الهولندي روتخر برغمان «يطرح رؤية جديدة للطبيعة البشرية»

يحلل نصوصاً قديمة عن خطايا الإنسان وصولاً للظواهر الحاضرة

روتخر برغمان - غلاف الكتاب
روتخر برغمان - غلاف الكتاب
TT

الهولندي روتخر برغمان «يطرح رؤية جديدة للطبيعة البشرية»

روتخر برغمان - غلاف الكتاب
روتخر برغمان - غلاف الكتاب

«لقد حان الوقت لرؤية جديدة للطبيعة البشرية»، بهذه العبارة يفتتح المفكر الباحث الهولندي روتخر برغمان (32 عاماً) كتابه «النوع البشري.. تاريخ متفائل» الذي سبقته شهرته، وتناولته كبريات الصحف بالمراجعات قبل نشر نسختيه الإلكترونية والورقية. والكاتب نفسه شغل المختصين بسرعة. فرغم حداثة سنه، تمت دعوته إلى مؤتمر دافوس، العام الماضي، ليتحدث بحضور نخبة الاقتصاد والمال، حديثاً هاجمهم فيه بشراسة، وطالبهم بدفع الضرائب لا الإحسان، ما دفع بموقع «فوكس نيوز» لعدم بث الحديث.
يقدم الكاتب تحليله لأدبيات كثيرة في التاريخ البشري، منذ الإغريق حتى اليوم، بدءاً من النصوص القديمة عن خطايا الإنسان وصولاً للظواهر الحاضرة، كبيرة كانت مثل الاحتباس الحراري، أو عابرة مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو رئاسة شخص مثل ترمب لأكبر دول العالم.
ولا يغفل برغمان دور الأدب في سرديات التاريخ، فيضع رواية ملك الذباب موضع تساؤل يخص زمن نشرها (منتصف الخمسينيات)، وسر النجاح الهائل الذي حالفها، وبيع ملايين النسخ منها، وترجمتها إلى عشرات اللغات، مع أن مؤلفها كان مدرساً، وليس كاتباً أو أديباً معروفاً، والرواية تسرد حكاية أطفال نجوا من حادثة غرق، وعاشوا على جزيرة نائية في الباسيفيك، فتحولوا إلى متوحشين يقتل بعضهم بعضاً... ويذهب الكاتب إلى أن ويليام غولدينغ، مؤلف الرواية، أراد أن يحدث صدمة لتسويق وجهة نظره بأن البشر أشرار وأنانيون بطبعهم!
يرصد برغمان بإيجاز تطور جنسنا البشري على الأرض، أي منذ عصر الكهوف إلى غزو الفضاء، مروراً بعهود الزراعة والصناعة، وأخيراً ثورة المعلوماتية. وللتوسع في تمهيد الأرضية هذه، اعتمد الكاتب منهجاً شمولياً، إذ بحث ودقق كماً كبيراً من الدراسات والكتب، مستعيناً بأدلة بحثية وعلمية في الجيولوجيا والأركيولوجيا والأحياء والإحصاء وعلوم النفس والاجتماع. لكن يمكن ملاحظة تتبعه لنسقين فلسفيين في الثقافة الغربية، ومن عصر النهضة تحديداً: النسق الأول يمثله توماس هوبز، الفيلسوف الإنجليزي المسمى «فيلسوف التشاؤم»، من خلال تقريره «أن الطبيعة البشرية الشريرة لن ينقذها إلا التمدن»؛ والنسق الثاني يمثله جان جاك روسو، الفيلسوف الفرنسي المعبر أكثر عن فلسفلة التفاؤل وحسن الظن والثقة بالطبيعة البشرية الأصيلة... والمفارقة أن روسو المتفائل يقول إن «الحضارة هي التي تدمرنا»، كما لو أنها شيء مفارق للإنسان المفطور على الخير!
ثم يقابل برغمان قول داروين بأن الصراع للبقاء هو المحرك الأساسي لتطورنا، مع قول ريتشارد دوكينغ بأن سر تفوقنا وبقائنا يكمن في أننا ورثة الجين الأناني.
ويتوقف عند المكيافلية القائمة على الوصولية بأي ثمن، التي ترى أن الوقاحة هي المفتاح السحري للسيادة البشرية، فيسأل عن سر تفرد البشر بصفة الخجل| الحرج واحمرار الوجه، من دون أفراد المملكة الحيوانية، وهي الصفة التي يعدها داروين «من أكثر المشاعر الإنسانية غرابة وتميزاً».
ومن خلال كل ذلك، يتأمل الكاتب في كيفية تطور الإنسان عبر التاريخ، ذلك المخلوق اللطيف القادر على ارتكاب أشياء مريعة، محاولاً تقديم تعليل منطقي بإيراده لقصة مشهورة حدثت عشية عيد الميلاد في ديسمبر (كانون الأول) 1914، تسرد تفاصيل احتفال الجنود المتحاربين بالمناسبة، على الجبهتين، بشكل عفوي، رافضين إطلاق النار بعضهم على بعض تلك الليلة. ليكشف الكاتب النقاب عن استغلال الإعلام للحادثة بصورة تزكي روح الكراهية عند الجنود على كلا الجبهتين، كقول صحيفة «الديلي ميل» البريطانية آنذاك: «الجنود الألمان يقتلون الحوامل والأطفال ويعلقونهم في الشجر».
