الهولندي روتخر برغمان «يطرح رؤية جديدة للطبيعة البشرية»

يحلل نصوصاً قديمة عن خطايا الإنسان وصولاً للظواهر الحاضرة

روتخر برغمان - غلاف الكتاب
روتخر برغمان - غلاف الكتاب
TT

الهولندي روتخر برغمان «يطرح رؤية جديدة للطبيعة البشرية»

روتخر برغمان - غلاف الكتاب
روتخر برغمان - غلاف الكتاب

«لقد حان الوقت لرؤية جديدة للطبيعة البشرية»، بهذه العبارة يفتتح المفكر الباحث الهولندي روتخر برغمان (32 عاماً) كتابه «النوع البشري.. تاريخ متفائل» الذي سبقته شهرته، وتناولته كبريات الصحف بالمراجعات قبل نشر نسختيه الإلكترونية والورقية. والكاتب نفسه شغل المختصين بسرعة. فرغم حداثة سنه، تمت دعوته إلى مؤتمر دافوس، العام الماضي، ليتحدث بحضور نخبة الاقتصاد والمال، حديثاً هاجمهم فيه بشراسة، وطالبهم بدفع الضرائب لا الإحسان، ما دفع بموقع «فوكس نيوز» لعدم بث الحديث.
يقدم الكاتب تحليله لأدبيات كثيرة في التاريخ البشري، منذ الإغريق حتى اليوم، بدءاً من النصوص القديمة عن خطايا الإنسان وصولاً للظواهر الحاضرة، كبيرة كانت مثل الاحتباس الحراري، أو عابرة مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو رئاسة شخص مثل ترمب لأكبر دول العالم.
ولا يغفل برغمان دور الأدب في سرديات التاريخ، فيضع رواية ملك الذباب موضع تساؤل يخص زمن نشرها (منتصف الخمسينيات)، وسر النجاح الهائل الذي حالفها، وبيع ملايين النسخ منها، وترجمتها إلى عشرات اللغات، مع أن مؤلفها كان مدرساً، وليس كاتباً أو أديباً معروفاً، والرواية تسرد حكاية أطفال نجوا من حادثة غرق، وعاشوا على جزيرة نائية في الباسيفيك، فتحولوا إلى متوحشين يقتل بعضهم بعضاً... ويذهب الكاتب إلى أن ويليام غولدينغ، مؤلف الرواية، أراد أن يحدث صدمة لتسويق وجهة نظره بأن البشر أشرار وأنانيون بطبعهم!
يرصد برغمان بإيجاز تطور جنسنا البشري على الأرض، أي منذ عصر الكهوف إلى غزو الفضاء، مروراً بعهود الزراعة والصناعة، وأخيراً ثورة المعلوماتية. وللتوسع في تمهيد الأرضية هذه، اعتمد الكاتب منهجاً شمولياً، إذ بحث ودقق كماً كبيراً من الدراسات والكتب، مستعيناً بأدلة بحثية وعلمية في الجيولوجيا والأركيولوجيا والأحياء والإحصاء وعلوم النفس والاجتماع. لكن يمكن ملاحظة تتبعه لنسقين فلسفيين في الثقافة الغربية، ومن عصر النهضة تحديداً: النسق الأول يمثله توماس هوبز، الفيلسوف الإنجليزي المسمى «فيلسوف التشاؤم»، من خلال تقريره «أن الطبيعة البشرية الشريرة لن ينقذها إلا التمدن»؛ والنسق الثاني يمثله جان جاك روسو، الفيلسوف الفرنسي المعبر أكثر عن فلسفلة التفاؤل وحسن الظن والثقة بالطبيعة البشرية الأصيلة... والمفارقة أن روسو المتفائل يقول إن «الحضارة هي التي تدمرنا»، كما لو أنها شيء مفارق للإنسان المفطور على الخير!
ثم يقابل برغمان قول داروين بأن الصراع للبقاء هو المحرك الأساسي لتطورنا، مع قول ريتشارد دوكينغ بأن سر تفوقنا وبقائنا يكمن في أننا ورثة الجين الأناني.
ويتوقف عند المكيافلية القائمة على الوصولية بأي ثمن، التي ترى أن الوقاحة هي المفتاح السحري للسيادة البشرية، فيسأل عن سر تفرد البشر بصفة الخجل| الحرج واحمرار الوجه، من دون أفراد المملكة الحيوانية، وهي الصفة التي يعدها داروين «من أكثر المشاعر الإنسانية غرابة وتميزاً».
ومن خلال كل ذلك، يتأمل الكاتب في كيفية تطور الإنسان عبر التاريخ، ذلك المخلوق اللطيف القادر على ارتكاب أشياء مريعة، محاولاً تقديم تعليل منطقي بإيراده لقصة مشهورة حدثت عشية عيد الميلاد في ديسمبر (كانون الأول) 1914، تسرد تفاصيل احتفال الجنود المتحاربين بالمناسبة، على الجبهتين، بشكل عفوي، رافضين إطلاق النار بعضهم على بعض تلك الليلة. ليكشف الكاتب النقاب عن استغلال الإعلام للحادثة بصورة تزكي روح الكراهية عند الجنود على كلا الجبهتين، كقول صحيفة «الديلي ميل» البريطانية آنذاك: «الجنود الألمان يقتلون الحوامل والأطفال ويعلقونهم في الشجر».
ويقدم مثال صمود لندن أربع سنوات، تحت قصف 80 ألف قنبلة من الطيران النازي، شاهداً على أن «الكوارث تقرب البشر بعضهم من بعض، وتظهر أفضل ما فيهم»، وليس العكس. فقد أبدى البريطانيون تعاضداً فريداً، رغم القصف والفقر والفقدان.
ويقدم برغمان للقسم الثاني بجملة من مذكرات آن فرانك (1929-1945): «من الغريب أنني لم أتخلَّ عن مثالياتي التي تبدو سخيفة غير عملية، بل على العكس تمسكت بها لأنني ما زلت أؤمن بأن كل الناس طيبون بالعمق». ثم يتناول قصصاً مشهورة في أدبيات علم النفس، ما تزال تدرس في كثير من جامعات العالم، كقصة «Robbers cave»، محاولاً تفنيد الحكم المسبق على سيكولوجيا الإنسان بأنها تتشكل بدوافع عنفية أصيلة، فيسأل: كيف يمكن أن يكون الإنسان متوحشاً على درجة يقترف معها أوشفيتز (محارق النازية) في بلد متطور متقدم كألمانيا، بلد غوته وكانط وبيتهوفن وباخ؟ مؤكداً وجاهة كلام روسو بأن الحضارة دمرتنا.
وركز برغمان على تجربة قبو جامعة ستانفورد، وهي تجربة شهيرة أجراها الباحث الاجتماعي فيليب زيمباردو (1971) على عينة من طلابه، حيث قسمهم إلى قسمين: قسم يمثل الحراس، وقسم يمثل السجناء. وسرعان ما يتمثل كل من الطرفين دوره. ونظراً للقسوة البالغة التي أظهرها السجانون على زملائهم المساجين، فقد تم إيقاف التجربة بعد عدة أيام.
لكن ما أدهش الكاتب في الدراسات المتناولة المفارقة بين حقيقة ما حصل وما تم نقله وتعميمه إعلامياً وجماهيرياً. فتجربة ستانفورد لم تكن عفوية، كما زعم من أجراها، بل خطط ورسم لها. ونستنتج أن هناك كذباً استمر أربعين عاماً حول حقيقة خطة التجربة التي اقترحها أحد طلابه الساديين (ديفيد جافي)، وحقيقة أن زيمباردو ساهم في كثير من الاقتراحات السادية، كفكرة إيقاظ السجناء ليلاً بفترات متقاربة كي يعكر نومهم، ويجعلهم أكثر عرضة للغضب.
القسم الثالث يفتتح بقول سبينوزا: لقد سعيت أن لا أضحك من الأفعال البشرية ولا أبكي منها ولا أكرهها بل أفهمها فقط.
ويتابع برغمان كثيراً من الدراسات والمبادرات والأبحاث، لمحاولة فهم ما حصل في الحرب العالمية الثانية من باب سيكولوجي، من قبيل البحث في دوافع البشر لبناء السجون وغرف الغاز، لتأتي النتائج مثيرة للاستغراب، وربما الدهشة. فمن خلال التحقيقات مع سجناء ألمان في الحرب العالمية الثانية، ومن الإحصائيات الهائلة لدراسة شخصيات الإرهابيين والانتحاريين في الزمن الحديث، يورد برغمان أدلة يستغربها الإنسان العاقل، ولنقل العادي. فجنود النازية ظاهرياً قاتلوا بروح عالية نادرة في التاريخ، فهل كان ذلك فقط بسبب الآيديولوجيا النازية؟ لمَ لم تضعف هممهم رغم آلاف القصاصات الورقية التي ألقيت عليهم في ساحات المعارك، وفي المدن والقرى، بأن الحلفاء سيهزمونهم، وقد عرفوا سلفاً -أي الألمان- أنهم مهزومون؟ يجيب الكاتب بأنهم قاتلوا بصفتهم رفاقاً وأصدقاء، وليس فقط بصفتهم مؤمنين بعقيدة هتلر.
ويتصدر القسم الخامس (الأخير) اقتباس عن جورج برنارد شو: إن عاقبت شخصاً باستمرار ستؤذيه، وإن كنت تريد تغييره يجب أن تطوره؛ لا يتغير البشر بالأذى. ويدعم وجهة نظره بتجربة السجون النرويجية التي لا يتسع المجال لعرضها هنا، بغية إتاحة حيز يكفي لاستعراض محتوى أهم (ربما) من فصول الكتاب حول وسائل علاج الكراهية والظلم والتكبر. وقد اختار الكاتب قصة نيلسون مانديلا المؤثرة، لتكون درساً تاريخياً عابراً للزمن والثقافات، يخص مفهوم التسامح ومعنى العدو، ومخاطبته باللغة التي تمس قلبه (حين تخاطب الإنسان بلغة يفهمها، فإنك تخاطب عقله، ولكن حين تخاطبه بلغته هو فإنك تلامس قلبه). فحين اختار مانديلا هذه اللغة، استطاع تغيير صورته في عيون البيض. لقد جعل الآلاف منهم يهتفون باسمه، بعد أن كانوا يلقبونه بالإرهابي!
الإيمان بالإنسان وطاقاته هو الذي جعل الفيلسوف يوفال هاراري يقول: قراءة هذا الكتاب جعلتني أرى البشرية من منظور جديد.

* كاتبة سورية


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.