رئيس الوزراء المصري يقلل من «انتفاضة الجمعة».. ويؤكد: سيكون يوما عاديا

انتشار مكثف لقوات الجيش والشرطة في الشوارع لتأمين المنشآت والأهداف الحيوية

مصريان يمشيان بجانب  حاجز خرساني يحيط بوزارة الخارجية في القاهرة أمس (أ.ف.ب)
مصريان يمشيان بجانب حاجز خرساني يحيط بوزارة الخارجية في القاهرة أمس (أ.ف.ب)
TT

رئيس الوزراء المصري يقلل من «انتفاضة الجمعة».. ويؤكد: سيكون يوما عاديا

مصريان يمشيان بجانب  حاجز خرساني يحيط بوزارة الخارجية في القاهرة أمس (أ.ف.ب)
مصريان يمشيان بجانب حاجز خرساني يحيط بوزارة الخارجية في القاهرة أمس (أ.ف.ب)

قلل إبراهيم محلب، رئيس الوزراء المصري، من دعوات أطلقها عدد من الحركات السلفية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، لحشد المواطنين للتظاهر اليوم (الجمعة) رافعين المصاحف، بغرض «فرض الهوية الإسلامية»، على حد زعمهم. وقال محلب في تصريح له أمس: «سيكون يوما عاديا.. ما دام لدينا جيش وشرطة بهذه الوطنية والكفاءة العالية، فلا يقلق أحد». وتشهد مصر حالة من التأهب والاستنفار الأمني العالي، تحسبا لأعمال عنف ومواجهات مسلحة خلال مظاهرات الجمعة، حيث انتشرت قوات ومدرعات الجيش والشرطة بشكل مكثف في شوارع العاصمة القاهرة وجميع المحافظات لتأمين المنشآت والأهداف الحيوية بالدولة، فيما أكدت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» أن «وزارة الداخلية تمكنت من رصد وضبط عدد من الخلايا الإرهابية التي تخطط لنشر الفوضى والقيام بأعمال تخريبية (اليوم) وستعلن عنها تباعا».
ودعت «الجبهة السلفية»، وهي أحد مكونات تحالف دعم الرئيس المعزول محمد مرسي، المواطنين للتظاهر اليوم (الجمعة) ورفع المصاحف بغرض فرض الهوية الإسلامية. وهي الدعوة التي أبدت جماعة الإخوان المسلمين «استحسانها».
كما ناشد «تحالف دعم الشرعية»، الذي تقوده الجماعة، أنصاره في بيان أمس للخروج في «أسبوع ثوري جديد، تحت (شعار الله أكبر.. إيد واحدة)، يبدأ بمليونية الجمعة، وأن تكمل الحشود حراكها الثوري المطالب بالقصاص السبت 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، بالتزامن مع نطق الحكم على الرئيس الأسبق حسني مبارك». وهدد بيان التحالف: «إما يصدر الحكم بالإعدام (ضد مبارك)، وإما سيكون للثورة كلمتها وللشعب غضبته إن تم تمرير جريمة التبرئة».
ونوه المتحدث باسم وزارة الداخلية المصرية أمس بـ«معلومات عن اعتزام تلك الجماعات حرق وتمزيق عدد كبير من المصاحف، وإلقاءها أمام قوات الأمن للزعم بأن القوات هي التي قامت بحرقها وتمزيقها من أجل إثارة الرأي العام».
ووقع عدد من أعمال العنف والتفجيرات، معظمها في سيناء، منذ عزل مرسي عن الحكم في يوليو (تموز) 2013، مما أدى لمقتل المئات من الأشخاص وأفراد الأمن. وتتهم الحكومة جماعة «الإخوان» بالوقوف وراء تلك العمليات، التي عادة ما تستهدف عناصر الشرطة ورجال القوات المسلحة.
وطمأن محلب المواطنين على استعداد قوات الأمن لمواجهة تلك الأعمال الإرهابية، مؤكدا على هامش تفقده أعمال تنفيذ كوبري بنها العلوي على نهر النيل أمس، أن الدولة سائرة في الاتجاه الصحيح نحو الأمن والاستقرار، وأنها «تستكمل حاليا خارطة الطريق السياسية بنجاح بعد أن تم اختيار رئيس للجمهورية في انتخابات نزيهة، شهد لها العالم، ونستعد لإجراء الانتخابات البرلمانية في أجواء تتسم بالحيادية والنزاهة أيضا»، كما أشار إلى أن الحكومة لديها أيضا خارطة طريق ورؤية اقتصادية شهدت لها المنظمات الدولية.
من جهتها، بدأت عناصر القوات المسلحة والشرطة العسكرية والقوات الخاصة وقوات التدخل السريع، في الانتشار في جميع المحافظات لحماية الممتلكات العامة والخاصة وتأمين الطرق والمحاور الرئيسية، والمشاركة في ضبط العناصر الإجرامية والخارجين عن القانون. وقالت مصادر أمنية إن القوات المسلحة تسلمت حماية المنشآت السيادية وعلى رأسها مبنى الإذاعة والتلفزيون، والبنك المركزي، ومقرات البنوك العامة، ومحطات الكهرباء والمياه.
كما رفعت الأجهزة الأمنية بالشرطة حالة الاستنفار الأمني بجميع محافظات الجمهورية والمدن والميادين الرئيسية، وذلك لمواجهة أي شغب أو أعمال خارجة عن القانون خلال مظاهرات اليوم.
