دراسات علمية تتقصى مواد الجمال «المسموم»

منتجات للعناية الشخصية والتجميل تعرّض النساء للخطر

دراسات علمية تتقصى مواد الجمال «المسموم»
TT

دراسات علمية تتقصى مواد الجمال «المسموم»

دراسات علمية تتقصى مواد الجمال «المسموم»

في المتوسط، تستخدم المرأة 12 منتجاً مختلفاً للعناية الشخصية والتجميل يومياً، تتنوع ما بين منظفات، وبلسم، وصبغات للشعر، وعطور، ومنتجات للعناية بالبشرة، ومرطبات معطرة، وملمّع أظافر، ومساحيق تجميل وغيرها. وعندما تلقي نظرة على هذه المنتجات، ستجد أمامك مزيجاً واسعاً من المكونات الكيميائية.
كيميائيات ضارة
وربما تفترض أن جميع هذه المكونات جرى اختبارها، وثبت أنها آمنة للاستخدام طويل المدى - لكن هذا غير صحيح.
على المستوى الفيدرالي للولايات المتحدة على الأقل، ليست هناك جهة منوطة بالتحقق من أن المواد الكيميائية التي تضعها على جسدك آمنة. وفي هذا الصدد، أوضحت د. كاثرين إم. ريكسرود، الأستاذة المساعدة بمجال الطب ورئيسة قسم صحة المرأة في كلية هارفارد للطب، أنه «يجري اختبار المنتجات للتأكد من أنها لا تسبب مشكلات على المدى القصير، مثل التهاب الجلد، لكن لا يجري اختبارها فيما يخص السلامة على المدى الطويل». وتتدخل إدارة الغذاء والدواء فقط إذا ما تقدم أشخاص بشكوى فعلية من منتج ما لاشتباههم في أنه سبب أذى لهم. أما قبل ذلك، فإن المسؤولية برمتها تقع على عاتق الشركة المنتجة.
وقالت تامارا جيمس تود، الأستاذة المساعدة لعلم الوبائيات البيئية التناسلية وفترة ما حول الولادة، لدى كلية إتش. تشأن للصحة العامة في جامعة هارفارد، إن «وجود منتج ما على أرفف المتاجر لا يعني بالضرورة أنه آمن». وبالنظر إلى هذا الوضع، يتعين على النساء التوقف لبعض الوقت للنظر فيما يضعنه على أجسادهن يومياً وكيف يمكن له التأثير على صحتهن، حسبما استطردت جيمس تود.
صبغة الشعر وسرطان الثدي
في الواقع ثمة أسباب تدعو للقلق إزاء الكثير من المواد الكيميائية الشائعة في منتجات العناية الشخصية الموجودة بالأسواق اليوم. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن دراسة نشرت عبر شبكة الإنترنت في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) 2019 في «الدورية الدولية للسرطان» International Journal of Cancer خلصت إلى وجود علاقة بين صبغات الشعر والإصابة بسرطان الثدي. وكشفت الدراسة، عن أن النساء اللائي استخدمن صبغة دائمة للشعر مرة واحدة على الأقل خلال 12 شهراً ارتفعت مخاطر إصابتهن بسرطان الثدي بنسبة 9 في المائة عن الأخريات اللائي لم يستخدمن الصبغة. ولدى تحليل القائمين على الدراسة النتائج تبعاً لعامل العرق، وجدوا أن النساء الأميركيات من أصول أفريقية اللائي استخدمن أي صبغة شعر دائمة خلال الـ12 شهراً السابقة واجهن مخاطرة إصابة بسرطان الثدي أعلى بنسبة 45 في المائة عن الأخريات اللائي لم يستخدمن صبغة للشعر. أما مسألة صبغ الشعر عدد مرات أو عدد السنوات التي صبغت خلالها السيدات شعورهن، فلم تظهر أي تأثير ملحوظ على النتيجة.
وفي تعليقها على نتائج الدراسة، قالت جيمس تود إنها لا تراها مثيرة للدهشة، مضيفة «أجرينا دراسة منذ عام خلصت إلى نتائج مشابهة بخصوص صبغات الشعر». وتبعاً للقائمين على الدراسة، فإن بعض منتجات العناية بالشعر تحوي أكثر عن 5000 مادة كيميائية، منها مواد يعرف عنها، أنها تعيق التوازن الهرموني الطبيعي بالجسم أو تسبب السرطان في الحيوانات.
