الرقة تخلع سواد «داعش»... صوت نسوي يعلو فوق ذكريات أليمة

قصص نجاح 4 إعلاميات سوريات بعد تحرير المدينة

جوري مطر إعلامية تراسل «وكالة أورنينا» للإنتاج الإعلامي
جوري مطر إعلامية تراسل «وكالة أورنينا» للإنتاج الإعلامي
TT

الرقة تخلع سواد «داعش»... صوت نسوي يعلو فوق ذكريات أليمة

جوري مطر إعلامية تراسل «وكالة أورنينا» للإنتاج الإعلامي
جوري مطر إعلامية تراسل «وكالة أورنينا» للإنتاج الإعلامي

تروي 4 إعلاميات من مدينة الرقة، الواقعة أقصى شمال سوريا، قصصاً وحوادث عشنها أيام سيطرة مسلحي تنظيم داعش على مسقط رأسهن سابقاً؛ مشاهد وصوراً يصعب نسيانها كادت تودي بحياة إحداهن، وتبقي ثانية خلف القضبان، وتحرم الأخريين من حياة طبيعية، حيث لازمن البيوت خشية من تعرض مسلحي التنظيم لهن. أما اليوم، فقد حققنّ نجاحات على الصعيد المهني والشخصي، وأصبحن يعملنّ في مجال الإعلام، ويتلقين التشجيع والتأييد من الأهل والأصدقاء والمحيط الاجتماعي.
بات وجود إعلاميات خلال التغطيات الصحافية في مدينة الرقة أمراً طبيعياً، منهن مصورات يقفنّ خلف عدسات الكاميرات، وأخريات يعملن مراسلات، أو بالمجال الفني والتقني، وتشغيل الإضاءة وتحضير غرف الاستديو، وقد تجاهلنّ التحديات التي يواجهنها في المجال الإعلامي، والوظيفي بشكل عام، والقيود التي تفرضها الأسرة والمجتمع على عمل الفتيات.

شجاعة إعلامية لالتقاط صورة
تروي جوري مطر، البالغة من العمر 25 سنة، وهي إعلامية تعمل مراسلة مع «وكالة أورنينا» للإنتاج الإعلامي، حادثة وقعت معها منتصف 2017، وكيف اعتقلت لمدة 3 أيام بتهمة رفع السلاح في وجه عناصر الحسبة النسائية، وكانت عبارة عن شرطة محلية تتبع تنظيم داعش. والحقيقة أنها كانت تسعى لالتقاط صورة عبر هاتفها الجوال لتوثيق آخر يوميات طرد التنظيم المتطرف من بلدها، إذ قالت: «يومها، تحايلت على عناصر الحسبة بأنني أريد تصوير الشارع الذي أمشي فيه يومياً للذكرى فقط، ولكن مسلحات الحسبة لم يقتنعنّ بالرواية، وقلن للمحقق إنني أشهرت السلاح عليهن». وبعد تحقيقات، والتأكد من صحة الصور المخزنة على هاتفها الجوال، وعدم وجود ما يثير الشك والريبة، قامت شخصية بكفالتها، ودفع غرامة مالية، وأفرج عنها شريطة عدم خروجها من المنزل من دون محرم، وقد كتبت تعهداً على نفسها بذلك.
الحادثة شجعت جوري على أن تصبح إعلامية بعد دحر التنظيم، فالتحقت بدوريات إعلامية، واكتسبت المهارة والخبرة. ولدى حديثها إلى جريدة «الشرق الأوسط»، وبالإجابة عن بداية عملها، قالت: «اختلفت طموحاتي قبل 3 سنوات عن اليوم. سابقاً، كان السواد هو المشهد الذي يتحكم بكل مفاصل الحياة. أما اليوم، فقد كُسرت تلك القيود، وأنا أعمل في مجال مهنة تقدم الخدمات لأهلي ومنطقتي».
وقد عمد عناصر «داعش» إلى بث الرعب والخوف في نفوس كل من عاشوا أيام حكمه التي استمرت قرابة 4 سنوات، والمذيعة سارة سليمان، ذات الثلاثين عاماً، كانت إحدى اللواتي تذكرن تلك اللحظات، وقد أجبرت على مشاهدة الإعدامات الميدانية التي ستبقى محفورة في ذاكرتها طوال حياتها، لتقول: «في إحدى المرات، غمر عناصر التنظيم الأراضي الزراعية بريف الرقة بالمياه، ودفعتني الدهشة لأرفع غطاء عيني، لكن عنصراً كان يراقبني، فبقي الخوف والرعب يتملكني لأيام وأسابيع؛ خفت أن يقطعوا رأسي وقتها».
وتخوض سارة اليوم أول تجربة إذاعية لها، وتعمل مذيعة ومقدمة برامج في إذاعة «بيسان إف إم» التي تبث برامجها منذ أبريل (نيسان) 2018، وقد أعربت عن سعادتها بالعمل في راديو سوري يخاطب الجمهور بلهجة ولكنة محلية فراتية، وعلقت قائلة: «أنا أتحدر من الرقة، والإذاعة رقاوية، والجمهور رقاوي، لذلك كانت لديّ رغبة وطموح إلى العمل الإذاعي لمخاطبة الجمهور، فالتنظيم عمد إلى قمع النساء والفتيات، وحرمهن من جميع حقوقهن».

كسر القوالب
تقول الإعلامية سهام المحمد إنّ الحياة الاجتماعية بمدينتها تغيرت بعد سيطرة مسلحي «داعش»، إذ لازمت الفتيات والنساء المنازل، وأصبح خروجهنّ والتنقل أمراً شبه مستحيل في وجود دوريات الحسبة اللواتي كن يقن بتفتيش النساء، وتوجيه كثير من الأسئلة حول سبب خروجهن من المنزل. تتذكر تلك الأيام، لتقول: «أتذكر والدتي وجاراتنا وقريباتي اللاتي كن يخشين على بناتهنّ، وكانت الكارثة إذا طلب مقاتل من التنظيم يد فتاة للزواج، فرفض الأهل؛ يأخذونها بالقوة، ويكون مصير أهلها أما القتل وإما السجن».
وتعمل سهام حالياً في «راديو الرشيد»، وهي إذاعة محلية تتبع المكتب الإعلامي لمجلس الرقة. ومن خلال مراجعة المواطنين، وتعامل زملائها الموظفين، تلقى استجابة ورضا لديهم، وترى أن الحياة تعود تدريجياً. وقد نقلت أنها لاقت مصاعب في بداية عملها، ذكرت منها: «واجهتني كثير من المصاعب لقلة خبرتي، وكون مجال العمل جديداً علي، وهو يتطلب تطوير مواهبي وتقديم الأفضل. كما لم ألقَ التشجيع والتأييد من محيطي الاجتماعي، لا سيما الأهل والأصدقاء».
وبعد متابعة عملها، وإصرارها وتطوير مهارتها، أثبتت للجميع أنها تستحق الاستمرارية، إذ تضيف قائلة: «أثبت شخصيتي واحترامي لدى زملائي بالعمل، وأنا أشعر بالرضا لأنني أقدم الخدمات لأبناء مدينتي؛ تغيرت النظرة، وأحاول تقديم الأفضل من خلال عملي وأدائي».
وانزلقت سوريا إلى حرب أهلية قبل 9 سنوات تسببت بسقوط مئات الآلاف من القتلى، وأحدثت دماراً هائلاً في البنى التحتية، وتعرضت مدينة الرقة، مسقط رأس الإعلامية حلا محمد، للدمار والخراب جراء العمليات العسكرية أثناء القضاء على تنظيم داعش. وتعمل حلا مصورة في «وكالة أورنينا»، ترصد عبر عدسة كاميراتها مشاهد وآثار الحرب التي لا تزال منقوشة على جدران مدينتها، إذ تقول: «بعد الخلاص من (الدواعش)، عادت ألوان الربيع إلى دوار النعيم وحديقة الرشيد وميدان الساعة. قبل سنوات، كانت هذه المناطق تذكر الأهالي بالموت والقصاص والقتل. أما اليوم، فقد خلعت الرقة سواد التنظيم». فقد عادت الشوارع والحارات إلى سابق عهدها، تعج بالناس والزبائن إثر عودة أصحابها، وتمتلئ المقاهي والساحات العامة، لتقوم حلا بتصوير وتوثيق المشاهد اليومية لسكان يعودون لمنازلهم، وباعة جوالين، قائلة: «أحاول عبر عملي تسليط الكاميرا على التغيير الذي يحدث بالرقة، حتى إن كان هذا التغيير بطيئاً غير منتظم»، وتضيف أنها تشاهد حياة جديدة يومياً: «أرى أناساً رجعوا حديثاً، وهي إشارة إلى أن مدينتي الرقة تستعيد عافيتها، والفرات الذي لم تنقطع مياهه سيعود كما كان».

