دراسات علمية تتقصى مواد الجمال «المسموم»

منتجات للعناية الشخصية والتجميل تعرّض النساء للخطر

دراسات علمية تتقصى مواد الجمال «المسموم»
TT

دراسات علمية تتقصى مواد الجمال «المسموم»

دراسات علمية تتقصى مواد الجمال «المسموم»

في المتوسط، تستخدم المرأة 12 منتجاً مختلفاً للعناية الشخصية والتجميل يومياً، تتنوع ما بين منظفات، وبلسم، وصبغات للشعر، وعطور، ومنتجات للعناية بالبشرة، ومرطبات معطرة، وملمّع أظافر، ومساحيق تجميل وغيرها. وعندما تلقي نظرة على هذه المنتجات، ستجد أمامك مزيجاً واسعاً من المكونات الكيميائية.
كيميائيات ضارة
وربما تفترض أن جميع هذه المكونات جرى اختبارها، وثبت أنها آمنة للاستخدام طويل المدى - لكن هذا غير صحيح.
على المستوى الفيدرالي للولايات المتحدة على الأقل، ليست هناك جهة منوطة بالتحقق من أن المواد الكيميائية التي تضعها على جسدك آمنة. وفي هذا الصدد، أوضحت د. كاثرين إم. ريكسرود، الأستاذة المساعدة بمجال الطب ورئيسة قسم صحة المرأة في كلية هارفارد للطب، أنه «يجري اختبار المنتجات للتأكد من أنها لا تسبب مشكلات على المدى القصير، مثل التهاب الجلد، لكن لا يجري اختبارها فيما يخص السلامة على المدى الطويل». وتتدخل إدارة الغذاء والدواء فقط إذا ما تقدم أشخاص بشكوى فعلية من منتج ما لاشتباههم في أنه سبب أذى لهم. أما قبل ذلك، فإن المسؤولية برمتها تقع على عاتق الشركة المنتجة.
وقالت تامارا جيمس تود، الأستاذة المساعدة لعلم الوبائيات البيئية التناسلية وفترة ما حول الولادة، لدى كلية إتش. تشأن للصحة العامة في جامعة هارفارد، إن «وجود منتج ما على أرفف المتاجر لا يعني بالضرورة أنه آمن». وبالنظر إلى هذا الوضع، يتعين على النساء التوقف لبعض الوقت للنظر فيما يضعنه على أجسادهن يومياً وكيف يمكن له التأثير على صحتهن، حسبما استطردت جيمس تود.
صبغة الشعر وسرطان الثدي
في الواقع ثمة أسباب تدعو للقلق إزاء الكثير من المواد الكيميائية الشائعة في منتجات العناية الشخصية الموجودة بالأسواق اليوم. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن دراسة نشرت عبر شبكة الإنترنت في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) 2019 في «الدورية الدولية للسرطان» International Journal of Cancer خلصت إلى وجود علاقة بين صبغات الشعر والإصابة بسرطان الثدي. وكشفت الدراسة، عن أن النساء اللائي استخدمن صبغة دائمة للشعر مرة واحدة على الأقل خلال 12 شهراً ارتفعت مخاطر إصابتهن بسرطان الثدي بنسبة 9 في المائة عن الأخريات اللائي لم يستخدمن الصبغة. ولدى تحليل القائمين على الدراسة النتائج تبعاً لعامل العرق، وجدوا أن النساء الأميركيات من أصول أفريقية اللائي استخدمن أي صبغة شعر دائمة خلال الـ12 شهراً السابقة واجهن مخاطرة إصابة بسرطان الثدي أعلى بنسبة 45 في المائة عن الأخريات اللائي لم يستخدمن صبغة للشعر. أما مسألة صبغ الشعر عدد مرات أو عدد السنوات التي صبغت خلالها السيدات شعورهن، فلم تظهر أي تأثير ملحوظ على النتيجة.
وفي تعليقها على نتائج الدراسة، قالت جيمس تود إنها لا تراها مثيرة للدهشة، مضيفة «أجرينا دراسة منذ عام خلصت إلى نتائج مشابهة بخصوص صبغات الشعر». وتبعاً للقائمين على الدراسة، فإن بعض منتجات العناية بالشعر تحوي أكثر عن 5000 مادة كيميائية، منها مواد يعرف عنها، أنها تعيق التوازن الهرموني الطبيعي بالجسم أو تسبب السرطان في الحيوانات.
ومع ذلك، فإن بعض الدراسات التي اهتمت بصبغات الشعر في الماضي خلصت إلى نتائج مختلطة، مع توصل بعضها لوجود صلات بين مشكلات صحية واستخدام الصبغة، بينما لم تجد دراسات أخرى أي صلة بين الأمرين.
تحليل نتائج الدراسة
اعتمد القائمون على الدراسة التي نشرت عام 2019 على بيانات من دراسة عرفت باسم «دراسة الأخت» (Sister Study)، والتي شاركت بها أكثر من 50000 سيدة، جميعهن يتمتعن بصحة جيدة وهن وشقيقات لنساء مصابات بالسرطان، تتراوح أعمارهن بين 35 و47 عاماً. استمرت الدراسة منذ عام 2003 حتى عام 2009 واعتمدت على استبيانات جرى تحديثها كل ثلاث سنوات. وتضمنت الاستبيانات أسئلة حول عدد المرات التي تستخدم فيها النساء صبغة الشعر، والألوان المستخدمة وأنواع الصبغة وما إذا كانت دائمة أو شبه دائمة. وعلاوة على ذلك، اعتمدت الدراسة على معلومات جرى تجميعها بخصوص منتجات شعر أخرى، وتحديداً المواد الكيميائية المستخدمة في فرد الشعر. وتجاوز متوسط فترة المتابعة بالدراسة ثماني سنوات بقليل، وتضمن التحليل الحالي معلومات جرى تجميعها خلال عام 2016. وربط التحليل كذلك بين منتجات فرد الشعر وبين ظهور مخاطر أعلى للإصابة بسرطان الثدي. وارتبطت تلك المنتجات بمخاطر أعلى بنسبة 18 في المائة للإصابة بسرطان الثدي في السيدات اللائي استخدمنها خلال الـ12 شهراً السابقة لإجراء الدراسة. وكلما زاد عدد مرات استخدام منتجات فرد الشعر، ارتفعت المخاطر.
وواجهت النساء اللائي استخدمن هذه المنتجات كل فترة امتدت بين خمسة إلى ثمانية أسابيع، مخاطر أعلى بنسبة 31 في المائة للإصابة بسرطان الثدي مقارنة بالأخريات اللائي لا يستخدمن هذه المنتجات. ورغم أن الأميركيات من أصول أفريقية المشاركات بالدراسة كن أكثر احتمالاً لاستخدام منتجات فرد الشعر، فإن معدل ارتفاع المخاطرة جاء متشابها في جميع الأعراق.
ولم يرصد ارتفاع في مخاطر الإصابة بسرطان الثدي بين النساء اللائي استخدمن صبغات شبه دائمة، فيما عدا النساء اللائي استخدمن الصبغات في المنزل. وتكهن باحثون بأن السبب ربما لوجود احتمال أكثر أنهن كن أكثر تعرضا لوصول الصبغة إلى جلودهن، أو استخدام الصبغة في أماكن غير جيدة التهوية، ما يؤدي إلى استنشاقهن كميات كبيرة من المواد الكيميائية.
عوامل جينية وبيئية
من المهم هنا الإشارة إلى أن جميع المشاركات في الدراسة التي أجريت عام 2019 حول صبغات الشعر جرى اعتبارهن في مواجهة مخاطر مرتفعة للإصابة بسرطان الثدي لأن شقيقاتهن مصابات بالمرض ذاته. ويعني ذلك أن النتائج ربما لا تنطبق على المتوسط العام للسكان.
ومع هذا، ترى جيمس تود أنه نظراً لأن هذه الدراسة بعينها ركزت على مجموعة من النساء يواجهن مخاطر إصابة مرتفعة بسبب التاريخ الأسري، فإن من المحتمل ألا يكون معدل المخاطر الأعلى بين الأميركيات من أصول أفريقية نتاجاً لعوامل جينية، وإنما الاحتمال الأكبر أنه يعكس عوامل بيئية، مثل الاختلافات بين المواد الكيميائية المستخدمة في المنتجات التي يجري الترويج لها بين هذه الفئة من النساء.
وفيما مضى، رصد العلماء وجود تركيزات أعلى لمواد كيميائية تعيق التوازن الهرموني بالجسم في منتجات جرى الترويج لها بين الأميركيات من أصول أفريقية، حسبما أفاد القائمون على الدراسة. بجانب ذلك، أشار الباحثون إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان في السنوات الأخيرة بين الأميركيات من أصول أفريقية، واللائي غالباً يجري تشخيصهن بأنماط أشد عدوانية من سرطان الثدي وأكثر احتمالاً لأن يتوفين بسبب هذا المرض.

ضرورة تغيير معايير الجمال

> ربما لا يكون من السهل أن تسمح النساء للشعر بأن يشيب أو يقبلن ظهور تجاعيد بالوجه. لكن ينبغي على النساء التفكير في إحداث تغيراتَ ثقافية. في الواقع، فإن كون المرء بصحة جيدة أمراً جذاباً ورائعاً في حد ذاته، لكن ينبغي للنساء تحدي المعايير الثقافية السائدة حالياً للجمال.
في هذا الصدد، أشارت جيمس تود إلى أن «الأمر يتعلق بضرورة الشعور بالارتياح تجاه هذه التغييرات، وتغيير مفهوم ما هو مقبول ومستساغ». وينبغي أن نبدأ في تعليم أطفالنا والجيل الجديد أنه يتعين على المرء تقبل مراحل حياته المختلفة والامتناع عن محاولة تغييرها».

توجهات للحدّ من استخدام المواد الكيميائية الضارة
> هل يعني ذلك أنه يتعين على السيدات التوقف عن تلوين شعورهن تماماً؟ ترى د. ريكسرود، أنه لا يزال من المبكر للغاية الجزم بذلك. وأضافت «بوجه عام، لا يمكنني نصح الناس بأن يتوقفوا تماماً عن صبغ الشعر بناءً على هذه الدراسة، لكن ارتفاع معدل المخاطر بنسبة 40 في المائة رقم كبير بما يكفي لإثارة القلق». وعليه، فإن من الضروري في الوقت ذاته عدم تجاهل نتائج هذه الدراسة، وثمة حاجة إلى عقد مزيد من الدراسات حول الأمر.
> مخاوف حقيقية. وأضافت د. ريكسرود، أنه فيما يخص المرأة المتوسطة في الدراسة (وهي تلك التي يوجد لديها شقيقة مصابة بالسرطان)، فإن التعرض لصبغات الشعر يزيد مخاطر الإصابة بسرطان الثدي. وبينما هناك عوامل مخاطرة معينة تتعلق بسرطان الثدي لا يمكن التحكم فيها، مثل التاريخ الأسري أو العمر الذي بدأ عنده الحيض، فإن بمقدور أي سيدة اختيار منتجات العناية بالشعر الخاصة بها ومعدل استخدامها.
> تقليص التعرض للمواد الكيميائية. في الوقت الذي يستمر الباحثون في النظر في هذا الأمر، أوضحت جيمس تود ود. ريكسرود، أن هناك خطوات عدة يمكن اتخاذها لتقليل المخاطر المحتملة المرتبطة بمنتجات العناية الشخصية.
- التدقيق في مكونات المنتجات. لدى اختبارك منتجاً ما، عليك إمعان النظر إلى الغلاف للتعرف على المواد الكيميائية التي يحويها، وتحديد ما إذا كان هذا المنتج الذي ترغب في استخدامه. وقد تولت بعض المنظمات، مثل منظمة «إنفيرونمنتال ووركينغ غروب» www.ewg.org غير الهادفة للربح، تحليل الكثير من المنتجات الشائعة وتوفير معلومات بخصوص السلامة المحتملة. وترتب المنظمة بعض منتجات التجميل الشائعة تبعا لتدريج من 1 إلى 10، بدءاً بالمنتجات التي يعتقد بوجه عام أنها آمنة وصولاً إلى تلك التي تفاقم المخاطر المتعلقة بالسلامة، حسبما شرحت جيمس تود. وأضافت «حاول أن تعرف أكبر قدر ممكن من المعلومات بخصوص ما تستخدمه».
- اختيار بدائل آمنة. إذا كانت المنتجات التي تستخدمها حالياً تحوي مواد كيميائية تحمل أضراراً محتملة، عليك التحول إلى خيار آمن إذا توافر أمامك. ولدى «معهد سايلنت سبرينغ» غير الهادف للربح تطبيق على الهاتف الذكي يدعى «ديتوكس مي» Detox Me يمكنك استخدامه داخل المتجر للكشف على الرمز الشريطي (باركود) للمنتجات. وإذا توافر خيار أكثر أمناً، سيخبرك التطبيق. كما يوفر المعهد «طقم ديتوكس مي أكشن» Detox Me Action Kit الذي يمكنك من خلاله إرسال عينة بول لتحليل مستوى تعرضك للمواد الكيميائية والتعرف على مستوياتها لديك مقارنة بآخرين داخل الولايات المتحدة. كما توفر لك الخدمة المرافقة له، أفكاراً حول كيف يمكنك تقليل مستوى تعرضك للمواد الكيميائية.
> التشكيك في مزاعم المنتجات. تعمل الكثير من الشركات على تطوير منتجات أكثر أمناً، لكن تبقى بعض ادعاءات شركات التصنيع مثيرة للشكوك. وتسعى الكثير من الشركات للتخلص من المواد الكيميائية التي ثبت أنها تسبب مشكلات، مثل ثنائي الفينول bisphenol (التي تعيق عمل الهرمونات البشرية)، لكنها ربما تحل محلها مواد كيميائية تسبب مشكلات أخرى. ولذلك؛ أحياناً لا تتوافر منتجات أكثر أمناً في الواقع، وفي بعض الأحيان قد تكون أسوأ عن الأصلية، حسبما شرحت جيمس تود.
> تقليص المنتجات المستخدمة. مع أنه قد يكون من المغري ملء أرفف الحمام بأحدث منتجات البلسم والعناية بالجسم، ربما يكون من الأفضل اتخاذ خيارات أكثر حصافة، وذلك بتقليص المنتجات التي تشتريها على الأساسي فقط كي تقلل تعرضك للمواد الكيميائية. وفي هذا الصدد، قالت جيمس تود «على سبيل المثال، أنا أعشق العطور، لكني لم أعد أستخدمها اليوم».
> استخدام المنتجات الطبيعية. يمكنك إعداد الكثير من وصفات التجميل داخل مطبخك. كل ما عليك البحث عبر الإنترنت عن وصفات للحصول على بشرة ناعمة مثالية والعناية بالشعر، لكن عليك الانتباه أن بعض المنتجات «الطبيعية» للعناية الشخصية قد تحمل هي الأخرى مخاطر صحية. على سبيل المثال، غالباً ما يجري الترويج للزيوت الأساسية essential oils باعتبارها بديلاً للعطور، لكن بعضها، خاصة زيت اللافندر lavender oil وزيت شجرة الشاي tea tree oil لهما خصائص إستروجينية يمكن أن تحمل بعض المخاطر الصحية التي تحملها العطور المتخمة بالعناصر الكيميائية، حسبما شرحت جيمس تود. وعليه، فإن العناصر الطبيعية ليست بالضرورة أكثر أماناً.
وأوجزت د. ريكسرود الرسالة الأساسية في أنه «ينبغي للنساء التفكير بحرص في المنتجات التي يستخدمنها. وأعتقد أنه يتعين عليهن المطالبة بكشف مزيد من المعلومات المتعلقة بسلامتهن».

- رسالة هارفارد «مراقبة صحة المرأة»، خدمات «تريبيون ميديا»



في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس
TT

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس

يقول المدرسون إنهم يرغبون في تمكين طلاب المرحلة الثانوية من قيادة الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يكونوا مجرد مُتلقّين تُسيّرهم برامج الدردشة الآلية.

وفي الجلسة الأولى من دورة جديدة في الذكاء الاصطناعي أقيمت هذا الشهر لطلاب الصف الثاني عشر في «مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك، لم يطرح أي شيء عن الذكاء الاصطناعي بل إنها خُصصت للذكاء البشري... بشكلٍ كامل.

كان واجب الطلاب: مُقارنة أوقات تصفّحهم السلبي لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي يُديرها الذكاء الاصطناعي، مع أوقات اختيارهم المُباشر للفيديوهات أو نتائج بحث «غوغل» التي يرغبون هم في مُشاهدتها.

«هل تُسيّر التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟»

«هل تُسيّر أنت التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟» هكذا طُرح السؤال من خلال شريحة عرض (سلايد) على السبورة البيضاء في مدرسة واشنطن بارك الثانوية.

وفي نقاشٍ صفّيٍّ تلا ذلك، قال طالبٌ يُدعى أدريان فاريل، 18 عاماً، إنه سيطر على الذكاء الاصطناعي من خلال طلبه من برنامج دردشة آلي مُراجعة واجباته المنزلية في الرياضيات للتأكّد من دقّتها. بينما قالت الطالبة بريانا بيريز، البالغة من العمر 18 عاماً، إنها دخلت في «وضع الراكب» عند استخدام ميزة «دي جي الذكاء الاصطناعي» في موقع «سبوتيفاي». وأضافت: «إنها تشغل موسيقاي المفضلة، فلا داعي لتغييرها».

«مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك

«محو أمية الذكاء الاصطناعي» - مادة تعليمية

تسعى المدارس في جميع أنحاء الولايات المتحدة جاهدةً لإدخال مادة جديدة: معرفة (محو أمية) الذكاء الاصطناعي A.I. literacy. وفيما يسميها بعض التربويين «رخصة قيادة» للذكاء الاصطناعي، تهدف الدروس الجديدة إلى تعليم الطلاب كيفية فحص أحدث الأدوات التقنية واستخدامها بمسؤولية. ويقول المعلمون إنهم يريدون إعداد الشباب للتعامل مع عالم يتشكل بشكل متزايد بفعل الذكاء الاصطناعي، حيث تقوم برامج الدردشة الآلية بتأليف نصوص تبدو كأنها من صنع البشر، فيما يستخدم أصحاب العمل الخوارزميات للمساعدة في تقييم المرشحين للوظائف.

برامج ذكية في المناهج الدراسية

ويركز بعض المدارس على برامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، حيث تعلم الطلاب كيفية استخدام مساعد غوغل «جيميناي» أو مساعد مايكروسوفت «كوبايلوت». بينما تقوم مدارس أخرى بإدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية. وبوصفه موضوعاً جديداً في المناهج الدراسية، تتناول الدروس التداعيات المجتمعية مثل انتشار الصور العارية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهي الظاهرة المعروفة باسم «التزييف العميق».

تحسين التعليم أم تدميره؟

تزداد دروس الذكاء الاصطناعي شيوعاً في المدارس مع احتدام الجدل حول ما إذا كانت برامج الدردشة الآلية ستُحسّن التعليم أم ستُدمّره. يقول المؤيدون إن على المدارس أن تُعلّم الشباب سريعاً استخدام الذكاء الاصطناعي وأنه ضروري لدعم تعلّمهم، وإعدادهم للوظائف، ومساعدة الولايات المتحدة على منافسة الصين. وفي العام الماضي، أصدر الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يحثّ المدارس على تدريس «أساسيات الذكاء الاصطناعي» بدءاً من رياض الأطفال.

في مقابل ذلك يُحذر باحثون في مجال التعليم من أن برامج الدردشة الآلية قد تُلفّق المعلومات، وتُسهّل الغش، وتُضعف التفكير النقدي. ووجدت دراسة حديثة أجرتها مطبعة جامعة كمبردج و«مايكروسوفت للأبحاث» أن الطلاب الذين دوّنوا ملاحظات على النصوص كانوا أكثر فهماً للقراءة من الطلاب الذين تلقوا مساعدة من برامج الدردشة الآلية.

مؤسسة «برومينغز» أصدرت تقريراً الشهر الماضي حول أخطار الذكاء الاصطناعي

مخاطر الذكاء الاصطناعي أكبر من فوائده

في الوقت الراهن، «تفوق مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم فوائده»، هذا ما خلصت إليه مؤسسة بروكينغز Brookings Institution الشهر الماضي في تقرير حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس.

موقف وسط

في خضمّ هذا الجدل، تتخذ مدارس مثل مدرسة واشنطن بارك الثانوية موقفاً وسطاً، إذ تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان سيارة، وتساعد الطلاب على وضع قواعد لاستخدامه.

وشبّه مايك تاوبمان، 45 عاماً، وهو مُدرّس استكشاف المسارات المهنية، الذي شارك في تطوير منهج محو الأمية الجديد في المدرسة، هذه الحصة الدراسية بتحضير المراهقين لاختبار رخصة القيادة.

وتساءل تاوبمان: «إلى أين تريدون الوصول؟ وهل يُمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتكم على ذلك؟». وأضاف أن الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل وظائفها، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

وتابع: «ما القوانين والقواعد والمعايير التي يجب أن تُطبّق على الذكاء الاصطناعي في مدينتي وبلدي؟».

المدرسان مايك تاوبمان وسكوت كيرن

تجربة مدرسية

يخدم مبنى واشنطن بارك، وهو مبنى من أربعة طوابق بواجهة من الطوب الأحمر في وسط نيوآرك، نحو 900 طالب في المرحلة الثانوية. وهو جزء من شبكة مدارس أنكومون، وهي شبكة مدارس مستقلة في شمال شرقي الولايات المتحدة الأميركية تركز على إعداد الطلاب للجامعة والمسارات المهنية.

وقد ابتكر تاوبمان مع سكوت كيرن، مدرس التاريخ الأميركي، فكرة المقرر الدراسي الاختياري الجديد حول الذكاء الاصطناعي. وكان كلاهما قد أدخل أدوات ومواضيع الذكاء الاصطناعي في مقرراتهما الدراسية.

وشارك كيرن، البالغ من العمر 45 عاماً، أخيراً في برنامج «بلاي لاب Playlab»، وهي منظمة غير ربحية تساعد المعلمين على إنشاء تطبيقات ذكاء اصطناعي مخصصة لمقرراتهم الدراسية. ولمساعدة طلابه على صقل مهاراتهم في الكتابة الجدلية، طوَّر كيرن روبوتات محادثة لصفوف التاريخ الأميركي بناءً على مواد المقرر الدراسي وتقييمات الطلاب. كما وضع إرشادات واضحة للطلاب حول متى يجب استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي ومتى يجب تجنب استخدامها.

مناقشة تاريخية اصطناعية-بشرية

وفي تجربة صفّية درّس السيد كيرن جانباً دراسياً متقدماً في تاريخ الولايات المتحدة حول أحداث شغب شيكاغو العرقية، وهي احتجاجات عنيفة اندلعت إثر مقتل مراهق أسود عام 1919. في البداية، طلب من الطلاب قراءة قصاصات صحافية قديمة ووثائق تاريخية أخرى. ثم أدار نقاشاً صفّياً حول الاتجاهات الأوسع التي أسهمت في تأجيج التوترات.

بعد ذلك، طلب السيد كيرن من الطلاب تخصيص بضع دقائق لوصف السبب الرئيسي للشغب لبرنامج دردشة آلي كان قد أنشأه خصيصاً لهذا الفصل.

وبعد بضع دقائق أخرى، أخبر كيرن الطلاب أن وقتهم مع الروبوت قد انتهى، واستأنف نقاش الصف. وأكد أن التعلم الأساسي للطلاب يجب أن يبقى نشاطاً خالياً من الذكاء الاصطناعي. وقال كيرن: «في أي وقت نرغب فيه أن يتفاعل الطلاب بعضهم مع بعض أو أن يمارسوا التفكير النقدي الأولي، لا أريد أبداً أن يتدخل الذكاء الاصطناعي أو أي نوع من التكنولوجيا المشابهة في ذلك».

وفي قسم آخر من المدرسة، كان تاوبمان يُدرّس دورة استكشاف المسارات المهنية. وقد طوّر مجموعة متنوعة من برامج الدردشة الآلية لمحاكاة المسارات المهنية لطلابه.

«رخصة قيادة» الذكاء الاصطناعي

وأقرّ كيرن وتاوبمان بأن تعبير «رخصة القيادة: الذي استخدموه له حدود. إذ سيعاني الطلاب من صعوبات اتخاذ قرارات مدروسة بشأن مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية... حتى الحين الذي سيتم فيه تزويد ​​برامج الدردشة الآلية بآليات حماية مُدمجة تُشبه أحزمة الأمان والوسائد الهوائية.

وقال كيرن إنه يأمل أن يتمكن الطلاب يوماً ما من «التأثير في بناء هذه الأدوات بطريقة أفضل وأكثر عدلاً وأكثر مراعاةً للبيئة مما هو موجود الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز».


استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»
TT

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية.

تضاعف استخدام الذكاء الاصطناعي

وأفاد استطلاع «بيو» في تقرير نُشر أمس الثلاثاء أن 54 في المائة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً قالوا إنهم استخدموا برنامج دردشة آلية مثل «تشات جي بي تي» أو«كوبايلوت» لمهام مثل البحث عن الواجبات المدرسية أو حل مسائل الرياضيات.

وكان 26 في المائة من المراهقين الأميركيين أفادو عام 2024 أنهم استخدموا «تشات جي بي تي» في واجباتهم المدرسية، وذلك وفقاً لدراسة سابقة أجراها «مركز بيو» سألت تحديداً عن استخدامهم لهذا البرنامج. وقد مثل هذا زيادة مضاعفة مقارنةً بعام 2023، حيث أفاد 13 في المائة فقط من الطلاب باستخدامهم برنامج «جي بي تي» للمساعدة في دراستهم، وفقاً لنفس المركز.

تنفيذ الواجبات المدرسية

وخلص التقرير الحديث واستناداً إلى استطلاع شمل 1458 مراهقاً وأولياء أمورهم في خريف العام الماضي، إلى وجود تباين في استخدام الذكاء الاصطناعي بين المراهقين بشكل كبير. فبينما قال 44 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي في «بعض» أو «قليل» من واجباتهم المدرسية، قال 10 في المائة إنهم لجأوا إلى برامج الدردشة الآلية للحصول على المساعدة في جميع أو معظم واجباتهم المدرسية.

وقالت كولين ماكلين، الباحثة الرئيسية في مركز بيو والمشاركة في إعداد الدراسة: «نلاحظ بوضوح أن استخدام برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الواجبات المدرسية أصبح ممارسة شائعة بين المراهقين».

جدل محتدم

وتأتي هذه النتائج وسط جدل وطني محتدم حول انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، القادرة على إنتاج نصوص تبدو وكأنها من صنع الإنسان، وإنشاء صور واقعية، وتطوير تطبيقات.

يقول المؤيدون إن على المدارس تعليم الطلاب استخدام وتقييم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعداد الشباب لمتطلبات سوق العمل المتغيرة. بينما يحذر المنتقدون من أن هذه الروبوتات قد تنشر معلومات مضللة، وتضلل الطلاب، وتقوض التفكير النقدي، وتؤدي إلى إيذاء النفس، وتسهل الغش.

تعويق التفكير النقدي للطلاب

تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن روبوتات الدردشة قد تعيق التفكير النقدي وتؤثر سلباً على التعلم. ففي إحدى الدراسات التي أجرتها دار نشر جامعة كامبريدج والتقييم بالتعاون مع «مايكروسوفت للأبحاث» حول فهم النص المقروء، أظهر الطلاب الذين طُلب منهم تدوين الملاحظات دون استخدام روبوتات الدردشة فهماً أفضل للنص المقروء مقارنةً بالطلاب الذين طُلب منهم استخدامها لفهم النصوص.

التعلم والترفيه

طرح باحثو مركز بيو للأبحاث أسئلة متنوعة على المراهقين حول آرائهم واستخدامهم للذكاء الاصطناعي. وتُظهر النتائج أن العديد من الشباب يستخدمون روبوتات الدردشة كمنصات متعددة الأغراض للتعلم والترفيه والحصول على النصائح والتواصل الاجتماعي.

وقال 47 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا روبوتات الدردشة للتسلية، بينما قال 42 في المائة إنهم استخدموها لتلخيص المحتوى. وقالت نسبة أقل، 12 في المائة، إنهم استخدموها للحصول على النصائح أو الدعم النفسي.

كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي

وسلّط ​​التقرير الضوء أيضاً على كيفية استخدام المراهقين لأدوات الذكاء الاصطناعي في دراستهم.

وقال ما يقرب من نصف المراهقين إنهم استخدموا برامج الدردشة الآلية لأغراض البحث، بينما استخدم أكثر من 40 في المائة منهم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل مسائل الرياضيات. وأفاد أكثر من ثلثهم بأنهم استخدموا هذه البرامج لتحرير كتاباتهم.

الغشّ «بشكل متكرر»

ولم يتطرق الاستطلاع إلى سؤال الطلاب عما إذا كانوا قد استخدموا برامج الدردشة الآلية لكتابة المقالات أو إنشاء واجبات أخرى، وهي أنواع الغش التي حذَّر منها المعلمون في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لكن ما يقرب من 60 في المائة من المراهقين أخبروا مركز بيو للأبحاث أن طلاباً في مدارسهم يستخدمون برامج الدردشة الآلية للغش «بشكل متكرر» أو «بشكل متكرر إلى حد ما».

وذكر التقرير أن النتائج تشير إلى أن المراهقين يعتقدون أن «الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها
TT

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

يجلس الرئيس التنفيذي في غرفة اجتماعات، محدقاً في عروض استراتيجية أُعدّت بين عشية وضحاها بواسطة الذكاء الاصطناعي: إنها تقدم التحليل الدقيق، والتوصيات الواثقة، والأرقام المتناسقة... ومع ذلك، ثمة شعورٌ بعدم الارتياح؛ إذ يبدو الأمر مثالياً أكثر من اللازم، كما كتب جيف بيرنغهام (*).

الذكاء الاصطناعي أضحى أقوى أدوات الإدارة

أصبحت هذه اللحظة شائعة بشكل متزايد بين القادة. فالذكاء الاصطناعي اليوم يُعدّ من أقوى أدوات الإدارة على الإطلاق. بإمكانه تحليل الأسواق في ثوانٍ، واكتشاف أنماطٍ يعجز أي فريق بشري عن رصدها، ووضع خططٍ عند الطلب.

وبالنسبة للكثير من المديرين التنفيذيين، بات الذكاء الاصطناعي ضرورياً لا غنى عنه. ولكن مع تزايد انتشاره بوتيرة غير مسبوقة، يبرز سؤالٌ خفيّ داخل المؤسسات: كيف نضمن تركيز الذكاء الاصطناعي على ازدهار الإنسان؟

«الذكاء يتوسع»... والحكمة لا تتوسع

يتفوق الذكاء الاصطناعي في الذكاء. فهو يكتشف الأنماط، ويتنبأ بالنتائج، ويُحسّن الكفاءة. أما ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، فهو الحكمة السياقية: القدرة على فهم أهمية القرار (في سياق الأمور)، وكيف سيؤثر عاطفياً وثقافياً، وما الذي يعززه بمرور الوقت.

لم تكن القيادة يوماً تعني امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل لطالما كانت تعني تحديد الأولويات عند تضارب المعلومات.

في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي، حيث يُتداول الذكاء بصفته منتجاً، يواجه القادة إغراءً خفياً لتفويض الحكم إلى جهات خارجية. فعندما تبدو لوحات المعلومات دقيقة والتوصيات موضوعية، قد يجري الخلط بسهولة بين التحسين وبين الحكمة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تزداد مسؤولية القادة عنها:

- كيف يؤثر هذا على الأشخاص الأعزاء الذين أعتني بهم؟

- ما القيم التي تحرك هذا القرار؟

- هل يعكس هذا القرار نوع العالم الذي نسعى لبنائه معاً؟

هذه ليست أسئلة حسابية، بل هي أسئلة إنسانية.

الخطر الحقيقي: القيادة المتخلية

يركز جزء كبير من النقاش العام حول مخاطر الذكاء الاصطناعي على التحيز أو سوء الاستخدام. وهذه المخاوف حقيقية. لكن داخل المؤسسات، يبرز خطرٌ خفيّ: إسناد التفكير الذي يؤثر على البشر إلى «الآلة».

عندما يُفرط القادة في الاعتماد على توصيات الذكاء الاصطناعي، فإنهم يفقدون تدريجياً ثقتهم في حكمهم. ويتحول دور القيادة من فهم الأمور إلى مراقبة النظام. ثم تتوقف فِرق العمل عن النقاش، ويتوقف القادة عن تفسير الواقع ويبدأون في التحقق من صحة النتائج.

النتيجة ليست قيادة أفضل، بل قيادة أضعف... إذ ومع مرور الوقت، يظهر هذا في صورة انحراف ثقافي، ونقاط ضعف أخلاقية، وانفصال الموظفين، وفقدان الثقة، خاصةً في أوقات مثل تسريح العمال، أو إعادة الهيكلة، أو التحولات الاستراتيجية الكبرى. عندما يعجز القادة عن شرح أسباب اتخاذ قرار ما بوضوح، يشعر الموظفون بأنهم مُوجَّهون بدلاً من أن يكونوا مُقادين.

القادة الأقوياء

القادة الأقوياء لا يكتفون باتخاذ القرارات، بل يشرحون أهميتها. إنهم يربطون القرارات بمعناها وبالقيم المشتركة. إنهم يساعدون فرق العمل على فهم كيف تتناسب خيارات اليوم مع مسار التحول والتطور البشري الأوسع.

يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح حلول، لكن البشر وحدهم من يستطيعون صياغة المعنى.

لماذا أصبح الوضوح مهارة قيادية أساسية؟

في عالمٍ مُتشبّع بالذكاء الاصطناعي، يُضاعف الوضوح من قوة التأثير... وضوح بشأن الغاية...وضوح بشأن القيم... وضوح بشأن ما لا يجب تحسينه.

أي ببساطة: الوضوح هو تحديد ما ترفض السماح للذكاء الاصطناعي بتحسينه.

سيسعى الذكاء الاصطناعي بكل سرور إلى التحسين من أجل السرعة والكفاءة والتفاعل أو خفض التكاليف. ولن يسأل عما إذا كانت هذه التحسينات تُضعف الثقة أو الإبداع أو المرونة أو التماسك على المدى الطويل. يجب على القادة أن يفعلوا ذلك. لهذا السبب؛ أصبح الوضوح، وليس الكاريزما أو الخبرة التقنية، إحدى أهم القدرات القيادية في العقد المقبل.

رؤية واستبصار

يُتيح الوضوح للقادة:

- وضع حدود لكيفية ومكان استخدام الذكاء الاصطناعي.

- وضع إطار لرؤى الذكاء الاصطناعي ضمن السياق الإنساني.

- تحديد متى يجب أن تُضحّي الكفاءة المطلوبة بالأخلاق.

- حماية الإبداع حيث يُمكن للتحسين أن يُطغى عليه.

ومن دون الوضوح، يُخاطر القادة بأن يصبحوا مُتفاعلين مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يكونوا مسؤولين عن النتائج الإنسانية.

كيف يستخدم القادة الفعالون الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد عليه؟

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل توظيفه بالشكل الأمثل في ممارسات القيادة.

وهناك ثلاثة مبادئ تساعد القادة على تحقيق ذلك:

- التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته مستشاراً، لا سلطة مطلقة.

- استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الخيارات، واختبار الافتراضات، ودراسة السيناريوهات، مع التأكيد على أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان. عملياً، يعني هذا أن يتخذ القادة قراراتهم بكلماتهم الخاصة، لا بالاعتماد على خوارزمية.

- التأني في اللحظات الحاسمة.

عندما تؤثر القرارات على الأفراد، أو الثقافة، أو الهوية (التوظيف، التسريح، تغيير الاستراتيجية، القيم)، توقف. لا تسأل فقط «ماذا تشير إليه البيانات؟»، بل «ماذا يعكس هذا القرار عن هويتنا؟».

الاستثمار في الحكمة... لا مجرد الإلمام بالذكاء الاصطناعي

مهارات الذكاء الاصطناعي مهمة، لكن مهارات الحكمة أهم. فالمنظمات الناجحة يقودها أشخاص مدربون على التفكير الأخلاقي، والمنهجي، والتعبير عن القيم تحت الضغط، لا مجرد تشغيل الأدوات بكفاءة.

المعنى هو ميزة القيادة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي منافستها.

وفي لحظات عدم اليقين، لا يتطلع الناس إلى القادة للحصول على تنبؤات مثالية، بل يبحثون عن التوجيه.

إنهم يريدون معرفة: ما هو المهم الآن؟ على ماذا يجب أن أركز؟ كيف يرتبط عملي بشيء ذي معنى؟

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفير هذا التوجيه، بينما تستطيع القيادة ذلك. مع تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، يصبح المعنى أكثر ندرة وقيمة. القادة الذين يوفرون الوضوح وسط التعقيد، والغاية وسط التسارع لا يبنون ثقافات أفضل فحسب، بل يقودون ابتكاراً أقوى، ومرونة تنظيمية أكبر، وخلق قيمة طويلة الأجل.

كل تحول تكنولوجي يعيد تشكيل القيادة

كل تحول تكنولوجي يُعيد تشكيل القيادة، وهذا التحول الجديد ليس استثناءً.

لكن الحقيقة الأساسية تبقى ثابتة: القيادة لا تتعلق بمعرفة المزيد، بل برؤية أوضح وممارسة الحكمة تحت الضغط.

سيستمر الذكاء الاصطناعي في التطور، وستتوسع قدراته، وستتحسن أدواته. ما يجب أن يتعمق بالتوازي مع ذلك هو قدرة القيادة البشرية على الوضوح، والحكمة، وصنع المعنى؛ لأنّ القادة الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي لن يكونوا أولئك الذين يعتمدون على أذكى الآلات، بل سيكونون أولئك الذين يتذكرون بحكمةٍ معنى الإنسانية أثناء استخدامهم لها.

* مجلة «فاست كومباني»