مرايا الوجوه وظلالها... شعرياً

عائشة بلحاج في ديوانها «قبلة الماء»

مرايا الوجوه وظلالها... شعرياً
TT

مرايا الوجوه وظلالها... شعرياً

مرايا الوجوه وظلالها... شعرياً

تستند الشاعرة عائشة بلحاج، في ديوانها «قبلة الماء» الصادر حديثاً عن دار «روافد» بالقاهرة، على حجر الذات، فمنه يبدأ عالمها وإليه يؤوب، في ترحال شعري شيق، يحفه فراغ الفقد، وتطوحات الأزمنة والأمكنة، والحنين إلى البئر الأولى حيث ملامسة الأشياء في دفقها البكر. وتبدو مراوحة العمى والبصيرة، كأنها التمثيل الأقوى، والشقي للذات في مواجهة العالم، فصداه يتردد بخفة في ثنايا النصوص، من خلال علاقة مشابهة لا تذعن كثيراً للمقابلات الضدية، وإنما للمشترك المستتر فيما بينها، فهناك عمى يشبه البصيرة، وبصيرة تشبه العمى؛ بينما يمارس الحجر غوايته وانزياحاته مشكلاً علاقة حميمة مع الظل؛ ظل النص في الوجود، وظل الوجود في النص، في حركة صاعدة تتنوع دلالتها ورمزيتها صعوداً وهبوطاً.
بديهياً، لا يشبه حجر الذات حجر الفلاسفة، فالأول مقوم شعري مجازي لإكساب الذات القدرة على العيش والانغماس في الحياة، والثاني مقوم مادي مسكون بروح الأسطورة، يستهدف تقييم الفلاسفة وتشبيههم بالمعادن، وتحولها في عملية الانصهار من الرخيص إلى النفيس. لكن، رغم هذا الفارق بين الحجرين، ثمة خيط شفيف يجمع بينهما، يتجسد في أن كليهما بمثابة قناع لحَجره الذي يتكئ عليه. الذات الفلسفية تسعى من ورائه إلى الوثوق والرسوخ وتثبيت الحجج والبراهين العقلية في تفسير ظواهر الوجود. بينما تتخذه الذات الشعرية نواة لولادة جديدة، وتتخفى تحته لدرء أذى العالم ومفارقاته الموحشة، كما تحوله أحياناً إلى لعبة، لكسر علاقة الوجود بالتضايف التي يفرضها منطق الأشياء والعناصر، ويضمرها عنوان الديوان، بين القبلة والماء، ويعمل على زحزحتها من سياقها النمطي المعتاد (شرب الماء) وابتكار علاقة فنية تتجاوز كل هذا، وفي الوقت نفسه، تسعى للخروج بالذات من حيز التضايف الضيق، إلى براح المغامرة، حيث الماء رمز للحياة والنماء، وهو أيضاً رمز للغرق وانخطاف الحياة، لكن قبلته ابنة الصيرورة، قادرة على أن تجدد نفسها في انخطافات أخرى يؤسسها حجر صغير، كعتبة لوجود مغاير، وولادة جديدة، يستقي منها النص حيويته، ناهيك بأن الماء يبرز كدال مركزي في الديوان، يملأ فراغ الشقوق والفجوات، في الجسد والروح والعناصر والأشياء، مثلما تقول الشاعرة في نص «رائحة موتي، أعرفها»:
«أُشرع جسدي للماء
جثة تحتضر
وأطفو.
رائحة موتي، أعرفها
على تمثال أبيض يظلله أخضرُ نهريٌّ
يتفرج بحارةٌ عابرون
من الماء إلى الماء أطفو
من المحيط إلى أبعد يابسة
بحارة بلغوا عن امرأة تغرق
حين اقتربوا... ضحكوا
رددوا في أجهزة الرادار: it,s Joke،
ثمة غبي أسقط دميته».
تؤطر دلالة الماء كمفتاح للحياة لدلالة أعمق ينصب فيها جوهر الرؤية في الديوان، فثمة حلم دائم بميلاد مغاير يومض في أفق النصوص كزمن هارب، مهمش ومنسي، مشكلاً جوهر المعنى وما وراءه، ويبرز وعي الذات بذلك منذ لطشة الإهداء، حيث تهدي الشاعرة الديوان لطفل لم تنجبه، وإلى أمها أيضاً: «إلى روح طفلي الذي لم أُنجب، أيمن، وإلى أمي عالية». يتقدم الطفل مقام الأم، وفي الصفحة التالية تردف الإهداء بمقولة للكاتبة الروائية الأميركية الراحلة سوزان سونتاج: «كل شيء، يبدأ من الآن - أنا أولد ثانية».
يوحي تفكيك الإهداء وما يرشح به من علائق مستترة في اللاوعي، بأن الذات الشاعرة تريد أن تقول لقارئها: هذا هو الديوان، ولادتي الجديدة الثانية، بعد ولادتي الأولى من رحم أمي، إنه طفلي المتخيل الذي لم أنجبه بعد في العالم الواقعي، هنا أستطيع أن أحبو عليه، أعلمه اللعب مع الحياة، فوق هذا الحجر الصغير، لينمو ويكبر في ظلاله الوراقة... يبرز هذا على نحول لافت في قصيدة «قبلة الماء» التي وسمت عنوان الديوان، ومثلما تقول:
«ولدت لأرطِّب
جفاف ريقي
بقبلة الماء.
من الذي يتنفس
التراب باسمي:
بخفة سمكة
اكتشفتْ أصلها المائيِّ
أنزلُ خطوة خلف أخرى
أطفو على الكؤوس
ولا تفيض بي».

يستعير النص روح السوناتا الموسيقية في دفقات شعرية حانية، مشرّبة بنبرة من الشجن الداخلي، تنداح في نغمات تبدو مبعثرة على السطح، لكنها منذغمة في التكوين الداخلي لبنيته الصورية والنفسية، تشد ثقلها وخفتها، فيما تشتبك الذات بحجرها الصغير مع أحجار أخرى جارحة وقاسية. وتلجأ الشاعرة لتنمية كل هذا إيقاعياً، بتقطيع امتداد الجملة المتصلة، فتكتب على سبيل المثل «ولدتُ لأرطب» ثم في السطر التالي، تكتمل الجملة بلام التعليل في «جفاف ريقي».
إن الأمر لا يتعلق بصرياً هنا بشكل الطباعة والفراغ في الصفحة، وإنما بمحاولة قطع النص حتى لا يصبح مرثية للذات المثقلة بالعطش وشح الآخر، وإيثاره لنفسه، وعدم مبالاته بالصمت المكبوت المتخفي وراء الكلام.
يحتفي الديوان في عدد من النصوص بما يمكن تسميته «مرايا الوجوه» يدفع بها فوق حجر الذات، وعبر سياقات خاصة مشحونة بعوالم الطفولة والذكريات، من أبرزها صورة الأب والأم، ففي نص بعنوان «أحاول إيقاد نار أخرى في أحجاري» تستحضر صورة الأب، في حوارية يمتزج فيها تأمل حقائق البشر والحياة الصعبة، بلحظات من الانكشاف الخاصة مجدولة بنفس صوفي حار، تطل رائحته من نوافذ العمى والبصيرة، كأنها محاولة لملء فراغ بارد، خمدت ناره، ولم يعد ملاذاً للروح والجسد.. تقول في هذه الحوارية:
«كل شيء يغادر في آخر الممر.
ولا يبقى سوى الندم، ولا يعانق الفراغ سوى خوائه
لكن ليس للفراغ ذراعان تعانقان. ليس له فم يقبل ولا قلب ينبض
إنه ما لم يكن في الحسبان، جاء ليملأ المساحات التي ظننا أنها لن تبقى
قال: ليس ذنبه أن الأمكنة فقدت صفاءها
وتلك قصة قديمة، لا وقت لحكيها
ادخلي بسرعة قبل أن يروكِ
لكنهم عميان، قلت».

