«اللولب المزدوج» يحكي أسرار الحياة

«جينوم» سعودي للأمراض المعدية والوراثية الشائعة

«اللولب المزدوج» يحكي أسرار الحياة
TT

«اللولب المزدوج» يحكي أسرار الحياة

«اللولب المزدوج» يحكي أسرار الحياة

توجد داخل كل خلية من خلايا كل كائن حي خريطة تفصيلية لكل صفاته، يرثها منه أبناؤه وهي مشابهة للكَاتالوغ (أي المنشور المصوّر) الذي يصاحب الأجهزة، ويتضمّن عادة معلومات وصفيّة لهذا المنتج، وآلية تركيبه والأعطال التي يتعرض لها، وكيفية صيانته، وإصلاحه.
يشبه هذا الكتالوغ أيضا برمجيات الحاسوب، التي تشغل الأجهزة، وتحافظ على ثباتها واتزانها، وتأدية وظائفها بدقة متناهية... إنه اللولب المزدوج المتمثل في الحمض النووي «دي إن إيه DNA» الذي يحمل هذه الخريطة، ويحمل فيما يحمل العديد من أسرار الحياة.

اللولب المزدوج
ما هي قصة اللولب المزدوج؟ استضفنا في ملحق «صحتك» أحد المتخصصين في مجال التقنية الحيوية، الدكتور طارق قابيل أستاذ التقنية الحيوية المساعد بكليتي العلوم والآداب - جامعة الباحة بالمملكة العربية السعودية، والأستاذ بكلية العلوم - جامعة القاهرة بمصر – ليحكي لنا قصة اللولب المزدوج وشيئا من أسراره.
أوضح دكتور قابيل أن أحداث هذه القصة تبدأ من عام 1928 عندما بدأ التعرف لأول مرة على أن الحمض النووي هو مادة الوراثة، بعد تجربة شهيرة أجراها العالم «غريفيث Frederick Griffith»، وأشار فيها إلى أن هناك «مادة» يمكن أن تغير التركيب الوراثي للبكتريا. ثم تم التحقق من أن هذه المادة هي الحمض النووي عام 1944 بواسطة عالمين أميركيين، هما «آفري Oswald Avery» و«مكلويد Colin McLeod». وأجريت تجارب أخرى عديدة بعد ذلك، أثبتت جميعها أن الحمض النووي الدي أوكسي ريبوزي «DNA» هو الحمض الذي يحمل الصفات الوراثية.
وفي عام 1953 تم اكتشاف التركيب الجزيئي للحمض النووي؛ حيث وضع العالمان «جيمس واطسون James Watson» و«فرانسيس كريك Francis Crick» نموذجاً للحمض النووي يسمى بـ«اللولب المزدوج»، ونشر نبأ الاكتشاف في مقال علمي، عرف بأنه «رسالة» باسم «واطسون وكريك» في مجلة «نتشر» العلمية في عدد يوم 25 أبريل (نيسان) 1953. ومن الطريف أنهما لم يجريا أي تجربة عملية، ولم يحملا أنبوبة اختبار واحدة للتوصل لهذا الكشف المثير، ولكنهما وضعا نموذجهما استناداً إلى البيانات التي وفرها باحثون في مختبرات جامعة «كمبردج» على مدى 3 سنوات.
كشفت هذه البيانات النقاب عن التركيب الجزيئي للحمض النووي، وبنى «واطسون» و«كريك» نموذجهما للحمض النووي بعد أسبوعين فقط من الحصول على الصور. وباكتشافهما لحقيقة أن جزيئات الحمض النووي تكون تركيبا لولبيا مزدوجا، يشابه السلم الملتوي، تبين كيف يمكن للحمض النووي أن ينسخ نفسه.
وبعد عامين من اكتشاف الـحمض النووي «دي إن إيه» تحقق «آرثر كورنبرغ Arthur Kornberg» من إمكانات نسخ الحمض النووي لنفسه. وفي عام 1960 تمكن مارشال «نيرنبرغ Marshall Nurnberg» و«هار خولانا Har Khulana» و«سيفيرو أكوا Severo Aqua» من التحقق من أن 3 أحرف من الأحرف الأربعة للحمض النووي تشكل رمزاً لأحماض أمينية.
وفي السبعينيات، تمكن العلماء من التعرف على حروف الحمض النووي، ثم تمكنوا من قطع ولصق أجزاء من الحمض النووي، ثم تمكنوا من نسخه بعد ذلك.
وفي عام 1983 استطاع العالم الأميركي «كاري موليس Carrie Molise» أن يطور طريقة لاستنساخ آلاف النسخ من الحمض النووي؛ وهو ما وضع أسس الهندسة الوراثية الحديثة. ثم توجت أبحاث العلماء في نهاية القرن العشرين بدراسة تتابعات الجينوم (كامل المحتوى الوراثي للكائن الحي)، وفي منتصف عام 2000 تم فك ترميز جينوم الإنسان.
تم الانتهاء من النسخة الأولية من مشروع الجينوم البشري في أوائل عام 2001. وصحب ذلك ضجة إعلامية كبيرة. ومنذ ذلك التاريخ بدأ التنافس والسباق المحموم للمراكز العلمية وشركات التقنية الحيوية لاستخدام مخرجات الجينوم البشري لتشخيص الأمراض الوراثية والبحث عن عقاقير تعمل على مستوى الجينات وتركيبها.
وبحلول شهر سبتمبر (أيلول) عام 2007. تم التعرف على التسلسل الكامل لجينوم 1879 فيروساً و577 نوعاً من البكتيريا و23 نوعاً من الكائنات حقيقية النواة. وفي نفس العام 2007 تم الإعلان عن انتهاء مشروع الجينوم البشري.

