء، أعطى انطباعا مربكا بالحركة، كما لو أنّها تنفّست ثانية، أو أنّها تشدّ عضلاتها استعدادا للنهوض. واستمرّ تساقط الثلج على الخيمة محدثا صوتا خفيفا كأنّه نقر أصابع.
«أين سيارة الإسعاف اللعينة؟»
استشاط المحقّق المفتّش روي كارفر غضبا بعد نفاد صبره. وهو رجل ضخم الكرش ذو وجه زهري بلون لحم البقر المملّح، تحيط حلقة من العرق بالإبطين في قمصانه عادة. حضر منذ أن سقطت الجثّة تقريبا، وقد تسرّب البرد الشديد إلى قدميه حتّى لم يعد يشعر بهما، واستبدّ به الجوع. دخل الخيمة المحقّق الرقيب إريك واردل وهاتفه المحمول مشدود إلى أذنه، وقال مجيبا من دون قصد عن سؤال مسؤوله: «ستصل سيّارة الإسعاف خلال دقيقتين. كنت أقوم للتوّ بإعداد مكان لتوقّفها».
تأفّف كارفر، وازداد غضبا لقناعته بأنّ واردل متحمّس لوجود المصوّرين، وأنّه تباطأ أمام اندفاعاتهم القليلة خارج الخيمة. بدا واردل وسيما بملامحه الصبيانية، وشعره المتماوج البنّي الكثيف الذي يغطّيه الثلج. قال وهو لا يزال ينظر إلى المصوّرين في الخارج: «سيتفرّق هذا الحشد على الأرجح عندما تُنقل الجثّة».
صاح كارفر غاضبا: «لن يذهبوا فيما لا نزال نتعامل مع المكان كمسرح جريمة قتل».
لم يردّ واردل على التحدّي غير المعلن. غير أنّ كارفر انفجر غاضبا على أي حال.
«لقد قفزت المرأة المسكينة، لم يكن هناك أحد سواها. ولا بدّ أنّ شاهدتك المزعومة كانت تحت تأثير المخدّرات».
«إنّها قادمة»، قال واردل، وأثار اشمئزاز كارفر عندما خرج من الخيمة ثانية لانتظار سيّارة الإسعاف على مرأى من الكاميرات.
أزاحت القصّة أخبار السياسة والحروب والكوارث جانبا، وبرزت كلّ رواية لهذه الحادثة وإلى جانبها صوَر لوجه المرأة الرائع الخالي من العيوب، وجسدها الرشيق المنحوت نحتا. وخلال ساعات، انتشرت الوقائع القليلة المعروفة كالنار في الهشيم: الشجار العلني مع صديقها الشهير، والعودة إلى البيت وحيدة، والصراخ المسموع، والسقوط النهائي القاتل.
هرب الصديق إلى منشأة لإعادة التأهيل، لكن الشرطة ظلّت حائرة. أمّا من كانوا معها في الليلة التي سبقت مقتلها فقد انشغلوا بالأخبار. امتلأت آلاف الأعمدة في الصحافة المطبوعة، وساعات من الأخبار التلفزيونية، وحظيت المرأة التي أقسمت أنّها سمعت مشادّة ثانية قبل أن تسقط الفتاة جثّة هامدة بالشهرة لمدّة وجيزة، وكوفئت بصوَر صغيرة الحجم لها إلى جانب صوَر الفتاة الجميلة القتيلة.
