مارتن سكورسيزي يكرر سيناريو «الآيرلندي» بنجاح فريد

مارتن سكورسيزي يكرر سيناريو «الآيرلندي» بنجاح فريد

200 مليون دولار ميزانية فيلمه المقبل
الاثنين - 9 شوال 1441 هـ - 01 يونيو 2020 مـ رقم العدد [ 15161]
لوس أنجليس: محمد رُضا

ها هو سكورسيزي يفعلها مرّة ثانية: يتجه بمشروع مكلف إلى أحد استديوهات هوليوود، فيعتذر خشية الإنفاق، لتتدخل مؤسسة إنترنتية كبرى وتنقذ مشروع سكورسيزي دون أن يتأثر تحالفه كثيراً بالمؤسسة التي توجه إليها بادئ الأمر. كأننا نقرأ في هذا الحدث الذي أُفصِح عنه يوم أول من أمس، منوال إنتاجه قبل أكثر من عام فيلم «الآيرلندي». حينها، توجه سكورسيزي إلى «باراماونت» طالباً تغطية تكلفة «الآيرلندي» التي بلغت في مطلع الأمر 100 مليون دولار، لكن الشركة التي أسست أيام ما كانت السينما ما زالت صامتة قبل نحو 100 سنة كانت حذرة من الموافقة بسبب اعتماد سكورسيزي على ممثلين فاتهما العصر، وهما آل باتشينو وروبرت دي نيرو. سكورسيزي أصر عليهما، والمحادثات تعثّرت. وهنا، تقدّمت شركة «نتفلكس» التي توزّع أفلامها بنظام البث المباشر في البيوت، ورضت بتغطية التكلفة (التي ارتفعت في الواقع إلى نحو 150 مليون دولار) بالكامل، مع منح سكورسيزي مطلق الحرية في أي قرار فني يتّخذه.


عملية إنقاذ

وكما لو أن التاريخ يعيد نفسه بالكامل، تقدم قبل نهاية العام الماضي سكورسيزي لشركة «باراماونت» ذاتها بعرض جديد؛ فيلم أكشن بوليسي - عصاباتي جديد بعنوان «قتلة فلاور مون» (Killers of the Flower Moon)، وقد تسلّح هذه المرّة بالنجم الساطع ليوناردو ديكابريو، وجلب من طاقم الأمس روبرت دي نيرو وحده.

في البداية، رحبت الشركة بالمشروع، لكنها أخبرت سكورسيزي بأنها غير راضية عن الميزانية التي وضعها، والتي تبلغ 180 مليون دولار. سكورسيزي، حسب مصدر من شركة «باراماونت» ذاتها، قال إنه لا يستطيع تحقيق الفيلم بأقل من هذا المبلغ.

دارت المباحثات لبعض الوقت، قبل أن يتقدّم سكورسيزي بسيناريو معدّل ينتقل فيه ديكابريو من تمثيل شخصية بطل بلا سيئات إلى شخصية رمادية تثير بعض الشكوك حوله. هنا، رفضت الشركة هذا التعديل، على أساس أن الجمهور لن يرغب في مشاهدة بطله في خانة الأشرار.

وخلال الشهر الثالث من هذا العام، توقفت المباحثات، وأعلمت «باراماونت» سكورسيزي بعدم موافقتها على إنتاج الفيلم، ولكنها -حسب مصدر من الشركة ذاتها- تركت الباب موارباً.

هنا، تماماً كما حدث خلال مفاوضات فيلم «الآيرلندي»، تدخّلت مؤسسة أخرى للبث المباشر، وعرضت على سكورسيزي و«باراماونت» أن تقوم بتغطية نفقات المشروع بالكامل (200 مليون دولار الآن) على أساس منح «باراماونت» حق توزيع الفيلم في الصالات لوقت محدود، قبل أن يتم إطلاقه على شاشة الشركة المنقذة.

الاختلاف الأساسي الوحيد في هذا المجال هو أن الشركة التي تقدّمت بعملية الإنقاذ ليست «نتفلكس»، بل «آبل». لكن كما هي الحال في الإنتاج السابق، تركت لسكورسيزي حرية الحركة والاختيار بالكامل. وبذلك، خرج سكورسيزي راضياً، رغم أنه كان لا يزال يفضل لو أن «باراماونت» (أو غيرها من الشركات الهوليوودية الكبرى) هي التي موّلت المشروع بكامله لكي يتسنى للفيلم عروض سينمائية كاملة على الشاشات العريضة، تماماً كما اعتاد.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، المنشور في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2019، تحدّث سكورسيزي عن مصاعب تحقيق «الآيرلندي» منذ أن فكّر مع روبرت دي نيرو بالمشروع، وصولاً إلى نأي هوليوود عن تأمين الميزانية، على أساس اعتقادها بأن الفيلم لن ينجز ما يعود بتكاليفه. وقتها، قال: «شركات السينما كانت تنظر بريبة إلى احتمال نجاح المشروع، مع أو من دون الممثلين الثلاثة المذكورين (باتشينو ودي نيرو وجو بيشي). وفجأة، قيل لنا إن (نتفلكس) مستعدة لاحتواء المشروع؛ أبدت استعدادها بلا شروط».

سكورسيزي وافق في المقابلة حين ذكر له هذا الناقد: «كان (الاتفاق) نوعاً من المبادلة: حريتك الإبداعية مقابل تمويل الفيلم».


اتفاق نصف سارٍ

يعود تاريخ مشروع «كيلرز أوڤ ذا فلاور مون» لعام 2016، عندما نشر المؤلّف ديڤيد غران كتابه غير الروائي عن أحداث وقعت في عشرينيات القرن الماضي، تعرّض فيها مواطنون من إحدى القبائل الهندية للقتل في أحداث بقيت طي التحقيق لفترة طويلة، ولو أنها توقفت من دون نتائج مرضية. نال الكتاب إعجاب شركة إنتاج صغيرة (اسمها «إمبراتيڤ إنترتينمنت»)، فاشترت حقوقه، وعرضته على ديكابريو وسكورسيزي اللذين وافقا عليه. وتبعاً لموافقتهما، قامت تلك الشركة بإرساله إلى الشركة الكبرى «باراماونت».

لكن لماذا «باراماونت» دون سواها؟

الحقيقة هي أن هناك اتفاقاً بين سكورسيزي و«باراماونت» ينص على أن يعرض الأول مشاريعه جميعاً على تلك الشركة، قبل أن يحيلها -إذا لم توافق- على سواها. لكن هذا العقد المبرم سنة 2006 لم ينجز سوى عمل قامت «باراماونت» بتمويله، وهو «Shutter Island» سنة 2010. أما باقي المشاريع التي عرضها سكورسيزي على «باراماونت»، تحديداً «هوغو» و«سايلنس» و«ذئب وولف ستريت»، فقد قامت الشركة بتوزيعها فقط. هذا كله في العقد الأول من القرن الجديد، عندما لم يكن نظام العروض المباشرة للمنازل قد دخل مجال الإنتاج (أو لم يبدأ أساساً بالنسبة لمعظمها). الآن، بات هذا النظام حقيقة فاعلة، يجذب إليه الأسماء الكبيرة (مثل مارتن سكورسيزي وطواقمه)، بل وكثير من النُخَب الجديدة كذلك، مؤسساً لمنافسة إنتاجية، ومستفيداً من حقيقة أنها باتت مصدر عروض أولى، في ظل انتشار الكورونا، واضطرار عشرات ملايين البشر للبقاء في بيوتهم.

بذلك تخرج «باراماونت» لا رابحة ولا خاسرة. بكلمات أخرى: نعم، خسرت إمكانية حصد قرابة 30 مليون دولار أو أكثر من الأرباح (بعض أفلام سكورسيزي أنجزت 320 مليون دولار من العائدات)، لكنها ربحت توفير 200 مليون دولار للاستثمار في مشروع مضمون أكثر. ومن ناحية ثانية، هي لن ترتبط بالفيلم ارتباطاً إنتاجياً، لكنها مضطرة للارتباط به توزيعياً، مما يعني أن عليها أن تعمل على المشروع، كما لو أنها قامت بإنتاجه فعلاً. الرابح هو «آبل» التي ستطرح نفسها لاعباً أساسياً في هوليوود، ولكن الرابح فوق الجميع هو سكورسيزي نفسه الذي بات خبيراً في دخول المفاوضات ومواجهة العقبات، ثم… تحقيق ما يريد هو تحقيقه، وبحرية إبداعية كاملة.