خصائص مذهلة
ويواصل أستاذ التقنية الحيوية الدكتور طارق قابيل حديثه بأن جزيء الحمض النووي «دي إن إيه» «DNA» يتألف من شريطين يلتفان حول بعضهما باتجاه عقارب الساعة، حول محور واحد؛ أحدهما يتجه إلى أعلى والآخر إلى أسفل، على هيئة سلم حلزوني مزدوج.
كل شريط عبارة عن خيط من وحدات كيميائية تسمى النيوكلتيدات. والنيوكلتيدات من أربعة أصناف لا تختلف إلا في نوع القاعدة النيتروجينية. وهذه القواعد النيتروجينية هي: «الأدنين Adenin»، و«الثايمين Thymine»، و«السيتوسين Cytocine»، و«الغوانين Guanin». وتشكل هذه القواعد أزواجا؛ فقاعدة «الأدنين»، ترتبط دائما بـ«الثايمين»، بينما ترتبط «الغوانين» بـ«السيتوسين».
تتوزع القواعد بالترتيب على اللولب المزدوج؛ بحيث يوجد 10 أزواج فقط على كل دورة لولب مزدوج. وتشكل القواعد كلمات وجملا وراثية تحفظ المعلومات الوراثية للكائن الحي من الإنبات إلى الممات، على هيئة جينات، وتتطابق كل مجموعة مؤلفة من ثلاثة أحرف مع حامض أميني واحد.
كشفت الدراسات الحديثة أن للولب المزدوج خصائص مذهلة، لا سيما في العلاقة بين التركيب والوظيفة، وإذا تم تمديد جديلة الحمض النووي «دي إن إيه» الموجودة في أي خلية من خلايا الإنسان فسيبلغ طولها مترين. وإذا وضعت جميع جزيئات الحمض النووي للجسم البشري سوية من نهايات أطرافها؛ فإنها قد تصل إلى الشمس وترتد أكثر من 600 مرة.

ثورة طبية واعدة
• تشابه البشر. أكدت الدراسات أن البشر متشابهون في حوالي 99.9 في المائة على مستوى الحمض النووي «دي إن إيه». ورغم ذلك، فالحمض النووي هو أكبر مقياس لتمييز الأفراد، ولهذا فكر العلماء في عمل قاعدة بيانات للأحماض النووية تستخدم في تحليل الأمراض والدراسات الطبية، والبصمات الوراثية من خلال تسجيل ملامح الحمض النووي. وهي تفيد في دراسات بعض الأمراض وعلاقتها بالجينات، وبالتالي العثور على بعض الأدوية الجديدة أو العلاجات الفعالة للسيطرة على هذه الأمراض.
• تخزين البيانات الرقمية. يختزن الغرام الواحد من الحمض النووي «دي إن إيه» معلومات بقدر ما يختزنه ألف مليار قرص كومبيوتر، ويستطيع أن ينجز 2 × 1910 عملية ربط بالجول الواحد في درجة حرارة الغرفة، علماً بأن أفضل الكومبيوترات الحالية ينجز 910 عملية فقط بالجول الواحد، وأن الحد الأقصى الذي لا يمكن تجاوزه ثرموديناميكياً هو 34 × 1910 عملية في الجول الواحد.
يمكن أن تملأ المعلومات الموجودة في الحمض النووي «دي إن إيه» مجموعة من الكتب يصل ارتفاعها إلى 60 متراً أو 200 دليل هاتف، كل واحد منها مؤلف من 500 صفحة.
وأثبت الباحثون في جامعة نيوساوث ويلز أن تخزين البيانات في الحمض النووي بات أمراً ممكناً. ولقد بات من الممكن حالياً أن يتم الحفاظ على إرث البشرية جمعاء، بطريقة تخزين أفضل في قواعد البيانات المشكلة من الحمض النووي.
وكما يشير المبتكرون، قد تكون هذه التقنية بالفعل قابلة للحياة اقتصاديا وجذابة لبعض المحفوظات الأرشيفية الحكومية، والمشاريع العلمية التي تولد كميات هائلة من البيانات المهمة واسعة النطاق مثل تجارب فيزياء الجسيمات وعلم الفلك والطب.

