«دون جوان يحكي عن نفسه» بطريقة مغايرة لما ألفناه سابقاً

ترجمة عربية لرواية بيتر هاندكه الحائز «نوبل للآداب» عام 2019

«دون جوان يحكي عن نفسه» بطريقة مغايرة لما ألفناه سابقاً
TT

«دون جوان يحكي عن نفسه» بطريقة مغايرة لما ألفناه سابقاً

«دون جوان يحكي عن نفسه» بطريقة مغايرة لما ألفناه سابقاً

صدرت عن داري نشر «سرد، وممدوح عدوان» الترجمة العربية لرواية «دون جوان يحكي عن نفسه» للروائي والكاتب النمساوي بيتر هاندكه. وقد نقلها من الألمانية إلى العربية المترجم المصري سمير جريس.
في هذه الرواية، يستعيد هاندكه شخصية دون جوان الأسطورية، ويقدِّمها بطريقة مغايرة لما ألِفْناها سابقاً في مسرحيات وروايات وقصائد وأعمالٍ أوبرالية عالمية لكُتّاب وشعراء وفنانين معروفين أمثال تيرسو دي مولينا، موليير، ألكسندر بوشكين، اللورد بايرن، برتولد برشت، ماكس فريش، وموتسارت وغيرهم من المُبدعين الذين اعتادوا أن يقدّموا دون جوان عاشقاً ماجناً يغوي النساء ثم يولّي الأدبار. أما هاندكه، فيكاد يجرّده من الرغبات الجنسية، ويقدِّمه لنا بوصفه شخصاً مُطارَداً يتنقل بين البلدان، لكنه يبحث دائماً عن «الوصال والتواصل»، ولعل هاندكه يقترب كثيراً من رؤية الكاتب التشيكي جوزيف تومان، الذي قدّم دون جوان بطلاً تراجيدياً، وأسقطَ عنه نزعته الحسيّة الشهوانية.
لا تختلف رواية «دون جوان يحكي عن نفسه» عن بقية روايات هاندكه من ناحية الأسلوب والتجليات اللغوية، غير أن الثيمة المركزية لهذه الرواية قد تكون أخفّ وزْناً من سابقاتها مثل «قلق حارس المرمى عند ضربة الجزاء» و«رسالة قصيرة للوداع الطويل» و«الشقاء العادي» و«المرأة العسراء»، وغيرها من رواياته المعروفة، التي تتميّز بموضوعاتها الرصينة التي تترك أثراً قوياً لدى المتلقين، حتى وإن اختلفوا مع آرائه وطروحاته الفكرية.
ولتسليط الضوء على ثيمة هذه الرواية، لا بد من الإشارة إلى الشرارة التي أوقدت في داخله الحريق ودفعته لكتابة هذا النص السردي. يعترف هاندكه في لقاء معه، أجرته الشاعرة اللبنانية جُمانة حدّاد، بأن شرارة «دون جوان» قد لمعت في ذهنه بينما «كان يتنزّه وحيداً في الغابة كعادته، وفاجأه مشهد اثنين عاشقين بين الأشجار». لعل هذا المشهد المُفاجئ الذي أذهله في تلك اللحظة كان بمثابة الوخزة التي فجّرت في ذهنه ينبوعاً من الانثيالات القصصية التي اتّحدت في قالب روائي يتكئ كثيراً على الفنتازيا والنفس الغرائبي. في هذه الرواية، يروي «دون جوان» حكايته بضمير الغائب للراوي، ثم يقوم هذا الراوي بسردها لنا نحن القرّاء.
ثمة شخصيتان هما الثنائي العاشق في الغابة، يُطاردان دون جوان، لكنهما يكفّان عن المُطاردة، ما إن يدخل إلى أطلال دير «بور رويال دي شون» الشهير، الذي يوفِّر الحماية والأمان لكل منْ يلجه حتى وإن اقترف آثاماً كثيرة. ثم إن نظرة الثنائي العاشق كانت تشي بأنّ هذا الدون جوان ليس هو الرجل الذي يُطاردانه، وأنّ مَنْ يريدان قتله هو شخص آخر.
يتحول طاهي مطعم الدير بعد أن يهجرهُ الزبائن تماماً إلى راوٍ عليم، خصوصاً بعد أن سئم من القراءة وأخذ يروي لنا كل ما سمعه من الدون جوان، خلال الأيام السبعة التي تنقّل فيها في عدة بلدان، وشكّلت نسيج النص الروائي الذي يتمحور حول المحطات السبع التي سبقت وصوله إلى الدير القديم.
ففي الرحلة الأولى، يتحدث عن العروس التي هربت من حفل زفافها في القرية القوقازية والتحقت به. وفي الرحلة الثانية يروي قصة المرأة الدمشقية التي ذهبت معه لمشاهدة الدراويش الراقصين في الجامع الكبير، وفي الرحلة الثالثة يسرد حكاية امرأتين تعرّف إليهما في مدينة سبتة المغربية، ثم يتكلم عن امرأة نرويجية مريضة أو مجنونة تتخلى عن الكنيسة كي تقابله سراً، ثم يلتقي بالمرأة الهولندية التي يطاردها زعيم القوادين. أما السابعة والأخيرة فيلتقيها في بلد لا اسم له. تبدو هذه الحكايات أشبه بقصص «ألف ليلة وليلة»، حيث يتسع مسرح الأحداث لشخصيات مختلفة من عدة بلدان في ثلاث قارات تبدأ بجورجيا، ثم تمتد إلى سوريا والمغرب والنرويج وهولندا، وتنتهي في بلد لا اسم له.
يؤكد الراوي بأنه خلال الأيام السبعة ظهر في حديقة الدير عدة دون جوانات، لكنهم كانوا مزيّفين كلهم باستثناء الدون جوان الذي استقبله في منزله المهجور، الذي يروي حكايات حقيقية لا يتسرّب إليها الكذب والخداع.
يعوِّل هاندكه كثيراً على جمال اللغة وعمقها الأدبي، الذي التفت إليه منذ صباه، ولعل هجومه على «جماعة 47»، التي كانت تضم تحت خيمتها أدباء بسطوا نفوذهم لاحقاً على المشهد الثقافي الألماني، وأصحبوا معروفين في أوروبا والعالم، مثل هاينريش بول وغونتر غراس وأنجيبورغ باخمان وغيرهم، وقد اتهمهم هاندكه بـ«العُنّة اللغوية» و«العجز عن الوصف»، ووصف كتابات البعض منهم بـ«الأدب السخيف»، فهو يُعنى عناية بالغة باللغة التي يكتب فيها نصوصه الأدبية المطرزة بالتماعات فلسفية استلهمها من مارتن هايدغر ولودفيغ فيتغنشتاين، كما يذهب سمير جريس، مترجم الرواية، فلا غرابة أن يركز على ذاته و«أناه العليا» التي يستغورها دائماً علّه يُدرك كُنهها، ويفهم سرّ توحّده واحتفائه بالعزلة الأبدية. إنّ أحد أسباب منحه جائزة نوبل عام 2019 هو «براعته اللغوية، وخصوصية التجربة الإنسانية» في معظم أعماله الأدبية التي راجت منذ أوائل السبعينات من القرن الماضي حتى يومنا هذا.
أثارت كتب هاندكه ورواياته الكثير من اللغط في الأوساط الثقافية والفكرية، وذلك بسبب مساندته الصرب في حرب البلقان، ومعارضته تدخل الناتو، وانشقاقه عن الكنيسة الكاثوليكية، وإعادته «جائزة بوشنر» لمانحيها الألمان، الأمر الذي دفعه إلى العُزلة والانزواء في بيته الباريسي بعيداً عن وسائل الإعلام التي تضعه في دائرة الحرج والارتباك.
وعلى الرغم من وضوح العنوان، بوصفه عتبة نصيّة يحكي فيها دون جوان عن نفسه، إلا أنّ شبح الاستغلاق يحوم في ذهن القارئ، فقد اقتبس المؤلف جملة وردت على لسان «دون جوفاني» في أوبرا موتسارت يقول فيها: «لن تعرفَ مَنْ أنا»، في إشارة واضحة إلى غموض هذه الشخصية المحيّرة التي تحتاج إلى دأب وصبر ومثابرة كي نفهم الإنسان العميق الذي يترفّع عن الأشياء اليومية والعابرة، ويسعى لتحقيق الأحلام النائية أو ملامستها في أقل تقدير.
لم يسعَ هاندكه لأن يكون كاتباً سياسياً، وربما يدلّنا كتابه «أنا ساكن البرج العاجي» على نفوره من الحياة السياسية التي ترفّع عنها، وتخلّص من أحابيلها في هذه العزلة الفردية التي يبحث فيها كل يوم عن ذاته العصيّة المتوترة التي لا تسترخي إلاّ في سويعات الكتابة الاستكشافية التي تعرّي الذات الإنسانية، وتغوص في الطبيعة التي تحيط بالكائن البشري من كل حدب وصوب.
لا يمكن هضم واستيعاب المنجز الروائي لبيتر هاندكه، ما لم يطلّع القارئ على رواياته الأخرى التي لم تُترجم إلى العربية مثل «تكرار»، التي يروي فيها قصة شخص يتحدر من أصول نمساوية سلوفينية يذهب إلى يوغسلافيا «الشيوعية» بحثاً عن هويته «الضائعة». وكذلك رواية «الشقاء العادي» التي تتمحور على نبأ انتحار والدته، وهي في الحادية والخمسين، ليُمسك بالأطياف التي تركتها هذه الأم وغادرته بهدوء وصمت غريبَين.