ومن مرايا الوجوه، وجه الشاعرة نفسها، حيث تحاور أحرفه، كأنها تجسيد لملامح أخرى وراء الوجه نفسه، كما تستحضر ملامح شعراء معينين على سبيل التناص، لكنه تزييني عابر لا يثري النص بعلاقات جديدة: بسام حجار، وديع سعادة، سليم بركات، عبد الله زريقة، وغيرهم، وتنتصر للمرأة وتدافع عن هويتها كأنثى، بعيداً عن صخب النسوية والعنصرية الذكورية وغياب العدالة الاجتماعية، وهو ما يتجسد على نحول لافت في نصي «أكتب على ساق واحدة» و«أحمر شفتيها قبلات لا تتكرر»، وهو آخر نصوص الديوان، موحدة ببن خصوصية المرأة والرائحة والحنين، والذهاب إلى العمل والسوق، حتى الجنون والوقوع في الحب، كما يطل الموت كمرثية للأمل في «تستفز الموت» وهو مهدى إلى «أيمن» الطفل الذي لم تنجبه، تتخيله في البيت يداعبها ويطوق عنقها، وتمطره بالقبلات، كمل يطل الموت مسكوناً بالسخرية والتهكم في «هيكل عظمي لوردة» و«جارتي المقبرة» و«اختاري وجهاً للموت»... تقول الشاعرة في معرض اللعب مع مرآة اسمها، عبر «عجلة الأيام»:
«ها اسمٌ، أعصره لأخرج بين العين والشين
ألفاً مائلة
همزةً رخوة بكسل السكارى المغمى عليهم
لا الجدران جدراناً
لا مفاتيح تجد طريقها إلى أبواب
أخرج...
كأني لم أركض قبل الألف/ بعدها
لم أتعلق بها
لم أتدحرج على أفقها
لم أرقص معها في ذبح
يمتد من الألف إلى التاء».

في الختام يبقى أن أقول إن هذا الديوان يعبق برذاذ رومانسية ناعمة، تبدو لطيفة وشيقة، لكنها تجعل صخبه وضجيجه المشبوب في كثير من النصوص لا يبرح السطح، ومن ثم لا يتحرك حجر الذات أبعد مما يعتمل في مرآته الخاصة، ومع ذلك يؤكد الديوان صوت شاعرة لها حضورها المتميز، آمل أن يشاكس السطح والعمق معاً في أعمالها المقبلة.



فرقة وطنية للفنون الأدائية في السعودية تبرز موروثها عالمياً

تعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة (واس)
تعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة (واس)
TT

فرقة وطنية للفنون الأدائية في السعودية تبرز موروثها عالمياً

تعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة (واس)
تعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة (واس)

تبدأ مرحلة جديدة للفنون الأدائية التقليدية في السعودية، ينتقل فيها الموروث الشعبي المتنوع إلى آفاق جديدة وبأسلوب يحاكي لغة الفن العالمي، مع الحفاظ على بصمته التاريخية العريقة.

وأعلنت هيئة المسرح والفنون الأدائية السعودية عن إطلاق «فرقة الفنون الأدائية التقليدية»، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تطوير القطاع، وتعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة.

وفتحت الهيئة باب التسجيل لاستقطاب الكوادر الوطنية وتكوين فرقة احترافية تكون واجهة ثقافية للسعودية في المحافل المحلية والدولية، حيث تسعى من خلال هذه المبادرة إلى تمكين نحو 60 مؤدياً ومؤدية من مختلف مناطق المملكة، عبر توفير بيئة عمل فنية متكاملة تضمن صقل مهاراتهم ورفع جودة الإنتاج الفني.

وأكدت «هيئة المسرح» أن الانضمام للفرقة يمثل «خطوة مهنية متقدمة» للممارسين، حيث تتيح لهم فرصة التدريب المكثف والمشاركة في الفعاليات الكبرى، بما يسهم في إبراز الهوية الثقافية السعودية وتنوعها الثري.

خريطة تجارب الأداء

دعت الهيئة المهتمين والممارسين إلى المبادرة بالتسجيل والمشاركة عبر موقع إلكتروني، طوال مرحلة التسجيل التي انطلقت خلال الفترة من 19 أبريل (نيسان) حتى 23 مايو (أيار) 2026. وتشمل تجارب الأداء الرجال والسيدات؛ بهدف استقطاب المواهب، واختيار العناصر المؤهلة للانضمام إلى الفرقة.