الجينوم السعودي
يعتبر مشروع الجينوم السعودي أول خريطة للصفات والخصائص الوراثية للعرب على مستوى الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي، الذي يكشف ويحدّد الطفرات الوراثيّة المسببة للأمراض الوراثيّة في المجتمع السعودي، وتوثيق أول خريطة وراثية، والذي سيقود إلى تخفيض تكاليف الرعاية الصحيّة.
يهدف المشروع إلى إنشاء قاعدة بيانات وطنيّة خاصة بالأمراض المعدية بالمملكة، ولتطوير منظومة معلوماتية تفاعلية متكاملة تساهم في الحد من انتشار أمراض وراثية شائعة في المجتمع السعودي. وستفيد جميع مخرجات المشروع المجتمع بطريقة مباشرة بما يتلاءم مع أهداف برنامج التحول الوطني ورؤية ‏‏2030‏.
وشهدت السنوات الماضية ثورة علمية كبيرة في التقنيات الحيوية أدت إلى توافر كميات هائلة من المعلومات حول تراكيب ووظائف المكونات الخلوية والحيوية الدقيقة وبخاصة الحمض النووي، والبروتينات. وتمثلت هذه المعلومات بشكل رئيسي في سلاسل الأحماض النووية والأمينية والخرائط الوراثية (الجينوم) للكائنات الحية والتراكيب الثلاثية الأبعاد للبروتين. وواكب هذه الثورة تطور كبير في مجال المعلوماتية، مما أدى إلى اندماج معظم هذه التقنيات معاً لتحليل تلك البيانات الضخمة والتوصل إلى حلول علمية كثيرة أدت إلى تثوير العديد من القطاعات العلمية والصناعية وفك غموض العديد من الأسرار العلمية الدفينة.

تطبيقات وعلوم جديدة
> تطبيقات طبية. اهتم العلماء بالتطبيقات الطبية بشكل كبير، نظراً لأن فهماً أفضل لكيفية انتظام الجينات ودورها في الخلية وفي تطور الكائنات، يفتح الباب أمام تصميم علاجات تتناسب مع المواصفات الوراثية للإنسان، وشكّلت المعلومات الجينية المكتشفة، الأساس لتصميم الكثير من الأدوية ومُكوّناتها.
وفي مقابل هذا التدفق المعلوماتي الكبير، واجه العلماء تحديا تمثل في إيجاد سُبل التنقيب والبحث عن معلومات مُحدّدة، بطريقة سريعة وفعّالة، وبات العثور على المعلومة المطلوبة يُشبه محاولة العثور على إبرة في كومة من القشّ.
> علوم جديدة. وتطلب التطور في المعرفة انبثاق علما جديدا هو علم المعلوماتية الحيوية أو «بيوإنفورماتيكس bioinformatics» وهو علم يدمج الحاسوب مع الرياضيات والجينوم، ويتعامل مع الخلية والحمض النووي كما لو أنها حاسوب. كما يستهدف هذا العلم البحث عن المعلومات في كم هائل من البيانات للتوصل إلى الأسرار في صفاتنا الوراثية، وفهم أعمق لكيفية تفاعل هذه المكونات داخل وخارج خلية الكائن الحي، في مختلف الظروف التي تواجهه في حالة الصحة والمرض.
وقد انبثقت العديد من العلوم الحديثة الأخرى ذات العلاقة الوثيقة بالحمض النووي أهمها: حوسبة الأحياء، والأحيائية الرياضية، والجينوميات، والبروتيوميات، الذي يهتم بدراسة البروتينات الناتجة من المورثات، وتراكيبها وتفاعلها، وغيرها من العلوم البازغة الجديدة التي تستعمل في اكتشاف وتطوير العقاقير الطبية.
*عصر التحرير الجيني. يعد التحرير الجيني طفرة طبية كبيرة تُفضي إلى قدرة البشر على التدخل الجيني بشكل كبير، والتحكم في الحمض النووي لعلاج الأمراض المستعصية. وتهدف تقنيات التحرير الجيني إلى «إعادة كتابة المادة الوراثية» لأي كائن حي. واستخدم العلماء تقنية «كريسبر CRISPR» في التعديل الوراثي للكائنات الحية، وأهم غايات التحرير (أو القصّ) الجيني هي علاج الأمراض المستعصية على الطب الحديث كالإيدز والتهاب الكبد الفيروسي والبتا ثالاسيميا. وتعمل تقنية «كريسبر» بمثابة مشرط جيني يقطع الحمض النووي للمريض، ويستهدف ويصلح الجينات التي تمثِل خطورة محتملة للإصابة بالأمراض. وقد تجعل هذه الطريقة بعضَ الأمراض المحددة، بما في ذلك ألزهايمر، وأمراض الخلايا المنجلية، وبعض أشكال السرطان، جزءاً من الماضي. وبينما تواجه، العلاجات التقليدية للأمراض المزمنة، عادة، الأعراض فقط، توفر هذه الطريقة المبتكرة احتمالاً للشفاء الكامل عن طريق مهاجمة المرض من المصدر. وهناك أيضا العديد من العلوم الناشئة التي تستغل هذه الثورات التقنية غير المسبوقة والتي تتزايد كفاءتها يوما بعد يوم، مما سيكون له العديد من الآثار العلمية ويبشر بثورة طبية شاملة في مجالات التشخيص والعلاج. وتستمر الآثار المترتبة على اكتشاف أسرار اللولب المزدوج.
- استشاري طب المجتمع



فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
TT

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب. ولذا تُعدّ هذه العناصر في دمك بمثابة مؤشر على صحة قلبك.

نهج استباقي

ويُعتبر إجراء فحوصات الدم لفهم خطر إصابتك بمرض الشريان التاجي نهجاً استباقياً للحفاظ على صحة قلبك. ولذا من المفيد جداً التعاون مع طبيبك لفهم نتائجك وتحديد الخطوات التالية الأنسب.

ونقدم إليك هنا مزيداً من التوضيحات حول تلك الفحوصات القلبية التي يتم التعرُّف عليها من خلال تحاليل الدم:

1. التروبونين: وهو الاختبار الأكثر شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة الجلطة القلبية. التروبونين Troponin مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف، وهو ما يحدث في أثناء النوبة القلبية وحالات أخرى تتعرض فيها أنسجة عضلة القلب للتلف بفعل الالتهابات العضلية. والتروبونين مركب بروتيني موجود في عضلة القلب والعضلات الهيكلية، وهو يُنظم انقباضها.

وعند تلف عضلة القلب، تُفرز أنواع محددة من التروبونين القلبي في مجرى الدم، ما يجعل فحص الدم أداة تشخيصية أساسية للنوبات القلبية والإصابات والإجهاد. وترتفع مستويات التروبونين عادة خلال 3-4 ساعات من الإصابة، تبلغ ذروتها خلال 12- 48 ساعة، وقد تبقى مرتفعة لمدة أسبوع إلى أسبوعين. ولذا فإن الغرض من إجراء تحليل التروبونين هو قياس مدى حصول تلف في أنسجة عضلة القلب، وخصوصاً في قسم الطوارئ لتشخيص سبب الشكوى من ألم الصدر، الذي من أسبابه القلبية كل من: احتشاء عضلة القلب (نوبة الجلطة القلبية Myocardial Infarction)، والذبحة الصدرية غير المستقرة Unstable Angina، والتهاب عضلة القلب Myocarditis.

ولذا، فإن الأعراض التي تستدعي إجراء الفحص تشمل ألماً في الصدر، وضيقاً في التنفس، ودواراً، وغثياناً، وألماً ينتشر إلى الذراعين أو الظهر أو الرقبة. ويقوم الطبيب بتفسير النتيجة وفق حالة المريض. وفي حين أن المستويات المرتفعة جداً غالباً ما تشير إلى نوبة قلبية، فإن الارتفاعات المتوسطة قد تنتج عن انسداد الجلطة في الشرايين الرئوية Pulmonary Embolism، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم بالالتهابات الميكروبية (الإنتان)، أو إنها نتيجة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. ولذا يتطلب ارتفاع التروبونين إجراء مزيد من التقييم لشرايين القلب، لتحديد ما إذا كان الضرر ناتجاً عن متلازمة الشريان التاجي الحادة Acute Coronary Syndrome أو عوامل أخرى.

2. تحليل الدم دي-دايمر D-DIMAR: ودي-دايمر هي بالأساس بروتينات معينة في الدم يتم فحص مستواها لاستبعاد حصول بعض اضطرابات التخثر الدموي، أي استبعاد وجود جلطة دموية خطيرة. وهي بالأساس شظايا من المركَّبات الكيميائية التي ترتفع نسبتها في الدم عند تحلل خثرة الجلطة الدموية. ولذا قد ترتفع مستويات دي-دايمر في الدم إذا كنت تعاني من جلطة كبيرة داخل أحد الأوعية الدموية الكبيرة في «داخل» الجسم، مثل تخثر جلطة الأوردة العميقة، وهي جلطة في الأوردة العميقة التي في الساقين أو الفخذين، ويمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الرئة إذا انتقلت مع الدم إلى الأوعية الدموية في الرئة (جلطة الانسداد الرئوي).

وحينما يستقبل الطبيب حالة تتضمن تورماً وألماً واحمراراً في إحدى الساقين أو الفخذين (يشتبه بجلطة أوردة عميقة)، أو حالة من الشكوى من صعوبة في التنفس مع سرعة نبضات القلب وألم في الصدر وسعال وانخفاض في نسبة الأكسجين في الدم (يشتبه بجلطة الانسداد الرئوي)، فإن الطبيب ضمن الفحوصات التي يطلبها آنذاك، قد يطلب تحليل الدم لمعرفة مستوى دي-دايمر. وإذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن دمك يحتوي على مستويات منخفضة من بروتين دي-دايمر. ولذا فمن «غير المُرجح» أن تكون مصاباً باضطراب تخثر في مكان ما من جسمك. وإذا كانت النتيجة مرتفعة أو إيجابية، فهذا يعني وجود مستويات عالية من بروتين دي-دايمر في دمك. وسيحتاج الطبيب حينئذ إلى إجراء مزيد من الفحوصات والتصوير لمعرفة ما إذا كانت ثمة جلطة دموية، ومكانها، وسببها.