ويقدم مثال صمود لندن أربع سنوات، تحت قصف 80 ألف قنبلة من الطيران النازي، شاهداً على أن «الكوارث تقرب البشر بعضهم من بعض، وتظهر أفضل ما فيهم»، وليس العكس. فقد أبدى البريطانيون تعاضداً فريداً، رغم القصف والفقر والفقدان.
ويقدم برغمان للقسم الثاني بجملة من مذكرات آن فرانك (1929-1945): «من الغريب أنني لم أتخلَّ عن مثالياتي التي تبدو سخيفة غير عملية، بل على العكس تمسكت بها لأنني ما زلت أؤمن بأن كل الناس طيبون بالعمق». ثم يتناول قصصاً مشهورة في أدبيات علم النفس، ما تزال تدرس في كثير من جامعات العالم، كقصة «Robbers cave»، محاولاً تفنيد الحكم المسبق على سيكولوجيا الإنسان بأنها تتشكل بدوافع عنفية أصيلة، فيسأل: كيف يمكن أن يكون الإنسان متوحشاً على درجة يقترف معها أوشفيتز (محارق النازية) في بلد متطور متقدم كألمانيا، بلد غوته وكانط وبيتهوفن وباخ؟ مؤكداً وجاهة كلام روسو بأن الحضارة دمرتنا.
وركز برغمان على تجربة قبو جامعة ستانفورد، وهي تجربة شهيرة أجراها الباحث الاجتماعي فيليب زيمباردو (1971) على عينة من طلابه، حيث قسمهم إلى قسمين: قسم يمثل الحراس، وقسم يمثل السجناء. وسرعان ما يتمثل كل من الطرفين دوره. ونظراً للقسوة البالغة التي أظهرها السجانون على زملائهم المساجين، فقد تم إيقاف التجربة بعد عدة أيام.
لكن ما أدهش الكاتب في الدراسات المتناولة المفارقة بين حقيقة ما حصل وما تم نقله وتعميمه إعلامياً وجماهيرياً. فتجربة ستانفورد لم تكن عفوية، كما زعم من أجراها، بل خطط ورسم لها. ونستنتج أن هناك كذباً استمر أربعين عاماً حول حقيقة خطة التجربة التي اقترحها أحد طلابه الساديين (ديفيد جافي)، وحقيقة أن زيمباردو ساهم في كثير من الاقتراحات السادية، كفكرة إيقاظ السجناء ليلاً بفترات متقاربة كي يعكر نومهم، ويجعلهم أكثر عرضة للغضب.
القسم الثالث يفتتح بقول سبينوزا: لقد سعيت أن لا أضحك من الأفعال البشرية ولا أبكي منها ولا أكرهها بل أفهمها فقط.
ويتابع برغمان كثيراً من الدراسات والمبادرات والأبحاث، لمحاولة فهم ما حصل في الحرب العالمية الثانية من باب سيكولوجي، من قبيل البحث في دوافع البشر لبناء السجون وغرف الغاز، لتأتي النتائج مثيرة للاستغراب، وربما الدهشة. فمن خلال التحقيقات مع سجناء ألمان في الحرب العالمية الثانية، ومن الإحصائيات الهائلة لدراسة شخصيات الإرهابيين والانتحاريين في الزمن الحديث، يورد برغمان أدلة يستغربها الإنسان العاقل، ولنقل العادي. فجنود النازية ظاهرياً قاتلوا بروح عالية نادرة في التاريخ، فهل كان ذلك فقط بسبب الآيديولوجيا النازية؟ لمَ لم تضعف هممهم رغم آلاف القصاصات الورقية التي ألقيت عليهم في ساحات المعارك، وفي المدن والقرى، بأن الحلفاء سيهزمونهم، وقد عرفوا سلفاً -أي الألمان- أنهم مهزومون؟ يجيب الكاتب بأنهم قاتلوا بصفتهم رفاقاً وأصدقاء، وليس فقط بصفتهم مؤمنين بعقيدة هتلر.
ويتصدر القسم الخامس (الأخير) اقتباس عن جورج برنارد شو: إن عاقبت شخصاً باستمرار ستؤذيه، وإن كنت تريد تغييره يجب أن تطوره؛ لا يتغير البشر بالأذى. ويدعم وجهة نظره بتجربة السجون النرويجية التي لا يتسع المجال لعرضها هنا، بغية إتاحة حيز يكفي لاستعراض محتوى أهم (ربما) من فصول الكتاب حول وسائل علاج الكراهية والظلم والتكبر. وقد اختار الكاتب قصة نيلسون مانديلا المؤثرة، لتكون درساً تاريخياً عابراً للزمن والثقافات، يخص مفهوم التسامح ومعنى العدو، ومخاطبته باللغة التي تمس قلبه (حين تخاطب الإنسان بلغة يفهمها، فإنك تخاطب عقله، ولكن حين تخاطبه بلغته هو فإنك تلامس قلبه). فحين اختار مانديلا هذه اللغة، استطاع تغيير صورته في عيون البيض. لقد جعل الآلاف منهم يهتفون باسمه، بعد أن كانوا يلقبونه بالإرهابي!
الإيمان بالإنسان وطاقاته هو الذي جعل الفيلسوف يوفال هاراري يقول: قراءة هذا الكتاب جعلتني أرى البشرية من منظور جديد.

