كيرستن فونتنروز لـ «الشرق الأوسط»: نتوقع مزيداً من الاعتداءات الإيرانية... وسنردّ بقوة

المسؤولة في معهد «سكوكروفت» الاستراتيجي الأميركي قالت إن واشنطن ملتزمة بتحالفها مع دول الخليج

زوارق تابعة للحرس الثوري الايراني تقوم بمضايقة سفن حربية أميركية في الخليج منتصف الشهر الماضي (إ.ب.أ)
زوارق تابعة للحرس الثوري الايراني تقوم بمضايقة سفن حربية أميركية في الخليج منتصف الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

كيرستن فونتنروز لـ «الشرق الأوسط»: نتوقع مزيداً من الاعتداءات الإيرانية... وسنردّ بقوة

زوارق تابعة للحرس الثوري الايراني تقوم بمضايقة سفن حربية أميركية في الخليج منتصف الشهر الماضي (إ.ب.أ)
زوارق تابعة للحرس الثوري الايراني تقوم بمضايقة سفن حربية أميركية في الخليج منتصف الشهر الماضي (إ.ب.أ)

كريستن فونتنروز المسؤولة في معهد سكوكروفت للمبادرة الأمنية في مجلس «أتلانتيك» وتشرف على برنامج يركز على الأمن القومي الوطني والدولي في الشرق الأوسط، خريجة «البزنس سكول» في هارفارد تسلمت طوال عام 2018 دائرة الخليج والأردن ومصر والهلال الخصيب في البيت الأبيض. قبل ذلك أمضت سنوات في وزارة الدفاع، وكان مجال عملها دائماً الشرق الأوسط. يعرفها كثير من أصحاب القرار في الخليج العربي، وتراقب عن كثب كل التحركات الإيرانية، إن كان داخل إيران أو خارجها.
في الحوار الذي أجرته معها «الشرق الأوسط»، أكدت فونتنروز التزام الولايات المتحدة بتحالفها مع شركائها الدول الخليجية، وقالت إن أميركا انسحبت من صراعات طويلة مكلفة جداً للحفاظ على أمنها، «وكل الانسحابات مرتبطة بأمن الخليج». وقالت: «نريد من دول الخليج أن تكون شريكتنا»، وتحدثت عن إيران التي أصبحت تعرف السياسة الأميركية الجديدة: «إذا حاولت إيران مهاجمة الوجود الأميركي في العراق مرة أخرى سيكون الرد قوياً جداً ويعني هذا (مسح حزب الله العراقي من الخريطة وقصف القواعد البحرية للحرس الثوري)».
وعبرت كريستن عن سعادتها بالموقف الألماني الأخير تجاه «حزب الله» في لبنان، وقالت: «إذن بدأت أوروبا تشعر بالخطر، فإذا وصلت إيران إلى المتوسط تحتاج لعبور الجسر للوصول إلى أوروبا».
وتوقعت صراعاً على السلطة في إيران بعد رحيل آية الله علي خامنئي، وشرحت طموحات ابنه مجتبى لخلافته. ثم قالت إن لبنان في حاجة إلى فريق عمل دولي، وإن واشنطن لن تسمح لصندوق النقد الدولي بتقديم أي قرض لإيران! وإلى نص الحوار:-

* هل الولايات المتحدة وتحديداً إدارة الرئيس دونالد ترمب لا تزال تعتبر دول الخليج العربي شريكة وحليفة؟
- بكل تأكيد نعم، رأينا كيف أن أميركا انسحبت من صراعات طويلة بما فيها شمال شرقي سوريا. الانسحابات التي رأيناها، لأن القوات نحتاجها في مكان آخر، ولأننا الآن في زمن المنافسات الكبرى. لسنوات كنا نرى الإرهاب هو الخطر الحقيقي لكنه لم يعد الآن. لذلك كان على أميركا أن تعيد تموضعها. وفي الواقع ما نريد أن نعرفه الآن هل ما زالت بعض دول الخليج ملتزمة معنا، أم لا، لأن كل القرارات التي اتخذتها أميركا للانسحاب كانت مرتبطة بأمن الخليج، ورأينا بعض دول الخليج تسعى لشراء منظومة صواريخ «إس - 400» من روسيا وتقيم علاقات مع الصين، وهنالك تقيم علاقات مع شركة «هواوي»، فعلى سبيبل المثال مملكة البحرين أصغت إلينا بداية عام 2018 عندما قلنا إن «هواوي» و«5G» هما وسيلة جمع معلومات استخبارية، وتدعي أنها مشروع تجاري. فأدركت البحرين ذلك. لكن الصين تقوم بأعمال تهدد الأمن الأميركي. فأي طرف من المعادلة الأكثر التزاماً بالعلاقة؟ الكل تكلم عن أميركا لأنها انسحبت من شمال شرقي سوريا، ولأن الرئيس دونالد ترمب لا يسمح بقذائف تمطر على جيشنا من العراق، لكن في الحقيقة نرى أن على دول الخليج أن تكون أكثر التزاماً معنا.

* لكن الخليج مهم للأمن القومي الأميركي...
- هذا طرح يمكن مناقشته. أعتقد أن السبب ليس كوننا هناك، بل لأن دول الخليج شركاؤنا، ونحبهم، ونثق بهم، ونريد للشراكة أن تستمر. كانت هذه الدول في فترة ما، الوحيدة التي توفر النفط في العالم، وكان النفط مادة حساسة. عندها كانت ضرورية للأمن القومي الأميركي، أنا لا أقول إنها ليست مهمة الآن، إنما العلاقة الآن أقل ميلاً للاقتصاد، وأكثر ميلاً للشراكة. نريد أن تكون هذه الدول شريكتنا في محاربة الإرهاب، وفي مواجهة التطرف، وفي استقرار الأسواق الاقتصادية، وشركاء في إعادة بناء المناطق الخاصة. هناك كثير من الأمور نريد أن تكون هذه الدول معنا فيها، إذ ننظر إليها كمساوية أو أكثر أهمية من أن وضعها الجغرافي ضروري لأمننا القومي، ونشترك معاً في النظرة نفسها حول النظام العالمي. لا يهم أن الحكم مختلف، والديانات مختلفة، إنما رؤيتنا إلى أين يتجه العالم. نحتاجهم شركاء ويحتاجوننا، وقد جذبنا أوروبا واليابان إلى هذه الدائرة، وأحياناً الهند. إنها شراكة حول مصالح مشتركة، أكثر من أن الخليج من الناحية الجيو - استراتيجية مهم لأمن أميركا القومي.