روزفلت في الأفق

سكورسيزي (77 سنة) اعتاد على المصاعب، وعلى تذليلها، منذ البداية. فهو يتذكر أنه كاد أن يقوم بإخراج «العرّاب» بنفسه سنة 1972 (ومع «باراماونت» تحديداً)، عندما صدرت أوامر عليا من رئاسة تلك الشركة بتسليم الدفّة إلى صديقه فرنسيس فورد كوبولا. كوبولا انصرف إلى العمل، وأنجز فيلماً من إبداعات السينما لكل العصور، لكن علاقته مع سكورسيزي لم تتأثر. هذا الناقد قصد بيت كوبولا في سان فرانسيسكو في شتاء بعض السنوات الماضية، فوجد سكورسيزي في ضيافته. لكن الحال الآن هو أن سكورسيزي هو من يحصد الأجر الأعلى بين كل مخرجي جيله (وأحد أعلى الأجور في السينما بين كل الأجيال العاملة)، بينما كوبولا منصرف إلى مزرعة العنب التي يملكها شمالي سان فرانسيسكو، وهو منقطع عن العمل إلا حين يقرر إنجاز فيلم بشروطه المستقلة، ومن دون تمويل الشركات الكبرى. وبين 2006 و2016، أخرج أربعة أفلام بميزانيات صغيرة مستقلة. بالمقارنة، قام سكورسيزي بتحقيق 8 أفلام سينمائية، بالإضافة إلى فيلم واحد اتجه مباشرة إلى سوق الأسطوانات (DVD)، وهو «قصة بوب ديلان، حسب مارتن سكورسيزي».

والمشاريع التي يزاول سكورسيزي العمل عليها حالياً، بجانب «كيلرز أوڤ ذا فلاور مون»، تتنوّع بين السينما والتلفزيون. وقد ظهر في برنامج بعنوان «An Afternoon with SCTV»، ومن المفترض به القيام بإنتاج وإخراج حلقات بعنوان «شيطان في البيت الأبيض».

وسينمائياً، لديه مشروع حول حياة الرئيس ثيوردور روزفلت الذي سيلعب فيه ليوناردو ديكابريو أيضاً دور الرئيس الأميركي.

وهذا التعاون بين ديكابريو وسكورسيزي أنجز حتى الآن خمسة أفلام، هي: «عصابات نيويورك» (2002)، و«الملاّح» (2004)، و«المُـغادر» (2006)، ثم «جزيرة مغلقة» (2010)، وبعده «ذئب وولف ستريت» (2013). ومع كل من «كيلرز أوڤ فلاور مون» و«روزفلت»، سيرتفع الرقم إلى ما هو قريب من عدد المرّات التي تعاون فيها سكورسيزي مع روبرت دي نيرو (تسعة حتى الآن).

وفي حديث أدلى به ديكابريو لمحطة تلفزيونية قبيل نهاية العام الماضي، قال: «أعتز بكل فيلم مثلته لحساب سكورسيزي. لقد اكتشفت قدرتي على التنويع من دور هوارد هيوز في (الملاّح) إلى دور متلاعب البورصة في (ذئب وولف ستريت)، وبينهما كل الأدوار الأخرى، والفضل في ذلك لسكورسيزي». والفيلم الجديد (كيلرز أوڤ فلاور مون) سيكون المرّة الأولى التي سيجتمع فيها دي نيرو مع ديكابريو في عمل واحد، لكن ديكابريو يفكّر -بصفة إنتاجية- في إسناد دور رئيسي للممثل دي نيرو في مشروع ما زال قيد الإعداد حالياً، بعنوان «ليوناردو دا فينشي».


أميركا الولايات المتحدة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة