ألمانيا «تتنفس» مع مغادرة سفير واشنطن «غير الدبلوماسي»

ألمانيا «تتنفس» مع مغادرة سفير واشنطن «غير الدبلوماسي»

تحدثت عن «إعادة العلاقات» إلى سابق عهدها
الثلاثاء - 3 شوال 1441 هـ - 26 مايو 2020 مـ رقم العدد [ 15155]
السفير الأميركي في برلين ريتشارد غرينل (أ.ف.ب)
برلين: راغدة بهنام

يفضل السفير الأميركي في برلين ريتشارد غرينل التواصل عبر «تويتر»، كما يعمل مثله الأعلى رئيسه دونالد ترمب. وهكذا قرر، عن طريق شبكة التواصل الاجتماعي، أن يعلن استقالته من منصبه بمشاركة مقال من «فوكس نيوز» يتحدث فيه عن قراره عدم العودة لبرلين، وليس في بيان رسمي صادر عن السفارة الأميركية. خياره بهذه الطريقة يختصر كثيراً عن هذا الدبلوماسي الذي سمته دير شبيغل «ترمب الصغير» منذ تسلمه منصبه في برلين قبل عامين، قضاهما بإثارة كثير من الجدل بسبب أسلوبه «غير الدبلوماسي»… وبدأهما بتغريدة على «توتير» وتّرت العلاقات، حتى قبل أن يتسلم منصبه رسمياً. حينها غرّد بعيد صدور قرار واشنطن الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، داعياً الشركات الألمانية للانسحاب من طهران و«إلا فإنها ستواجه عقوبات أميركية». «تهديداته» تلك دفعت ببعض السياسيين للدعوة إلى طرده قبل وصوله. ولم تكن هذه إلا بداية عامين من «الكراهية» بناها غرينل حول نفسه في ألمانيا. حتى قبل أن يعلن قرار مغادرته رسمياً، بدأت أحزاب ألمانية تحتفل بمغادرته، وتتحدث عن «إعادة العلاقات» أخيراً إلى سابق عهدها مع الولايات المتحدة. وقال مسؤول السياسة الخارجية لدى حزب الخضر، أوميد نوريبور، إن «غرينل لطالما كان مهتماً بشكل أساسي بمهام أخرى تربطه في واشنطن، لذلك فإن استقالته منطقية». وقال رئيس كتلة «دي لينكا» اليسارية، النائب ديتمار بارش، إن «وجود سفير أميركي في ألمانيا ليس سياسياً كخليفة لغرينل، قد يساعد بشكل كبير» على إعادة العلاقات الألمانية - الأميركية.

ولكن غرينل كان سريعاً بالرد، وعبر «تويتر» كذلك. فقد كتب رداً على تغريدة لخبير ألماني متخصص بالعلاقات الألمانية الأميركية، يقول: «خطأ كبير إذا كنت تعتقد أن الضغط الأميركي (على ألمانيا) سيزول. لا تعرف الأميركيين». الردّ كان على تغريدة للخبير، شارك فيه مقالاً يتحدث عن مغادرة غرينل، وكتب فوقه تعليقاً يقول: «خروج غرينل. ألمانيا تتنفس الصعداء».

ورغم الانتقادات الكبيرة التي تعرض لها غرينل بسبب أسلوبه المباشر وغير الدبلوماسي، فإن كثيراً من النقد الذي كان يوجهه للحكومة الألمانية، كان يوجهه من قبل آخرين، حتى الشركاء الأوروبيين. وكثير من تلك الانتقادات كذلك، وجّهتها الإدارات الأميركية السابقة لألمانيا. لكن المقاربة كانت المختلفة.

فغرينل يفخر بأنه متعافٍ من السرطان، ويقول إن هذا أعطاه فرصة جديدة بالحياة، ولرؤية الأمور بشكل أوضح. وهو ما قد يكون واحداً من أسباب مقاربته المباشرة في التعاطي الدبلوماسي. كما أن طموحه السياسي لا يخفَ على أحد. فالرجل المقرب جداً من ترمب ويدير معاركه عنه في أوروبا، رُقي من قبل الرئيس الأميركي نفسه في فبراير (شباط) الماضي ليتسلم منصب القائم بأعمال مدير المخابرات الوطنية. فانتقل منذ ذلك الحين إلى واشنطن ولكنه أبقى على منصبه في برلين. ورغم أن منصبه في واشنطن كان مؤقتاً، وانتهى مع تثبيت الكونغرس جون راتكليف في المنصب الذي يتسلمه رسمياً اليوم. ورغم هذه الفترة القصيرة التي قضاها غرينيل مديراً بالوكالة للاستخبارات الوطنية، فقد حاول ترك بصمة، وتأكيد «ولائه» لترمب، من خلال رفع طابع السرية عن عدد من الوثائق التي تعود لفترة إدارة باراك أوباما، ما قوبل بانتقادات لاذعة من قبل الديمقراطيين الذين وصفوا تصرفات غرينل بأنها «غير مسبوقة وفاسدة».

لكن بالنسبة لترمب، فإن غرينل هو «نجم» أو «سوبر ستار» كما وصفه قبل بضعة أيام. وقد تسبب قراره البقاء في واشنطن وعدم العودة لبرلين رغم انتهاء مهمته مديراً بالوكالة للمخابرات الوطنية، بكثير من التخمينات حول المنصب الذي يسعى إليه في إدارة ترمب. حتى إن البعض بدأ يتحدث عن إمكانية تعيينه وزيراً للخارجية، في حال قرّر مايك بومبيو الترشح لمنصب في الكونغرس ومغادره منصبه الحالي. وفي أي حال، فهو يتمتع بخبرة كبيرة في السياسة الخارجية، فهو ترأس قسم التواصل الإعلامي في البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة لـ7 سنوات، بين العامين 2001 و2008. ومؤخراً تم تداول اسمه مراراً لمناصب مهمة في إدارة ترمب، كخليفة نيكي هايلي السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، ومستشار الأمن القومي بعد طرد جون بولتون. لكن ترمب كان دائماً يكرر، حتى فبراير الماضي عندما عيّنه مديراً بالوكالة للاستخبارات الوطنية، أنه يحتاجه في ألمانيا.

وبالفعل في ألمانيا، يقول غرينل إنه كان له الفضل في قرار برلين حظر «مهان إير» من السفر إلى ألمانيا، وأيضاً الضغوط الأميركية التي كان هو في واجهتها دفعت ألمانيا إلى زيادة اتفاقها العسكري، وكذلك قرار برلين حظر «حزب الله» مؤخراً. لكن كثيراً من «الخلافات» بقيت عالقة، رغم انتقادات غرينل المتكررة لها، مثل إصرار ألمانيا على السير قدماً بخط أنابيب الغاز الروسي «نورد ستريم 2»، وعدم فرض فيتو على شركة هواوي في حظوظها ببناء شبكة «5 جي» في ألمانيا، والعلاقة مع إيران، والدعوات الأميركية المستمرة لألمانيا بالانسحاب من الاتفاق النووي. لكن رغم رحيل غرينل، فإن هذ الضغوط باقية، كما قال هو.


المانيا المانيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة