الصين ترفض «تدخل» الولايات المتحدة في هونغ كونغ وتعايرها بأحداث مينيابوليس

واشنطن «قلقة» ولندن «متخوفة» من عدم احترام بكين الإعلان الصيني - البريطاني لعام 1984

متظاهر يصور حريقاً عند مدخل محطة مترو الأنفاق المركزية في هونغ كونغ (رويترز)
متظاهر يصور حريقاً عند مدخل محطة مترو الأنفاق المركزية في هونغ كونغ (رويترز)
TT

الصين ترفض «تدخل» الولايات المتحدة في هونغ كونغ وتعايرها بأحداث مينيابوليس

متظاهر يصور حريقاً عند مدخل محطة مترو الأنفاق المركزية في هونغ كونغ (رويترز)
متظاهر يصور حريقاً عند مدخل محطة مترو الأنفاق المركزية في هونغ كونغ (رويترز)

استخدمت الصين وروسيا أحداث مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية لتوجيه اتهامات بـ»التمييز العنصري» ضد الولايات المتحدة التي طلبت مع بريطانيا عقد اجتماع غير رسمي لمجلس الأمن لمناقشة قرار الصين فرض قانونها للأمن القومي على هونغ كونغ، وهي مقاطعة تحظى بحكم ذاتي موسع بموجب الإعلان الصيني - البريطاني المشترك لعام 1984.
وأعاد البريطانيون هونغ كونغ الى الصين عام 1997، على أن تحكم المنطقة ضمن مبدأ «دولة واحدة ونظامان». لكن مجلس الشعب الوطني الصيني (مجلس النواب) أصدر أخيراً قراراًفي شأن «إنشاء وتحسين النظام القانوني وآليات تنفيذه لمنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة لحماية الأمن القومي» في الصين. وعقد هذا الإجتماع لمجلس الأمن في ظل تصاعد التوتر الأميركي - الصيني على خلفية تفشي جائحة «كوفيد 19» وتزايد الخلافات التجارية بين البلدين. وفرض انتشار فيروس «كورونا» في نيويورك تعديلات جوهرية على إجراءات العمل في مجلس الأمن، مما أتاح للصين تعطيل طلب الولايات المتحدة عقد جلسة رسمية كانت طلبتها سابقاً. وهذا ما دفع الجانبين الأميركي والبريطاني الى طلب عقد اجتماع غير رسمي من خارج جدول الأعمال للبحث في قرار السلطات الصينية فرض قانون الأمن القومي على هذه المنطقة.
وكشف دبلوماسي غربي لـ»الشرق الأوسط» أن «الجانبين الصيني والروسي ردا بعدوانية على المطالب الأميركية وركزا خصوصاً على معايرة واشنطن بطريقة تعامل السلطات الأميركية مع المواطنين السود والملونين، ومنها ما يحصل حالياً من صدامات في ولاية مينيسوتا وغيرها». وأوضح أن «الجلسة بدأت ببيان تلته المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت والقائم بأعمال البعثة البريطانية جوناثان آلن. وعلى الأثر رد عليهما المندوب الصيني تشانغ جون ونائب المندوب الروسي ديميتري بوليانسكي. وبعد تراشق بالإتهامات، تسنى لبقية ممثلي الدول الأعضاء الإدلاء بمواقف بلدانهم من هذه المسألة».
وقالت كرافت خلال الإجتماع إنه «في عام 1984، قدمت الصين وعداً لبريطانيا ولشعب هونغ كونغ». واعتبرت أنه «وعد رسمي وملزم بحضور المجتمع الدولي وسجل هنا في الأمم المتحدة كمعاهدة رسمية، بأن الحرية والازدهار في هونغ كونغ سيجري احترامهما وصونهما بعد التسليم». وحضت الأعضاء على »مواجهة الحقيقة المخزية - وهي أن وعد الصين كان فارغاً منذ البداية»، مضيفة أن «إجراءات الصين لتقويض الإعلان الصيني - البريطاني المشترك والقانون الأساسي تجرد المجتمع الحر الذي عزز نجاح هونغ كونغ منذ عام 1997». وسألت أعضاء المجلس عما إذا كانوا سيتخذون »موقفاً شريفاً للدفاع عن حقوق الإنسان وأسلوب الحياة الكريم الذي يتمتع به الملايين من مواطني هونغ كونغ ويستحقونه مثل جميع الأشخاص المحبين للحرية، أم أننا سنسمح الحزب الشيوعي الصيني لانتهاك القانون الدولي وفرض إرادته على شعب هونغ كونغ». ودعت كل الدول الأعضاء الى «الانضمام إلينا في مطالبة الصين بعكس مسارها على الفور والوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية تجاه هذه المؤسسة وتجاه شعب هونغ كونغ».
وكذلك أفاد آلن أن «مخاوف» بريطانيا سببها قرار الصين فرض تشريع للأمن القومي على هونغ كونغ، مؤكداً أن «هذا التشريع يخاطر بتقليص الحريات التي تعهدت الصين دعمها كمسألة تتعلق بالقانون الدولي»، مضيفاً: «نحن قلقون للغاية من أنه إذا جرى تنفيذه، سيؤدي الى تفاقم الانقسامات العميقة القائمة في مجتمع هونغ كونغ». وشدد على أن القرار «يتعارض مباشرة مع التزامات الصين الدولية بموجب أحكام الإعلان المشترك الملزم قانوناً والمسجل في الأمم المتحدة والمملكة المتحدة والصين». وتوقع من الصين أن «تتصرف كلاعب دولي مسؤول وأن تفي بالتزاماتها ومسؤولياتها التعاقدية تجاه شعب هونغ كونغ بموجب الإعلان المشترك»، آملاً في أن تتأمل الحكومة الصينية بـ«المخاوف الجادة والمشروعة التي أثارها هذا الاقتراح داخل هونغ كونغ وحول العالم».
ورد تشانغ بأن الولايات المتحدة وبريطانيا طلبتا عقد الإجتماع المفتوح أولاً «لأغراض سياسية خاصة»، مؤكداً أن الصين أبدت «معارضة شديدة»، فضلاً عن أن «الغالبية العظمى من أعضاء المجلس لم تؤيد الاقتراح الأميركي». وقال إن بلاده طالبت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بـ«لتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتوجيه اتهامات لا أساس لها ضد الصين»، مشدداً على أن «تشريع الأمن القومي لهونغ كونغ لا يشكل أي تهديد للسلم والأمن الدوليين. ويجب على مجلس الأمن ألا يتدخل بأي شكل من الأشكال».وذكر بأنه «منذ يونيو (حزيران) العام الماضي، وقعت أعمال عنف منظمة وخطيرة ونشاطات انفصالية في هونغ كونغ بدعم من بعض القوى الأجنبية، مما شكل تهديداً حقيقياً للأمن القومي الصيني»، مضيفاً أنه «كان من الضروري (...) أن يقوم مجلس الشعب الوطني الصيني بتحسين الإطار القانوني وآليات الإنفاذ لهونغ كونغ لحماية الأمن القومي». وأكد أن «الأساس القانوني لإدارة الحكومة الصينية لهونغ كونغ هو الدستور الصيني والقانون الأساسي لمنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، وليس الإعلان الصيني - البريطاني المشترك». ورأى أن الولايات المتحدة وبريطانيا «تدخلتا بشكل صارخ في شؤون هونغ كونغ، وشجعتا مثيري الشغب، وهددتا حكومة منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة». ودعا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الى «التوقف فوراً عن التدخل في شؤون هونغ كونغ، ووقف ممارسات الهيمنة وسياسات القوة على الفور، والاهتمام بشؤونهما الخاصة بدلاً من إثارة التوترات المشاكل في كل مكان».
وغردت البعثة الصينية الدائمة لدى الأمم المتحدة على «تويتر»أن «ما يستحق اهتمام العالم»هو »فشل الولايات المتحدة في معالجة التمييز العنصري (...) وفي حماية المهاجرين وأطفالهم (...) وفي حماية شعبها من العنف المسلح».
وكذلك غرد بوليانسكي أن الخطوة الأميركية «المحرجة لم تكن مدعومة من أكثرية واضحة بين أعضاء مجلس الأمن»، معتبراً أنها «من القضايا الخلافية والمنحازة التي لا علاقة لها بالسلم والأمن الدوليين». وقال إنه «يجب عدم طرحها في مجلس الأمن». واعتبر أن «الولايات المتحدة فشلت في الإجابة عن أسئلة مشروعة حول تماسك نداءاتهم للتهدئة للمتظاهرين في مينيابوليس مع تحريض المتظاهرين في هونغ كونغ». وتساءل: «لماذا تنكر الولايات المتحدة حق الصين في استعادة السلام والنظام في هونغ كونغ، بينما تفرق بوحشية الحشود في الداخل (الأميركي)؟».
بالإضافة الى الصين، لم يبد أعضاء آخرون مثل إندونيسيا وسانت فنسنت وغرانادين حماسة لعقد اجتماع حول القوانين الصينية الجديدة، عملاً بمبدأ عدم مناقشة مسألة داخلية لدولة ما داخل مجلس الأمن.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».