وزير الدفاع الأميركي يرفض تفعيل «قانون الانتفاضة» لاحتواء المتظاهرين

الحرس الوطني وسّع دائرة الإغلاق في محيط البيت الأبيض... والاحتجاجات تتواصل في المدن الكبرى

وزير الدفاع الأميركي يرفض تفعيل «قانون الانتفاضة» لاحتواء المتظاهرين
TT

وزير الدفاع الأميركي يرفض تفعيل «قانون الانتفاضة» لاحتواء المتظاهرين

وزير الدفاع الأميركي يرفض تفعيل «قانون الانتفاضة» لاحتواء المتظاهرين

قال وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر إنه لا يدعم تفعيل «قانون الانتفاضة» الذي دعا إليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والذي يسمح بنشر الجيش الأميركي في المدن والولايات الأميركية من دون الرجوع إلى سلطة الحكام. وأضاف «لطالما اعتقدت وما زلت أعتقد أن الحرس الوطني هو الأنسب لدعم السلطات المدنية محليا في هذه الحالات». وتابع أمام الصحافيين في وزارة الدفاع: «على خيار استخدام قوات في الخدمة أن يكون الملاذ الأخير، ويقتصر على الحالات الأكثر إلحاحا والأخطر (...) لسنا في وضع كهذا الآن».