ومع ذلك، فإن بعض الدراسات التي اهتمت بصبغات الشعر في الماضي خلصت إلى نتائج مختلطة، مع توصل بعضها لوجود صلات بين مشكلات صحية واستخدام الصبغة، بينما لم تجد دراسات أخرى أي صلة بين الأمرين.
تحليل نتائج الدراسة
اعتمد القائمون على الدراسة التي نشرت عام 2019 على بيانات من دراسة عرفت باسم «دراسة الأخت» (Sister Study)، والتي شاركت بها أكثر من 50000 سيدة، جميعهن يتمتعن بصحة جيدة وهن وشقيقات لنساء مصابات بالسرطان، تتراوح أعمارهن بين 35 و47 عاماً. استمرت الدراسة منذ عام 2003 حتى عام 2009 واعتمدت على استبيانات جرى تحديثها كل ثلاث سنوات. وتضمنت الاستبيانات أسئلة حول عدد المرات التي تستخدم فيها النساء صبغة الشعر، والألوان المستخدمة وأنواع الصبغة وما إذا كانت دائمة أو شبه دائمة. وعلاوة على ذلك، اعتمدت الدراسة على معلومات جرى تجميعها بخصوص منتجات شعر أخرى، وتحديداً المواد الكيميائية المستخدمة في فرد الشعر. وتجاوز متوسط فترة المتابعة بالدراسة ثماني سنوات بقليل، وتضمن التحليل الحالي معلومات جرى تجميعها خلال عام 2016. وربط التحليل كذلك بين منتجات فرد الشعر وبين ظهور مخاطر أعلى للإصابة بسرطان الثدي. وارتبطت تلك المنتجات بمخاطر أعلى بنسبة 18 في المائة للإصابة بسرطان الثدي في السيدات اللائي استخدمنها خلال الـ12 شهراً السابقة لإجراء الدراسة. وكلما زاد عدد مرات استخدام منتجات فرد الشعر، ارتفعت المخاطر.
وواجهت النساء اللائي استخدمن هذه المنتجات كل فترة امتدت بين خمسة إلى ثمانية أسابيع، مخاطر أعلى بنسبة 31 في المائة للإصابة بسرطان الثدي مقارنة بالأخريات اللائي لا يستخدمن هذه المنتجات. ورغم أن الأميركيات من أصول أفريقية المشاركات بالدراسة كن أكثر احتمالاً لاستخدام منتجات فرد الشعر، فإن معدل ارتفاع المخاطرة جاء متشابها في جميع الأعراق.
ولم يرصد ارتفاع في مخاطر الإصابة بسرطان الثدي بين النساء اللائي استخدمن صبغات شبه دائمة، فيما عدا النساء اللائي استخدمن الصبغات في المنزل. وتكهن باحثون بأن السبب ربما لوجود احتمال أكثر أنهن كن أكثر تعرضا لوصول الصبغة إلى جلودهن، أو استخدام الصبغة في أماكن غير جيدة التهوية، ما يؤدي إلى استنشاقهن كميات كبيرة من المواد الكيميائية.
عوامل جينية وبيئية
من المهم هنا الإشارة إلى أن جميع المشاركات في الدراسة التي أجريت عام 2019 حول صبغات الشعر جرى اعتبارهن في مواجهة مخاطر مرتفعة للإصابة بسرطان الثدي لأن شقيقاتهن مصابات بالمرض ذاته. ويعني ذلك أن النتائج ربما لا تنطبق على المتوسط العام للسكان.
ومع هذا، ترى جيمس تود أنه نظراً لأن هذه الدراسة بعينها ركزت على مجموعة من النساء يواجهن مخاطر إصابة مرتفعة بسبب التاريخ الأسري، فإن من المحتمل ألا يكون معدل المخاطر الأعلى بين الأميركيات من أصول أفريقية نتاجاً لعوامل جينية، وإنما الاحتمال الأكبر أنه يعكس عوامل بيئية، مثل الاختلافات بين المواد الكيميائية المستخدمة في المنتجات التي يجري الترويج لها بين هذه الفئة من النساء.
وفيما مضى، رصد العلماء وجود تركيزات أعلى لمواد كيميائية تعيق التوازن الهرموني بالجسم في منتجات جرى الترويج لها بين الأميركيات من أصول أفريقية، حسبما أفاد القائمون على الدراسة. بجانب ذلك، أشار الباحثون إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان في السنوات الأخيرة بين الأميركيات من أصول أفريقية، واللائي غالباً يجري تشخيصهن بأنماط أشد عدوانية من سرطان الثدي وأكثر احتمالاً لأن يتوفين بسبب هذا المرض.