ملايين المصلين يشهدون ختم القرآن بـ«الحرمين الشريفين»

شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
TT

ملايين المصلين يشهدون ختم القرآن بـ«الحرمين الشريفين»

شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)

شهد ملايين المصلين بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، ليلة ختم القرآن الكريم، مساء الثلاثاء، حيث أدوا صلاة العشاء والتراويح ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك، وسط أجواء روحانية تحفّها السكينة والاطمئنان.

ومنذ الصباح الباكر، توافد ضيوف الرحمن من المعتمرين والزوار والمصلين، إلى أروقة وساحات المسجد الحرام، والطرق المؤدية إليه، حيث تمكن أكثر من مليونين ونصف مليون مصلٍ من أداء مناسكهم وعباداتهم بكل يسر وأمان، بفضل ما وفرته الحكومة السعودية من خدمات، وما نفذته من مشروعات بإشراف ومتابعة قيادة البلاد.

يشهد المسجد الحرام في مكة المكرمة توافد أعداد كبيرة من المصلين من مختلف بقاع العالم (واس)

وجندت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي كامل طاقاتها وإمكاناتها ضمن منظومة عمل متكاملة، وبالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، لاستقبال القاصدين وتنظيم حركتهم، وتوجيههم إلى صحن المطاف والمصليات المخصصة، مع مراعاة احتياجات كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة عبر مسارات مهيأة تسهّل تنقلهم.

وامتلأت أروقة المسجد النبوي وساحاته وسطحه، والتوسعات المحيطة به بالمصلين وزائريه، التي حرصت الهيئة على تهيئتها الكاملة، ووضع كل الترتيبات اللازمة للمحافظة على سلامة وراحة المصلين والزائرين، ومساعدتهم في قضاء أوقات مليئة بالذكر والعبادة والراحة والطمأنينة.

وتشهد صلاة التراويح في ليلة ختم القرآن الكريم بالمسجدين «الحرام» و«النبوي» توافداً مبكراً للمتعبدين، حيث تتوافد جموع المصلين منذ ساعات العصر، في انسيابية حركية، وتنظم دقيق، يعكس مستوى العناية براحة القاصدين وسلامتهم.

وهيأت الهيئة لوحات إرشادية مصنفة وفق المواقع، لتيسير وصول المصلين إلى الخدمات والمرافق، إلى جانب تعزيز أعمال النظافة والتعقيم والتعطير باستخدام أحدث المعدات والآليات، وتشغيل دورات المياه بكامل جاهزيتها، وفرش المسجد الحرام بأعداد كبيرة من السجاد، وتوفيرها على المدار الساعة نقاطاً كثيرة لسقيا ماء زمزم، مبردة وغير مبردة.

امتلأت أروقة المسجد النبوي وساحاته وسطحه والتوسعات بالمصلين وزائريه منذ وقت مبكر (واس)

وفي إطار تسهيل الدخول والخروج، عملت الهيئة على تخصيص مداخل لكبار السن وذوي الإعاقة، إلى جانب تكثيف فرق البلاغات لاستقبال الملاحظات، وتوفير المصاحف، والتأكد من كفاءة أنظمة الصوت والتكييف والتهوية، وتشغيل العربات الكهربائية واليدوية عبر تطبيق «تنقل»، وتنظيم عمل دافعي العربات وفق خطط تشغيلية دقيقة.

وعززت الهيئة وجود المراقبين على أبواب المسجد الحرام لتوجيه المصلين، استخدمت فيها شاشات الإلكترونية متعددة اللغات للإرشاد المكاني، بالتكامل مع الجهات الأمنية لتنظيم الحشود، خاصة عند امتلاء المصليات، إضافة إلى تنفيذ خطط متقدمة لأعمال التطهير والتعقيم.