وحددت الهيئة جدولاً زمنياً لاستقبال المواهب، بعد الانتهاء من مرحلة التسجيل، حيث من المقرر أن تجوب لجنة التحكيم 5 مناطق رئيسية لإجراء تجارب الأداء، وهي الرياض، جدة، الدمام، أبها، تبوك. وتستهدف هذه الجولات استكشاف التنوع الأدائي في مختلف مناطق المملكة، وضمان تمثيل كل ألوان الفنون الشعبية السعودية برؤية فنية موحدة.

معايير المهنية والالتزام

وضعت الهيئة شروطاً دقيقة لضمان احترافية الفرقة، حيث اشترطت أن يكون المتقدم سعودي الجنسية، ويتراوح عمره بين 18 و35 عاماً، مع امتلاك خبرة مسبقة ولياقة بدنية تتناسب مع طبيعة الأداء الحركي.

وشددت الهيئة على ضرورة التزام الأعضاء بالتدريبات المقامة في المقر الرئيسي للفرقة بمدينة الرياض، والحصول على رخصة «منصة أبدع» سارية المفعول في مجال الفنون الأدائية. ويستهدف بناء فرقة متخصصة، تُقدِّم أداءً احترافياً يعكس ثراء الفنون السعودية بأسلوب يواكب المسارح العالمية.

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من حراك ثقافي واسع تقوده وزارة الثقافة السعودية، لتحويل الفنون التقليدية من إطارها المحلي الضيق إلى فضاءات عالمية، مع التركيز على بناء استدامة مهنية للمؤدي السعودي، وتوثيق الفنون الأدائية وحمايتها من الاندثار عبر ممارستها في قوالب فنية متجددة تجذب الأجيال الصاعدة والجمهور الدولي على حد سواء.

وشهدت الفنون الأدائية في السعودية نقلة نوعية من خلال الاهتمام الذي حظيت به وإعادة الاعتبار لكثير من تفاصيل الموروث خلال السنوات الأخيرة. وفي السياق نفسه أطلق المعهد الملكي للفنون التقليدية، برنامج الدبلوم المتوسط في تصميم الأداء الحركي، وذلك ضمن برامجه الأكاديمية المتخصصة الهادفة إلى تعليم وتطوير الفنون الأدائية السعودية.

ويضم البرنامج مسارات تدريبية تصب في تطوير كوادر وطنية متمكنة من تمثّل أشكال وصور التراث السعودي بأساليب معاصرة، بما يحقق حضوراً لافتاً للفنون الأدائية السعودية في المشهد الثقافي المحلي والعالمي.

وعلى صعيد المشاريع النوعية التي ستشهدها السعودية لدعم قطاع الفنون الأدائية التقليدية، أعلنت شركة «القدية للاستثمار»، في يونيو (حزيران) 2014، عن إطلاق مركز الفنون الأدائية أول معلم ثقافي في مدينة القدية، للإسهام في إثراء المشهد الثقافي في السعودية، بتصميم معماري فريد وتكنولوجيا رائدة ونهج فني مبتكر في تقديم عروضه.

ويهدف مركز الفنون الأدائية إلى إعادة تعريف التجربة الثقافية للمقيمين بالقدية وزوارها على حد سواء، حيث يتوقع أن يستقبل المركز أكثر من 800 ألف زيارة سنوياً.

وسيتخصص المركز المرتقب في تقديم التجارب الرائدة وتمكين المواهب السعودية، من خلال استخدام تقنيات متطورة، مع استضافة إنتاجات جديدة مبتكرة تتخطى حدود المسرح التقليدي، معززاً مكانته بوصفه نموذجاً رائداً في عرض التجارب الأدائية الفريدة والاستثنائية؛ بهدف تنمية شعور الفخر بالثقافة والتراث السعودي.


