ترمب يعلن بدء إنهاء المعاملة الخاصة الممنوحة لهونغ كونغ

الولايات المتحدة تعلّق دخول صينيين «خطرين» إلى أراضيها ... وبكين تتهم واشنطن بأخذ مجلس الأمن «رهينة»

الرئيس ترمب مع وزير خارجيته بومبيو (أ.ف.ب)
الرئيس ترمب مع وزير خارجيته بومبيو (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعلن بدء إنهاء المعاملة الخاصة الممنوحة لهونغ كونغ

الرئيس ترمب مع وزير خارجيته بومبيو (أ.ف.ب)
الرئيس ترمب مع وزير خارجيته بومبيو (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدء إلغاء الإعفاءات الممنوحة لهونغ كونغ، موجهاً إدارته للبدء في عملية إنهاء المعاملة الخاصة لهذه المنطقة رداً على خطط الصين لفرض قانون أمني جديد فيها. واتهم الرئيس الأميركي الصين بأنها «لم تلتزم بكلمتها» حول الحكم الذاتي في هونغ كونغ. كما اتهمها بخرق التزاماتها مع بلاده وبسرقة الملكية الفكرية وتهديد الملاحة في بحر الصين وتقويض الحريات في هونغ كونغ وخرق التزاماتها بموجب المعاهدة الموقعة مع بريطانيا عام 1997 والتي تمنح هونغ كونغ نوعاً من الحكم الذاتي.
وقال ترمب للصحافيين أمس: «نحن كنا نريد بناء علاقات استراتيجية مع الصين لكنها دأبت على خرق التزاماتها معنا والعالم الآن يعاني من تصرفات الصين ومن تفشي وتسرب الوباء من مدينة ووهان الصينية». وكرر تصريحاته حول التجارة مع الصين، مشيراً إلى خسارة الولايات المتحدة مئات المليارات من الدولارات نتيجة سياسات الإدارات الأميركية السابقة. وقال ترمب أيضاً: «نعلق اليوم دخول بعض رعايا الصين الذين نعتبر أنهم يشكلون خطرا محتملا على الأمن»، مؤكداً بدء إلغاء الإعفاءات الممنوحة لهونغ كونغ.
وقد اشتعلت التوترات بين واشنطن وبكين وتصاعدت على مدى السنوات الثلاث الماضية ما بين صراع اقتصادي وتجاري بين أكبر اقتصادين بالعالم وخلافات حول التعريفات، وبين اشتباكات حول شركة الاتصالات «هواوي»، وتدفق التكنولوجيا واتهامات حول سرقة الملكية الفكرية. وأخذ الصدام مواقف حول حقوق الإنسان وحرية الصحافة وطرد صحافيين من الجانبين. وأخذ إقرار الهيئة التشريعية الصينية لقانون الأمن الوطني المتعلق بالأساس بهونغ كونغ تلك التوترات إلى مستوى جديد مع حشد أميركي لدول عدة للوقوف في وجه الصين، من أبرزها بريطانيا، وأستراليا، وكندا. وقال المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض لاري كودلو، للصحافيين صباح الجمعة، إن الناس في هونغ كونغ غاضبون ويطالبون حكومة الولايات المتحدة بالتصرف، وأضاف «سأستخدم كلمة الغضب فقط في مقابل ما فعلته الصين في الأيام والأسابيع والأشهر الأخيرة، إنهم لم يتصرفوا بشكل جيد وفقدوا الثقة في كل العالم الغربي». وأشار مسؤول اقتصادي سابق بالبيت الأبيض، إلى أن الرئيس ترمب يحب زيادة التعريفات، وهي إحدى الأدوات التي سيكون لها تأثير على الأسواق المالية وسيكون هناك خطوات ومقترحات لزيادة إضعاف العلاقات المالية الصينية. في حين صرح ستيفن بانون، كبير المحللين الاستراتيجيين السابق في البيت الأبيض، بأن شطب الشركات الصينية من البورصات الأميركية ستكون هي الخطوة الأولى في قائمة من الرد الأميركي على الصين. وقدم مسؤولون بالبيت الأبيض قائمة طويلة