واعتبر موقف إسبر لافتا وقلبا لمسار الأمور داخل الدائرة الضيقة في البيت الأبيض، خصوصا وأنه أتبعه بسلسلة من المواقف سعى من خلالها إلى النأي بنفسه وبوزارته عما يجري في المدن الأميركية، ما قد يصب في خدمة المتظاهرين السلميين. وفي مؤتمر صحافي عقده في البنتاغون، قال إسبر إن الحرس الوطني لم يقم بإطلاق الرصاص المطاطي على المتظاهرين السلميين، ولا الغاز المسيل للدموع، وإنه لم يكن يعلم بعمليات تفريق المتظاهرين التي كانت تجري خارج أسوار البيت الأبيض من طرف قوات إنفاذ القانون، لتسهيل قيام الرئيس ترمب بزيارة الكنيسة مساء الاثنين. وأكد أن قرار إخلاء الساحة لم يكن قرارا عسكريا، بل من أجهزة أخرى، داعيا إلى توجيه المساءلة عمّا جرى إلى وزارة العدل الأميركية. كما أكد من جهة أخرى على فتح تحقيق في أسباب قيام طائرة هليكوبتر من طراز «بلاك هوك» بالتحليق بشكل منخفض وخطير فوق المتظاهرين يوم الاثنين في واشنطن. تساءل: «من الذي طلب ذلك؟ وهل كان القرار من القائمين على تنفيذ القانون؟ وعلى الجيش والحرس الوطني القيام بتحقيقات. عندما تحلق طائرة بهذا الشكل، يكون الأمر خطيرا». وحث إسبر الجيش الأميركي على الابتعاد عن السياسة والحفاظ على القيم الأميركية في احترام القانون والدستور، مشددا على التزام المؤسسة العسكرية بإنهاء العنصرية والكراهية، ومشيدا بجهود أفراده في الخارج كما في الداخل. وأضاف إسبر «عندما ننظر إلى التصعيد الأخير، أعتقد أنه كان مهما أن نتحدث كمؤسسة عما يجري في البلاد، وأن موقفنا ضروري لتوضيح ما يجري».
في المقابل، قال الرئيس ترمب أمس إنه لم يطلب إبعاد المتظاهرين قبل أن يترجل إلى كنيسة تاريخية محترقة جزئيا بالقرب من البيت الأبيض للتصوير هناك وهو يحمل الكتاب المقدس مع كبار مساعديه. وأوضح في مقابلة مع «راديو فوكس نيوز»: «لم يستخدموا الغاز المسيل للدموع»، وهو ما يتناقض مع تقارير لعدد كبير من المحتجين والصحافيين بأن الغاز المسيل للدموع استخدم لإبعادهم عن الكنيسة، كما ذكرت وكالة رويترز. وأضاف: «الآن، عندما ذهبت لم أقل... أبعدوهم من هنا. لم أعلم من كان هناك».
إلى ذلك، نفى الرئيس الأميركي أن يكون نُقل إلى ملجأ آمن في البيت الأبيض خلال المظاهرات أمام بواباته الخارجية، مؤكدا أنه توجه إلى المكان لمجرد تفقده. وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد ذكرت أن جهاز الحماية نقل الرئيس إلى الملجأ مساء الجمعة خلال مظاهرة أمام البيت الأبيض. وقال ترمب لإذاعة فوكس نيوز: «إنها معلومات خاطئة». وأضاف «كان ذلك خلال النهار»، موضحا أنه توجه إلى المكان «مرتين أو ثلاث مرات» خلال الأيام الماضية لكن في كل مرة من أجل «تفقد المكان». وأوضح «لقد توجهت معي مجموعة من الأشخاص».
جاءت تصريحات إسبر فيما تواصلت التظاهرات لليوم التاسع على التوالي، في العديد من شوارع المدن الأميركية الكبرى، فيما خرق كثيرون حظر التجول الذي فرضته السلطات المحلية والفيدرالية ليلة الثلاثاء إلى الأربعاء، بهدف وقف الاحتجاجات العنيفة على مقتل رجل أسود على يد الشرطة. وليلة الثلاثاء، سجّل تراجع في أعمال النهب والتخريب الليلية، فيما خرجت مسيرات حاشدة خلال النهار، حافظت على طابعها السلمي في مدن لوس أنجليس وفيلادلفيا وأتلانتا ونيويورك وبورتلاند وأتلانتا ومينيابوليس، وكذلك في العاصمة واشنطن قرب المتنزه الذي أجلي المتظاهرون عنه يوم الاثنين لإفساح الطريق أمام الرئيس دونالد ترمب ليسير في موكب تحد من البيت الأبيض إلى كنيسة قريبة لالتقاط صورة.
وصباح أمس، توتّر الوضع في محيط البيت الأبيض، حيث استهدفت قوات الأمن المتظاهرين برذاذ الفلفل، وأطلق بعض المتظاهرين ألعابا نارية ضدهم في ساحة لافاييت القريبة من البيت الأبيض. وأخلت الشرطة الساحة المقابلة للبيت الأبيض من الصحافيين ووسعت دائرة الإغلاق، في قرار يهدف إلى إبعاد المتظاهرين تماما عن محيطه. وليلا شهد محيط البيت الأبيض وساحة لافييت القريبة، تجمعا سلميا للمتظاهرين خرقوا قرار منع التجول. وما لبث أن توتر بشكل محدود ليعود الهدوء إلى المكان، حيث لم تقم الشرطة بمطاردتهم كما حصل ليلة الاثنين. وخلال النهار، جثا متظاهرون أمام مبنى الكونغرس مرددين هتاف «الصمت هو العنف»، و«لا عدالة لا سلام»، فيما تصدى لهم أفراد الشرطة قبل بدء حظر التجول بحسب وكالة «رويترز». وقالت وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» إنها نقلت نحو 1600 جندي إلى منطقة العاصمة واشنطن. كما أعلن قائد الحرس الوطني الأميركي أن 18 ألف فرد من الحرس يساعدون قوات إنفاذ القانون في 29 ولاية.
وفي مدينة نيويورك، سار آلاف المتظاهرين من مركز باركليز نحو جسر بروكلين، على الرغم من سريان حظر التجول، فيما حلقت طائرات هليكوبتر تابعة للشرطة. كما قمعت الشرطة متظاهرين في منطقة برونكس ذات الغالبية من السود بسبب خرقهم للحظر، ومنعت آلاف المتظاهرين من التوجه إلى حي مانهاتن، ليقف بعدها الآلاف في الجانب الغربي من مانهاتن وهم يهتفون. وتعرض متجر «مايسيز» الشهير إلى محاولة سرقة، لكن قوات الأمن تصدت للمحاولة. كما أعلنت الشرطة أن ضباطا أصيبوا في اشتباكات في أماكن أخرى، من بينهم ضابط في حالة حرجة بعد أن صدمته سيارة في حي برونكس. كما أعلنت الشرطة أن مشتبها به في حالة حرجة، وأصيب شرطي بعد أن ردت الشرطة على إطلاق نار في حي بروكلين ليلة الثلاثاء في حادث لا علاقة له بالاحتجاجات. وملأ مئات المحتجين شارع هوليوود في مدينة لوس أنجليس، فيما تجمع آخرون أمام مقر إدارة الشرطة في المدينة، وعانقوا بعضا من الضباط الذين كانوا مصطفين أمام المبنى.
يشار إلى أن لوس أنجليس كانت مسرحا لأعمال شغب عنيفة في ربيع عام 1992، بعد تبرئة ساحة أربعة ضباط متهمين بضرب السائق الأسود رودني كينج بعنف. وأسفرت الأحداث عن مقتل أكثر من 60 شخصا وتسببت في أضرار تقدر بنحو مليار دولار.
من جهتها، شهدت هيوستن، مسقط رأس جورج فلويد تظاهرات حاشدة، فيما قام متظاهرون بركوب الخيل وتجولوا في شوارعها، في مشهد هوليوودي لافت، ولم تعترضهم قوات الشرطة. وفيما انتقد ترمب قرار حاكم نيويورك الديمقراطي أندرو كومو عدم استدعاء الحرس الوطني أو الاستعانة بالجيش، قائلا في تغريدة إن المدينة قد تم خسارتها لمصلحة البلطجية والرعاع، وافق على قرار حاكم ولاية تكساس الجمهوري غريغ آبوت الذي رفض الاستعانة بالحرس الوطني. هذا ووجه زعماء للبروتستانت والكاثوليك في الولايات المتحدة انتقادات لاذعة للرئيس ترمب بسبب طريقة إجلاء المحتجين السلميين بالقوة من أجل التقاط صورة له أمام كنيسة القديس يوحنا الأسقفية القريبة من البيت الأبيض. ونددوا بمعاملة إدارته للمحتجين على وفاة جورج فلويد، بعد أن جثم ضابط شرطة أبيض بركبته على عنقه لمدة تسع دقائق تقريبا في مدينة مينيابوليس الأسبوع الماضي.
وفاز ترمب في انتخابات 2016 الرئاسية بدعم قوي من الكاثوليك والإنجيليين البيض. ومع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، يحاول ترمب استمالة هؤلاء الناخبين بالصورة التي التقطت له أمام الكنيسة، وقام الثلاثاء بزيارة النصب التذكاري للبابا يوحنا بولس الثاني، وتوقيعه أمرا تنفيذيا يوجه الوكالات الأميركية لحماية الحريات الدينية في الخارج.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته «رويترز إبسوس» أن معظم الأميركيين يتعاطفون مع الاحتجاجات. وأجري الاستطلاع يومي الاثنين والثلاثاء، وتوصل إلى أن 64 في المائة من الأميركيين البالغين «يتعاطفون مع من يخرجون للتظاهر في الوقت الحالي»، فيما قالت نسبة 27 في المائة منهم إنها لا تشعر بالتعاطف مع المحتجين، وقال 9 في المائة إنهم غير متأكدين. وقال أكثر من 55 في المائة إنهم لا يوافقون على طريقة تعامل ترمب مع الاحتجاجات، بما في ذلك 40 في المائة قالوا إنهم يرفضون ذلك «بشدة».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...