* كاتبة سورية


مقالات ذات صلة

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كتب «برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي»، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية.

حمزة عليوي
كتب محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

يحضر التاريخ في «ثلاثية غرناطة» للكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، ليس بوصفه مجرد حدث يعتمد عليه السرد وينطلق منه مؤسساً عليه ومستعيناً به، بل بوصفه نقطةً...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

صدر حديثاً عن دار نشر أمازون (Amazon Publishing) كتاب جديد للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون مفارقات ساخرة ومصاير موجعة

مفارقات ساخرة ومصاير موجعة

بين السخرية والوجع، تمضي نصوص المجموعة القصصية الجديدة «جامع العملات القديمة»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب شريف عبد المجيد، الذي راكم تجربة لافتة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني

رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني

في قالب تشويقي روائية متسارعة تطرح رواية «غرينلاند، البلد الذي لم يكن للبيع» أسئلة صعبة تجد صدى قوياً في هذه الفترات المتوترة التي يعيشها العالم: هل للوطن ثمن؟

أنيسة مخالدي (باريس)

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو
TT

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي» - دار الرافدين: بغداد، 2025 - للكاتب الصحافي العراقي علي حسين، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية. الأول، تمثِّله صورة سارتر وبرميله المضخم، عربياً وعراقياً. والثاني، التأويل المعرفي - الفلسفي للوجودية في سياقها العالمي. هل ثمة فارق بين السياقين؟ لا شك؛ فهذا من نافلة القول، سوى أن «سارتر» كان في الطليعة في الحالتين! وهذا أحد كشوفات العنوان، المعلنة سلفاً، أو سواها. فـ«برميل سارتر» ذو قصدية فائقة؛ بانطوائها على دلالات مختلفة، وربما متعارضة. ففي لحظة تشييع «سارتر» تستعيد رفيقة دربه سيمون دي بوفوار أحد خطب رفيقها الراحل، وقد صعد على «برميل» ليتحدث أمام حشد من الطلبة والعمال عن الدور المفترض للمثقف، فهو «منحاز» للشعب. وعليه، من ثمَّ، أن يعرف أزمنة «البيانات»، و«الندوات» الصاخبة، ومثلها «المقالات» المنشورة بالصحف «الإصلاحية»، كل هذا «قد ولَّى». هذا محدد رئيس لدلالة «البرميل» وصاحبه «سارتر»، ولا ينبغي تركه يمضي في سبيله من دون «ضبط»؛ وهكذا فعل علي حسين ذاته بعنوان كتابه، ثم باستعادة مشهد صورة سارتر واقفاً على البرميل ذاته، فكانت الصورة عتبة أساسية توطئ للكتاب وتعيد توجيهه.