لكن، طرأ بعد ذلك ما أثار خيبة أمل وتحسّرا ملموسا، إذ ثبت أنّ الشاهدة كذبت، فانسحبت إلى مؤسّسة لإعادة التأهيل، وظهر المشتبه به الرئيس الشهير، كما لو أنهما «فتى وفتاة كوخ الطقس» اللذان لا يخرجان البتّة من المنزل في الوقت نفسه. في النهاية لا تعدو الحادثة أن تكون انتحارا. وبعد تبدّد لحظة المفاجأة، اكتسبت القصّة رواجا ثانيا ضعيفا. كتبوا أنّها كانت غير متّزنة، وغير مستقرّة، وغير جديرة بالنجومية الفائقة التي حملها إليها جمالها وجموحها؛ وأنّها رافقت طبقة ثريّة منحلّة الأخلاق فأفسدتها؛ وأنّ فساد حياتها الجديدة أحدث اضطرابا في شخصيّة هي في الأصل هشّة. وتحولّت إلى حكاية أخلاقية تبعث على ذلك الإحساس بالرضا الناشئ عن مأساة شخص آخر، لذا لمح الكثير من كتّاب الأعمدة إلى إيكاروس بحيث أفردت مجلّة «برايفت آي» عمودا خاصا لها.
أخيرا، تلاشت إثارة الحدث وخبت، ولم يعد هناك ما يُقال حتّى لدى الصحافيين، فقد سبق أن قيل الكثير.
مع أنّ سنوات عمر روبن إلاكوت الـ25 شهدت لحظات من الدراما والحوادث، فإنّها لم تستيقظ من قبل قط وهي على يقين من أنّها ستتذكّر اليوم التالي ما امتدّ بها العمر.
بعيد منتصف الليل، تقدّم منها ماثيو، صديقها منذ مدة طويلة، بعرض الزواج تحت تمثال إيروس وسط ميدان بيكاديلي. وفي غمرة الارتياح الشديد الذي أعقب موافقتها، اعترف أنّه كان يخطّط لتقديم الطلب في المطعم التايلندي حيث تناولا العشاء، لكنّه لم يحسب حساب الزوجين الصامتين إلى جانبهما اللذين تنصّتا إلى حديثهما بأكمله. لذا اقترح التجوّل في الشوارع المعتمة رغم احتجاجات روبن بأنّ عليهما أن يستيقظا باكرا، قبل أن يأتيه الإلهام ويقودها إلى درج التمثال وقد اعتلتها الدهشة. هناك، تخلّ للريح الباردة عن الحذر (على غير طريقة ماثيو المعهودة)، وطلب يدها راكعا على إحدى ركبتيه، أمام 3 مفلسين جاثمين على الدرج يتشاركون ما بدا أنّه قنينة كحول.
كان ذلك في نظر روبن أكثر عروض الخطبة كمالا في تاريخ الزواج. حتّى إنّه كان يحمل في جيبه خاتما من الصفير ذا ماستين، وضعته فبدا ملائما تماما وظلّت تحدّق به في يدها المستندة إلى حِجرها طوال الطريق إلى المدينة. أصبح لديهما الآن قصّة يرويانها، قصّة عائليّة مضحكة من النوع الذي يُروى للأطفال؛ حيث تعثّرت خطته (أعجبها أنّه خطّط للأمر)، وتحوّلت إلى أمر عفويّ. أحبّت المتشرّدين، والقمر، وركوع ماثيو خائفا ومرتبكا على إحدى ركبتيه؛ وأحبّت إيروس وميدان بيكاديلي القديم المتّسخ، وسيّارة الأجرة السوداء التي استقلّاها إلى البيت في كلابِهام. لم تكن في الواقع بعيدة عن أن تحبّ لندن بأكملها، مع أنّها لم تعجب بها حتّى بعد شهر على إقامتها فيها، بل إنّ الركّاب الباهتين والمشاكسين المحتشدين في عربة المترو حولها بدوا مذهّبين من فرط تألّق الخاتم. عندما خرجت في ذلك النهار البارد من شهر مارس (آذار)، في محطّة مترو توتنهام كورت رود، فركت الجانب السفلي من خاتم الذهب الأبيض بإبهامها، وأحسّت بسعادة غامرة حين فكّرت في احتمال أن تشتري بعض المجلّات التي تُعنى بالزفاف في وقت الغداء.
تابعتها نظرات الرجال عندما شقّت طريقها عبر أشغال الطرق في أعلى شارع أكسفورد، وهي تدقّق في قطعة ورق في يدها اليمنى. كانت روبن فتاة جميلة بكلّ المقاييس، طويلة ذات جسد رائع، وشعر طويل أشقر مائل إلى الحمرة يتماوج عندما تسير بسرعة، وقد أضاف الهواء البارد لونا إلى وجنتيها الباهتتين. هذا أوّل أيّام عملها بمثابة سكرتيرة لمدّة أسبوع، فهي تؤدّي أعمالا مؤقّتة منذ أن قدمت لتقيم مع ماثيو في لندن، وينتظرها الآن الكثير من المقابلات «المناسبة»، كما وصفتها.
كان إيجاد المكاتب الأمر الأكثر صعوبة في الغالب في هذه الأعمال الرتيبة. فقد بدت لندن، بعد أن غادرت بلدتها الصغيرة في يوركشاير، مدينة واسعة ومعقّدة وعصيّة على الفهم. وكان ماثيو قد طلب منها ألّا تتجوّل حاملة خريطة، مما يجعلها تبدو بمثابة سائحة ويعرّضها للاستهداف، لذا اعتمدت في الغالب على خرائط رديئة رسمها لها أحد الأشخاص في وكالة التشغيل المؤقّت، لكنّها لم تقتنع بأنّ ذلك يجعلها تبدو مثل اللندنيين من أهل المدينة.
الحواجز المعدنيّة والجدران البلاستيكية الزرقاء المحيطة بأشغال الطرق زادت من صعوبة معرفة الاتّجاه الذي يجب أن تسلكه، لأنّها تحجب نصف المعالم المهمّة المرسومة على الورقة التي تحملها في يدها. عبرت الطريق الممزّق أمام برج مكاتب يحمل في خريطتها اسم «سنتر بوينت»، وهو يشبه كعكة وافل عملاقة مصنوعة من الخرسانة وتتميّز بنوافذها المربّعة المنتظمة، وشقّت طريقها في اتّجاه شارع دنمرك. وجدته مصادفة تقريبا، عندما سلكت زقاقا ضيّقا يُدعى «دنمرك بليس» وخرجت منه إلى شارع قصير تنتشر فيه واجهات المتاجر الملوّنة: واجهات مليئة بالغيتارات، وأجهزة الكي بورد، وكلّ أنواع الآلات الموسيقية. كانت حواجز حمراء وبيضاء تحيط بحفرة أخرى مفتوحة في الطريق، فاستقبلها العمّال الذين يرتدون سترات فلورية بالصّفير، لكنّها تظاهرت بأنّها لم تسمعه.
نظرت إلى ساعتها. تبيّن لها أنّها وصلت قبل الموعد بربع ساعة، لأنّها منحت نفسها هامش الوقت المعتاد تحسّبا في حال ضلّت الطريق. كان مدخل المكتب الذي تبحث عنه غريب الشكل مدهونا بالأسود، ويقع إلى يسار «12 كافيه بار». وقد كُتب اسم شاغل المكتب على قطعة من الورق المسطّر الممزّق أُلصقت إلى جانب الجرس الخاصّ بالطابق الثاني. لو كان يوما عاديا، قبل أن تضع الخاتم الجديد الذي يتألّق في إصبعها، لربّما وجدت ذلك منفّرا، غير أنّ قطعة الورق المتّسخة والدهان المقشّر على الباب يشبهان المتشرّدين في الليلة الماضية، مجرّد تفاصيل مشهديّة على خلفيّة قصّة غرامها العظيمة. نظرت إلى ساعتها ثانية (التمع الصفّير وقفز قلبها، ستشاهد توهّج هذا الحجر ما تبقّى من عمرها)، وقرّرت منشرحة أن تصعد باكرا وتُظهر أنّها متحمّسة لعمل لا يثير أي اهتمام لديها.

* روبرت غالبريث هو الاسم المستعار للكاتبة البريطانية ج. ك. رولينغ، مؤلفة سلسلة «هاري بوتر» الشهيرة، ورواية «منصب شاغر»



تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.


«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام
TT

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات اللواتي ألهمن روائع تاريخ الفن. من مرسم ليوناردو دافنشي إلى أغلفة مجلة «فوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الدور البارز للملهمات في بعض أشهر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه، ويفكك الصور النمطية المُبسطة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعلٍ في تاريخ الفن.

«كشف الشخصيات الخفية وراء تحف تاريخ الفن» هو العنوان الفرعي لكتاب الذي يقدم صورة حقيقية آسرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهن في بعض أشهر روائع تاريخ الفن، حيث نتعرف وجوه العديد منهن من أشهر الأعمال الفنية في العالم، من خلال الأسئلة التي تثار من خلال متن الكتاب: من هي حقاً «المرأة الباكية» لبيكاسو؟ أو اللص في أعمال فرانسيس بيكون؟ ولماذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيداً عن كونهن مجرد عارضات صامتات، قدمت الملهمات الدعم العاطفي والطاقة الفكرية والإبداع الذي غيّر مسيرة الفنانين، فضلاً عن المساعدة العملية. مع ذلك، يُنظر إلى الملهمة على أنها نموذج سلبي وعاجز (عادةً ما تكون شابة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر سناً. هل يمكن أن يكون هذا الانطباع خاطئاً وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مجرد أسطورة رومانسية؟ هل تقبّل الناس دور ومكانة الملهمة؟ والأهم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟

تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في سردٍ احتفالي يُظهر مدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فكرة «الملهمة» من منظورٍ مختلف، مُتضمناً فنانات الأداء والمشاهير، وشخصياتٍ أيقونية ربما لم نعتبرها من قبل مصدر إلهام، مثل تيلدا سوينتون وغريس جونز، من خلال الغوص في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن. ويكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه في إثراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والطرق المتنوعة التي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة».

من مشرفي العمل إلى المشردين في هارلم، يعرفنا الكتاب على نماذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الفن، من خلال قصص ثلاثين شخصية استثنائية، ويُفكك الصور النمطية المُختزلة للملهمة، ويعيد صياغتها كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعل في تاريخ الفن.

الهدف الرئيسي لـ«الموزية» هو إعادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الفن. بدلاً من رؤيته/رؤيتها شخصيةً سلبيةً أو تابعةً للفنان، أو مجرد جسم جمالي في خلفية اللوحة، أو أداة فقط في إبداع فني. تقول روث ميلينغتون إن «هذا التصور رائج لكنه مضلّل، وأن مَن يُسمّون بـ(muse)، كان لهم/لهن/ أدوار نشطة في إلهام الأفكار، أثروا في عملية الإبداع نفسها، ساهموا/ساهمن في دعم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحياناً عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تدعو إلى اعتبار «الموزية» شريكاً في صناعة العمل الفني، وليس مجرد موضوع للرسّام أو النحات.

ولعل أحد أهم محاور الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بأنوثة خاضعة لصورة الرجل الفنان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لم تكن أصلية في التاريخ، بل أصبحت جزءاً من الثقافة بسبب الروايات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون.

وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سلبية، بل على العكس تماماً، فقد كنّ آلهة يونانية قديمة، صُوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهيةً للإلهام.

وتضيف ميلينغتون: «قد تجد شاعراً يطلب من الملهمات المساعدة في سرد قصته»، وسيقول: «تحدثي إليّ يا ملهمتي، أخبريني القصة». إنه بذلك يستمد إلهامه من الملهمة. وهناك فكرة سائدة مفادها أن الملهمة تمتلك هذه القوة. وبحلول زمن بيكاسو، انقلب مفهوم الملهمة رأساً على عقب، وأصبح يُنظر إليها على أنها صفة يمتلكها الفنان الذكر العظيم. وتضيف: «إن تطور هذه الأسطورة كان أشبه بـ(احتراق بطيء) عبر الزمن والتاريخ. ففي عصر النهضة تقريباً، تحولت لوحات الملهمات تدريجياً من لوحات لآلهة إلى لوحات لنساء شابات نمطيات تتساقط ملابسهن. وبحلول زمن جماعة ما قبل الرفائيلية، بدأ الفنانون يتخذون نساءً معينات ملهمات لهم، وبحلول القرن العشرين، ترسخ التصور النمطي للملهمة كعارضة أزياء».


سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».