يمدحك ليستغلك ويهددك ويسرق إنجازاتك... هل تعمل مع مدير «ميكيافيلي»؟

تتسم الشخصية الميكيافيلية بخدمة الذات والانتهازية والطموح (بكسلز)
تتسم الشخصية الميكيافيلية بخدمة الذات والانتهازية والطموح (بكسلز)
TT

يمدحك ليستغلك ويهددك ويسرق إنجازاتك... هل تعمل مع مدير «ميكيافيلي»؟

تتسم الشخصية الميكيافيلية بخدمة الذات والانتهازية والطموح (بكسلز)
تتسم الشخصية الميكيافيلية بخدمة الذات والانتهازية والطموح (بكسلز)

إذا كنت تعمل تحت ضغط دائم، أو تشعر بأن مديرك يراقبك باستمرار، أو ينسب إنجازاتك لنفسه، فقد لا يكون الأمر مجرد أسلوب إداري سيئ، بل قد يرتبط بما يُعرف بـ«الشخصية الميكيافيلية».

ويشير خبراء علم النفس إلى أن الشخصية «الميكيافيلية»، تتسم بالتلاعب والانتهازية والسعي إلى السلطة على حساب الآخرين، ما قد تجعل بيئة العمل أكثر توتراً واستنزافاً للصحة النفسية.

ويستعرض تقرير نشره موقع «ذا كونفرسايشن»، أبرز صفات المدير الميكيافيلي، وكيفية اكتشافه، ولماذا يُعد التعامل معه تحدياً نفسياً ومهنياً، وما أفضل الطرق لحماية نفسك في مكان العمل.

ما علامات الشخصية الميكيافيلية؟

«الميكيافيلية»، هي سمة شخصية مظلمة سُمّيت نسبة إلى المفكر السياسي الإيطالي في القرن السادس عشر نيكولو ميكيافيلي، الذي كتب أول دليل عملي للحكام.

تتسم الشخصية الميكيافيلية بخدمة الذات، والانتهازية، والطموح، وهي صفات قد تساعد أصحابها على الوصول إلى مواقع السلطة والمكانة.

ورغم أن تقديرات انتشار الميكيافيلية غير دقيقة، فإن الخبراء لديهم أسباب وجيهة للاعتقاد بأنها شائعة في بيئات العمل على الأقل بقدر الاعتلال النفسي، الذي يصيب نحو 1 في المائة من العالم، لكنه يوجد لدى نحو 3.5 في المائة من المديرين أو الإداريين.

والعمل تحت إدارة مدير ميكيافيلي قد يكون مثيراً للغضب، ومسبباً للتوتر، وضاراً بالصحة النفسية. ومن خلال فهم ما يدفع هذه الشخصية، وكيف تختلف عن غيرها من «السمات المظلمة»، يمكن الحد من آثارها السلبية.

أصول الميكيافيلية

كان نيكولو ميكيافيلي (1469 - 1527) دبلوماسياً في فلورنسا خلال فترة صراع على السلطة شاركت فيها عائلة ميديشي النافذة. وعندما عادت العائلة لحكم المدينة عام 1512 بعد نحو عقدين من المنفى، سُجن لفترة وجيزة ثم نُفي. بعدها كتب كتابه الشهير «الأمير» (The Prince) كأنه طلب وظيفة.

ويُنظر إلى الكتاب، الذي لم يُنشر رسمياً حتى عام 1532، بوصفه أول عمل في الفلسفة السياسية الحديثة. وقد نصح الحكام بأن يكونوا عمليين وماكرين واستراتيجيين.

ومن عباراته الشهيرة: «الأسد لا يستطيع حماية نفسه من الفخاخ، والثعلب لا يستطيع الدفاع عن نفسه من الذئاب، لذلك يجب أن يكون المرء ثعلباً ليتعرف إلى الفخاخ، وأسداً ليخيف الذئاب».

وفي عام 1970، نشر عالما النفس الأميركيان ريتشارد كريستي وفلورنس غايس كتاب «دراسات في الميكيافيلية»، مستخدمين المصطلح لوصف سمة شخصية تتصف بالمصلحة الذاتية، والتلاعب، والانتهازية، والخداع.

ضمن «الثالوث المظلم»

تُعد الميكيافيلية اليوم واحدة من ثلاثة أنماط شخصية معادية للمجتمع تُعرف باسم «الثالوث المظلم»، إلى جانب النرجسية والاعتلال النفسي.