وكثفت الهيئة جهودها الميدانية عبر كوادر مؤهلة للإشراف على تنظيم الساحات والممرات، ومتابعة أعمال النظافة وغسل المسجد الحرام بشكل مستمر، وتهيئة المداخل والممرات، وتنظيم استخدام السلالم الكهربائية، وإرشاد المصلين إلى الأدوار العلوية، والمعتمرين إلى صحن الطواف، مع التأكد من جاهزية أنظمة السلامة وخطط الطوارئ لمواجهة مختلف الظروف.

تعدّ ليلة ختم القرآن من أكثر الليالي ازدحاماً خلال شهر رمضان المبارك (واس)

وجهزت الهيئة السلالم الكهربائية والمصاعد، ورفعت من كفاءة الأنظمة الصوتية والتكييف والإضاءة والتهوية، وصيانة المرافق، وتطبيق أعلى معايير الوقاية البيئية، مع استخدام أنظمة متقدمة لمتابعة الحالة الجوية والتعامل الفوري مع أي مستجدات.

ونفذت الهيئة بالتكامل مع الجهات المعنية خططاً شاملة للإرشاد المكاني، وتخصيص مسارات واضحة في الممرات، ضمن مبادرة «اسألني» التي تقدم خدمات إرشادية ميدانية بعدة لغات، لمساعدة القاصدين وتيسير تنقلهم داخل المسجد الحرام وساحاته.

وأوضح المهندس محمد فقيهي مدير عام خدمات الحشود في هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين بالمسجد النبوي، أن الهيئة تعمل على تعزيز جوانب التكامل بين مختلف الجهات المعنية في خدمة زائر المسجد النبوي، وتكثيف الجهود التنظيمية والخدمية؛ إذ عُزّزت نقاط الإرشاد، وزادت من جاهزية الفرق الميدانية، للتعامل مع مختلف الحالات، لدعم تنفيذ الخطط التشغيلية بسلاسة وكفاءة، بالإضافة إلى الخدمات المساندة لتعزيز راحة المصلين، من خلال توفير مياه الشرب، واستمرار أعمال التطهير، والعناية بالسجاد، وتيسير حركة التنقل والعربات لكبار السن وذوي الإعاقة.

هيأت الهيئة العامة لـ«شؤون الحرمين» بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة منظومة متكاملة من الخدمات لاستقبال المصلين والزائرين (واس)

وتعكس هذه الجهود منظومة تشغيلية متكاملة تُدار وفق معايير عالية من الكفاءة والتنسيق، تُسهم في تمكين جموع المصلين من أداء صلاة التراويح في ليلة الختمة في أجواء يسودها التنظيم والانسيابية والطمأنينة، بما يجسد مستوى العناية المتواصلة بخدمة قاصدي الحرمين الشريفين، ويؤكد جاهزية المنظومة التشغيلية للتعامل مع أعلى معدلات الكثافة بكفاءة واقتدار.

وأكدت الهيئة العامة للعناية بـ«شؤون الحرمين» تسخير جميع إمكاناتها البشرية والتقنية لخدمة ضيوف الرحمن، والعمل وفق أعلى معايير الجودة والكفاءة، بما يحقق تجربة إيمانية ميسّرة وآمنة لقاصدي بيت الله الحرام في هذه الليلة المباركة.


«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
TT

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد مدد» الذي يبدو مثل هتاف روحي يستجلي العادات والتقاليد والقيم الأصيلة ويطلب منها العون.

ويعد الفنان حسن الشرق (1949 - 2022) من أبرز الأسماء المرتبطة بتجربة الفن الفطري في مصر. ذلك النوع من الفن الذي ينتجه فنانون لم يتلقوا تعليماً أكاديمياً تقليدياً في الفنون، بل يطورون لغتهم البصرية انطلاقاً من خبرتهم الحياتية والبيئية التي ينتمون إليها، وفي هذا السياق اكتسبت أعمال الشرق خصوصيتها، إذ استطاع أن يحوّل مفردات الحياة اليومية في الريف المصري إلى عالم بصري غني بالرموز والدلالات.

موتيفات شعبية تقليدية تميز أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يضم المعرض الذي يستضيفه غاليري «خان المغربي» بالقاهرة حتى 19 مارس (آذار) الحالي نحو 40 عملاً للفنان الراحل، تسري فيها روح البيئة الريفية وذاكرتها الشعبية، في حوار بصري مع منحوتات للفنان محمود سالم، واختارت صاحبة الغاليري سهير المغربي عنوان المعرض «مدد مدد» لما يحمله من صدى واضح في الفلكلور الشعبي، وارتباطه بالأجواء الروحية لشهر رمضان الكريم، وعن هذا العنوان تقول لـ«الشرق الأوسط»: «يتردد هذا النداء في حلقات الذكر والمواويل الشعبية بوصفه استدعاء للبركة والدعم الروحي، وهو ما يتناغم مع روح أعمال حسن الشرق التي تستلهم الخيال الشعبي بما يحمله من رموز وأساطير، يطوعها بأسلوبه الفطري الفريد».

أعمال حسن الشرق استلهمت الموروث الشعبي (غاليري خان المغربي)

تستقبل الزائر لوحات يغمرها اللون وتفيض بالحركة، أبطالها شخصيات بشرية وفرسان وطيور تتجاور داخل فضاء زخرفي كثيف، مرسومة بخطوط عفوية تمنح المشهد طاقة نابضة بالحياة، ففي أعمال الشرق تبدو الشخصيات والخيول والطيور وكأنها تتحاور في دينامية مرحة، داخل عالم بصري تتشابك فيه العناصر وتحيط بها موتيفات شعبية تمنحها طابعاً احتفالياً.

في إحدى اللوحات يظهر عازف مزمار يستقل مركباً صغيراً، بينما تتلألأ السماء خلفه بنجوم مزركشة الألوان، كأنها امتداد لعالمه الداخلي العفوي، وتغطي الخلفية زخارف دقيقة ونقاط متكررة، وفي لوحة أخرى تُحلّق شخصياته فوق الخيل، بينما تتوزع حولهم مفردات نباتية وطيور في فضاء جمالي مكثف.

وترى الفنانة والناقدة التشكيلية الدكتورة إنجي عبد المنعم فهيم، أن تجربة حسن الشرق تمثل حالة استثنائية داخل هذا المسار، إذ تقدم رغم فطريتها صياغة بصرية عميقة لفلسفة البقاء والارتباط بالأرض والمخيال الشعبي، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «عبقرية الشرق تكمن في قدرته على الحفاظ على دهشة الطفل، رغم نضجه الفني وتجربته العالمية إذ يرسم الأشياء كما تُدرك في الوجدان لا كما تُرى في الواقع العيني، محولاً المفردات اليومية إلى رموز وجدانية عابرة للزمن».

رقصة المولوية التقليدية ضمن الأعمال المعروضة (غاليري خان المغربي)

وتضيف: «في أعماله التي تُصوّر الفرسان، نجد فكرة القوة والتحام الكيان الإنساني بالحيواني في وحدة وجودية مطلقة، أما الإيقاع الوجودي في فن الشرق فيظهر بوضوح من خلال فلسفة ملء الفراغ حيث تغطي النقاط والزخارف المتكررة مساحات اللوحة، معبرةً عن استمرارية الزمن وتداخل الكائنات، فسر استمرار تجربة حسن الشرق وتأثيرها حتى اليوم يكمن في أصالتها التي تقاوم المحو، ففي عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي يظل فنه يمثل نوعاً من الصدق البشري الخالص، إذ استطاع مخاطبة العالم بلغة بصرية مصرية صميمة صهرت داخلها مواريث الفن المصري القديم والقبطي والإسلامي».

الهدهد يجاور أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

ويتداخل مع لوحات المعرض عدد من المنحوتات للفنان محمود سالم، الذي ترى سهير المغربي أن تجربته تتناغم مع روح المعرض، وتوضح أن سالم «يعمل بروح فطرية في النحت، ويشتغل على ثيمات مصرية خالصة، مستخدماً تقنيات النحت التقليدي بالإزميل، حيث تظهر في أعماله طيور مثل أبو قردان والهدهد، وغيرها من الكائنات المرتبطة بالطبيعة المصرية والتراث الشعبي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الإعلان عن مسلسل «مصطفى محمود» يخطف الاهتمام في مصر

خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
TT

الإعلان عن مسلسل «مصطفى محمود» يخطف الاهتمام في مصر

خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)

بعد أكثر من 15 عاماً على طرح فكرة تقديم عمل درامي يتناول سيرة العالم الراحل الدكتور مصطفى محمود (1921 - 2009)، أعيد طرحها ولكن برؤية تتضمن عرضه في رمضان 2027 على أن يقوم الكاتب محمد هشام عبية بكتابة العمل وتخرجه كاملة أبو ذكري.