وأعلن عدد من الوزارات والجهات الخدمية والأمنية بالدولة اتخاذ إجراءات تأمينية تحسبا لأعمال عنف أو فوضى. ومنح عدد من المدارس والجامعات؛ وأبرزها جامعة الأزهر، الطلاب إجازة أمس الخميس وغدا السبت إضافة للإجازة الأسبوعية اليوم (الجمعة) تحسبا لأي أعمال عنف.
وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية اللواء هاني عبد اللطيف، إن وزارة الداخلية استعدت جيدا لمواجهة الدعوات التخريبية التي أطلقتها بعض الجماعات المتطرفة للقيام بأعمال عنف وتخريب اليوم الجمعة، واصفا الأوضاع الأمنية بأنها جيدة، وأن هناك حالة من الانضباط بالشارع المصري.
وشدد اللواء عبد اللطيف في تصريحات له أمس، على أن رجال الشرطة لن يسمحوا بأي تهديدات تمس أمن المواطن، مشيرا إلى وجود كثير من الدعوات المماثلة على مدار العام الماضي، سواء قبل الانتخابات الرئاسية أو قبل الاستفتاء على الدستور، «لكنها لم تمثل أي تهديد أو تأثير على الأوضاع الأمنية في الشارع».
وأشار المتحدث إلى تقارير أمنية أكدت أن التيارات الإرهابية فقدت قدرتها وتأثيرها على الشارع المصري، وأنها تلجأ حاليا إلى محاولة إثارة الفتنة بديلا عن الحشد والتأثير؛ وذلك على غرار دعوة رفع المصاحف، وما رصدته المعلومات عن اعتزامهم حرق وتمزيق عدد كبير من المصاحف وإلقاءها أمام قوات الأمن للزعم بأن القوات هي التي قامت بحرقها وتمزيقها، بدعوى عدم احترامها حرمة القرآن الكريم.
وشدد اللواء عبد اللطيف على أن وزارة الداخلية تتعامل بجدية وباحترافية وواقعية كاملة مع مثل هذه الدعوات التحريضية؛ وذلك من خلال خطة أمنية شاملة بالتنسيق مع القوات المسلحة، مشيرا إلى أنه تم بالفعل البدء في تنفيذها لتأمين الشارع المصري بكل مرافقه ومنشآته المهمة والحيوية والطرق السريعة والرئيسية، بالإضافة إلى تأمين كل المواقع الشرطية.
وأكد اللواء عبد الطيف أن قوات الشرطة ستتصدى لأي نوع من أنواع العنف أو التخريب أو ترويع المواطنين بشكل فوري وحاسم وفقا للقانون، وأنها لن تسمح بأي تهديدات تمس أمن المواطن المصري.
وقالت مصادر أمنية إن الأجهزة الأمنية بالمنيا تمكنت من رصد وضبط خلية إرهابية أثناء قيام عناصرها بعقد اجتماع سري تنظيمي بمدينة أبو قرقاص، لوضع خطط تحركات الجماعة الإرهابية اليوم الجمعة.
كما تمكن خبراء المفرقعات بمحافظة البحيرة أمس من إبطال مفعول قنبلة بدائية الصنع تم العثور عليها بإحدى مدارس أبو المطامير، وقنبلتين بجوار مكتب البريد وبمحيط محكمة أبو المطامير.
وفي الإسكندرية أبطلت قوات الأمن مفعول قنبلة بمحطة ترام الشبان المسلمين. كما قامت قوات الأمن بشمال سيناء بتفكيك عبوة ناسفة أخرى في مدرسة ابتدائية بالعريش دون أي إصابات أو خسائر.
من جانبه، انتقد الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف تلك المظاهرات. وناشد الأزهر جميع المواطنين «اليقظة والحذر من المكائد والدسائس التي يحاول أعداء الوطن الترويج لها، من خلال الدعوة إلى رفع المصاحف». وقال الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية الدكتور محيي الدين عفيفي إن «الأزهر مستمر في التواصل مع أبناء الشعب لتحذيرهم من الدعوات التخريبية».
وجدد دعوة الأزهر المواطنين إلى الاصطفاف خلف القيادة والجيش والشرطة ودعم كل السبل التي تحقق التنمية، وتقطع الطريق على المتربصين بالوطن.
كما حذرت وزارة الأوقاف من الاعتصام بالمساجد، وأكد القطاع الديني بالوزارة أن «(الإخوان) و(الجبهة السلفية) يسيرون على منهج الخوارج ومصرون عليه، سواء في دعوتهما الخبيثة إلى رفع المصاحف في اعتداء على حرمة كتاب الله وقدسيته، أم في دعوتهما الأخبث إلى الاعتصام بالمساجد في استخفاف واضح بحرمة بيوت الله، ومحاولة توظيفها لأغراضهما الخبيثة».
وأعلن وكيل الوزارة بالقاهرة الشيخ جابر طايع إنشاء غرفة عمليات لمتابعة التطورات بالمساجد حتى انتهاء اليوم الجمعة، مشيرا إلى أنه سيتم فتح المساجد قبل وقت الصلاة وإغلاقها بعد انتهائها مباشرة، وأنه في حالة حدوث أي تجمعات، فسيتم اتخاذ الإجراء المناسب حيالها حفاظا على قدسية المساجد.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.