لكن رغم جمع هذه السمات تحت تصنيف واحد، فإن بينها فروقاً مهمة:

-فالنرجسية تتسم بالتمركز حول الذات والحاجة إلى الشعور بالتفوق على الآخرين.

-أما الاعتلال النفسي فيتميز بغياب التعاطف أو الضمير.

-في المقابل، لا تُصنف الميكيافيلية اضطراباً رسمياً في الشخصية.

وقد تبدو الشخصية الميكيافيلية جذابة مثل النرجسية، لكنها مدفوعة بالمصلحة الذاتية لا بتضخيم الذات، وتميل إلى الحسابات الدقيقة أكثر من الاندفاع الذي يميز المعتل نفسياً.

كيف يتم قياسها؟

وضع كريستي وغايس اختباراً من 20 سؤالاً مستنداً إلى أفكار ميكيافيلي لقياس السمات الميكيافيلية، ويُعرف باسم «MACH-IV»، ولا يزال مستخدماً حتى اليوم.

وتُظهر البيانات أن الرجال يسجلون درجات أعلى من النساء في المتوسط، كما أنهم أكثر احتمالاً للحصول على أعلى نتيجة ممكنة.

وتُعد الدرجة 60 من أصل 100 أو أكثر مؤشراً على «ميكيافيلية مرتفعة»، وأقل من ذلك «ميكيافيلية منخفضة».

صاحب الدرجة المرتفعة غالباً ما يكون شديد التلاعب، بطرق قد لا تُلاحظ في حينها، بينما يكون صاحب الدرجة المنخفضة أكثر تعاطفاً وأقل ميلاً لاستغلال الآخرين.

لكن التمييز بينهما في الواقع ليس سهلاً. فكما كتب ميكيافيلي في «الأمير»: «الجميع يرون ما تبدو عليه، والقليل فقط يختبرون حقيقتك».

كيف تتعامل مع مدير ميكيافيلي؟

قد يسعى المدير الميكيافيلي إلى التلاعب بك عبر المديح أو الترهيب، فيَعِد بالمكافأة أو يهدد بالعقاب. كما أنه أقل ميلاً للثقة، ما يدفعه إلى الإدارة الدقيقة المفرطة والانتقاد المستمر.

وغالباً لا تكون مشاعرك موضع اهتمام لديه، ما قد يتركك غاضباً، ومستنزفاً عاطفياً، وممتلئاً بالتشاؤم.

أولاً: افهم ما يحركه

الدافع الأساسي للشخصية الميكيافيلية هو المصلحة الذاتية. لذلك لا تحكم على نياتها من خلال اللطف الظاهري أو الجاذبية الشخصية.

قد يبدو المدير متعاوناً وودوداً لأنه يرى أن ذلك يخدم مصالحه. لكن إذا سبق أن أظهر سلوكه المظلم تجاهك، فمن المرجح أن يكرر ذلك عندما تسمح الظروف.

ثانياً: تعامل بحذر دون أن تصبح مثله

لا يمكن الوثوق بالشخص الميكيافيلي بسهولة، لكن التعامل معه بعقلية الشك الدائم أو الضربة الاستباقية قد يكون مرهقاً نفسياً، وقد يجعلك أكثر تشاؤماً وعدم ثقة بالجميع.

ثالثاً: ابحث عن التضامن

كان ميكيافيلي يؤيد مبدأ «فرّق تسد»، لكن الأفضل أن تتبنى العكس تماماً.

هذا وقت بناء شبكة دعم داخل العمل. إن معرفة أنك لست وحدك يمكن أن تشكل دعماً نفسياً مهماً.


صورة للوجه تحدد مدى استجابة الأشخاص للعلاج من السرطان

معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)
معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)
TT

صورة للوجه تحدد مدى استجابة الأشخاص للعلاج من السرطان

معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)
معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)

أظهرت دراسة جديدة، أجراها فريق من الباحثين في مستشفى ماساتشوستس العام في بريغهام بالولايات المتحدة، أن معدل شيخوخة الوجه، الذي يستخدم الصور لقياس التغيرات في العمر البيولوجي بمرور الوقت، يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقّع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان.