سارتر أم الوجودية؟

أفكر أن هناك «صورة» مسبقة أعدت باحترافية عن الفيلسوف الوجودي، وعن الوجودية كلها، كما أتصوَّر. وقد أفترض أن روافد كثيرة قد تضافرت معاً على تكوينها، في المقدمة منها المنطق الشعبي بأصوله الفولكلورية؛ حيث «البرميل» بديلاً عن «منصة» الجامعة أو القاعات الفخمة، حتى المقهى الشهير. ولقد أحسن الكاتب علي حسين اختيار عنوان كتابه، بل كان موفقاً في «استعادته» مشهد الوجودية في أصولها العالمية، وبظلالها العربية والعراقية المميزة.

لا أحد من فلاسفة القرن العشرين الكثيرين، وهو القرن الأشهر بأحداثه المتفجِّرة وكوارثه الكبرى، يمكن له أن يمثّل «الوجود» وفلسفته سوى سارتر ورفيقة دربه «سيمون دي بوفوار». وقد أجزم أن أي مؤرخ سينحاز، مجبراً، لمنطق سارتر وبرميله. وكأننا، هنا، إزاء قدرية لا مفرَّ منها ترغم الجميع على هذا التأويل والتاريخ المعدُّ سلفاً، بانتظام عجيب. ولكن لماذا «سارتر» وحده؛ «كامو»، أو «كيركغارد»، حتى نيتشه، وغيرهم ممن حقَّقوا شهرة عريضة، وأنجزوا منظومات فلسفية فكرية كبرى تتفوق كثيراً، ربما على «فلسفة» سارتر وبرميله، شأن الألماني هايدجر، لا تُذكر أسماؤهم في سياق التأسيس للفلسفة الأكثر تأثيراً في السياق العالمي بعيد الحرب العالمية الثانية! لا ينشغل كتاب «برميل سارتر»، ولا مؤلفه، بهذا الجدل، فهما معنيان بالدلالة الأولى للعنوان، مثلما أنهما، كما يظهر لنا من الكتاب نفسه، مشغولان بتتبُّع ورصد التحولات الكبرى التي أحدثتها الوجودية بصفتيها: الفلسفية - المعرفية والسياسية. وتبدو القيمة الفلسفية مترسِّخة وذات قيمة أساسية، وهي ما يهتم بها الكتاب، بينما تتوارى القيمة السياسية خلف مظاهر التفلسف.

في تقديم الكتاب ذي العنوان الاتهامي، ربما: «أنت المسؤول عن قراءة هذا الكتاب»، لا يشرح لنا علي حسين الكثير عن صاحبنا سارتر، ولا عن الوجودية. إنما يمضي في تلمُّس العذر له، أولاً؛ لأنه عاكف على قراءة كتب فلاسفة الوجودية، بقصد تأليف كتاب «متأخر»، ولا شك، عن الوجودية، الفلسفة الأكثر صخباً، بعد الماركسية وأحزابها السياسية، ويترك الأمر برمته، من ثمّ، للقارئ بأن يلقي على عاتقه مسؤولية القراءة والفهم، وربما تقدير إشكالية الكتابة، مجدداً، عن «فلسفة» صارت من الماضي «المجيد» في عصر الذكاء الصناعي. فهل هذا الأمر كافٍ لتسويغ الكتابة عن الوجودية وفلاسفتها بعيداً عن حاضرها التاريخي؟ هذا السؤال، في حقيقة الأمر، لا قيمة له في سياق الكتابة السيرية النقدية لشخصية فلسفية كبرى، أو لفلسفة أساسية كما هو شأن كتاب «برميل سارتر». وهذا مما نجد صداه في تقديم علي حسين لكتابه، لكنه يعرف أن المزاج الشخصي للمثقفين العراقيين، وهل يختلف العرب هنا! تتحكم به «الموضة» المنهجية والفكرية، وقد مضى زمن الوجودية وموضتها، فلا يحفل كثيراً باعتراضات بعض مثقفينا المشبعين بمنطق الموضة الثقافية.