من الخيارات العقابية التي يمكن للرئيس الأميركي إقرارها. ووفقاً لبعض التسريبات، كان من بين تلك الخيارات إلغاء الامتيازات التجارية الأميركية وبمقترحات لفرض بعض العقوبات المالية، وتحركات دولية لخنق رأس المال الصيني في الأسواق المالية، وهو التحرك الذي يعد أكبر تحدٍ للاقتصاد الصيني الذي لا يزال يعتمد إلى حد كبير على النظام المالي الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. وهناك بعض الأفكار في إلغاء تأشيرات دخول الآلاف من الطلاب الصينيين إلى الولايات المتحدة، وفرض عقوبات مالية على المسؤولين الصينيين المتورطين في قمع الاحتجاجات في هونغ كونغ والمتورطين في انتهاكات لحقوق الإنسان أو تشريع القانون الجديد للأمن القومي المثير للجدل. وأشار وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو إلى أن ترمب يبحث طرد طلاب الدراسات العليا الصينيين الذين يعتقد أنهم ينتمون إلى جيش التحرير الشعبي والكيانات ذات الصلة، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، إن «الطلاب الصينيين لا ينبغي أن يكونوا هنا في المدارس الأميركية للقيام بالتجسس».
وسيوثر إقدام الولايات المتحدة على فرض قيود على الاستثمار على قدرة الاقتصاد الصيني في الحصول على الدولار، وهو العملة التي يحتاج إليها لسداد الديون وصفقات الشركات المتنوعة من شراء النفط وشراء المواد الغذائية إلى شراء التكنولوجيا وشرائح الكومبيوتر والهواتف. وقد افتتحت مؤشرات ستاندرد اند بورز وداو جونز الأميركية صباح الجمعة على انخفاضات في رد فعل على التوقعات بعقوبات أميركية ضد الصين، وسادت الأسواق حالة من الحذر بين المتعاملين ترقباً لردود الفعل من الصين على خطوات أميركا.
وحذرت مراكز بحثية كثيرة من أن إشعال حرب مالية بين الولايات المتحدة والصين سيكون لها نتائج كارثية على العالم بأكمله، وأشار بعض الخبراء إلى أن إقدام ترمب على فرض عقوبات على الصين في المجال المالي سيتسبب في توترات في الأسواق المالية؛ لأن مثل هذه الحرب ستتجاوز الأسواق الصينية والأميركية، ولا يمكن لأي دولة متقدمة أن تحمي أنظمتها المالية من الصدمات، خاصة في ظل تفشي وباء «كوفيد – 19» وتأثيراته الاقتصادية السلبية على الاقتصاد العالمي. وطالب محللون إدارة ترمب بالتفكير في العواقب قبل اتخاذ أي خطوة متهورة قد تتسبب في زيادة المخاطر في السوق. وقبل أيام عدة مرر مجلس الشيوخ بالإجماع مشروع قانون يطالب الشركات الصينية المدرجة في بورصات الأوراق المالية الأميركية بتوفير الشفافية بشأن مواردها المالية وملكيتها، وفي حال إقرار مشروع القانون في مجلس النواب أيضاً، فإن الخبراء يتوقعون أنه سيجبر عشرات الشركات الصينية على الانسحاب والإزالة من بورصة نيويورك وناسداك. وقبل تفشي وباء «كوفيد – 19»، كان الرئيس ترمب يقدم دعماً فاتراً للاحتجاجات المؤيدة للدمقراطية التي اجتاحت هونغ كونغ العام الماضي في خضم التفاوض على صفقة تجارية مع الصين، وحرض ترمب على عدم إدانة الصين من أجل الحفاظ على علاقته - التي وصفها بالدافئة والجيدة - مع الرئيس الصيني شي جينبينغ والحفاظ على الصفقة التجارية التي تم التوقيع على المرحلة الأولى منها في نهاية يناير الماضي.
