التدابير الصحّية وقرارات «الضمّ» تعمّق أزمة المعيشة في فلسطين

انكماش الاقتصاد وارتفاع نسبة البطالة يهددان بزيادة رقعة الفقر

الجدار العازل وأزمات معيشية تخنق الفلسطينيين في الضفة (غيتي)
الجدار العازل وأزمات معيشية تخنق الفلسطينيين في الضفة (غيتي)
TT

التدابير الصحّية وقرارات «الضمّ» تعمّق أزمة المعيشة في فلسطين

الجدار العازل وأزمات معيشية تخنق الفلسطينيين في الضفة (غيتي)
الجدار العازل وأزمات معيشية تخنق الفلسطينيين في الضفة (غيتي)

وسط بيت لحم التي سجلت أول حالة إصابة بفيروس كورونا قبل نحو 3 أشهر، وقف موسى معلا (30 عاماً) إلى جانب عمال وموظفين آخرين في وضح النهار وتحت أشعة الشمس، يشتكون انقطاع مصدر رزقهم الوحيد وتراجع مستوى الدخل لديهم بعدما رزحت المدينة تحت وطأة الإغلاق 80 يوماً، وتكبد الاقتصاد المنهك أصلاً خسائر غير متوقعة.
وقال معلا، الذي يدير مكتبة متوسطة في المدينة، إن عمله تضرر بشكل غير قابل للإصلاح في المدى المنظور، بسبب الإغلاق الطويل الذي تسعى السلطة لوضع بدائل وبرامج لتعويضه. مضيفاً بيأس: «المبيعات توقفت، الشيكات رجعت، وتراكمت الديون، بدون حلول. وهذا يندرج على الأغلبية التي تحتاج إلى وقت طويل للتعافي».
إلى جانب معلا، كان يقف العشرات ممن فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، بعدما أنهت الفنادق ومحلات التحف عقودهم، ومثلهم آخرون تلقوا بلاغات من شركات كبيرة أو محلات متوسطة وصغيرة، بوقف عقودهم.
وقال معلا، الذي أسس «حراك بيت لحم العمالي»، وهو أول وأهم حراك بعد انتهاء جائحة كورونا: «نتحدث عن آلاف فقدوا عملهم في بيت لحم فقط». مضيفاً: «نحن أمام مرحلة صعبة. انظر للمحامين، انظر للمحاكم، كلها قضايا مالية».
وبخلاف موظفي الحكومة الفلسطينية الذي تقاضوا رواتبهم «كما يجب» خلال الفترة الماضية، وبخلاف عمال الداخل في إسرائيل الذي كان ضررهم جزئياً، دفع العمال في الأراضي الفلسطينية ثمناً باهظاً، ترجمه المعتصمون في لافتات تطالب بإعادتهم للعمل وإلغاء جميع إجراءات المخالصة مع أرباب العمل، وتعويضهم عن الفترة الماضية مالياً ومعنوياً.
وقال عاصف دعامسة (26 عاماً) إن أصحاب الفندق الذي كان يعمل به عرضوا عليه نصف راتب فقط، الشهر الماضي، مقابل توقيعه على مخالصة لإنهاء عمله. وأضاف: «بعد عمل سنوات طويلة في القطاع الأقوى في بيت لحم، يريدون إلقاءنا في الشارع بسبب تعطيل 3 أشهر».
وتابع: «قلت لصاحب العمل التزم بما قررته الحكومة، فردّ الحكومة لا تلزمني».
وكانت الحكومة قد أجبرت أصحاب العمل بدفع نصف راتب على الأقل عن فترة الإغلاق، وإبقاء العمال على رأس عملهم، لكن على الأرض لم يتحقق هذا الأمر. وتم فصل كثيرين من عملهم في الضفة الغربية، وكذلك في قطاع غزة، ما عمّق من أزمة الاقتصاد الفلسطيني.
وقال الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إن نحو نصف مليون عامل فلسطيني تضرروا جراء جائحة كورونا، ما يعني تسجيل خسائر بمئات ملايين الدولارات. ويقدر الجهاز عدد العاملين في دولة فلسطين بأكثر من مليون عامل، منهم نحو 210 آلاف عامل في القطاع الحكومي، و668 ألف عامل في القطاع الخاص، و133 ألف عامل في إسرائيل والمستعمرات، وفق معطيات عام 2019.
وأكد نقيب عمال فلسطين في قطاع غزة، سامي العمصي، أن خسائر العمال المتضررين بسبب جائحة كورونا في الضفة الغربية، بلغت 180 مليون دولار، وفاقت 50 مليون دولار في قطاع غزة، وذلك منذ مارس (آذار) الماضي.
وهذه الأرقام جاءت بحكم الوضع المعيشي المتردي أصلاً في قطاع غزة المحاصر منذ 13 عاماً. لكن الخسائر لا تنحصر فقط في العمال، إذ تضررت معظم القطاعات.