ومع ذلك سيُراعي الطبيب احتمالات وجود حالات وعوامل قد تؤثر على نتائج اختبار دي-دايمر؛ حيث من الممكن أن يكون مستوى دي-دايمر مرتفعاً دون وجود جلطة دموية. أو قد تكون النتيجة المرتفعة أيضاً نتيجة التقدم في السن، أو الحمل، أو وجود عدوى ميكروبية في الجسم، أو أمراض مزمنة في الكبد، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول والدهون في الدم، أو تناول أدوية ترفع من نسبته في الدم، مثل الأدوية المضادة للصفيحات مثل الأسبرين، وكلوبيدوغريل (بلافيكس)، وبراسوغريل (إفيينت)، وتيكاجريلور (بريلينتا).

مؤشرات خطر

3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: توصي النصائح الطبية ببدء إجراء تحليل الدم لفحص الكوليسترول بين سن 20 و35 عاماً، وذلك اعتماداً على عوامل الخطر الخاصة بك للإصابة بأمراض القلب. ولذا يجب إجراء اختبار الكوليسترول المتكرر أو إجراء مراقبة إضافية أخرى:

- إجراء الاختبار مرة كل 5 سنوات للرجال الذين لديهم مستويات كوليسترول طبيعية.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا حدثت تغييرات في نمط الحياة (بما في ذلك زيادة الوزن والنظام الغذائي).

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تعاني من مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، أو السكتة الدماغية، أو مشكلات تدفق الدم في الساقين أو القدمين أو بعض الحالات الأخرى.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تتناول أدوية للتحكم في ارتفاع الكوليسترول.

ويقدم تحليل الدم المعتاد للكوليسترول والدهون، نتائج 4 عناصر، هي:

- الكوليسترول الثقيل HDL: وهو الكوليسترول الحميد؛ لأنه كلما ارتفع في الدم انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الكوليسترول الخفيف LDL: وهو الكوليسترول الضار؛ لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الدهون الثلاثية TG: وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكوليسترول الخفيف أو انخفاض الكوليسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكوليسترول والدهون في جدران الشرايين.

- الكوليسترول الكلي TC: وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاثة في نتائج تحليل الكوليسترول.

وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكوليسترول دون الحاجة للصوم Non-Fasting. ولكن في متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (عند وجود 3 من المؤشرات التالية: زيادة محيط البطن- ارتفاع الدهون الثلاثية- انخفاض الكوليسترول الثقيل- ارتفاع ضغط الدم- ارتفاع السكر A=في الدم) أو مرض السكري، أو مرضى اضطرابات الكوليسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 و12 ساعة).

4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم BNP: وهذا نوع من البروتينات التي ينتجها القلب والأوعية الدموية، ويُعرف أيضاً بـ«النوع (بي) من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم». والأساس في عمله أنه يساعد الجسم على التخلص من السوائل المتراكمة فيه، وكذلك على إرخاء الأوعية الدموية، وتسهيل نقل الصوديوم إلى البول (كي يسحب معه مزيداً من الماء الخارج في سائل البول).

وفي حال تضرر القلب -وخصوصاً ضعف قوة القلب- يفرز الجسم نِسَباً عالية من النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في مجرى الدم، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على القلب. ويتمثل أحد أهم استخدامات فحص النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في محاولة تحديد ما إذا كان ضيق النَّفَس ناجماً عن فشل القلب أم لا.

تختلف مستويات النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم حسب السن ونوع الجنس والوزن. وبالنسبة للأشخاص المصابين بفشل القلب، يمكن أن يكون إرساء قيمة قاعدية للنوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم نافعاً جداً. وبالتالي، يمكن للاختبارات المستقبلية أن تساعد على تقدير مدى نجاح العلاج، أو مدى الانتكاس في التحكم في تداعيات حالة ضعف القلب. وأهم تلك التداعيات هو تراكم كثير من السوائل في الجسم، وخصوصاً الرئتين والساقين.

أدوات تشخيصية أساسية للنوبات القلبية أو وجود جلطة دموية خطيرة

رصد الالتهابات

5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية us-CRP: وهو بروتين يفرزه الكبد ضمن استجابة الجسم للإصابة أو العدوى. وتؤدي هذه الاستجابة إلى حدوث تورُّم داخل الجسم يُطلق عليه الالتهاب. ويؤدي الالتهاب دوراً رئيسياً في تراكم اللويحات (المحتوية على الكوليسترول والدهون) في الشرايين القلبية، مسبباً ما يُطلق عليه مرض تصلب الشرايين الذي من مظاهره تضيقات الشرايين القلبية وتداعياتها. ويساعد اختبار تحديد معدل البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية في تحديد مدى خطر الإصابة بأمراض القلب، قبل ظهور الأعراض بشكل واضح لدى المريض.

ويرتبط ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والأمراض القلبية.

ولكن قد تُسبب أشياء عدة (مثل الإصابة بنزلة زكام، أو الركض لمسافة طويلة) ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» لفترة وجيزة. ولذا، ينبغي إجراء الاختبار مرتين، على أن يفصل بينهما أسبوعان. ويُشير ارتفاع مستوى البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية عن 2.0 ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

6. تحاليل أخرى: في حالات معينة، قد يطلب الطبيب إجراء تحليل الدم لوظائف الغدة الدرقية TSH، عند الشكوى من الخفقان أو تراكم السوائل حول القلب.

كما قد يطلب تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c، لمعرفة مدى انضباط مستويات سكر الدم لدى مرضى السكري.

وقد يطلب الطبيب قياس مستويات السيراميد Homocysteine في الدم الذي قد يرتبط ارتفاعه بتصلب الشرايين. وأيضاً يتابع طبيب القلب نتائج تحليل وظائف الكلى؛ خصوصاً عند وصفه للمريض أدوية إدرار البول.

وفي حالات المرضى الذين يتلقون دواء منع تجلط الدم، مثل الوارفارين، يتابع الطبيب نتائج تحليل نسبة التخثر الدولية INR لتحديد الجرعة المناسبة من هذا الدواء.وأيضاً إجراء تحليل الدم CBC لمعرفة نسبة الهيموغلوبين ومدى وجود فقر الدم.

وينظم فيتامين «دي» مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم. ولكن ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين «دي» بمخاطر متنوعة على صحة القلب. كما قد تشير المستويات المنخفضة إلى صعوبة تحمل أدوية الستاتين (أدوية خفض الكوليسترول) وإلى احتمال ارتفاع ضغط الدم.


لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟
TT

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

كشفت دراسة جديدة لباحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في 9 فبراير (شباط) الحالي في مجلة علم الأعصاب «Journal of Neuroscience»، عن احتمالية أن يكون السبب في صعوبة تعلم الرياضيات math راجعاً إلى أسباب عصبية في الأساس تؤدي إلى اختلاف الطريقة التي يعمل بها المخ في كل طفل.

«عُسر الحساب»: مشكلة شائعة

من المعروف أن صعوبة تعلم الرياضيات تُعد من المشكلات الشائعة في التعليم، وعلى وجه التقريب في معظم المجتمعات، تعاني نسبة من السكان تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة من صعوبة تعلم مادة الرياضيات، أو ما يُسمى عسر الحساب dyscalculia، الذي يشمل صعوبات في فهم ومقارنة الكميات، وتعلم العدّ، وفهم رموز الأرقام، وتعلم المهارات الرياضية المختلفة مهما كانت بسيطة.

أوضح الباحثون أن القدرة على حل المسائل الرياضية، والتعامل مع الأرقام يحتاجان إلى مهارات عصبية متعددة، مثل المعالجة البصرية (من خلال إرسال الإشارات إلى المخ لترجمة الأرقام إلى كميات معينة، وأيضاً ترجمة الرموز المختلفة، مثل الجمع، والطرح، والضرب)، والذاكرة قصيرة المدى (للاحتفاظ بتفاصيل المسألة الرياضية أثناء حلها).

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 87 طفلاً من أطفال الصفين الثاني والثالث في المدارس الأميركية يتراوح متوسط أعمارهم بين 7 و9 أعوام. ومنهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات، إذ حصلوا على متوسط درجات أقل من أقرانهم بشكل ملحوظ في اختبار لقياس قدرة الطالب العادي على حل المسائل الرياضية. أما بقية الأطفال الآخرين فقد حصلوا على درجات أعلى، مما يشير إلى قدرة طبيعية على تعلم الرياضيات.

اختار الباحثون مهمة معينة لاختبار القدرة على التعامل مع الأرقام، حيث طُلب من الأطفال إكمال سلسلة من المقارنات البسيطة لحل مسائل حسابية، وفي كل محاولة تتم المقارنة بين كميتين، وكان عليهم تحديد أي الكميتين أكبر، وذلك لتقييم الاختلافات في نشاط المخ أثناء تعاملهم مع الأرقام، وتم عمل أشعة رنين مغناطيسي لكل الأطفال المشاركين، لرصد نشاط المخ أثناء قيام الأطفال بحل المسائل.

في كل محاولة كانت الكميات تُعرض بشكل مختلف، وعلى سبيل المثال تُعرض على صورة أرقام مكتوبة، وفي أحيان أخرى كانت تُعرض على شكل مجموعات من النقاط، ما يتطلب من الطفل تقدير المجموعة التي تحتوي على عدد أكبر من العناصر بسرعة. وكان هدف العلماء من التبديل بين مجموعة الأرقام ومجموعات النقاط تقييم قدرة الطفل على التعامل مع الحسابات، وتوقع الإجابة بمجرد الرؤية.

قام الباحثون بتصميم المسائل بحيث تتضمن مسائل سهلة (التي يوجد بها فارق كبير بين الأرقام، وبالتالي تكون الإجابة واضحة، مثل 7 مقابل 2)، وأخرى صعبة (التي يوجد بها فارق بسيط يفصل بين الأرقام مثل 6 مقابل 7)، وبالتالي تكون الإجابة أكثر صعوبة.

دراسة أداء الأطفال

بدلاً من التركيز فقط على صحة الإجابات، أو خطئها، ركز الفريق البحثي على معرفة الكيفية التي تغير بها أداء كل طفل، في المحاولات المختلفة، عن طريق مراقبة هل يقوم الطفل بتعديل أسلوبه بعد ارتكاب الأخطاء من عدمه؟ ومدى حرصه على تحديد الرقم الأكبر، سواء في المسائل السهلة، أو الصعبة، ومدى سرعة اكتشافه لأخطائه، وإبطاء وتيرة الحل في المسألة التالية بعد ارتكاب الخطأ، وهي كلها أمور أساسية في تعلم الرياضيات، أو التعامل مع الأرقام بشكل عام.

وفي المسائل المتعلقة بالرموز العددية، كان الأطفال من ذوي القدرات الرياضية الطبيعية أكثر تباطؤاً عند إجراء المقارنات الصعبة بين الأرقام المتقاربة، مقارنة بالمقارنات السهلة. وفي المقابل لم يقم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات بتغيير طريقة تفكيرهم بنفس القدر أثناء حل المسائل، بمعنى أنهم لم يحاولوا التباطؤ، أو تغيير سلوكهم في المسائل الصعبة، وبالتالي ساهم ذلك في ارتكابهم للأخطاء.

أظهرت النتائج نمطاً ثابتاً للمجموعتين، حيث كان الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الرياضيات أقل ميلاً لتغيير طريقة حلهم بعد الخطأ في حل المسألة، حتى عندما ارتكبوا أنواعاً مختلفة من الأخطاء، ولم يقوموا بتغيير طريقة تفكيرهم استجابة لهذه الأخطاء. وكانت هذه الصعوبة في تعديل السلوك بمرور الوقت فرقاً جوهرياً بين الأطفال ذوي القدرات الرياضية الطبيعية، والذين يواجهون صعوبات في تعلم الرياضيات.

وأوضحت فحوصات أشعة الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين واجهوا صعوبة أكبر في تعلم مادة الرياضيات أظهروا نشاطاً أضعف في المناطق المسؤولة عن مراقبة الأداء، وتعديل السلوك في القشرة المخية، وفي الأغلب ترتبط هذه المناطق العصبية بالتحكم المعرفي، ما يعني القدرة على تقييم الأخطاء، وتغيير طرق التفكير، والمساعدة في اتخاذ القرارات، والتحكم في الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

تشير النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا تنبع فقط من مشكلات في مجرد التعامل مع الأرقام، بل قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في مراجعة عمليات تفكيرهم أثناء حلّهم للمسائل، لأن القدرة على إدراك الخطأ وتجربة أسلوب جديد تُعد أمراً أساسياً في حل المسائل الرياضية.

في النهاية، أكد الباحثون على ضرورة الاهتمام بمشكلة صعوبة تعلم الرياضيات على وجه التحديد، وعدم التعامل معها كما لو كانت مجرد تراخٍ، وإهمال دراسي، خاصة في الطفولة المبكرة، لأن مخ الأطفال لا يزال في طور النمو، ما يُتيح لهؤلاء الأطفال اكتساب المهارات، وتطوير القدرات اللازمة للتكيف مع هذه الحالة من خلال برامج تعليمية فردية.

• استشاري طب الأطفال


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته

في عيادة أسنان رقمية حديثة، تظهر صورة أشعة جانبية للأسنان الخلفية على الشاشة. وخلال ثوانٍ، يحدد النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي منطقة مظللة ويعرض تقديراً رقمياً: «احتمال تسوّس 87 في المائة». وفي تلك اللحظة القصيرة، يتحول الرقم من نتيجة تحليل بصري إلى عنصر مؤثر في القرار العلاجي.

لم يعد التشخيص قائماً على قراءة الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل بين الخوارزمية والخبرة السريرية والسياق الصحي للمريض. وهنا لا نتعامل مع أداة تشخيصية إضافية فحسب، بل مع تحول هادئ في بنية اتخاذ القرار داخل العيادة.

بماذا تخبرنا أبحاث 2026؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استخدام نماذج التعلم العميق لتحليل الصور الشعاعية للأسنان، ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «المراجعة اليابانية لعلم الأسنان» (Japanese Dental Science Review)، أظهر باحثون أن أنظمة تعتمد على التصوير بالهواتف الذكية المدعوم بالذكاء الاصطناعي استطاعت تحسين معدلات كشف التسوّس، خصوصاً في البيئات محدودة الموارد الصحية.

غير أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الأداء التشخيصي لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، بل يتأثر بجودة الصورة، ومستوى الإضاءة، ونوع الجهاز المستخدم، وخبرة من يلتقط الصورة. وهو ما يؤكد أن الدقة المعلنة ليست قيمة ثابتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التقنية والبيئة السريرية.

وفي دراسة حديثة اخرى نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) الصادرة عن مجموعة «نيتشر»، حذّر باحثون من «يونيفرسيتي كوليدج لندن» من الاعتماد غير المشروط على نماذج تحليل الصور الطبية دون مراقبة مستمرة لأدائها بعد التطبيق السريري، مؤكدين أن فاعلية الأنظمة قد تتغير مع اختلاف السكان وأنماط المرض.

تحوّل التوزيع: التحدي الصامت

يصف علماء الذكاء الاصطناعي هذه الظاهرة بما يُعرف بتحول التوزيع (Distribution Shift)، حيث يتعلم النموذج من بيانات ذات خصائص محددة، ثم يُستخدم لاحقاً في بيئات تختلف من حيث الأجهزة أو خصائص المرضى أو انتشار الأمراض.

قد يُدرَّب النظام على صور عالية الجودة في مركز أكاديمي متقدم، ثم يُستخدم في عيادة مجتمعية بإمكانات تصوير مختلفة. في هذه الحالة، قد تنخفض الدقة تدريجياً دون ظهور إنذار واضح، مما يجعل الخطأ يتسلل بصمت إلى الممارسة اليومية.

الخطر هنا لا يكمن في الخطأ المفاجئ، بل في الثقة المستمرة بنظام تغيّر أدائه دون أن نلاحظ.

حين تحاط الخوارزميات بسياج الأخلاق

انحياز البيانات وعدالة التشخيص

تناولت مراجعات حديثة في «مجلة طب الأسنان البريطانية المفتوحة» (BDJ Open) قضية انحياز البيانات في أنظمة كشف التسوّس. فالخوارزميات تتعلم مما يُقدَّم لها؛ وإذا جاءت بيانات التدريب من مجموعات سكانية محدودة، فقد لا يكون الأداء متكافئاً عند تطبيقها على مجتمعات مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أخلاقي جوهري: هل يحصل جميع المرضى على جودة تشخيص متساوية؟ أم أن الفوارق غير المرئية داخل البيانات قد تعيد إنتاج تفاوتات صحية قائمة؟

الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على توسيع الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يعكس تحيزاتنا البشرية إن لم يُصمم ويُختبر بعناية.

الصندوق الأسود ومسؤولية الطبيب

لا يزال كثير من نماذج التعلم العميق تعمل بوصفها «صناديق سوداء»، تقدم توصيات دون تفسير واضح لمسار القرار. وعندما يشير النظام إلى تسوّس غير موجود أو يفشل في اكتشاف آفة مبكرة، تبقى المسؤولية المهنية والقانونية في نهاية المطاف على عاتق الطبيب.

إن دخول الخوارزمية إلى صلب القرار لا يلغي الحكم السريري، لكنه يعيد توزيع مصادر النفوذ المعرفي داخل العيادة، مما يجعل الحاجة ملحّة لتطوير أنظمة تفسيرية تدعم القرار البشري بدل أن تستبدله.

مَن يتحمل الخطأ عندما تصمت الخوارزمية؟

الخطر ليس في الخطأ... بل في التصميم

الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس منافساً للطبيب، بل أداة قد تعزز دقة التشخيص وتحسن الوصول إلى الرعاية. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُعامل نتائج الدراسات بوصفها ضماناً مطلقاً للأداء في كل سياق سريري.

ما نحتاج إليه ليس خوارزمية معصومة، بل منظومة تجعل الخطأ مرئياً، وحدود الاستخدام واضحة، وآليات المراجعة مستمرة.

إن القرار العلاجي يظل فعلاً إنسانياً يتحمل تبعاته من يتخذه، عندما تصبح التقنية شريكاً وليس بديلاً.

يبقى التسوّس مرضاً بيولوجياً، لكن التعامل معه قرار سريري وأخلاقي في آن واحد. والذكاء الحقيقي لا يتمثل في الثقة العمياء بالخوارزمية، بل في القدرة على استخدامها بوعي نقدي، ومعرفة متى نتفق معها... ومتى نعيد النظر في توصياتها.. في النهاية، قد تقرأ الآلة الصورة بدقة متزايدة، لكن مسؤولية فهم الإنسان الذي خلف الصورة ستبقى مهمة الطبيب.