مارتن سكورسيزي يكرر سيناريو «الآيرلندي» بنجاح فريد

200 مليون دولار ميزانية فيلمه المقبل

روبرت دي نيرو ومارتن سكورسيزي  (غيتي)
روبرت دي نيرو ومارتن سكورسيزي (غيتي)
TT

مارتن سكورسيزي يكرر سيناريو «الآيرلندي» بنجاح فريد

روبرت دي نيرو ومارتن سكورسيزي  (غيتي)
روبرت دي نيرو ومارتن سكورسيزي (غيتي)

ها هو سكورسيزي يفعلها مرّة ثانية: يتجه بمشروع مكلف إلى أحد استديوهات هوليوود، فيعتذر خشية الإنفاق، لتتدخل مؤسسة إنترنتية كبرى وتنقذ مشروع سكورسيزي دون أن يتأثر تحالفه كثيراً بالمؤسسة التي توجه إليها بادئ الأمر. كأننا نقرأ في هذا الحدث الذي أُفصِح عنه يوم أول من أمس، منوال إنتاجه قبل أكثر من عام فيلم «الآيرلندي». حينها، توجه سكورسيزي إلى «باراماونت» طالباً تغطية تكلفة «الآيرلندي» التي بلغت في مطلع الأمر 100 مليون دولار، لكن الشركة التي أسست أيام ما كانت السينما ما زالت صامتة قبل نحو 100 سنة كانت حذرة من الموافقة بسبب اعتماد سكورسيزي على ممثلين فاتهما العصر، وهما آل باتشينو وروبرت دي نيرو. سكورسيزي أصر عليهما، والمحادثات تعثّرت. وهنا، تقدّمت شركة «نتفلكس» التي توزّع أفلامها بنظام البث المباشر في البيوت، ورضت بتغطية التكلفة (التي ارتفعت في الواقع إلى نحو 150 مليون دولار) بالكامل، مع منح سكورسيزي مطلق الحرية في أي قرار فني يتّخذه.

عملية إنقاذ
وكما لو أن التاريخ يعيد نفسه بالكامل، تقدم قبل نهاية العام الماضي سكورسيزي لشركة «باراماونت» ذاتها بعرض جديد؛ فيلم أكشن بوليسي - عصاباتي جديد بعنوان «قتلة فلاور مون» (Killers of the Flower Moon)، وقد تسلّح هذه المرّة بالنجم الساطع ليوناردو ديكابريو، وجلب من طاقم الأمس روبرت دي نيرو وحده.
في البداية، رحبت الشركة بالمشروع، لكنها أخبرت سكورسيزي بأنها غير راضية عن الميزانية التي وضعها، والتي تبلغ 180 مليون دولار. سكورسيزي، حسب مصدر من شركة «باراماونت» ذاتها، قال إنه لا يستطيع تحقيق الفيلم بأقل من هذا المبلغ.
دارت المباحثات لبعض الوقت، قبل أن يتقدّم سكورسيزي بسيناريو معدّل ينتقل فيه ديكابريو من تمثيل شخصية بطل بلا سيئات إلى شخصية رمادية تثير بعض الشكوك حوله. هنا، رفضت الشركة هذا التعديل، على أساس أن الجمهور لن يرغب في مشاهدة بطله في خانة الأشرار.
وخلال الشهر الثالث من هذا العام، توقفت المباحثات، وأعلمت «باراماونت» سكورسيزي بعدم موافقتها على إنتاج الفيلم، ولكنها -حسب مصدر من الشركة ذاتها- تركت الباب موارباً.
هنا، تماماً كما حدث خلال مفاوضات فيلم «الآيرلندي»، تدخّلت مؤسسة أخرى للبث المباشر، وعرضت على سكورسيزي و«باراماونت» أن تقوم بتغطية نفقات المشروع بالكامل (200 مليون دولار الآن) على أساس منح «باراماونت» حق توزيع الفيلم في الصالات لوقت محدود، قبل أن يتم إطلاقه على شاشة الشركة المنقذة.
الاختلاف الأساسي الوحيد في هذا المجال هو أن الشركة التي تقدّمت بعملية الإنقاذ ليست «نتفلكس»، بل «آبل». لكن كما هي الحال في الإنتاج السابق، تركت لسكورسيزي حرية الحركة والاختيار بالكامل. وبذلك، خرج سكورسيزي راضياً، رغم أنه كان لا يزال يفضل لو أن «باراماونت» (أو غيرها من الشركات الهوليوودية الكبرى) هي التي موّلت المشروع بكامله لكي يتسنى للفيلم عروض سينمائية كاملة على الشاشات العريضة، تماماً كما اعتاد.
وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، المنشور في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2019، تحدّث سكورسيزي عن مصاعب تحقيق «الآيرلندي» منذ أن فكّر مع روبرت دي نيرو بالمشروع، وصولاً إلى نأي هوليوود عن تأمين الميزانية، على أساس اعتقادها بأن الفيلم لن ينجز ما يعود بتكاليفه. وقتها، قال: «شركات السينما كانت تنظر بريبة إلى احتمال نجاح المشروع، مع أو من دون الممثلين الثلاثة المذكورين (باتشينو ودي نيرو وجو بيشي). وفجأة، قيل لنا إن (نتفلكس) مستعدة لاحتواء المشروع؛ أبدت استعدادها بلا شروط».
سكورسيزي وافق في المقابلة حين ذكر له هذا الناقد: «كان (الاتفاق) نوعاً من المبادلة: حريتك الإبداعية مقابل تمويل الفيلم».

اتفاق نصف سارٍ
يعود تاريخ مشروع «كيلرز أوڤ ذا فلاور مون» لعام 2016، عندما نشر المؤلّف ديڤيد غران كتابه غير الروائي عن أحداث وقعت في عشرينيات القرن الماضي، تعرّض فيها مواطنون من إحدى القبائل الهندية للقتل في أحداث بقيت طي التحقيق لفترة طويلة، ولو أنها توقفت من دون نتائج مرضية. نال الكتاب إعجاب شركة إنتاج صغيرة (اسمها «إمبراتيڤ إنترتينمنت»)، فاشترت حقوقه، وعرضته على ديكابريو وسكورسيزي اللذين وافقا عليه. وتبعاً لموافقتهما، قامت تلك الشركة بإرساله إلى الشركة الكبرى «باراماونت».
لكن لماذا «باراماونت» دون سواها؟
الحقيقة هي أن هناك اتفاقاً بين سكورسيزي و«باراماونت» ينص على أن يعرض الأول مشاريعه جميعاً على تلك الشركة، قبل أن يحيلها -إذا لم توافق- على سواها. لكن هذا العقد المبرم سنة 2006 لم ينجز سوى عمل قامت «باراماونت» بتمويله، وهو «Shutter Island» سنة 2010. أما باقي المشاريع التي عرضها سكورسيزي على «باراماونت»، تحديداً «هوغو» و«سايلنس» و«ذئب وولف ستريت»، فقد قامت الشركة بتوزيعها فقط. هذا كله في العقد الأول من القرن الجديد، عندما لم يكن نظام العروض المباشرة للمنازل قد دخل مجال الإنتاج (أو لم يبدأ أساساً بالنسبة لمعظمها). الآن، بات هذا النظام حقيقة فاعلة، يجذب إليه الأسماء الكبيرة (مثل مارتن سكورسيزي وطواقمه)، بل وكثير من النُخَب الجديدة كذلك، مؤسساً لمنافسة إنتاجية، ومستفيداً من حقيقة أنها باتت مصدر عروض أولى، في ظل انتشار الكورونا، واضطرار عشرات ملايين البشر للبقاء في بيوتهم.
بذلك تخرج «باراماونت» لا رابحة ولا خاسرة. بكلمات أخرى: نعم، خسرت إمكانية حصد قرابة 30 مليون دولار أو أكثر من الأرباح (بعض أفلام سكورسيزي أنجزت 320 مليون دولار من العائدات)، لكنها ربحت توفير 200 مليون دولار للاستثمار في مشروع مضمون أكثر. ومن ناحية ثانية، هي لن ترتبط بالفيلم ارتباطاً إنتاجياً، لكنها مضطرة للارتباط به توزيعياً، مما يعني أن عليها أن تعمل على المشروع، كما لو أنها قامت بإنتاجه فعلاً. الرابح هو «آبل» التي ستطرح نفسها لاعباً أساسياً في هوليوود، ولكن الرابح فوق الجميع هو سكورسيزي نفسه الذي بات خبيراً في دخول المفاوضات ومواجهة العقبات، ثم… تحقيق ما يريد هو تحقيقه، وبحرية إبداعية كاملة.

روزفلت في الأفق
سكورسيزي (77 سنة) اعتاد على المصاعب، وعلى تذليلها، منذ البداية. فهو يتذكر أنه كاد أن يقوم بإخراج «العرّاب» بنفسه سنة 1972 (ومع «باراماونت» تحديداً)، عندما صدرت أوامر عليا من رئاسة تلك الشركة بتسليم الدفّة إلى صديقه فرنسيس فورد كوبولا. كوبولا انصرف إلى العمل، وأنجز فيلماً من إبداعات السينما لكل العصور، لكن علاقته مع سكورسيزي لم تتأثر. هذا الناقد قصد بيت كوبولا في سان فرانسيسكو في شتاء بعض السنوات الماضية، فوجد سكورسيزي في ضيافته. لكن الحال الآن هو أن سكورسيزي هو من يحصد الأجر الأعلى بين كل مخرجي جيله (وأحد أعلى الأجور في السينما بين كل الأجيال العاملة)، بينما كوبولا منصرف إلى مزرعة العنب التي يملكها شمالي سان فرانسيسكو، وهو منقطع عن العمل إلا حين يقرر إنجاز فيلم بشروطه المستقلة، ومن دون تمويل الشركات الكبرى. وبين 2006 و2016، أخرج أربعة أفلام بميزانيات صغيرة مستقلة. بالمقارنة، قام سكورسيزي بتحقيق 8 أفلام سينمائية، بالإضافة إلى فيلم واحد اتجه مباشرة إلى سوق الأسطوانات (DVD)، وهو «قصة بوب ديلان، حسب مارتن سكورسيزي».
والمشاريع التي يزاول سكورسيزي العمل عليها حالياً، بجانب «كيلرز أوڤ ذا فلاور مون»، تتنوّع بين السينما والتلفزيون. وقد ظهر في برنامج بعنوان «An Afternoon with SCTV»، ومن المفترض به القيام بإنتاج وإخراج حلقات بعنوان «شيطان في البيت الأبيض».
وسينمائياً، لديه مشروع حول حياة الرئيس ثيوردور روزفلت الذي سيلعب فيه ليوناردو ديكابريو أيضاً دور الرئيس الأميركي.
وهذا التعاون بين ديكابريو وسكورسيزي أنجز حتى الآن خمسة أفلام، هي: «عصابات نيويورك» (2002)، و«الملاّح» (2004)، و«المُـغادر» (2006)، ثم «جزيرة مغلقة» (2010)، وبعده «ذئب وولف ستريت» (2013). ومع كل من «كيلرز أوڤ فلاور مون» و«روزفلت»، سيرتفع الرقم إلى ما هو قريب من عدد المرّات التي تعاون فيها سكورسيزي مع روبرت دي نيرو (تسعة حتى الآن).
وفي حديث أدلى به ديكابريو لمحطة تلفزيونية قبيل نهاية العام الماضي، قال: «أعتز بكل فيلم مثلته لحساب سكورسيزي. لقد اكتشفت قدرتي على التنويع من دور هوارد هيوز في (الملاّح) إلى دور متلاعب البورصة في (ذئب وولف ستريت)، وبينهما كل الأدوار الأخرى، والفضل في ذلك لسكورسيزي». والفيلم الجديد (كيلرز أوڤ فلاور مون) سيكون المرّة الأولى التي سيجتمع فيها دي نيرو مع ديكابريو في عمل واحد، لكن ديكابريو يفكّر -بصفة إنتاجية- في إسناد دور رئيسي للممثل دي نيرو في مشروع ما زال قيد الإعداد حالياً، بعنوان «ليوناردو دا فينشي».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».