البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

«الديوان الإسبرطي» للجزائري عيساوي الفائز بجائزة بوكر العربية

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ
TT

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

رواية «الديوان الإسبرطي»، للروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي، الصادرة عن دار «ميم» بالجزائر عام 2018، هي بكل المعايير رواية عربية متميزة، استحقت بجدارة المركز الأول في جائزة «بوكر» العربية 2019.
تبدو الرواية في إطارها العام رواية تاريخية عن احتلال الجزائر عام 1830 من قبل الاحتلال الفرنسي، لكنها أكثر من ذلك. فهي رواية عن الجوهر الحي الصلب للحياة والمقاومة في المجتمع الجزائري بصورة عامة، ومدينة الجزائر العاصمة وأحيائها الشعبية بصورة أخص. والتاريخ الذي تدونه الرواية ليس تاريخاً رسمياً أو تقليدياً، بل هو بالأحرى تاريخ بديل ينطلق من المنظور ما بعد الكولونيالي في النظر من رفض «الآخر» الكولونيالي ومقاومته. وهذا التاريخ، من جهة ثانية، هو مدونة سردية يرويها خمسة رواة مشاركون مشتبكون بالحدث الروائي، كلٌ من وجهة نظره الخاصة، مما يجعلها بحق رواية بوليفونية متعددة الأصوات، ربما تذكرنا ببنيتها السردية هذه برواية «ميرامار» لنجيب محفوظ.
هذه المدونة السردية تلتقي إلى حد كبير مع مفهوم الناقد الفيلسوف الأميركي هايدن وايت الذي ينظر إلى التاريخ بصفته سرداً (History as Narrative) على المستوى التاريخي. فالرواية أقرب ما تكون إلى رواية الروائي الليبي إبراهيم الكوني «جنوب غربي طروادة.. جنوب شرقي قرطاجة» (2011) التي تنطوي على وقائع وأحداث مماثلة تدور بين البحر المتوسط والصحراء الكبرى، ومقاومة الشعب الليبي للمستعمرين والغزاة، كما تقترب في أجوائها إلى حد كبير مع أجواء روايات عربية أخرى مماثلة.
والبنية الروائية للرواية تعتمد على نسق سردي متكرر، يتواتر خمس مرات بانتظام، على عدد أقسام الرواية. فكل قسم ينطوي على خمسة فصول، كل فصل منها مكرس لوجهة نظر إحدى الشخصيات المشاركة في السرد، وعلى الترتيب التالي: 1- ديبون، 2- كافيار، 3- ابن ميّار، 4- حمة السلاوي، 5- دوجة.
وبذا فالرواية تضم خمسة وعشرين فصلاً، وكل خمسة فصول مخصصة لسرد واحد من رواة الرواية الخمسة. لكنني لاحظت أن الرواية لا تكرس مفهوم البطولة الفردية، بالمعنى المألوف، أو بالدلالة السردية، كما وجدنا ذلك في كثير من الروايات البوليفونية التي تزاوج بين الرؤية التعددية الجماعية، والخصوصية الفردية لأبطالها، ذلك أن هذه الشخصيات، وبطولاتها، تذوب داخل النسيج الروائي، وتؤسس لمفهوم البطل الجماعي الملحمي، المتمثل هنا في مدينة الجزائر التي يطلق عليها أحياناً اسم «إسبارطة أفريقيا»، للدلالة على رمزية المقاومة المرتبطة بمدينة (إسبارطة) اليونانية التي استطاعت بمقاتليها الثلاثمائة أن تصد الجيش الفارسي الجرار، وتمنع تقدمه. وتناصها الدلالي والتاريخي مع مدينة الجزائر إنما يهدف للتوكيد على الطاقة البطولية الكامنة لدى الشعب الجزائري لمقاومة الغزاة والمستعمرين، وإن كنت أعترض على ارتباط مفهوم «الديوان الإسبرطي» بشخصية «كافيار»، كما سأعود لذلك لاحقاً.