ويستخدم الباحثون، الذين نشروا نتائج دراستهم في دورية «نيتشر كومينيكيشينز»، أداة مطوَّرة يُطلق عليها «فيس إيج» (FaceAge)، وهي أداة ذكاء اصطناعي قادرة على تقدير العمر البيولوجي للشخص من صورة واحدة.

وأفادت نتائجهم بأن تقدير العمر البيولوجي من صور متعددة ملتقطة على مدار فترة زمنية يمكن أن يوفر معلومات أدق حول مدى استجابة المريض.

حلَّلت الدراسة الجديدة صورتين لكل مريض من بين 2279 مريضاً بالسرطان، التقطتا في أوقات مختلفة خلال فترة العلاج. ووجد الباحثون أن ارتفاع معدل شيخوخة الوجه (FAR) يرتبط ارتباطاً وثيقاً بانخفاض احتمالية النجاة.

قال الدكتور ريموند ماك، طبيب الأورام الإشعاعي في معهد ماساتشوستس العام بريغهام للسرطان والمؤلف المشارك الرئيسي للدراسة، إن «استخلاص معدل شيخوخة الوجه من صور الوجه الروتينية المتعددة يتيح تتبُّع صحة الفرد بشكل شبه فوري».

وأضاف، في بيان، الثلاثاء: «تشير دراستنا إلى أن قياس (فيس إيج) بمرور الوقت قد يُحسِّن تخطيط العلاج الشخصي، ويُعزّز تقديم المشورة للمرضى، ويُساعد في تحديد وتيرة وكثافة المتابعة في مجال الأورام».

و«فيس إيج» هي أداة ذكاء اصطناعي تستخدم تقنيات التعلم العميق لتحديد العمر البيولوجي من صورة وجه الشخص. وفي دراسة نُشرت عام 2025، وجد الباحثون أن مرضى السرطان يُرجَّح أن يظهروا أكبر من عمرهم الزمني بنحو 5 سنوات وفقاً لهذا المقياس، وأن التقديرات الأكبر سناً ترتبط بنتائج بقاء أسوأ بعد علاج السرطان.

في الدراسة الجديدة، سعى الباحثون إلى معرفة المعلومات التي يمكن أن يوفرها برنامج «فيس إيج» عند تطبيقه على صور متعددة للشخص نفسه، التقطت على فترات زمنية مختلفة. وفحصوا صوراً لوجوه مجموعة من المرضى المصابين بأنواع مختلفة من السرطان، الذين تلقوا دورتين على الأقل من العلاج الإشعاعي في مستشفى بريغهام والنساء بين عامي 2012 و2023.

وأشارت نتائج متوسط معدل شيخوخة الوجه إلى أن وجوه المرضى تجاوزت شيخوختهم الزمنية بنسبة 40 في المائة. وارتبط ارتفاع هذا المعدل، أو ما يُعرف بـ«تسارع الشيخوخة» بانخفاض معدل البقاء على قيد الحياة.

وكان المؤشر أكثر قدرة على التنبؤ بنتائج البقاء على قيد الحياة بثبات على مدى فترات زمنية أطول مقارنة بالتقنيات والوسائل الأخرى المتاحة حالياً؛ حيث أظهرت النتائج أن المرضى الذين كان تقدير «فيس إيج» لديهم أكبر من عمرهم الزمني بعشر سنوات أو أكثر، كانت معدلات بقائهم على قيد الحياة أسوأ بشكل ملحوظ، بينما كانت النتائج أفضل لدى المرضى الذين كان تقدير «فيس إيج» لديهم أكبر من عمرهم الزمني بخمس سنوات أو أقل.

يقول الدكتور هوغو آيرتس، مدير برنامج الذكاء الاصطناعي في الطب في مستشفى ماساتشوستس العام بريغهام، والمشارك في تأليف الدراسة: «يوفّر تتبّع المؤشر الجديد بمرور الوقت من خلال صور بسيطة مؤشراً حيوياً غير جراحي وفعالاً من حيث التكلفة، ولديه القدرة على إطلاع الأفراد على حالتهم الصحية».