مبادرات رغم التحديات
ظهرت كثير من الإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع والصفحات الإخبارية الخاصة في مدينة الرقة، وتبث 5 إذاعات محلية منها برامجها عَبر مواقع الإنترنت وصفحات السوشيال ميديا، أو موجات «إف إم» مخصصة لجمهور مدينتي الرقة ودير الزور ومناطق شرق الفرات.
ونقلت جوري مطر أن كثيراً من التجارب الإعلامية حققت النجاح بالرقة، وبات الإعلاميات يغطين الموضوعات والتحديات النسائية، وانطلقن إلى مهام أوسع، مثل تغيير المفاهيم السائدة بالمجتمع، عبر العمل والتقارير الميدانية التي تعمل على إعدادها. ومن بين أبرز التحديات التي تواجه عملها «نظرة المجتمع السلبية، وعدم تقبل وجود فتاة إعلامية تحمل كاميرا وتتحرك بحرية، لذا تستغرق وقتاً كثيراً بإعداد تقرير، وإجراء مقابلات، لرفض كثيرين الظهور مع فتاة».
أما سارة سليمان، فأكدت أنها، عبر عملها، تلامس هموم ومعاناة أبناء مدينتها. وأشارت إلى أن سكان الرقة قد عانوا من ويلات الحرب، ودفعوا ثمناً كبيراً للخلاص من دم أبنائهم، حيث قالت: «أعمل بإذاعة محلية مجالها وكل عملها هموم الناس ووجعهم، ونحن نحاول أن نكون أقرب منهم من خلال البرامج المنوعة لأننا نفرح لفرحهم ونحزن لأساهم».
وعدت سهام المحمد أن القيود التي تفرضها الأسرة قد انخفضت على الفتيات الراغبات بالعمل بالمجالين الصحافي والإعلامي، وتعزو السبب إلى أنهن «أثبتن نجاحات في هذا القطاع، وغيره من مجالات العمل الوظيفي، رغم ساعات العمل الطويلة، وانعدام الأمان في بعض مجالات التغطية الإعلامية، وضرورات التنقل والسفر أحياناً».
وأكدت حلا محمد أنها اكتسبت خبرة مهنية من خلال عملها في التصوير، وتعلمت استخدام الكاميرا بشكل احترافي، إذ قالت: «العمل ممتع، وتندمج خلاله في الحياة اليومية. فمن خلال التصوير، وإعداد التقارير الخدمية والاجتماعية، وغيرها من التقارير المنوعة، تتحقق لي الفائدة ويضاف الجديد إلى خبرتي المهنية». كما عبرت عن مشاعرها في ختام حديثها، قائلة: «أن تعمل في رصد معاناة أبناء مدينتك لهو شيء يمنحك الرضا. كما أشعر بالحزن بعد تغطية وإعداد تقرير يتحدث عن أوجاعهم لأنني أحاول نقل غضبهم ومطالبهم».
يذكر أن مدينة الرقة تقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتبلغ مساحتها نحو 27 ألف كيلومتر مربع، وقد خرجت عن سيطرة النظام الحاكم في ربيع 2013، لكن عناصر تنظيم داعش أحكموا قبضتهم عليها نهاية العام نفسه، قبل أن يُطردوا على يد «قوات سوريا الديمقراطية»، بدعم من التحالف الدولي والولايات المتحدة الأميركية، في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، ويديرها اليوم مجلس الرقة المدني الذي يعد بمثابة هيئة حكم محلية.



«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».