يقول سامر النشاش (50 عاماً)، الذي يملك محلاً لبيع الأدوات الصحية ومواد البناء في بيت لحم، إنه توقف عن العمل لمدة 3 أشهر، لأن كل شيء توقف، سوى المطالبات بدفع المستحقات التي عليه. وأضاف: «الحياة شلت». حتى مع عودة الحياة إلى طبيعتها، يقف كثيرون أمام محلاتهم يحدقون في المارة. ويقول آدهم الأزرق (35 عاماً)، الذي يدير أحد محلات الملابس الشبابية، إن الإقبال على شراء الملابس انخفض إلى أدنى مستوى بسبب القلق من «كورونا»، وباعتبار أن ذلك شيء يمكن تأجيله في ظل الظروف المعقدة.
وحتى الآن لا توجد إحصائية دقيقة لحجم الخسائر الاقتصادية، لكن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية قدّرها بـ3.8 مليار دولار، وقال إنه يتوقع ارتفاع عجز الموازنة إلى 1.4 مليار دولار وفق التوقعات، بفعل انخفاض الإيرادات لأكثر من 50 في المائة.
ويعاني الاقتصاد الفلسطيني من قبل جائحة كورونا. وأظهرت تقارير سلطة النقد في العامين الماضيين، استمرار التباطؤ في الاقتصاد الفلسطيني؛ حيث وصلت نسبة النمو إلى 0.7 في المائة بالقياس إلى 3.1 في المائة في العام 2017. وذلك على خلفية استمرار انكماش الاقتصاد في قطاع غزة وتراجع زخم النمو في الضفة الغربية.
وأمام ذلك، حذّر البنك الدولي، أمس (الاثنين)، من أن الفقر قد يتضاعف في الضفة الغربية المحتلة هذا العام، بسبب التداعيات الاقتصادية جراء وباء «كوفيد 19»، قبل أسابيع فقط من الموعد الذي حدّدته إسرائيل لبدء تنفيذ مخطط الضم.
وقال البنك الدولي في تقرير: «حتّى قبل تفشّي وباء (كوفيد - 19). كان نحو ربع الفلسطينيين يعيشون تحت خطّ الفقر، 53 في المائة من سكان غزة، و14 في المائة في الضفّة الغربيّة. وبحسب التقديرات الأوّليّة، سيرتفع عدد الأسر الفقيرة إلى 30 في المائة في الضفة الغربية، وإلى 64 في المائة في غزة». كما أنه «من المتوقع أن يزداد وضع الموارد المالية العامة للسلطة الفلسطينية صعوبة، لأن دعمها هو الأدنى هذا العام، منذ عقدين، وبسبب الزيادة الملموسة في الإنفاق العام على احتياجات المواطنين الطبية والاجتماعية والاقتصادية».
وتعتمد الحكومة الفلسطينية بشكل كبير على دعم المانحين للعمل لأنها غير قادرة على تنفيذ تدابير التحفيز التي تستخدمها الدول في أماكن أخرى، مثل تغيير أسعار الفائدة أو الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية.
وسيلجأ أشتية اليوم إلى تقديم تقرير شامل للوضع الاقتصادي والمالي للاجتماع الافتراضي الذي تعقده الدول المانحة، برئاسة النرويج، وبمشاركة 40 دولة ومؤسسة، وسيكون على مستوى الوزراء، لدعم الاقتصاد والمؤسسات الفلسطينية.
وتسعى السلطة لتأمين دفع رواتب موظفيها وتقديم دعم آخر للقطاعات الاقتصادية خشية الانهيار. وقالت الأمم المتحدة، الأحد: «إن الأمر يتطلب إجراءات مختلفة وجريئة لتجنب الانهيار الاقتصادي».
ولكن في الوقت نفسه فإن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه على ضم أجزاء من الضفة الغربية يمكن أن يزعزع الاستقرار.
وحذّر تقرير الأمم المتحدة من أن مثل هذه الخطوة «من المرجح أن تؤجج الصراع وتضرّ أيضاً بالتدفقات المالية، لأن الضم يمكن أن يعقد بشكل خطير تسليم المساعدات».
وقالت الأمم المتحدة: «إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فسوف تتلاشى إنجازات الحكومة الفلسطينية خلال ربع القرن الأخير، وسيزداد وضع السلام والأمن سوءاً، وستؤدي حتماً إلى سياسات متشددة وأكثر تطرفاً من الجانبين». ولا يُمكن معرفة الوقت الذي سيستغرقه الاقتصاد الفلسطيني للتعافي من تدابير الاحتواء. وقال البنك الدولي إن الاقتصاد قد ينكمش بنسبة 7.6 في المائة على الأقل إذا عادت الأوضاع الطبيعية تدريجياً بعد حالة الاحتواء، وبنسبة تصل إلى 11 في المائة إذا كان الانتعاش الاقتصادي أبطأ أو فُرضت قيود إضافية.
على مواقع التوصل الاجتماعي، تنتشر فكاهة تعكس واقع الحال رداً على إطلاق السلطة اسم «حواجز المحبة» على الحواجز العسكرية التي انتشرت لفرض الإغلاق وقت «كورونا»، ومفادها «بكرة بتفتح محاكم المحبة واللي عنده شيكات محبة (راجعة)، راح تيجي شرطة المحبة وتوخده على سجن المحبة، وهناك ما راح يزهق، لأنه راح يلاقي كل الأحبة»!



مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
TT

مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)

في خطوة جديدة للتقارب بين مصر وسوريا، بحث وفدٌ من سلطة الطيران المدني المصري إجراءات استئناف الرحلات الجوية من القاهرة لدمشق.

وتدعم عملية استئناف الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق تحقيق مزيد من التقارب بين البلدين، وفق دبلوماسيين ومراقبين مصريين أشاروا إلى أن «النقل الجوي سيسهل التعاون المشترك في مجالات عدة خصوصاً التبادل التجاري، وحركة الأفراد».

وأجرى وفد من سلطة الطيران المدني المصري، ترأسه رئيس الإدارة المركزية لأمن الطيران ياسر محمد عبد الحليم، جولة ميدانية، الاثنين، في مطار دمشق، وفق إفادة الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية.

وحسب البيان، استهدفت الجولة «الاطلاع على الإجراءات والتدابير المتّبعة في مطار دمشق الدولي، تمهيداً لاستئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين مصر وسوريا وعودة الربط الجوي بين البلدين».

وتوقفت الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق منذ عام 2011، على خلفية الأوضاع الأمنية هناك.

تنشيط الحركة

وستساعد عودة رحلات الطيران بين القاهرة ودمشق في «تنشيط حركة النقل الجوي، وتسهيل حركة المسافرين، وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين»، حسب هيئة الطيران المدني السوري.

وسبقت جولة الوفد المصري بمطار دمشق، محادثات مع رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري، الأحد، وحسب إفادة من الهيئة، ناقش الجانبان «سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال الطيران المدني، بما في ذلك استئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين».

ولم تعلن سلطة الطيران المدني المصري، حتى الآن، عن عودة رحلات الطيران الجوي إلى دمشق.

وتشكل ترتيبات الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق، «خطوة إيجابية على صعيد تفعيل العلاقات الثنائية بين البلدين»، وفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، وقال إن «هذه الخطوة ستدعم حركة التبادل التجاري، وتعزز من التعاون في مجال الخدمات والسياحة ونقل الأفراد».

ويرى الشرقاوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة تتعامل في تطوير علاقاتها مع الجانب السوري، بمنهج قائم على الانفتاح الاقتصادي بما يعزز من الترابط السياسي»، منوهاً بأن «القاهرة تعول على زيادة الاستثمارات المشتركة، للمساهمة في عملية إعادة إعمار سوريا».

مصر وسوريا لمزيد من التقارب عبر تدابير لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة (هيئة الطيران المدني السوري)

وبينما يتسم مسار التعاون السياسي المصري مع سوريا بالحذر منذ تولي الرئيس السوري أحمد الشرع الحكم، يتخذ البلدان عدة خطوات للتعاون والتقارب على الصعيد الاقتصادي والتجاري، حيث استضافت العاصمة السورية دمشق، مطلع العام الحالي، «الملتقى الاقتصادي السوري - المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، بهدف تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين.

تعزيز التقارب

ويرى مستشار وزير السياحة المصري، وليد البطوطي، في ترتيبات عودة رحلات الطيران مع سوريا، «خطوة تحقق إضافة في مستوى التعاون والترابط بين البلدين»، وقال إنها «تعكس تطور العلاقات بين البلدين، وأن هناك فرصة مشتركة يمكن التعويل عليها لتحقيق مزيد من التقارب».

وتتعدد أهمية استئناف النقل الجوي بين القاهرة ودمشق، وفق البطوطي، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «رحلات الطيران ستسهل إجراءات نقل الرعايا بين البلدين، خصوصاً وأن هناك جالية سورية كبيرة في مصر»، إلى جانب «تسهيل حركة السياحة، وعملية التبادل التجاري».

وهناك نحو مليون ونصف المليون سوري يقيمون في مصر، بينهم أكثر من 15 ألف منتسب لاتحاد الغرف المصرية، باستثمارات تقارب مليار دولار، وفق اتحاد الغرف التجارية المصري.

Your Premium trial has ended


هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
TT

هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)

شرعت مصر والإمارات في اتخاذ «إجراءات وتدابير» وصفت بـ«اللازمة»، للتعامل مع تداعيات أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»، التي شملت الاتهامات فيها فرع «بنك مصر» بالإمارات، في خطوة يتوقع مراقبون أنها «ستفضي إلى حل الأزمة»، وسط تلويح أميركي بفرض عقوبات جديدة ضد أي مؤسسات متورطة في تحويلات مشبوهة لصالح إيران.

ورجح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لـ«رويترز»، أن تكشف وزارة الخزانة عن عقوبات ثانوية جديدة أسبوعية تهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، مع التركيز في البداية على البنوك.

وزير الخزانة سكوت بيسنت (أ.ب)

وبعد فرض إجراءات وتدابير خاصة، يوم الجمعة الماضي، على فرع لـ«بنك مصر» في الإمارات بسبب ما تردد عن صلات مالية ‌بإيران، قال بيسنت ‌في مقابلة، مساء الأحد، إن «الخطوة التالية ‌قد ⁠تتمثل في عزل ⁠مؤسسة ما تماماً عن النظام المالي القائم على الدولار»، وأضاف قبل انعقاد اجتماع وزراء مالية «مجموعة العشرين»: «سترون مزيداً من هذه الإجراءات كل أسبوع... نبدأ بالبنوك، ونخبر البنوك بأنه من ⁠غير المقبول أن تحتفظ بأموال إيرانية ‌أو أن ‌تساعد النظام (الإيراني)».

وكان «مصرف الإمارات المركزي» و«البنك المركزي المصري»، أكدا في بيان مشترك، مساء الأحد، التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما فيما يتعلق بالتعامل مع تداعيات أزمة «بنك مصر» في الإمارات، وشددا على «اتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة».

عملية ضغط

ويرى الأكاديمي الاقتصادي المصري كريم العمدة أن «البنك المركزي المصري ونظيره الإماراتي لديهما القدرة على تدارك الأزمة... المركزي المصري والإماراتي لا يسمحان بحدوث أي مخالفات، وهو ما سيعمل البنكان على إثباته للسلطات الأميركية، ومن ثم حل الأزمة نهائياً».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «ما يحدث ليس مستهدفاً به بنك مصر ولا القطاع المصرفي الإماراتي أو المصري، بل هو عملية ضغط على إيران، وحينما تحقق واشنطن أهدافها فإن هذا الضغط سيخفف ولن تكون هناك أزمة، خصوصاً أن هناك بنوكاً كثيرة حول العالم تتعامل مع إيران في التجارة وبعلم الولايات المتحدة والهدف من ذلك تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الإيراني».

وأعلن «مصرف الإمارات المركزي» السبت إجراء تفتيش خاص وعاجل على فروع «بنك مصر» العاملة في البلاد، يتضمن «مراجعة متعمقة للتعاملات المصرفية للشركات الواردة في بيان السلطات الأميركية»، على خلفية مقترح لاتخاذ تدبير خاص يتعلق بفروع البنك في الإمارات بوصفها مؤسسة مالية تعمل خارج الولايات المتحدة ذات مخاوف رئيسية تتعلق بغسل الأموال.

تحقيق شفاف

ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن «المصرفين المركزي الإماراتي والمصري يعملان حالياً على إجراء تحقيق شفاف ومتكامل حول ما أثارته وزارة الخزانة الأميركية تجاه فرع بنك مصر لتوضيح كل الملابسات، وإثبات أن البنك المعني لم يتورط في أي أنشطة مخالفة، سواء فيما يتعلق بإيران أو غيرها».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: «التحقيق قد يشمل معاملات معينة أو فترة معينة تغطي كل ما أثارته السلطات الأميركية، وبالتالي حين إثبات عدم صحة كل ما أثير ستنتهي الأزمة ولن يصل الأمر لحظر أو عقوبات مباشرة على البنك، خصوصاً أن القطاع المصرفي الإماراتي وأيضاً المصري يتعاملان بجدية وشفافية كاملة مع أي مخالفات، لكن ستستمر عملية قيود وزارة الخزانة الأميركية على خدمة المراسل بالدولار التي تقدمها لبنك مصر في الإمارات أو غيره من البنوك الأخرى من أجل تشديد الضغط على إيران».

تجدر الإشارة إلى أن بيسنت قال الأحد إنه يعتزم نقل ‌الرسالة بوضوح لوزراء مالية «مجموعة العشرين» ‌ومحافظي البنوك المركزية لقطع العلاقات الاقتصادية مع إيران، وإلا فسوف يواجهون عقوبات ثانوية.

وأطلقت وزارة الخزانة الأميركية هذه المبادرة، التي أطلق عليها اسم «عملية ‌الإقصاء الاقتصادي»، الأسبوع الماضي.

فرص الاحتواء

فيما يرى مدير الاستثمار والمحلل المالي المقيم في الإمارات حسام الحسيني أن «فرص احتواء أزمة بنك مصر ما زالت مرتفعة، خصوصاً أن الإجراء الأميركي الحالي يخص فروع بنك مصر في الإمارات، ولا يمتد إلى البنك الأم في مصر، كما أنه ما زال في مسار تنظيمي وليس عقوبة نهائية شاملة، والأهم هنا هو سرعة استجابة السلطات الإماراتية؛ فمصرف الإمارات المركزي بدأ فحصاً عاجلاً ومراجعة متعمقة للمعاملات محل الملاحظات الأميركية، بالتنسيق مع البنك المركزي المصري وبنك مصر. هذه الاستجابة المؤسسية السريعة تعزز فرص معالجة أي ثغرات امتثال قبل تحول الملف إلى مستوى أكثر تشدداً».

وأوضح الحسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «تصريحات وزير الخزانة الأميركي تعني أن واشنطن ستواصل تشديد الضغط على المؤسسات المرتبطة بالمعاملات الإيرانية، لذلك سيعتمد احتواء الأزمة على نتائج الفحص الإماراتي، وشفافية الإجراءات التصحيحية، ومدى اقتناع الجانب الأميركي بأن المخاطر عولجت بالكامل. وحتى الآن، لا أرى ما يبرر الحديث عن عقوبات مباشرة على بنك مصر ككل أو عن أزمة أوسع في القطاع المصرفي المصري».


الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.