كيركغارد

الوجودية، هنا، ليست محض «فلسفة» أو «اتجاه» فكري وسياسي ساد ثم باد، إنما هي بعض ماضي المؤلف ذاته، فالكتاب ليس عرضاً ثقافياً لفلسفة معينة فحسب، إنما هو «سيرة» مضمرة للكاتب علي حسين نفسه. في الأقل تتحدَّث عن «قراءات» المؤلف لكتب الفلاسفة الوجوديين. ولعل هذا المنطق السيري، ربما سوَّغ للكاتب أن يخوض بالأسئلة الكبرى التي واجهتها الوجودية بنسختها العربية، وقد ظهرت بمناخ «ثقافي» تآمري يعتاش على أسئلة المؤامرة والشك. فمن هو الوجودي؟ سؤال بصيغة عالمية ولا شك، يندر أن تخلو منه ثقافة عالمية، لكنه يصطدم عندنا بإشكالات الوجود كله، وبالصدارة منها الإشكالية السياسية. وبرغم ذلك، يظل سؤال الوجود ذا منطق متفرد وإشكالي. فالوجودي يُفهم، كما يجادل الكاتب ذاته في مواضع مختلفة من كتابه، على أنه «العبثي»، وهو «الملحد»، وربما هو «المنحل» أخلاقياً، مثلما قد يكون رداً متأخراً على تقديم «الماهية» على الوجود، كما يُفهم من مقولة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، بما جرى لها على يد الأب الروحي للوجودية الفيلسوف الدنماركي «كيركغارد» بتبريز الوجود على الماهية؛ بقوله: «أنا أفكر، فأنا إذن لست موجوداً». ولا أدري لماذا لا أستعيد، هنا، مقولة الكاتب ذاته، في ردِّه على المعترضين على راهنية الوجودية؛ لتسويغ الكتابة عنها؛ فهو يرى أن الرفض الحالي للوجودية بوصفها فلسفة هو بذاته موقف وجودي؛ لماذا؟ لأن الرفض يعبر عن الاختيار، وهذا واقع في «صميم» السؤال الفلسفي للوجودية.

الوجودية تستعيد آباءها

لكن البحث عن المسوغات اللازمة لتأمل الوجودية بوصفها فلسفة كبرى هو بذاته مسوغ كافٍ للبحث في الأصل الفلسفي للوجودية. ولا مسوِّغ لأمر ما أصلح من «اختراع» تاريخ له. هكذا سيجد علي حسين أن سؤال الوجود يفرض عليه بصفته مؤرخ الوجودية الحالي، أو الأخير، البحث في الأصول الأولى للوجودية؛ لماذا لا أقول إن التاريخ، هنا، ليس سوى محاولة أولى للبحث عن الأب المؤسس؟ والأب الأول هو بروتاغوراس اليوناني، المولود في أسرة فقيرة في جزيرة «أيديرا»، إحدى الجزر اليونانية، وقد كانت، وقتذاك، مقراً لديمقريطس، مؤسس المدرسة الذرية. وبروتاغوراس ذاته صاحب مقولة «الإنسان مقياس كل شيء»، وهي المقولة المنفتحة على إرث السفسطائيين، الذين يعدهم بعض المؤرخين الآباء الأوائل المؤسسيين للوجودية، ولا سيَّما بروتاغوراس وسقراط. وسيكتب كيركغارد لاحقاً أن بروتاغورس هو «أول من تفلسف حول الإنسان، وأن الفلسفة التي انبثقت عنه هي فلسفة للحياة». وسيغدو «التفلسف» حول الإنسان، أو ما سُمي لاحقاً بفلسفة الوجود وسؤالها المتفرِّد، هو النقيض الفلسفي لمنطق الفلسفة الأول وأسئلتها الخاصة بالميتافيزيقيا والظواهر المجاورة. وهو ما نهضت به الصياغات الأساسية الكبرى لفلاسفة الوجودية، كما عرض لها الكاتب علي حسين في كتابه.

لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟

وقد يكون من المناسب حقاً، أن نقف عند قضيتين أساسيتين. تتعلَّق الأولى بالإحاطة الموسعة التي يجدها القارئ متجسِّدة في كتابة السير الموجزة للفلاسفة الكثيرين الذين عرض المؤلف لحياتهم ومساهمتهم في الفلسفة الوجودية. وهذا أمر يُحسب كثيراً لعلي حسين؛ فقد تضمن كتابه عرضاً لحياة ومساهمة أكثر من 25 فيلسوفاً وكاتباً أساسياً ممن أسهموا في صياغة الفلسفة الوجودية. ويدخل في صميم هذه الإجادة ما نجده من إفاضة وتوسع في ذكر المصادر بأصولها العالمية وترجماتها العربية المختلفة. وللكتاب سمة أو قضية ثانية لا ينبغي إغفالها، وهي أن الكتاب يقترح مساهمة عربية أساسية في الفلسفة الوجودية، وهذا مما لا نجده، ربما منفرداً بفصل أو فقرة خاصة لدى غيره ممن كتبوا عن الوجودية وفلاسفتها الأساسيين. نتحدث عما أورده المؤلف عن الفيلسوف المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي ومساهمته الفاعلة في التأسيس للفلسفة الوجودية في العالم العربي. وقد يعنيني كثيراً، في هذا المقام، أن أطمح بأن أقرأ، قريباً، كتاباً مماثلاً من تأليف الكاتب نفسه، لنقل جزءاً متمماً ثانياً لبرميل سارتر، موضوعه الصياغة العربية للوجودية، لنسميها الأثر الوجودي في الثقافة العربية، ولا سيَّما العراق، البلاد التي شهدت تجذُّراً مختلفاً لليسار السياسي. وأزعم أن العرب قد قدموا فهماً مختلفاً عن الوجودية.

والآن؛ لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟ أفكر أن هذا من نافلة القول، وكتاب برميل سارتر يفارق منطق «الموضة» في سياق الفكر العربي وما يسود فيه من اتجاهات ومقولات فكرية. الأصل، كما يقول لنا علي حسين، وكما نفترض معه، أن سؤال الوجود هو سؤال الإنسان في مخاضاته المختلفة. وهو سؤال تاريخي يكرره الإنسان كلما استجده لديه جديد. وأزعم أننا في هذه المنطقة من العالم بحاجة ماسة لأن نتخلص من سلطان «الموضة» وسردياتها المنهجية الثقافية المكرَّرة، وهي سلطة تجعل من المعرفة العلمية ومناهجها المختلفة سلعة تُستبدل كلما جدَّ فيها جديد. وهذا بعض ما يفعله كتاب برميل سارتر بتقديم قراءة جديدة لفلسفة شغلت العالم لعقود متعدِّدة. وحبذا لو سعى آخرون لإضاءة آليات اشتغال الفكر العربي وخطاباته في ضوء أنظمة الموضة المنهجية الأخرى، مثل البنيوية أو التفكيكية حتى خطاب ما بعد الاستعمار. حقاً؛ إنه عمل مفيد، بل متفرد، يكسر دورة الموضة ويبطئ من فاعلية سردياتها المدمِّرة.


محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»
TT

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

يحضر التاريخ في «ثلاثية غرناطة» للكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، ليس بوصفه مجرد حدث يعتمد عليه السرد وينطلق منه مؤسساً عليه ومستعيناً به، بل بوصفه نقطةً درامية مشحونة بالمشاعر وهى تجسد التحول ومرارة الفقد إثر سقوط الأندلس في لحظة تمتزج فيها المتناقضات بين ما هو جميل وما هو واقعي وما هو متخيل.