وتصدر العمل الذي يعد أول مشروع درامي يعلن تقديمه في رمضان المقبل الاهتمام في مصر، لكثرة العثرات التي واجهتها الفكرة من قبل، بالإضافة لطبيعة أعمال السيرة الذاتية التي عادة ما تكون محل ردود فعل متباينة وترقب لما سيتم تقديمه على الشاشة.

المسلسل الذي تقوم المنتجة مها سليم عبر شركتها بتنفيذه من إنتاج «الشركة المتحدة» و«سعدي - جوهر» حصل صناعه على موافقات رسمية بتوقيعات من ورثة العالم الراحل وهما ابناه أدهم وأمل لتقديم العمل درامياً، مع إنهاء أي تعاقدات سابقة وفق بيان صدر عن المنتجة المصرية.

وأكدت المنتجة أن ورثة الراحل انتهى تعاقدهم الذي يعود لعام 2012 مع المنتج أحمد عبد العاطي، الذي كان يمنحه حق تنفيذ العمل خلال 5 سنوات، لافتة إلى أن الورثة بدأوا منذ عام 2018 توجيه إنذارات عبر المحكمة تفيد بانتهاء جميع الصلاحيات القانونية لأي طرف سابق، مع توجيه إنذار أخير في فبراير (شباط) الماضي.

وأوضحت أن شركتها «فورايفر دراما» حصلت على حقوق العمل من الورثة بالفعل قبل الإعلان عن المشروع، مؤكدة اعتزامهم إصدار بيان توضيحي خلال الأيام المقبلة لتوضيح الحقائق حول المشروع وتفاصيله.

ومن المقرر أن يقدم الفنان خالد النبوي شخصية مصطفى محمود، وقد أشارت إليه منتجة المسلسل في المقطع الدعائي الذي نشرته، وكان النبوي هو بطل المشروع السابق للمسلسل.

من المقطع الترويجي للعمل (يوتيوب)

وقال الناقد خالد محمود إن شخصية «مصطفى محمود» ثرية جداً، وتستحق أن تتحول إلى عمل درامي، لما تحمله من قيمة يمكن أن تقدم نموذجاً مهماً للأجيال الجديدة، لكن التحدي لا يكمن فقط في تقديم القصة، بل في كيفية صياغتها درامياً، بحيث توضح كيف وصل إلى هذه المرحلة وما طبيعة تكوينه، خصوصاً أنها شخصية تجمع بين أنشطة وتجارب متعددة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مثل هذه الشخصيات تغري كثيراً من المؤلفين، لكن الأهم أن يُكتب العمل بطريقة قادرة على جذب الجمهور وتحقيق تفاعل معه، لا سيما وأن أعمال السيرة الذاتية غالباً ما تواجه ردود فعل متباينة، وهو ما يتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة».

وأوضح أن «اختيار البطل عنصر أساسي في نجاح العمل، وخالد النبوي ممثل ذكي ومتحمس لتجسيد الشخصية منذ فترة، وهو أمر إيجابي، لكن الأهم أن يمتلك القدرة على نقل كل المشاعر والتفاصيل الإنسانية الخاصة بالشخصية إلى الجمهور، لأن هذا النوع من الأعمال يعتمد على صدق الأداء وقدرته على التأثير».

شخصية مصطفى محمود ضمن تناول الدراما (إكس)

وأثير جدل «سوشيالي» حول فريق عمل مشروع المسلسل السابق، وعدم الاستعانة بهم في العمل الجديد، الأمر الذي أرجعه الناقد أحمد سعد الدين إلى وجود صور نشرت بالفعل من تحضيرات وتجهيزات للعمل السابق، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «شخصية مصطفى محمود من الشخصيات التي تستحق بالفعل تقديمها درامياً وبأكثر من زاوية للمعالجة».

وأضاف أن ارتباط اسم مصطفى محمود ببرنامج «العلم والإيمان»، الذي يُعد من أنجح البرامج في تاريخ التلفزيون، يضاعف من حجم التوقعات والاهتمام بالعمل، عادّاً أن الإعلان المبكر عن المسلسل قد يسهم في استمرار الجدل لفترة أطول، خصوصاً في ظل عدم بدء التصوير حتى الآن أو الكشف الكامل عن فريق العمل.