وما أريد أن أخلص إليه أن النزعة البوليفونية للأصوات السردية الخمسة، وذوبانها داخل الحدث الروائي، يمنح الرواية سمة ملحمية واضحة، تذكرنا ربما بالجوهر الملحمي للسرد في رواية «الحرب والسلام» لتولستوي، كما تذكرنا بروايات عربية ذات جوهر ملحمي، مثل خماسية «مدن الملح»، وثلاثية «أرض السواد» لعبد الرحمن منيف، و«أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وغيرها.
ولا أعني هنا أن رواية «الديوان الإسبرطي» هي ملحمة بالمعنى التقليدي، بل أعني أنها بصفتها رواية حديثة تحمل جذراً ملحمياً، حيث أجمع كثير من الفلاسفة والنقاد على أن الرواية هي الامتداد الطبيعي للملحمة. وكان الفيلسوف الألماني «هيغل» أول من أشار إلى أن الرواية هي «الملحمة البورجوازية الحديثة»، وهي فكرة طورها لاحقاً جورج لوكاش في كتابه «الرواية ملحمة بورجوازية».
وبذا فرواية «الديوان الإسبرطي» ذات ملامح ملحمية، وليست ملحمة بالمعنى التقليدي المعروف، حيث إن الملحمة قد انتهت أو ماتت، وحلت الرواية محلها، ولكن بخصائص جديدة. ومن الخصائص الملحمية في هذه الرواية أنها تعبر عن رؤية شعب بكامله، ولا تقتصر على رؤية فرد أو مجموعة أفراد، وبذا فهي تنطوي على ما يسميه هيغل الرؤية الكلية الشمولية للعالم.
ورواية «الديوان الإسبرطي» بهذا المعنى رواية سردية بوليفونية، متعددة الأصوات والرؤى، ذات ملامح ملحمية، من خلال السرد الذي تشارك فيه شخصيات الرواية الخمس. لكن هذه الأصوات من جهة أخرى «تذوب»، أو «تتوارى» بتعبير هيغل، أمام كلية الرؤية الشمولية، ولا تؤسس لها حضوراً قوياً مستقلاً على حساب هذا المنظور العام.
وتشارك هذه الرواية الجزائرية المتميزة الملحمة في نزعتها البطولية «Heroism»، ذلك أنها تحاول أن تؤسس لمفهوم البطولة الشعبية الجماعية، مقابل هيمنة «الآخر» المتمثل بالاحتلال الفرنسي، والاحتلال العثماني، إذ وجدنا الرواية تجمع بأناة كل العناصر والمقومات التي تشرعن حق المقاومة، من خلال رؤى أربع شخصيات مشاركة، هي: الشاب الجزائري «حمّة السلاوي»، وهو الرمز المباشر للمقاومة الجزائرية المسلحة في مواجهة الاحتلال الفرنسي، الذي يمتلك أيضاً رؤية رافضة للوجود العثماني، ويؤكد علي حق الجزائريين بحكم أنفسهم. أما «ابن ميّار»، فهو أنموذج للشخصية الجزائرية الوسطية، فهو رجل دين وسياسة، يقف ضد الاحتلال الفرنسي عن طريق ممارسة لون من المقاومة السلمية والفكرية، مثل تقديم المذكرات ورسائل الاحتجاج إلى السلطات الفرنسية في الجزائر وباريس. وتمثل «دوجة» شخصية المرأة في الرواية، وربما هي كناية عن الجزائر المنتهكة المستباحة، وهي تتعاطف بشكل مباشر مع «حمّة السلاوي» الذي أنقذها من استعباد المبغى، وأعاد لها إنسانيتها. أما الصوت الرابع، فيمثله الصحافي الفرنسي «ديبون»، وهو صحافي ليبرالي ذو ميول مسيحية إنسانية، عبّر عن رفضه للاحتلال الفرنسي للجزائر، وكان يتقاطع مع صديقه الفرنسي «كافيار»، أحد رموز الكولونيالية الفرنسية، حاكم الجزائر العسكري لاحقاً.
ومما يجسد صمود الشعب الجزائري المقاومة التي أبداها الجزائريون في مواجهة نزول قوات الاحتلال الكولونيالي في منطقة «سيدي فرج»، والدور البطولي للفرسان الجزائريين الثلاثمائة الذين يقيمون تناصاً مع فرسان إسبارطة الثلاثمائة، والذين استبسلوا في المقاومة.
ولا شك أن هذه الواقعة، وتواترها في رواية «الديوان الإسبرطي» تمثل لوناً من التناص المكاني والتاريخي الذي يحمل دلالاته وحمولاته الفكرية والسيميائية والتاريخية العميقة، والذي يرتبط بمدينة «إسبارطة» الإغريقية، وبعنوان الرواية «الديوان الإسبرطي». لكن المؤلف عبد الوهاب عيساوي لم يكن موفقاً عندما قرن مصطلح «الديوان الإسبرطي» بسرد «كافيار»، الممثل الشرس للسياسة الكولونيالية الفرنسية، وكان حرياً بالروائي أن يختار إحدى الشخصيات الجزائرية، وبشكل خاص «ابن ميّار» أو «حمّة السلاوي»، أو حتى الصحافي «ديبون» الذي كان يتعاطف إلى حد كبير مع الشعب الجزائري وتطلعاته.
وكان مصطلح «الديوان الإسبرطي» قد ظهر لأول مرة عندما لاحظ الصحافي «ديبون» أن زميله الذي يشاركه في غرفته على ظهر السفينة المتوجهة لاحتلال الجزائر عام 1830 كان يقرأ في كتاب يحمل اسم «الديوان الإسبرطي» (ص 148)، واكتشفنا لاحقاً أن هذا المرافق هو «كافيار» الذي سيصبح حاكماً للجزائر.
أما من الناحية السردية لبناء الرواية، فقد لاحظت لوناً من النسقية الرتيبة في تقديم الأحداث الروائية؛ ذلك أن الروائي يكرس كل فصل من فصول الرواية الخمسة للتعبير عن وجهات نظر الشخصيات الخمس المشاركة في السرد، حول حدث مركزي واحد، وكأننا أمام كاميرا سينمائية تلتقط صوراً لأوجه مبنى خماسي الأضلاع، إذ نجد الشي الكثير من التكرار، وكأن الزمن يتوقف لاستعادة وصف حدث معين من خلال الإصغاء إلى وجهات نظر الشخصيات الخمس. ولست أعترض على الإفادة من هذه التقنية بصورة جزئية لأنها تقدم زوايا جديدة تستكمل المنظور العام للحدث، لكن هذا لم يتحقق إلا بدرجة محدودة، مما ترك الباب مفتوحاً أمام التكرار الرتيب أحياناً.
أما النسق الزمني في الرواية فهو ارتدادي غير خطي، مما يمنح الرواية صفة الرواية الدائرية (Circular Novel)، ذلك أنها تبدأ في القسم الأول، وعبر سرد رواتها الخمسة عام 1833، أي بعد ثلاث سنوات من احتلال الجزائر، وتركز على ما آلت إليه أوضاع مدينة الجزائر التي تلقب بالمحروسة تارة، وبإسبارطة أفريقيا تارة أخرى. أما الأقسام الثلاثة التالية، أي الثاني والثالث والرابع، فتعود إلى عام 1830، وهو عام احتلال الجزائر، ويسلط الضوء فيها، من خلال وجهات نظر الشخصيات المشاركة الخمس، على الجوانب العسكرية واللوجيستية والسياسية من عملية احتلال الجزائر، وردود أفعال الجزائريين ومقاومتهم. ثم تختتم الرواية زمنياً في فصلها الخامس بالعام 1833، الذي بدأت به الرواية، لتستكمل نسق الدائرة الزمنية للرواية ولحركة الأحداث. وقد لمسنا في هذا الفصل تصاعد نضال الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي، من خلال أشكال مختلفة للمقاومة، وربما يمثل «حمّة السلاوي» وجه المقاومة المسلحة من خلال نشاطه المعادي للاحتلال.
وهذا التصعيد المتمثل في التحاق «حمّة السلاوي» بالمقاومة المسلحة، وانتظار «دوجة» اللحظة التي يعود فيها «حمة السلاوي» لكي تلتحق به، يجعل الرواية مفتوحة النهاية على تأويلات واحتمالات كثيرة، تتيح الفرصة للقارئ للتأمل والتأويل والتفكير والتعاطف مع قضية الشعب الجزائري الذي قرر أن يؤسس لمقاومة مفتوحة للهيمنة الكولونيالية، وأن تظل الجزائر صنواً لمدينة «إسبارطة» الإغريقية، بصفتها «إسبارطة أفريقيا»، وتحمل دائماً بشارة المقاومة المستمرة، ووعداً بأمل الخلاص من ربقة الاحتلال الكولونيالي الغاشم.



مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.