هذا ما يذهب إليه الناقد والباحث المصري الدكتور محمود الضبع في كتابه «مراوغة التاريخ – في الآداب والفنون البصرية» الصادر أخيراً عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، مشيراً إلى أن سقوط الأندلس لم يكن يعني انتهاء تاريخ وحضارة فقط، إنما كان يعني سقوط الإنسان العربي وتقهقر حياته إلى الوراء. تأكد ذلك بخاصة مع أولئك الذين عايشوا سنوات التحول ولحظاته هنالك، حيث الحياة مغامرة غير محسوبة لا يمكن للمرء أن يتصور ماذا يمكن أن يؤول إليه الحال في اللحظة المقبلة، فربما يموت أو يُسجن أو يُحرق أو يُجبر على الرحيل، وإن لم يكن ذلك مصيره هو، فقد يكون مصير أحد أفراد أسرته أو أحد أقاربه أو جيرانه أو أبناء حيه.

وحسب النص، فإن كل شيء في غرناطة يحكي تاريخ هذا التحول: الحارات التي ألفت ساكنيها، وأشجار الزيتون التي صنعت حياتهم، والبيوت القديمة التي زيَّنها أهلوها بالخط العربي الجميل، والصناعات والحرف التي نشأت متأثرة بحضارة الشام ومصر والمغرب، واللغة التي ارتبطت بالقرآن والسنة، والثقافة التي تكونت عبر أجيال، والدين الذي آنسته القلوب وأنماط الحياة والبشر، كل شيء يتحول في اتجاه واحد لا يحيد عنه فيتخذ مساره نحو التقهقر والتراجع والفقد والمرارة.

من يرحل عن غرناطة طواعية لا يعود، ومن يُلقى عليه القبض لا يعود، ومن يعبّر عن أي مظهر يدل على عروبته لا يعود، ومن يرفع صوته بالآذان ومن يقرأ القرآن ومن يتحدث باللغة التي نشأ عليها وعبّر عن حبه ومشاعره وحاجاته، كل من يفعل ذلك يرحل فلا يعود.

تبدأ الرواية برسم مشهد سريالي بين الواقعي والمتخيل يخاله «أبو جعفر» حلماً، لكنه في حقيقته هو المشهد الافتتاحي الذي يلخص عبر الرمز والدلالة أحداث الرواية ويحدد المسار الذي سيتخذه التاريخ منذ تلك اللحظة. رأى «أبو جعفر» امرأة تنحدر في اتجاهه من أعلى الشارع كأنها تقصده. اقتربت المرأة أكثر فأيقن أنها لم تكن ماجنة ولا مخمورة، كانت صبية بالغة الحسن، ميادة القد، وشعرها الأسود مرسل يغطي كتفيها، وعيناها الواسعتان يزيدهما الحزن اتساعاً في وجه شديد الشحوب.

ولما كان الشارع مهجوراً والحوانيت لم تزل مغلقة وضوء النهار لم يبدد بنفسج السحر بعدـ فقد بدا لأبي جعفر أن ما شاهده رؤيا من رؤى الخيال، حدّق وتحقق ثم غالب دهشته وقام إلى المرأة وخلع ملفه الصوفي وأحاط به جسدها ليغطيه، وسألها عن اسمها ودارها، فلم يبدُ أنها رأته أو سمعته. تركها تواصل طريقها وظل يتابع مشيتها الوئيدة وحركة خلخاليها الذهبيين حول كاحلين لوثهما وحل طريق تخوض فيه قدماها الحافيتان.

ورغم البرد القارس وصفير رياح تعصف بأشجار الجوز المغروسة على جانبي الطريق، بقي «أبو جعفر» واقفاً بباب حانوته حتى أرسلت الشمس خيوطاً صفراء واهية حددت معالم الشارع. كان المشهد إشارة رمزية، فالأندلس كأنها تتعرى شيئاً فشيئاً وترحل بلا رجعة، ساهمة ذاهلة حافية القدمين وئيدة، كما أن الأمل في الثورة والحرب وانتظار مدد من بلاد العرب أصبح حلماً أيضاً بلا رجعة، فماذا تبقي من غرناطة والأندلس للبكاء؟

لم يتبق سوى بعض أولئك الذين يصارعون من أجل بقائهم أحياء، فضلاً عن بعض المخطوطات والكتب التي تم إنقاذها من الحرق وبعض الظلال الوارفة التي هربت من أشعة الشمس القشتالية. هل يمكن العودة إلى الظلام بعد النور، وهل تنطوي هكذا صفحات التاريخ على أجيال تغلغلت جذورها ونمت فروعها فطالت أعنان السماء؟

تحكي الرواية سيرة العرب الأندلسيين «المورسكيين» في أيامهم الأخيرة عبر ثلاثة أجزاء، هي «غرناطة» و«مريمة» و«الرحيل»، تغطي قرناً وستة عشر عاماً من الزمان بدءاً من اجتماع «الحمراء» وتوقيع آخر ملوك الأندلس المسلمين أبو عبد الله محمد الصغير على اتفاقية تسليم البلاد عام 1492.