وتدور في الأوساط الصينية نقاشات حول كيفية مواجهة الضغوط الأميركية والعقوبات المحتملة، وقد حذر وزير المالية الصيني السابق لو جيوي من تصعيد واشنطن خطواتها التكتيكية من زيادة التعريفات والقيود التكنولوجية، ودعا الشركات الصينية إلى الاستعداد لرفض حصولها على تمويل دولي وطالب بالتعجيل بتطوير عملة رقمية جديدة ونظام دفع عالمي بديل مع دول صديقة للصين، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، التي يتم التعامل معهم خارج نطاق العقوبات الأميركية.
ويهدد بعض المسؤولين الصينيين برد فعل انتقامي على أي خطوات عقابية أميركية بالإقدام على بيع ما قيمته 1.1 تريليون دولار من سندات الخزانة الأميركية، وما هو سيضر كلاً من الاقتصادين الأميركي والصيني على حد سواء.
من جانب آخر، يشير خبراء ماليون إلى طموحات الصين في تدويل عملتها اليوان، حيث أقرت 2 في المائة من جميع المعاملات العالمية أن تتم بالعملة الصينية ووضع الرئيس الصيني شي جينبينغ أولويات لتوطين الابتكار وخطط لتقليل الاعتماد على الدولار في المعاملات الدولية. لكن في الوقت الحالي يظل الدولار يمثل الدور المحوري في النظام المصرفي العالمي وقد تتعثر البنوك الصينية على الفور في حال أقدمت واشنطن على فرض عقوبات مالية ومصرفية ويوجد أكثر من 150 شركة صينية مدرجة في الأسواق المالية الأميركية وتصل قيمتها السوقية إلى أكثر من 1.2 تريليون دولار عام 2019 وفقاً لتقرير الكونغرس.
واتّهمت بكين الجمعة واشنطن بأخذ مجلس الأمن «رهينة»، وطالبت الدول الغربية بعدم التدخل. وتقود الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا الحملة ضد مشروع قانون الأمن القومي. والولايات المتحدة وبريطانيا حصلتا على تنظيم مناقشة غير رسمية في مجلس الأمن الدولي للمسألة الجمعة في اجتماع مغلق عبر خدمة الفيديو، وفق ما أكدت مصادر دبلوماسية لوكالة الصحافة الفرنسية. واتهمت الدولتان في بيان مشترك مع كندا وأستراليا بكين بانتهاك التزاماتها تجاه هونغ كونغ وسكانها البالغ عددهم سبعة ملايين نسمة. وعبّرتا عن «قلقهما العميق» حيال هذا القانون الذي «سيحدّ من حريات الشعب» و«سيُضعف (...) بشكل مأساوي الاستقلالية والنظام اللذين جعلا (المنطقة) مزدهرة إلى هذا الحدّ». وأعلنت الصين الجمعة أنها احتجت رسمياً لدى العواصم الأربع.
وقال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، إنه في حال لم تتراجع بكين، ستغيّر لندن في الشروط المرتبطة بـ«جواز السفر البريطاني لما وراء البحر» الذي سُلّم لسكان هونغ كونغ قبل إعادة المنطقة للصين عام 1997، ويوفر لهم امتيازات. لا يسمح هذا الجواز حالياً سوى بالإقامة ستة أشهر في المملكة المتحدة، وقال راب لشبكة «بي بي سي»، إنه سيتم تمكين حاملي الجواز من القدوم للبحث عن عمل أو الدراسة في البلاد «لفترات قابلة للتمديد لـ12 شهراً». بدوره، دعا وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الجمعة، للحوار عوض فرض عقوبات على الصين. كما اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أمس لمناقشة التحرك الأخير لبكين. ويأتي هذا بعد أن أشار وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إلى أن من المرجح المضي قدماً في عقد قمة رفيعة المستوى مع الصين رغم ذلك.
وحذر الاتحاد الأوروبي في بيان مؤخراً قائلاً، إنه يولي «أهمية كبيرة» للحفاظ على درجة عالية من الحكم الذاتي في هونج كونج. ومع ذلك، يتصرف التكتل الأوروبي بحذر، وذلك بسبب علاقاته الاقتصادية المهمة مع الصين، ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.