* أمر خامنئي باعادة تأهيل مساكن الجزر المحتلة التابعة للإمارات العربية المتحدة، ويتحدث الحرس الثوري عن بدء إنشاء مجمعات سكنية ومطارين. ما تفسيرك لذلك؟ وهل يجب أن تستعد الدول الخليجية لمزيد من الأعمال العدوانية؟
- نعم أعتقد ذلك، وبكل تأكيد يجب أن تستعد، أعتقد أنه لا نية لإيران في التراجع، لها أهداف معلنة؛ وهي إجبار الولايات المتحدة على مغادرة المنطقة، وهذا يعني الضغط على دول الخليج لقطع علاقتها مع واشنطن، أي أن إيران تريد أن «تقرص» في أي مكان تقدر عليه.
في العراق، تعهدت بالسماح بتشكيل الحكومة العراقية، لأنها تريد أن تبعد العيون الدولية عنها ويداها مربوطتان قليلاً بعد الهجوم على القوات الأميركية في العراق، لذلك تتطلع إلى خارج العراق، مثلاً: لنذهب إلى بحر العرب، لنذهب إلى الجزر (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى). إنها تحاول عمل الكثير. ما تريد إظهاره، بوضع خامنئي في الحجر - لأن العدد الكبير من المسؤولين أصيبوا بفيروس كورونا - أنها ليست ضعيفة أو أن شيئاً ما يمكن أن يلهيها عن أهدافها التوسعية. يحاول المسؤولون الإيرانيون شد العصب الداخلي، يدّعون دائماً أن الأخطار تحيط بهم، ويستغلون ذلك بتهديد أميركا، والأنظمة السنّية، لهذا على النظام أن يبقي على هذه التهديدات. ولو أن الأمور هدأت يصعب عليه جمع الشعب حوله. يستمرون بتهديد أعدائهم ليتلقوا ردود الفعل، ليقولوا لاحقاً: هل رأيتم، إنهم يهددوننا. يريدون إسقاطنا وعلينا أن نبقى متحدين. هكذا تعمل آليتهم، لذلك علينا توقع المزيد، وما يعرفه الإيرانيون جيداً، لأننا أخيراً كنا واضحين، وهو ما تفكر به واشنطن الآن، إذا حاولت إيران مهاجمة الوجود الأميركي في العراق مرة أخرى، سيكون الرد قوياً جداً، لن يكون فقط قصف مواقع لوجستية، كما كان يحدث سابقاً، لأن ذلك أثبت أنه لا يردع إيران. إذا حاولوا تحريك جماعاتهم وقصفوا القوات الأميركية في العراق، ستكون ردة الفعل الأميركي أشد صرامة بكثير، وقد يعني مسح «حزب الله» العراقي من الخريطة وقصف القواعد البحرية للحرس الثوري الإيراني على طول الشاطئ. ومن المؤكد سيحصل تصعيد. أنا أعتقد أن إيران تعرف هذه القرارات الأميركية الآن، ولا تريد أن تغامر، لهذا تتطلع إلى خارج العراق وما الأعمال الأخرى التي تستطيع القيام بها للاستفزاز، إنما تريد تجنب التصعيد.

* تريد البقاء على الحافة...
- تماماً، يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن كل العالم مهتم بالفيروس، ولن يلاحظ تحركاتهم على الرغم من أنهم يعلمون أن المجتمع الدولي يراقب العراق، لذلك يتحركون خارجه بضرب أماكن صغيرة خارج الحدود، اعتمدوا هذه الطريقة لأنهم يقولون إننا نراقب ردة الفعل. إذا العالم سمح لنا وغض النظر، عندها نقوم بعملية أخرى. لكن لاحظوا مؤخراً أن واشنطن لن تسمح لهم، ولأن الإيرانيين يعترضون طريق علاقتنا مع العراق، ويريدون جر العراق إلى ساحة حرب لهم، وهذا يؤذي علاقتنا مع العراق. لذلك لن نقبل بهذا أبداً بعد الآن، وستكون هناك ضربة قوية وعلى الإيرانيين أن يدركوا ذلك. ويبدو أن إيران تستوعب ذلك.

* وكيف يمكن لدول الخليج أن تستعد؟
- هناك طريقتان للاستعداد: أولاً عليهم أن يتأكدوا من أن المجموعة الدولية تراقب، لأن إيران لن تتحرك إذا عرفت أنها ستدان دولياً. من أحد الأسباب التي دفعتها للاستمرار في اعتداءاتها أن أوروبا لم تتخذ موقفاً قوياً ضدها. وعلى دول الخليج أن تتأكد من أن أوروبا تراقب عن كثب ما يجري، وكذلك الولايات المتحدة. كما أن دول الخليج تعرف أن الولايات المتحدة ستكون إلى جانبها. لكن للأسف بعض دول الخليج فتحت قنوات سرية مع طهران حول تأمين كل طرف مصلحته. من وجهة نظري لا أحب ما يجري، لأنه من وجهة أميركية كأنهم يريدون أن تبقى أميركا في المنطقة للحماية ويتلقوا الهجمات من إيران. وأيضاً هنالك دول من الخليج أبرمت اتفاقات ثنائية مع إيران لحماية مصالحها، لكن من الضروري أن تتوصل إلى اتفاق عدم اعتداء مع إيران.

* وهل تعتقدين أن إيران ستحترم اتفاق عدم الاعتداء؟
- ربما سيقبلون. في الخريف الماضي قدمت إيران اقتراح اتفاق شامل مع اقتراب انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة، كان ذلك الاقتراح يشبه خطة سلام جاريد كوشنر، لم يرد أحد قراءته.
كان فيه بعض الآراء الجيدة. أنا قرأت خطة إيران كصاحبة موقف متشدد تجاهها، اطلعت على كل الاقتراحات. رأيت فيها أموراً إيجابية لكن فيها أيضاً رغبة إيران في مغادرة أميركا للمنطقة، وأن تكون هي اللاعب الأول. لكن في الجزء الذي يغطي اتفاقات عدم الاعتداء، أو إمكانية التفاوض حول الترتيبات الأمنية، كانت أفكاراً جيدة، ولم تكن سباقة، لأنه في السابق حصل ترتيب عدم اعتداء بين إيران والمملكة العربية السعودية.

* هذا في زمن الرئيس هاشمي رفسنجاني؟
- نعم. هذا يمكن تحقيقه ليس بالشيء المستحيل. لكن ما نعرفه أن إيران تهدف إلى أشياء كثيرة في الخليج، فإذا بدأت بالتفاهم حول عدم الاعتداء تكون حققت أهدافها. لأنه إذا كان هدفها إخراج الولايات المتحدة من المنطقة، إذن تبدأ باتفاقات مع الخليج، ما يعني أن أميركا لا تحتاج أن تبقى في المنطقة للحماية.

* لكن كيف يثق الخليج بإيران التي تريد أن تكون القوة المهيمنة؟
- هذا صحيح. وليست هناك من حاجة إلى تحالف إذا كان التهديد قائماً، ثم كيف تقبل هي بتحالف والمجتمع الدولي يراقب، والقوات الأميركية هناك، والأسطول الخامس في البحرين.

* لقد أصدر الرئيس ترمب أوامر للبحرية الأميركية بالرد على أي تحرشات لزوارق الحرس الثوري؟
- كل ما فعله أن قال أوامر يعرفها تلقائياً قادة البحرية، إذ لديهم دائماً حق الدفاع عن النفس في الخليج. لم يكن ما قاله الرئيس جديداً. ومؤخراً وقّع وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر على مفهوم خطة تقول: إذا استفزتنا إيران نستطيع الرد فوراً. هذا موقع عليه ويعني أن قادة البحرية غير مضطرين للعودة إلى واشنطن من أجل الحصول على الموافقة. تصريح الرئيس كان موجهاً لإيران.

* وهل سيرد قادة السفن؟
- نعم. لكن القادة أصحاب خبرة، لن يضطربوا. إذا استمرت إيران في القيام بالعمليات التي اعتادت عليها، لإظهار أنها موجودة، والتحرش، لن يرد القادة على هكذا عمليات لا تعني شيئاً إلا لإيران.

* بمعنى كأنه قصة الفيل والنملة...
- تماماً. لكن رأينا سابقاً الحرس الثوري يزرع ألغاماً حول حاملات نفط في منطقة الخليج. إذا لاحظ القادة قارباً إيرانياً محملاً بالمتفجرات من المؤكد أنهم سينسفونه. أو إذا رأوا زوارق مسرعة باتجاه السفن كمحاولة لإشعال حريق، السفن ستقصفها. لكن لن يردوا على تصرفات شبيهة بتصرفات «نملة».

* لكن لاحظنا أن إيران أطلقت أول قمر صناعي عسكري عندما وجه ترمب تهديداته. هل يعني هذا أن كل الضغوط الأميركية فشلت حتى الآن، أي قبل السياسة الجديدة التي تحدثت عنها؟
- كلا. ولا أعتقد أن ذلك القمر الصناعي كان رداً على تهديدات الرئيس، لا يمكن إطلاق قمر صناعي في ظرف أسبوع. إنها عملية طويلة...

* لكن كان يمكنها تأجيل الإطلاق...
- نعم، أو كان بإمكان إيران إطلاقه من دون ضجة. أظن أنها أطلقته كي نعرف ويعرف العالم، كمظهر قوة.
القصة في القمر الصناعي الإيراني، كما قرأه الخبراء العسكريون، أنه يظهر قدرة «قفزة ضفدع». لكن من المؤكد أنهم يحاولون بناء قدرات للوصول إلى الأبعد، ليس إلى أميركا طبعاً. كان تحذيراً أحمر بأنها تكن عداء لشركائنا وحلفائنا...

* لكن إيران وبحجة أنها تدافع عن نفسها، فهي منتشرة في كل مكان...
- هذا صحيح، مثلاً الجوار السنّي لم يهاجم إيران إطلاقاً، لكن الإيرانيين يحاولون دائماً الإيحاء بأنهم سيهاجموننا، لكن تصوير الخليج بالعدو هدفه الإبقاء عليهم في السلطة داخل إيران.

* كيف ترين مستقبل نظام الملالي في إيران الذي يدعم وكلاءه في لبنان والعراق وسوريا واليمن، كذلك لاحظنا مؤخراً رد فعل ألمانيا؟
- نعم بتصينف «حزب الله» منظمة إرهابية، أعتقد أن إقدام ألمانيا على هذا الأمر الآن هو مزيج من مراقبة معاناة لبنان واللبنانيين المقيمين في ألمانيا. رأت ألمانيا أن هذا ليس بجيد، ثم إن السفير الأميركي لدى ألمانيا ريتشارد غرونيل شخصية سياسية حقيقية، كان على وشك أن يصبح مستشار الأمن القومي الأميركي عندما استقال جون بولتون. إنه لاعب ومن الصقور، وكان مصراً على موقف ألماني. كان يدفع نحو هذه الخطوة وعرف الألمان أنه شخص مؤثر وأنه ليس مجرد سفير دبلوماسي. أعرف أيضاً أن الدياسبورا اللبنانية في الولايات المتحدة مؤثرة جداً، كلهم مقربون، مثقفون بدرجة عالية، نشطاء سياسياً، ومحترمون، لهذا يحظى لبنان باهتمام في واشنطن حتى لو أنه دولة صغيرة، صحيح أن هناك «حزب الله» وهناك الجنرال ميشال عون رئيساً، لكن الآن لبنان ليس في حالة جيدة ويقترب من وضع الدولة الفاشلة والناس يعانون، وبدأ الأوروبيون والألمان تحديداً يشعرون بأنه لا يمكن التخلي عن الشعب اللبناني، ثم لدينا أعمال مشتركة معهم، لهذا شعروا أنه لا يمكن أن يبقوا في موقف المتفرج. أنا فخورة جداً بالموقف الألماني. ثم هناك أدلة حول التحويلات المالية بين بعض المنظمات في ألمانيا و«حزب الله».

* كيف يمكن إنقاذ لبنان من «حزب الله»؟
- سؤال جيد. أعتقد أن لبنان يحتاج إلى فريق عمل دولي. هناك نخبة لكن لا نجوم بارزة. لا أحد يعرف كيف يدير بلاداً. كل الذين تظاهروا يريدون التغيير لكن لا أحد يعرف التطبيق. و«حزب الله» يستغل هذا. لذلك على المجتمع الدولي أن يركز على مساعدة لبنان لمكافحة نشاط «حزب الله»، ويدعم دور الأحزاب السياسية المدنية، وإجراء انتخابات. يجب تدريب الجيش اللبناني كي يكون قادراً على حماية نفسه، وندرب الشرطة. الكل يريد أن يدعم لبنان. الآن الناس مهتمون بلبنان ولكن أصحاب القرار السياسي في أميركا بعيدون. البيت الأبيض لا يلتفت إلى لبنان. هنا في واشنطن، كان المصريون رائعين، إنهم يضغطون ويطلبون أن ننتبه إلى لبنان. لكن خطأ السياسيين الأميركيين هو الرد: ما دام «حزب الله» يسيطر فإننا لن نتحدث مع اللبنانيين! جزء من مشكلة لبنان أنه لفترة طويلة كان قصة ناجحة، ولا أحد يصدق أنه غرق في أزمة مثل هذه.

* هل ستسمح أميركا لصندوق النقد الدولي بتقديم القروض للبنان؟
- سيتم الضغط على واشنطن لإنقاذ لبنان والسماح بذلك. لكن لن تسمح لصندوق النقد الدولي بإعطاء أي قرض لإيران. عام 2018 كان البيت الأبيض مهتماً بلبنان، لكن حصلت الانتخابات وجاء «حزب الله»! فأدار البيت الأبيض ظهره.

* نعود إلى مستقبل نظام الملالي...
- أنا قلقة. كنا نعتقد أن الملالي المسنين سيرحلون بسلام وسيكون هناك زمن جديد في إيران. لكن لا أعتقد أن هذا سيحدث. الجيل الذي سيخلف خامنئي سيكون مثله أو أكثر تشدداً. هناك ابن خامنئي، مجتبى المتشدد وأعز أصدقائه رئيس الاستخبارات الإيرانية علي شمخاني. الاثنان الآن يديران الأمور.
منذ مقتل قاسم سليماني، هناك مجموعة خامنئي في الحجر لكنه لا يزال المتسلط، وهناك مجتبى وخليفة سليماني إسماعيل قآني، لا يملك كاريزما لكنه المخطط اللوجستي، وهناك أيضاً زينب ابنة سليماني التي تستعمل كصورة، إنها مثل «لوغو»، يظهرونها لشد الناس، لتكون وجه الإيحاء للوكلاء والمتشددين.
ثم إن مجتبى، يملك أموال خامنئي، لديه منفذ لكل هذه الملايين، ثم هناك شمخاني. هذه المجموعة حلت محل الشخصية «الباردة» التي كان يمثلها سليماني.
لذلك، عندما يرحل خامنئي، سيكون هناك صراع على السلطة، لأن هناك شخصيات أكبر سناً من هذه المجموعة وأهدأ، تم تهميشها، وتعتقد أن واحداً منها يمكن أن يأخذ مكان خامنئي، لكن هناك ابنه الطموح، الذي سيقول: المال لدي، وأنا كنت اليد اليمنى لوالدي، ثم إن جهاز الاستخبارات سيدعمه. لذلك سنرى صراعاً على السلطة لكن سيبقون الصراع مخفياً ومستتراً. لا أعتقد أن الأكبر سناً يريدون أن يصل مجتبى، وفي الوقت نفسه لا أرى مجتبى سيقبل تحييده. إنه أمر مثير للمراقبة والمتابعة.
وعندما يرحل، أعتقد أنهم سيبقون على الأمر سراً حتى يرتبوا الصراع، وعندها سيعلنون وفاته، لن نكون قد عرفنا أنه توفي!

* كما حدث مع الملا عمر زعيم «طالبان»، بعد سنتين علمنا أنه توفي...
- صحيح. في الحقيقة يجب أن نصفق لـ«طالبان» على ما فعلوه. لكن لا أعتقد أن الإيرانيين سيبقون سر وفاة خامنئي لسنتين.

* الجنرال أمير علي زاده بعد إطلاق القمر الصناعي قال إن إيران الآن قوة عظمى...
- إيران قوة عظمى إذا كانت كوريا الشمالية قوة عظمى. أن تكوني منبوذة لا يصنع منك قوة عظمى. وأن تكوني دولة تحت مراقبة المجموعة الدولية بسبب المشاكل التي تسببينها، لا يصنع منك دولة عظمى.
القوة العظمى تستطيع أن تؤثر من دون إكراه.
ثم إذا كنت قوة عظمى فإن انسحابك من السوق الاقتصادية العالمية يجب أن يسبب أزمة للسوق. ومع كل العقوبات على إيران وإغلاق كل الأسواق بوجهها لم تحصل هناك أي أزمة.
صحيح أن جيشها ضخم، لكن من دون صيانة، كل العائدات ذهبت إلى الحرس الثوري. وكل آليات الجيش قديمة ومفككة. ثم إنهم غير خلاقين. كل ما تصدره هو الثورة.



مأزق ترمب في إيران... لا يريد خسارة الحرب ولا إنهاءها بشروط

إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

مأزق ترمب في إيران... لا يريد خسارة الحرب ولا إنهاءها بشروط

إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)

حين تقول طهران إن واشنطن «لم تعد في موقع يسمح لها بفرض سياساتها»، بحسب المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، رضا طلائي نيك، فهي لا تصف ميزان القوة العسكري بقدر ما تحاول إعادة تعريف ميزان التفاوض.

فإيران التي تعرضت لضربات قاسية، وتواجه حصاراً بحرياً على صادراتها وموانئها، لا تستطيع ادعاء أنها خرجت منتصرة عسكرياً، لكنها تراهن على أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة سياسياً واقتصادياً على تحويل التفوق العسكري إلى تسوية نهائية. ومن هنا جاء المقترح الإيراني الأخير: فتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأميركي وإنهاء الحرب أولاً، ثم تأجيل الملف النووي إلى مرحلة لاحقة. هذا، في جوهره، عرض لا ينهي النزاع بقدر ما ينقل مركزه من النووي إلى هرمز، ومن نزع أوراق إيران إلى تثبيت قدرتها على تعطيل الاقتصاد العالمي. وقد ناقش ترمب المقترح مع فريقه للأمن القومي، لكن البيت الأبيض شدد على أن خطوطه الحمراء لا تزال مرتبطة بإبقاء هرمز مفتوحاً، وبمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

مناورة لتغيير جدول التفاوض

تسعى طهران إلى قلب ترتيب الأولويات، فبدلاً من أن تبدأ التسوية بالسؤال النووي، تريد أن تبدأ بالسؤال البحري: من يتحكم بمرور السفن في هرمز؟ ومن يرفع الحصار أولاً؟ وهل يمكن للولايات المتحدة أن تقبل بفتح المضيق من دون انتزاع تنازل إيراني حول التخصيب ومخزون اليورانيوم العالي التخصيب؟

يقول فرزين نديمي الباحث في معهد واشنطن، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن الولايات المتحدة «لم تكن يوماً في موقع يسمح لها بإملاء سياساتها على إيران»، وإلا لما وقعت الحرب أصلاً، لكنه يضيف أن المشكلة في العرض الإيراني أنه «يتجاوز القضية النووية الأساسية، ويدفع بملف هرمز إلى الواجهة». وبحسب نديمي، تعتقد طهران أن لحظة الضغط على المضيق تمنحها ورقة لموازنة الضغط الأميركي الطويل على برنامجها النووي وربما الصاروخي، لكنه يرجح أن يرتد ذلك عليها إذا «دفعت به بقوة زائدة ولفترة أطول من المطلوب». وهذا التقدير يفسر جانباً من تحفظ واشنطن: قبول العرض يعني عملياً مكافأة استخدام هرمز كورقة ابتزاز استراتيجية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية خلال حفل العشاء السنوي لرابطة مراسلي البيت الأبيض في واشنطن السبت الماضي (رويترز)

خيارات ترمب

أمام ترمب 3 مسارات رئيسية، وكل واحد منها مكلف. الخيار الأول هو إبقاء الحصار، ورفض وقف النار الكامل، ثم استئناف القتال بأهداف متفاوتة: من تحسين شروط التفاوض إلى محاولة إضعاف النظام أكثر، وربما دفعه نحو تصدعات داخلية. هذا هو الخيار الذي يراه نديمي «الأكثر ترجيحاً»؛ لأنه يحافظ على ورقة الضغط، ولا يمنح طهران نصراً تفاوضياً سريعاً.

يضيف نديمي، أما الخيار الثاني فهو الجمع بين الحصار ووقف النار، ومواصلة التفاوض. ظاهرياً، يبدو هذا المسار أقل تكلفة عسكرية، لكنه يحمل خطر الانزلاق إلى «نزاع مجمد»: لا توجد حرب شاملة ولا يوجد اتفاق نهائي، مع بقاء القوات الأميركية في المنطقة، واستمرار إغلاق هرمز أو اضطرابه، وارتفاع أسعار الطاقة لأشهر. وقد نقلت «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين قلقهم من سيناريو كهذا؛ لأنه قد يكون الأسوأ لترمب سياسياً واقتصادياً قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

والخيار الثالث هو قبول صفقة ضيقة: «هرمز مقابل الحصار»، أي إعادة فتح المضيق مقابل تخفيف أو رفع الحصار، مع ترحيل النووي إلى موعد لاحق. ويقول نديمي إن هذا الخيار سيبدو في واشنطن والخليج كأنه اعتراف ضمني بأن «الحرس الثوري» قادر على التحكم في ممر دولي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز المنقولة بحراً، كما أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حذر في حديث مع محطة «فوكس نيوز» من تطبيع وضع تقرر فيه إيران من يستخدم الممر الدولي وبأي ثمن، مؤكداً أن منعها من امتلاك سلاح نووي يبقى جوهر الموقف الأميركي.

لا غالب واضح

مايكل أوهانلن، الباحث في معهد «بروكينغز» يحذر في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، من التسرع في إعلان المنتصر، ويقول إنه «من الصعب وصف نظام إيراني مدمَّر بأنه منتصر»، لكنه يضيف أنه، في ظل اضطراب الأسواق العالمية، يصعب أيضاً وصف الولايات المتحدة بأنها منتصرة، رغم أن البرنامج النووي الإيراني «تراجع كثيراً». هذه القراءة تضع يدها على جوهر المأزق: واشنطن ربحت عسكرياً في مساحات واسعة، لكنها لم تنتزع بعد ترجمة سياسية لهذا التفوق.

الضغوط على إيران حقيقية؛ فالتقارير الأميركية تشير إلى أن الحصار خفّض تحميلات النفط الإيراني بشدة، وأن طهران باتت تبحث عن تخزين بديل للخام في خزانات متهالكة أو على متن ناقلات، أو حتى عن مسارات أقل كفاءة عبر السكك الحديدية باتجاه الصين. لكن الضغط ليس أحادياً؛ فإغلاق هرمز أو تقييده يرفع أسعار النفط والوقود، ويضغط على حلفاء واشنطن الخليجيين، ويمنح إيران قدرة على تصدير الألم إلى خارج حدودها؛ لذلك لا يتعلق السؤال بمن يتألم أكثر فقط، بل بمن يستطيع تحمل الألم مدة أطول.

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز (أ.ب)

المخرج الممكن

تتحدث طهران عن احتمال «عودة محدودة للتصعيد ثم العودة إلى المفاوضات»، وفق ما صرح به مسؤول إيراني رفيع في وقت سابق اليوم. وهذا ليس تهديداً عابراً، بل جزء من منطق تفاوضي: رفع الحرارة عسكرياً بما يكفي لإجبار واشنطن على تعديل شروطها، من دون الذهاب إلى حرب مفتوحة لا تستطيع إيران تحملها.

لكن هذه اللعبة خطرة، لأن ترمب، كما يقول مايكل روبين الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز» في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، قد «يلجأ إلى ضربة جديدة إذا دفعت إيران بقوة زائدة». ويضيف روبين أن إيران ليست منتصرة، لكنها «أفضل تفاوضاً» من فريق ترمب، محذراً من أن صفقة لا تطابق خطاب الانتصار الأميركي قد تدفع أطرافاً إقليمية أخرى إلى التحرك منفردة.

لذلك، فإن المخرج الأكثر قابلية للحياة ليس قبول المقترح الإيراني كما هو، ولا استئناف حرب مفتوحة بلا سقف.

الصيغة الأكثر واقعية قد تكون اتفاقاً مرحلياً مشروطاً: فتح فوري وموثوق به لهرمز من دون رسوم أو تمييز، رفع جزئي ومؤقت للحصار مقابل آليات تحقق بحرية، واستئناف مسار نووي سريع بجدول زمني قصير لا يسمح لطهران بتحويل التأجيل إلى انتصار. عندها يستطيع ترمب القول إنه لم يتنازل عن خطه الأحمر النووي، وتستطيع طهران ادعاء أنها انتزعت وقفاً للحرب، وفتحت باب رفع الحصار.

لكن نجاح هذه الصيغة يتطلب ما تفتقر إليه اللحظة الراهنة: ثقة بالوسطاء، وضمانات لحرية الملاحة، و«رسالة أميركية موحدة لا تجمع بين تهديدات القصف ورغبة تفاديه»، وفق ما نقله موقع «أكسيوس» عن 5 مستشارين. أما إذا بقيت واشنطن وطهران في سباق كسر الإرادة، فقد يتحول هرمز من ورقة تفاوض إلى قيد على الطرفين: إيران لا تستطيع فتحه بلا ثمن، وترمب لا يستطيع رفع الحصار بلا نووي، والأسواق لا تستطيع انتظار تسوية مؤجلة إلى ما لا نهاية.


أميركا لـ«تحالف شركاء»... وعشرات الدول تطالب بفتح «هرمز»

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

أميركا لـ«تحالف شركاء»... وعشرات الدول تطالب بفتح «هرمز»

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)

طالبت عشرات الدول، خلال جلسة مفتوحة لمجلس الأمن في نيويورك، بإعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران، التي تصادمت أيضاً مع الولايات المتحدة على خلفية اختيار طهران لعضوية مؤتمر الأمم المتحدة لمراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي.

وفي جلسة عقدت بطلب من البحرين، وشارك فيها أكثر من 80 دولة، استمع أعضاء مجلس الأمن إلى إحاطات من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز، وخبير الأمن البحري في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية نيك تشايلدز.

اجتماع مجلس الأمن حول الممرات المائية (رويترز)

وفي كلمته، حذر غوتيريش من أن الطرق البحرية العالمية - التي شكلت لقرون شرايين التجارة العالمية - باتت اليوم تواجه ضغوطاً هائلة تهدد الأمن والاستقرار الدوليين. وإذ دعا إلى احترام حقوق الملاحة عبر مضيق هرمز، قال: «افتحوا المضيق. اسمحوا بمرور السفن، دون فرض رسوم، ودون تمييز. اسمحوا باستئناف حركة التجارة. اسمحوا للاقتصاد العالمي بأن يتنفس». وحذر من أن استمرار التعطل في الملاحة قد يقود إلى «حال طوارئ غذائية عالمية» تدفع ملايين الأشخاص، وخصوصاً في أفريقيا وجنوب آسيا، إلى براثن الجوع والفقر.

وذكّر دومينغيز بأنه وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقانون الدولي العرفي، «لا يجوز للدول المشاطئة إغلاق المضائق المستخدمة للملاحة الدولية»، مضيفاً أنه «وبالمثل، لا يوجد أي أساس قانوني يخول لأي دولة فرض رسوم أو جبايات أو شروط تمييزية على المضائق الدولية».

ولفت تشايلدز إلى أن الأحداث المتعلقة بمضيق هرمز قد تكون أكبر مصادر القلق حالياً فيما يتعلق بالأمن البحري، إلا أن هناك العديد من البؤر البحرية الإقليمية الأخرى التي قد تشكل تحديات أيضاً.

المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز (رويترز)

تحالف للشركاء

وقال المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز، إن «مضيق هرمز ليس ملكاً لإيران لتتلاعب به، ولا هو ورقة مساومة تستخدمها». وإذ أشار إلى أن أكثر من مائة دولة أيدت هذا الموقف، لفت إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817، الذي يطالب إيران بوقف الهجمات على الملاحة البحرية. كما انتقد كلاً من الصين وروسيا لاستخدامهما حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار سابق كان يهدف إلى حماية الأمن البحري. ودعا إلى العمل الجماعي لتشكيل «تحالف من الشركاء ذوي التفكير المماثل» لتأمين طرق الشحن، ودعم تدفقات المساعدات الإنسانية، وصون حرية الملاحة.

وتحدث وزير الدولة لشؤون أوروبا وأميركا الشمالية والأقاليم ما وراء البحار في وزارة الخارجية البريطانية ستيفن دوتي، مؤكداً أنه «لا يجوز استخدام الملاحة البحرية كورقة ضغط، ولا مكان لفرض رسوم عبور أو اشتراط الحصول على تصاريح في المضائق الدولية». وأضاف أنه «لا ينبغي لأي دولة أن تكون قادرة على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة، أو تهديد الأمن الإقليمي».

وحذر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو من أن المضائق ليست ملكية لأي جهة كما لا يجوز بيعها، أو عرقلتها أو إغلاقها أو فرض رسوم في شأنها «سواء من إيران أو أي طرف آخر، لأي سبب». وأكد أنه «لا يمكن التوصل إلى حل دائم لهذه الأزمة ما لم يوافق النظام الإيراني على تقديم تنازلات كبيرة وتغيير جذري في موقفه».

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا (رويترز)

روسيا والصين

في المقابل، حمل المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا بشدة على الدول الغربية، قائلاً إن «الوضع في مضيق هرمز هو نتيجة للعدوان الإسرائيلي - الأميركي غير المبرر ضد إيران». ورأى أنه «في وقت الحرب، يمكن لدولة ساحلية تعرضت للهجوم أن تحد من الملاحة في مياهها الإقليمية لأغراض الأمن».

أما نظيره الصيني فو تسونغ، فأكد أن «السبب الجذري لعرقلة الملاحة في هذا المضيق يكمن في التحركات العسكرية غير القانونية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران». وأثنى على باكستان وغيرها من الأطراف لدورها في الوساطة.

رفض سعودي للتهديدات

وأكد المندوب السعودي الدائم لدى الأمم المتحدة عبد العزيز الواصل، أن «التطورات المتسارعة في منطقة الخليج العربي تشهد حالة غير مسبوقة من النزاع حول مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً ليس لدول المنطقة بل للاقتصاد العالمي»، منبهاً إلى أن أي تهديد لحرية الملاحة في ممر هرمز الاستراتيجي يؤثر بشكل مباشر على استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية والأمن الاقتصادي الدولي برمته».

وجدد إدانة المملكة لأي أعمال أو تهديدات من إيران تهدف إلى عرقلة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، أو تهديد الأمن البحري في باب المندب، والتأكيد على أن المساس بحرية الملاحة يشكل تهديدا خطيراً للسلم والأمن الدوليين. وشدد على ضرورة إبقاء المضيق مفتوحاً للملاحة، وفقاً لقانون الأمم المتحدة لقانون البحار.

وشدد المندوب الباكستاني عاصم افتخار أحمد على دعم بلاده وتضامنها مع «كل الدول الشقيقة بمنطقة الخليج»، مضيفاً أن باكستان، بدعم من شركاء ودول شقيقة منها الصين والمملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وبلدان أخرى، تقود جهوداً دبلوماسية بناءة لخفض التصعيد.

ورأى المندوب الإيراني أمير سعيد إيرفاني أنه «لا يمكن تحقيق الاستقرار والأمن الدائمين في الخليج العربي والمنطقة الأوسع إلا من خلال وقف دائم ومستمر للعدوان على إيران، مدعوماً بضمانات موثوقة بعدم تكرار ذلك».

المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة فو تسونغ (رويترز)

بيان مشترك

وقبل الاجتماع، تلا وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمجلس الأمن خلال الشهر الحالي، بياناً مشتركاً نيابة عن عدد كبير من الدول، التي أكدت «تأييدها التام للقرار 2817 الذين يدين هجمات إيران على الجيران الإقليميين وإغلاقها لمضيق هرمز»، وجددت دعوتها لفتح المضيق بشكل عاجل ودون عوائق، رافضة أي جهود لتهديد أو وقف الحقوق والحريات الملاحية، بما في ذلك عبر فرض رسوم بما «سيكون انتهاكاً للقانون الدولي».

من جهة أخرى، انطلقت في مقر الأمم المتحدة بنيويورك نشاطات المؤتمر السنوي الحادي عشر لمراجعة تنفيذ معاهدة عدم الانتشار النووي، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1970. ورشحت مجموعات مختلفة 34 نائباً للرئيس.

وأعلن رئيس المؤتمر المندوب الفيتنامي لدى المنظمة الدولية دو هونغ فييت، أن إيران اختيرت مما يسمى «مجموعة دول عدم الانحياز ودول أخرى». وعلى الأثر، اعتبر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون مكتب الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي أن اختيار إيران «إهانة» لمعاهدة عدم الانتشار. وقال إنه «لا جدال في أن إيران لطالما أظهرت استخفافها بالتزامات المعاهدة»، واصفاً اختيارها بأنه «أمر مخزٍ للغاية ومُحرج لصدقية هذا المؤتمر».

في المقابل، رفض المندوب الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رضا نجفي، الموقف الأميركي، قائلاً إنه «من غير المقبول أن تسعى الولايات المتحدة، الدولة الوحيدة التي استخدمت الأسلحة النووية... إلى وضع نفسها في موقع الحكم في مسألة الامتثال».


باريس تربط انتهاء الحرب مع إيران بتقديمها «تنازلات مؤلمة» وبتغيير «نهجها» الإقليمي

الوزير جان نويل بارو ملقياً كلمة فرنسا بمناسبة الاجتماع المخصص في الأمم المتحدة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك الاثنين (رويترز)
الوزير جان نويل بارو ملقياً كلمة فرنسا بمناسبة الاجتماع المخصص في الأمم المتحدة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك الاثنين (رويترز)
TT

باريس تربط انتهاء الحرب مع إيران بتقديمها «تنازلات مؤلمة» وبتغيير «نهجها» الإقليمي

الوزير جان نويل بارو ملقياً كلمة فرنسا بمناسبة الاجتماع المخصص في الأمم المتحدة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك الاثنين (رويترز)
الوزير جان نويل بارو ملقياً كلمة فرنسا بمناسبة الاجتماع المخصص في الأمم المتحدة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك الاثنين (رويترز)

تعد فرنسا الدولة الغربية الوحيدة التي تتمسك بالتواصل المباشر مع إيران. وساعدها على ذلك إغلاق ملف الرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس، اللتين كانتا محتجزتين في إيران منذ سنوات، وكانت باريس تعدهما «رهينتي دولة».

في المقابل، خرجت من السجن المواطنة الإيرانية مهدية أسفندياري، وعادت إلى بلادها، وبذلك تمت تصفية الملف، وفتحت صفحة جديدة بين باريس وطهران. ولم يتردد الرئيس إيمانويل ماكرون في الاتصال بنظيره مسعود بزشكيان، وكذلك فعل وزير الخارجية جان نويل بارو الذي تهاتف أكثر من مرة مع نظيره عباس عراقجي، وكان آخرها، الأحد الماضي.

ومن اللافت أن الدبلوماسية الفرنسية تميزت عن غيرها من الدول الغربية، منذ 28 فبراير (شباط) الماضي، بالتنديد بالهجمات الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي عدّتها «انتهاكاً للقانون الدولي». وإذا لم يتردد بارو، في الكلمة التي ألقاها، الاثنين، في مجلس الأمن، في تحميل الولايات المتحدة وإسرائيل جزءاً من المسؤولية، قائلاً إنهما بدأتا الحرب «دون هدف محدد بوضوح وخارج إطار القانون الدولي»، فإنه استدرك قائلاً إن «النظام الإيراني يتحمل المسؤولية الكبرى عن هذا الوضع»، بالنظر إلى «تعنته» بشأن برنامجيه النووي والصاروخي الباليستي، و«دعمه المستمر للجماعات الإرهابية».

بالأحرى، تسير الدبلوماسية الفرنسية على حبل مشدود، وتسعى إلى المحافظة على نوع من التوازن من دون الوقوع في هذا الجانب أو ذاك. ولم تذهب باريس، مثلاً، إلى تبني المواقف المتشددة التي اتخذتها السلطات الإسبانية المنددة صراحة بالسياسة الأميركية تجاه إيران.

في هذه المقاربة الدبلوماسية، لم تتخلَّ باريس، رغم ما سبق، عن ثوابتها في سياستها إزاء إيران، وهي الثوابت التي ذكّر بها جان نويل بارو في الكلمة التي ألقاها، يوم الاثنين، في الأمم المتحدة، بمناسبة المؤتمر الحادي عشر لمراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يصافح الاثنين أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قبل اجتماعهما في نيويورك على هامش اجتماع مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)

والواضح أن الأهداف التي تسعى إليها باريس، عضو «الترويكا» الأوروبية إلى جانب ألمانيا وبريطانيا، والمهتمة بالملف النووي الإيراني منذ ما قبل عام 2015، تتطابق تماماً مع الأهداف الأميركية، إلا أن باريس تبتعد عن واشنطن في الوسائل التي يمكن أن تحقق هذه الأهداف.

ثمة 3 أهداف تركز عليها باريس، أولها قطعاً منع إيران من الحصول على السلاح النووي، لكن ما تريده فرنسا، ومعها شريكتاها بريطانيا وألمانيا، هو أن يتم ذلك عبر المسار الدبلوماسي.

عملياً، تريد باريس، ومعها لندن وبرلين، التوصل إلى اتفاق «قوي ودائم»، معطوف على رقابة صارمة تتكفل بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت «حارس» اتفاق 2015.

كذلك تريد فرنسا، وفق ما تؤكده سلطاتها، «نظاماً» يضبط برنامج طهران الصاروخي - الباليستي، وهو ما كانت تتمنى إدراجه في اتفاق عام 2015، إلا أن استعجال إدارة باراك أوباما، الرئيس الأميركي وقتها، حال دون تحقيق هذا الهدف.

وأخيراً، تريد باريس أن تتوقف طهران عن دعم «وكلائها» في المنطقة، بدءاً من اليمن، ووصولاً إلى لبنان، ومروراً بالعراق، وكما يبدو، فإن أهداف «الترويكا» تتطابق تماماً مع الأهداف الأميركية، وهذا التوافق كان صحيحاً في الماضي، وما زال كذلك اليوم.

تعي باريس أنه بعد الحرب الأخيرة التي لم تكتمل فصولاً، حصلت تغيرات يتعين أخذها في الحسبان، أولها الحصار المزدوج على مضيق هرمز، الذي يمنع تدفق الطاقة الخليجية إلى الأسواق العالمية؛ لذلك، تقترح باريس ولندن إطلاق «مهمة دولية» لضمان أمن الإبحار في المضيق، شرط أن تضع الحرب أوزارها، وهو أمر لا يزال بعيد المنال رغم الهدنة الراهنة، وتتمسك الدول الراغبة في الانضمام إلى هذه «المهمة» بالعمل بعيداً عن الانتشار العسكري الأميركي.

لكن يبدو أن إدارة الرئيس ترمب لا تعيرها أهمية، خصوصاً بعد أن تبين للرئيس الأميركي أن الدول الأطلسية رفضت التعاون معه، ولم تستجب للنداءات التي وجهها إليها قبل أن تفرض قواته البحرية الحصار على الموانئ الإيرانية.

غير أن نقطة التلاقي مع واشنطن تكمن في أن الطرفين يرفضان الهيمنة الإيرانية على المضيق، وتغريم السفن وناقلات النفط رسوماً مقابل السماح لها بالعبور، بما يخالف القوانين الدولية وقوانين البحار.

بيد أن الأهم بالنسبة لفرنسا يبقى التوصل إلى حل دائم ينزع فتيل التفجير من منطقة الخليج والشرق الأوسط، ويعيد الهدوء إلى أسواق الطاقة، ويفرمل الأزمة الاقتصادية العالمية الآخذة في التوسع بسبب الإرباك الحاصل في إمدادات الطاقة.

ومن وجهة نظر فرنسا، فإن الخروج من الأزمة يمر عبر إيران. وفي هذا الخصوص، قال بارو خلال اجتماع مجلس الأمن، الاثنين، بدعوة من البحرين: «لن يكون هناك حل دائم لهذه الأزمة ما لم يوافق النظام الإيراني على تقديم تنازلات مؤلمة، وإحداث تغيير جذري في نهجه».

وأضاف أنه يتعين على إيران أن تظهر طريقاً «نحو التعايش السلمي داخل منطقتها، وأن يتمكن الشعب الإيراني من بناء مستقبله بحُرية»، وذلك بعد أشهر من حملة القمع التي ضربت إيران، وأوقعت عشرات الآلاف من القتلى.

وفي عبارة بارو تذكير بالوعود الأميركية المنسية الخاصة بمساعدة مواطني إيران، التي عدت إحدى مبررات الحرب التي أطلقتها القوات الأميركية - الإسرائيلية، ثم غابت لاحقاً عن المشهد، لكن بارو لم يفصل «التنازلات المؤلمة» التي يفترض بإيران أن تقدمها، وهو بذلك يشير قطعاً إلى برنامجها النووي.

يبقى أن باريس، مثل لندن وبرلين، لا تمتلك أوراقاً ضاغطة قادرة على التأثير في الوضع؛ إذ أخرجت من حلقة التفاوض، التي أمسكت بها واشنطن وحدها، معتمدة فقط على أطراف لنقل الرسائل بينها وبين طهران، رغم أن الأوروبيين كانوا ضالعين في ملف التفاوض مع إيران منذ عام 2003.