ضرورة تغيير معايير الجمال

> ربما لا يكون من السهل أن تسمح النساء للشعر بأن يشيب أو يقبلن ظهور تجاعيد بالوجه. لكن ينبغي على النساء التفكير في إحداث تغيراتَ ثقافية. في الواقع، فإن كون المرء بصحة جيدة أمراً جذاباً ورائعاً في حد ذاته، لكن ينبغي للنساء تحدي المعايير الثقافية السائدة حالياً للجمال.
في هذا الصدد، أشارت جيمس تود إلى أن «الأمر يتعلق بضرورة الشعور بالارتياح تجاه هذه التغييرات، وتغيير مفهوم ما هو مقبول ومستساغ». وينبغي أن نبدأ في تعليم أطفالنا والجيل الجديد أنه يتعين على المرء تقبل مراحل حياته المختلفة والامتناع عن محاولة تغييرها».

توجهات للحدّ من استخدام المواد الكيميائية الضارة
> هل يعني ذلك أنه يتعين على السيدات التوقف عن تلوين شعورهن تماماً؟ ترى د. ريكسرود، أنه لا يزال من المبكر للغاية الجزم بذلك. وأضافت «بوجه عام، لا يمكنني نصح الناس بأن يتوقفوا تماماً عن صبغ الشعر بناءً على هذه الدراسة، لكن ارتفاع معدل المخاطر بنسبة 40 في المائة رقم كبير بما يكفي لإثارة القلق». وعليه، فإن من الضروري في الوقت ذاته عدم تجاهل نتائج هذه الدراسة، وثمة حاجة إلى عقد مزيد من الدراسات حول الأمر.
> مخاوف حقيقية. وأضافت د. ريكسرود، أنه فيما يخص المرأة المتوسطة في الدراسة (وهي تلك التي يوجد لديها شقيقة مصابة بالسرطان)، فإن التعرض لصبغات الشعر يزيد مخاطر الإصابة بسرطان الثدي. وبينما هناك عوامل مخاطرة معينة تتعلق بسرطان الثدي لا يمكن التحكم فيها، مثل التاريخ الأسري أو العمر الذي بدأ عنده الحيض، فإن بمقدور أي سيدة اختيار منتجات العناية بالشعر الخاصة بها ومعدل استخدامها.
> تقليص التعرض للمواد الكيميائية. في الوقت الذي يستمر الباحثون في النظر في هذا الأمر، أوضحت جيمس تود ود. ريكسرود، أن هناك خطوات عدة يمكن اتخاذها لتقليل المخاطر المحتملة المرتبطة بمنتجات العناية الشخصية.
- التدقيق في مكونات المنتجات. لدى اختبارك منتجاً ما، عليك إمعان النظر إلى الغلاف للتعرف على المواد الكيميائية التي يحويها، وتحديد ما إذا كان هذا المنتج الذي ترغب في استخدامه. وقد تولت بعض المنظمات، مثل منظمة «إنفيرونمنتال ووركينغ غروب» www.ewg.org غير الهادفة للربح، تحليل الكثير من المنتجات الشائعة وتوفير معلومات بخصوص السلامة المحتملة. وترتب المنظمة بعض منتجات التجميل الشائعة تبعا لتدريج من 1 إلى 10، بدءاً بالمنتجات التي يعتقد بوجه عام أنها آمنة وصولاً إلى تلك التي تفاقم المخاطر المتعلقة بالسلامة، حسبما شرحت جيمس تود. وأضافت «حاول أن تعرف أكبر قدر ممكن من المعلومات بخصوص ما تستخدمه».
- اختيار بدائل آمنة. إذا كانت المنتجات التي تستخدمها حالياً تحوي مواد كيميائية تحمل أضراراً محتملة، عليك التحول إلى خيار آمن إذا توافر أمامك. ولدى «معهد سايلنت سبرينغ» غير الهادف للربح تطبيق على الهاتف الذكي يدعى «ديتوكس مي» Detox Me يمكنك استخدامه داخل المتجر للكشف على الرمز الشريطي (باركود) للمنتجات. وإذا توافر خيار أكثر أمناً، سيخبرك التطبيق. كما يوفر المعهد «طقم ديتوكس مي أكشن» Detox Me Action Kit الذي يمكنك من خلاله إرسال عينة بول لتحليل مستوى تعرضك للمواد الكيميائية والتعرف على مستوياتها لديك مقارنة بآخرين داخل الولايات المتحدة. كما توفر لك الخدمة المرافقة له، أفكاراً حول كيف يمكنك تقليل مستوى تعرضك للمواد الكيميائية.
> التشكيك في مزاعم المنتجات. تعمل الكثير من الشركات على تطوير منتجات أكثر أمناً، لكن تبقى بعض ادعاءات شركات التصنيع مثيرة للشكوك. وتسعى الكثير من الشركات للتخلص من المواد الكيميائية التي ثبت أنها تسبب مشكلات، مثل ثنائي الفينول bisphenol (التي تعيق عمل الهرمونات البشرية)، لكنها ربما تحل محلها مواد كيميائية تسبب مشكلات أخرى. ولذلك؛ أحياناً لا تتوافر منتجات أكثر أمناً في الواقع، وفي بعض الأحيان قد تكون أسوأ عن الأصلية، حسبما شرحت جيمس تود.
> تقليص المنتجات المستخدمة. مع أنه قد يكون من المغري ملء أرفف الحمام بأحدث منتجات البلسم والعناية بالجسم، ربما يكون من الأفضل اتخاذ خيارات أكثر حصافة، وذلك بتقليص المنتجات التي تشتريها على الأساسي فقط كي تقلل تعرضك للمواد الكيميائية. وفي هذا الصدد، قالت جيمس تود «على سبيل المثال، أنا أعشق العطور، لكني لم أعد أستخدمها اليوم».
> استخدام المنتجات الطبيعية. يمكنك إعداد الكثير من وصفات التجميل داخل مطبخك. كل ما عليك البحث عبر الإنترنت عن وصفات للحصول على بشرة ناعمة مثالية والعناية بالشعر، لكن عليك الانتباه أن بعض المنتجات «الطبيعية» للعناية الشخصية قد تحمل هي الأخرى مخاطر صحية. على سبيل المثال، غالباً ما يجري الترويج للزيوت الأساسية essential oils باعتبارها بديلاً للعطور، لكن بعضها، خاصة زيت اللافندر lavender oil وزيت شجرة الشاي tea tree oil لهما خصائص إستروجينية يمكن أن تحمل بعض المخاطر الصحية التي تحملها العطور المتخمة بالعناصر الكيميائية، حسبما شرحت جيمس تود. وعليه، فإن العناصر الطبيعية ليست بالضرورة أكثر أماناً.
وأوجزت د. ريكسرود الرسالة الأساسية في أنه «ينبغي للنساء التفكير بحرص في المنتجات التي يستخدمنها. وأعتقد أنه يتعين عليهن المطالبة بكشف مزيد من المعلومات المتعلقة بسلامتهن».

- رسالة هارفارد «مراقبة صحة المرأة»، خدمات «تريبيون ميديا»



الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.