في الجزء الأول «غرناطة»، تبدو الحياة هادئة لا يكدر صفوها إلا أخبار سقوط الممالك المجاورة، مثل مالقة وبلنسية وهروب بعض الصغار إلى غرناطة فيستقبلهم أبو جعفر الذي يعمل خطاطاً ويمتلك حانوتا في حي «الوراقين» ويسكن حي «البيازيين» مع زوجته وحفيديه حسن وسليمة اللذين مات أبوهما شاباً.

ويحكى الجزء الثاني تاريخ «مريمة» أم البنات اللائي تزوجن ورحلن إلى ممالك أخرى، و«هشام» الذي يتزوج عائشة وينجب «علي» ويعمل قاطعاً للطريق على القشتاليين ويختفي وتموت «عائشة» ويبقى «علي» في حوزة جدته «مريمة» وجده «حسن» الذي يعلمه العربية فيكون آخر قارئ لها في الأندلس، ثم يموت الجد وتكمل «مريمة» المسيرة لترصد تاريخ التحول في غرناطة والمدن المحيطة.

ويحكي الجزء الثالث «الرحيل» قصة رحيل علي إلى بلنسية بحثاً عن عماته، ويقوده البحث إلى قرية تتبعها اسمها الجعفرية فيلتقي شيخها عمر الشاطبي ويخبره أن عماته رحلن منذ عامين إلى المغرب العربي ويعرض عليه البقاء؛ فيبقى الأمل في المدد وطلب المعونة بالاتصال بالأمراء الثوار.

وهكذا، لم تكن «ثلاثية غرناطة» على هذا النحو مجرد رواية ترصد تاريخ سقوط أجمل مدن الأندلس فقط، ولكنها وثيقة تعيد إلى الذاكرة العربية تاريخها وماضيها وتدفع المخيلة إلى استشراف أفق المستقبل في ظل تحولات جديدة، وتاريخ موغل في القدم.


الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية
TT

الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

صدر حديثاً عن دار نشر أمازون (Amazon Publishing) كتاب جديد للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية (Ethics of Artificial Intelligence in Healthcare)، وهو عمل فكري يناقش واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في الطب المعاصر، المتعلقة بالتحولات الأخلاقية التي يفرضها الاستخدام المتسارع للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

ويقدّم المؤلف، وهو طبيب وباحث أكاديمي عراقي-بريطاني، وأحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، قراءة تحليلية عميقة للعلاقة المعقدة بين الخوارزميات الطبية والقرار السريري، مسلطاً الضوء على التحديات الأخلاقية المرتبطة بالتشخيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وإدارة البيانات الصحية، وحدود المسؤولية عند وقوع الخطأ.

ينطلق الكتاب من جذور تاريخية لأخلاقيات الطب، تبدأ من مسلّة حمورابي التي أرست مبدأ مساءلة الطبيب، مروراً بحكمة ابن سينا وفلسفة ابن رشد في ربط المعرفة الطبية بالمسؤولية الأخلاقية، وصولاً إلى الأسئلة المعاصرة التي تطرحها أنظمة الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي.

ويناقش الكتاب محاور أساسية، من بينها:

دور وحدود الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الطبي، والشفافية والمساءلة القانونية والأخلاقية، والعدالة الصحية والتحيز الخوارزمي، وخصوصية وملكية بيانات المرضى، ومستقبل دور الطبيب في عصر الرعاية الصحية الذكية.

ويرى المؤلف في هذا العمل أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطوّر، لا يمكن أن يكون بديلاً عن ضمير الطبيب أو إنسانيته، بل أداة ينبغي توجيهها أخلاقياً لخدمة الإنسان لا اختزاله في بيانات.

وقد صدر باللغة الإنجليزية اولا،  ثم صدرت الطبعة العربية لاحقاً، ضمن مشروع يهدف إلى إغناء المكتبة العربية بأدبيات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي.